issue17411

Issue 17411 - العدد Thursday - 2026/7/30 اخلميس OPINION الرأي 14 على أوروبا مواجهة الصين إلنقاذ التجارة الحرة دخلت الـواليـات املتحدة واالتـحـاد األوروبـــي في سـبـاق إلبـــرام اتـفـاقـات تـجـاريـة، فـي خضم تنافسهما على رسم مالمح النظام التجاري العاملي في املستقبل. من جهته، يبدو أن االتحاد األوروبــي يسعى إلى دعم الـقـواعـد الـتـجـاريـة الـراسـخـة، بينما تـحـاول الـواليـات املتحدة تعديل مـوازيـن الـتـجـارة الثنائية لصالحها. ولـــــدى كـــل مـنـهـمـا دروس يـمـكـن أن يـتـعـلّــمـهـا اآلخــــر: على الـواليـات املتحدة أن تتذكّر االستقرار والتعاون واملكاسب املشتركة، التي أفادتها مع اآلخرين، وعلى االتـــحـــاد األوروبـــــــي أن يــعــتــرف، كــمــا تـفـعـل الـــواليـــات املتحدة، بأن القواعد التقليدية للتجارة لم تعد تجدي عندما ال تلتزم الصني، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بهذه القواعد. خـــ ل الـسـنـوات الـخـمـس املـاضـيـة، وقّـــع االتـحـاد األوروبــي اتفاقيات تجارة حرة جديدة مع نيوزيلندا وكـــيـــنـــيـــا وأســــتــــرالــــيــــا ودول أمـــيـــركـــا الـــجـــنـــوبـــيـــة فـي «مـجـمـوعـة مــيــركــوســور» وســنــغــافــورة وإنـدونـيـسـيـا والـهـنـد. كـمـا أجـــرى تـحـديـثـات عـلـى اتـفـاقـيـات سابقة مـع تشيلي وأوكـرانـيـا، وحديثًا املكسيك. معًا، ترسم هذه االتفاقيات قواعد تمس نحو ثلث الناتج املحلي اإلجمالي العاملي. تـــــهـــــدف هـــــــذه االتـــــفـــــاقـــــيـــــات إلـــــــى الــــحــــفــــاظ عــلــى النظام القائم على القواعد، الـذي خـدم الـقـارة لعقود. وتتوافق االلـتـزامـات بخفض الـرسـوم الجمركية على الــســلــع، وفــتــح أســــواق الــخــدمــات، مــع قــاعــدة املعاملة األكــثــر تـفـضـيـ الـخـاصـة بمنظمة الــتــجــارة الـعـاملـيـة، مـــا يـــعـــود بــالــنــفــع عــلــى جـمـيـع الـــشـــركـــاء الــتــجــاريــ . وترسخ قوانني حماية العمال معايير العمل الدولية؛ وتـسـتـنـد االلـــتـــزامـــات املـرتـبـطـة بـالـحـفـاظ عـلـى البيئة إلــى اتفاقية بـاريـس وغيرها مـن االتفاقيات املتعددة األطــــراف. وتـؤكـد الـبـنـود الرقمية على الـحـريـة اآلمنة لتداول املعلومات بني الشركاء، من خالل حظر توطني البيانات، ومنع فرض رسوم جمركية على اإلرسـاالت اإللــكــتــرونــيــة، وحــمــايــة املستهلكني وخصوصيتهم. وتـركـيـز صـفـقـات املـــعـــادن االسـتـراتـيـجـيـة عـلـى تقليل نـقـاط ضـعـف سـ سـل الــتــوريــد، يـضـع مـبـدأ الـوصـول املـتــكــافــئ واألســــعــــار غــيــر الـتـمـيـيـزيـة ســبــيــ لحماية الشركات األوروبية الراغبة في االستثمار في التعدين والتكرير أو شراء مخرجاتهما. وبـطـبـيـة الـــحـــال، سـعـت أوروبـــــا حـثـيـثـ لتحقيق مـصـالـحـهـا. ودفـــعـــت بــقــوة نـحـو املــنــاقــصــات الـعـامـة، مـشـددة على إتـاحـة الـوصـول املتكافئ أمـــام شركاتها بــالــعــقــود الــحــكــومــيــة والـــفـــيـــدرالـــيـــة. وأضــــافــــت مـئـات املنتجات إلى قائمة ما يُعرف بـ«املؤشرات الجغرافية»، لضمان أن يُصنع نبيذ ريــوخــا، ولـحـم بــارمــا، وجنب روكـفـور، وغيرها من املنتجات الشهية داخــل أوروبــا حتى تحمل اسمها في الدول الشريكة. وأضحى لرأس املـــــال واالســـتـــثـــمـــارات األوروبــــيــــة مــحــاكــم اسـتـثـمـاريـة رسمية يمكن لشركاتها اللجوء إليها في حال نشوب نزاع. وتتباين هذه الخطوط األساسية مع تلك الواردة في «اتفاقيات التجارة املتبادلة»، التي وقعتها إدارة ترمب مـع األرجنتني وإندونيسيا وماليزيا وتـايـوان وخمس دول أخــرى. وبطبيعتها، تتسم هـذه القواعد األمـــيـــركـــيـــة بــالــتــمــيــيــز، إذ تــتــعــامــل مـــع الــــــدول بشكل مختلف، بحسب التنازالت التي تقدمها. وال تولي هذه االتفاقيات اهتمامًا يذكر للمناقصات العامة، أو آليات تسوية الـنـزاعـات، أو سبل تعزيز صـــادرات الشركات الـصـغـيـرة، أو تـدابـيـر مكافحة الـفـسـاد لتحسني بيئة األعـمـال املحلية. وبما أنها تصدر بـقـرارات تنفيذية، تظل قابلة للتغيير لتتماشى مع أهداف اإلدارة املتبدلة ومنطقها وحتى تقلباتها. وتــفــتــقــر االتـــفـــاقـــيـــات األمـــيـــركـــيـــة الـــجـــديـــدة إلـــى مزايا االبتكارات األوروبـيـة داخـل إطـار نظام ترسّخه املعاهدات؛ فمحكمة استثمارية ملزمة باتفاقية تشكّل حال مبتكرًا للعدالة املحلية املموّهة سياسيًا. ويمكن إلتاحة الوصول األفضل إلى عقود املناقصات العامة، أن تفتح أســواقــ جــديــدة تــســاوي مـئـات املــلــيــارات من الــدوالرات أمـام الشركات األميركية. وبعد سنوات من الجهد املضني (اســأل دول «ميركوسور»)، توفر هذه االتفاقيات صالبة للشركات، واملستثمرين الراغبني في توسيع حضورهم ومبيعاتهم على الصعيد العاملي. ومع ذلك، ال تسهم اتفاقيات أوروبـا إال قليال في حمايتها أو حماية شركائها مـن أكبر تهديد منفرد لــقــواعــد الـــتـــجـــارة الــعــاملــيــة: الـــصـــ . يـــذكـــر أن صـافـي صــــادرات الـصـ تـجـاوز تريليون دوالر أمـيـركـي عام فــي املــائــة أخــــرى فــي الـربـع 15 ، وارتـــفـــع بنسبة 2025 . الــشــهــر املـــاضـــي، بــلــغ فـائـضـهـا 2026 األول مـــن عــــام الـتـجـاري مـع االتـحـاد األوروبــــي رقـمـ قياسيًا جـديـدًا. وتــســيــطــر الـــشـــركـــات الــصــيــنــيــة بــشــكــل مـــتـــزايـــد عـلـى صناعات التكنولوجيا املتقدمة، بما في ذلك السيارات واالتــصــاالت ومـعـدات البناء والـبـطـاريـات والـطـائـرات املــســيّــرة واملـــــواد الكيميائية املـتـخـصـصـة، فــضــ عن صناعات املنسوجات واأللـعـاب واألثـــاث التي تتطلب عمالة كثيفة. وال يــقــتــصــر هـــــذا الـــتـــوســـع فــــي نـــطـــاق الـهـيـمـنـة الصينية عـلـى قـطـاع التصنيع عـلـى وفــــورات الحجم والـنـطـاق فحسب؛ فقد اشتكت دول غربية منذ فترة طويلة مـن سـرقـة امللكية الفكرية ونـقـل التكنولوجيا الــــقــــســــري. ومــــــع ذلــــــــك، تـــظـــل الـــحـــقـــيـــقـــة أن الــهــيــمــنــة الصينية على الــصــادرات، تعتمد على أكثر مـن ذلـك؛ إذ توفر اإلعـانـات الواسعة النطاق إمكانية الوصول إلـــى األراضـــــي واألمــــــوال بـأسـعـار زهـــيـــدة، عــــ وة على اإلعـــــفـــــاءات الــضــريــبــيــة، واألســــــــواق املــحــمــيــة. ويُـــقـــدّر 4.4 صندوق النقد الدولي أن الحكومة الصينية تُنفق في املائة من الناتج املحلي اإلجمالي على هذا الدعم، أي مـا يقرب مـن ثالثة أضـعـاف مـا تُنفقه أوروبـــا على قــطــاع األعـــمـــال لـديـهـا، وأضـــعـــاف مــا تُــنـفـقـه الحكومة األميركية. وعـــلـــى عـــكـــس أوروبـــــــــا، فـــــإن اتـــفـــاقـــيـــات الـــتـــجـــارة األميركية الجديدة تُشكّل تحديًا للصني. يتفق شركاء الواليات املتحدة التجاريون في العموم على ضرورة تــشــديــد قـــواعـــد املـــنـــشـــأ، ملــنــع إعــــــادة شــحــن الـبـضـائـع الصينية، ومن ثم منعها من تجاوز الرسوم الجمركية األميركية املرتفعة. كما يتولون فحص االستثمارات القادمة من دول ثالثة (تحديدًا الصني) في القطاعات الحيوية أو الحساسة، ويطبقون ضـوابـط التصدير األميركية على املبيعات لـأفـراد أو الشركات املدرجة على القوائم السوداء األميركية (معظمهم صينيون)، ويـــفـــرضـــون قــــوانــــ الـــعـــمـــل الـــقـــســـري األمـــيـــركـــيـــة فـي اقتصاداتهم (ضد شينغيانغ، من بني مناطق أخرى)، ويـــقـــيـــدون الـــــــــواردات مـــن دول ثــالــثــة (مـــثـــل الـــصـــ )، ألسباب اقتصادية أو تتعلق باألمن الوطني األميركي، ويسمحون للواليات املتحدة باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد أي اتفاقيات تجارية جديدة مع أي «دولة ثــالــثــة» تــقــوض املــصــالــح األمــيــركــيــة (وهـــــذه األخــيــرة تشمل الصني). أما أوروبــا، فتسعى لحماية مصنعيها بوسائل أخـرى. على سبيل املثال، أطلقت حديثًا عـددًا قياسيًا من تحقيقات مكافحة اإلغراق والدعم، وفرضت رسومًا جمركية على الكثير من الشركات وفي قطاعات عديدة. كـمـا ابـتـكـرت أدوات ملـنـع الـشـركـات الـتـي تتلقى دعمًا أجنبيًا من املنافسة على العقود العامة، وفرض رسوم جمركية على الـــدول األخـــرى ملمارساتها الـعـدوانـيـة، وفرض ضرائب على املنتجات التي أصبحت أرخص، بـفـضـل مـعـايـيـر انــبــعــاثــات الــكــربــون املـتـسـاهـلـة. ومـع ذلـــك، فقد أثبتت هــذه اإلجــــراءات أنـهـا بطيئة للغاية، ومحدودة النطاق، وغير متجانسة، أو مثيرة لالنقسام لدرجة تفقدها فاعليتها. اليوم، يدعو البعض إلى فرض تعريفة جمركية » ملواجهة املمارسات 301 أوروبــيــة، على غــرار «املـــادة الــتــجــاريــة غـيـر الــعــادلــة بـشـكـل أســــرع وأكـــثـــر شــمــوالً. ويـقـتـرح آخـــرون تحديد نسبة املـنـتـجـات، الـتـي يمكن استيرادها من دولة واحدة، على نحو يجبر املشترين عـلـى تـنـويـع مــصــادرهــم، بـعـيـدًا عــن عـمـ ق التصنيع الصيني. بل إن البعض يقترح فرض تعريفات جمركية على البضائع الصينية، إلى حني تحسن وضع اليوان الـصـيـنـي. وتـشـكـل هـــذه خــطــوات أولــيــة قــد تـسـهـم في معالجة االختالالت التجارية املتزايدة. بيد أنـه عبر االمتناع عن معالجة سلوك الصني فــي اتـفـاقـيـاتـهـا الــتــجــاريــة، يُــخـفـي االتـــحـــاد األوروبــــي ســ حــه الــتــجــاري األقـــــوى. املــؤكــد أن وضـــع الـشـركـات األوروبـــيـــة سـيـكـون أفــضــل لــو تــعــاونــت مــع شركائها التجاريني، الذين تعاني اقتصاداتهم هي األخـرى من آلة التصدير الصينية املدعومة. إن تطبيق الضمانات على نطاق أوسـع بني الــدول سيترك تأثيرًا بالتأكيد. وبالتأكيد تزداد فاعلية القيود املفروضة على صادرات دولة إذا منعت كذلك من إعادة الشحن عبر دولة أخرى. ومن املرجح أن تستجيب بكني ملطالب رفع قيمة العملة الصينية، إذا شاركت أسواق أوسع. ومــــــع تـــــراجـــــع الــــــواليــــــات املــــتــــحــــدة عـــــن دفـــاعـــهـــا املستميت عن النظام التجاري القائم على القواعد، يقع على عاتق أوروبا عبء أكبر في مواجهة من يتالعبون بـهـذه الــقــواعــد، وإقـصـائـهـم. وسـيـكـون نجاحها أكبر بكثير إذا استطاعت حشد الـقـوة االقتصادية ملـن هم على استعداد إلبداء االلتزام نفسه. * باالتفاق مع «بلومبرغ» *شانون أونيل خيوط الحرب الخفية في السودان لـم يعد خافيًا حجم التدخالت الخارجية في الــحــرب الـــدائـــرة فــي الـــســـودان، فـقـد وثّــقـتـهـا تقارير دولــــيــــة رســـمـــيـــة وإعــــ مــــيــــة عـــــديـــــدة، كـــمـــا تــحــدثــت عنها الحكومة السودانية مـرارًا ودعمت تقاريرها وشـــكـــاواهـــا إلــــى مــجــلــس األمـــــن الــــدولــــي بــالــصــور والوثائق عن استمرار تدفق السالح واملقاتلني إلى «قـوات الدعم السريع». ومع ذلك، ظلت ردود الفعل الدولية، محدودة، ولم ترتق إلى مستوى اإلجراءات الــكــفــيــلــة بـــوقـــف الـــتـــدخـــ ت ومـــنـــع تـــدفـــق الـــســـ ح واملرتزقة، ألن حسابات املصالح كانت هي الطاغية. وجــــــاء تـــقـــريـــر وكــــالــــة «رويـــــتـــــرز» أمـــــس بــشــأن » مـرتـبـطـة بشبكة 727 طـــائـــرات مـــن طــــراز «بــويــنــغ أعـــمـــال أحــــد املــتــعــاقــديــن الــعــســكــريــ األمــيــركــيــ املـتـقـاعـديـن، والــتــي ذُكــــر أنــهــا اسـتـخـدمـت فــي نقل مرتزقة وأسلحة وطــائــرات مسيرة لصالح «قــوات الـدعـم الـسـريـع»، بمثابة تأكيد لتقارير سابقة من الوكالة ذاتها، ومن وكاالت أنباء وشبكات إخبارية ومـراكـز أبـحـاث ومنظمات دولـيـة. فقد سلطت تلك التقارير الضوء، مدعومة بالوثائق وصور األقمار االصــطــنــاعــيــة، عــلــى حــجــم الـــتـــدخـــ ت الــخــارجــيــة، واألطراف املنخرطة فيها، ودور بعض دول الجوار بوصفها ممرات لهذه اإلمدادات، وقواعد لوجستية للتدريب. الـــجـــديـــد فـــي مـــوضـــوع «رويـــــتـــــرز» أنــــه يسلط الـضـوء على مـسـودة تقرير أمـمـي مـن املـقـرر نشره فـــي سـبـتـمـبـر (أيـــلـــول) املــقــبــل، ويـتـضـمـن تفاصيل إضـافـيـة مـدعـومـة بمعلومات مـوثـوقـة وبـشـهـادات مصدرين في نياال ومـراسـ ت رسمية من دولتني، حـول نقل معدات عسكرية تشمل طـائـرات مسيرة، إضـافـة إلـى نقل مرتزقة ومقاتلني تابعني لــ«قـوات الدعم السريع». ومما ورد في مسودة التقرير الذي اطلعت عليه «رويــتــرز» أن الـطـائـرات كانت تنطلق مــن الـسـاحـة الـعـسـكـريـة بـمـطـار نـجـامـيـنـا، وتتخذ «خطوات متعمدة لتجنب رصدها أثناء التحليق» بــمــا فـــي ذلــــك إخـــفـــاء مــــســــارات اإلقــــــ ع والـــهـــبـــوط، وتـــفـــادي ســــ ح الـــجـــو الـــســـودانـــي الـــــذي كــــان ينفذ غـارات على مخازن السالح، وسبق أن أعلن تدمير طائرات في مطار نياال كانت تنقل عتادًا ومقاتلني من «قوات الدعم السريع». ورغــــم أن الـتـقـريـر الـجـديـد الــــذي أعـــدّتـــه لجنة الــخــبــراء املـكـلـفـة مـــن مـجـلـس األمــــن بـمـراقـبـة حظر ،2005 األســلــحــة املـــفـــروض عــلــى دارفــــــور مــنــذ عــــام يمثل إضـافـة مهمة إلــى رصـيـد املـعـلـومـات املوثقة بـــشـــأن الـــتـــدخـــ ت الـــخـــارجـــيـــة، فـــإنـــه لـــن يـــقـــود إلــى تـحـول جـــذري إزاء الـحـرب، أو إلــى اتـخـاذ إجـــراءات رادعة بحق األطراف املتورطة فيها. ويعود ذلك إلى تشابك املصالح الدولية واإلقليمية املرتبطة باألزمة الـسـودانـيـة، بما يجعل اإلرادة السياسية الـ زمـة لوقف هذه التدخالت غائبة أو محدودة. وفــي هــذا الـسـيـاق، تبرز املقابلة التي أجراها قـــبـــل أيــــــام الـــشـــيـــخ مـــوســـى هــــــ ل، رئـــيـــس مـجـلـس الصحوة وزعـيـم قبيلة املحاميد، مـع قناة «البلد» الـسـودانـيـة وكـشـف فيها أمـــورًا مهمة حــول طبيعة الحرب الدائرة اليوم، وأشـار إلى أن مخطط زعزعة الــســودان ومــحــاوالت تفكيكه وسـلـخ دارفــــور، ليس جـــديـــدًا. وتـــحـــدث عـــن لــقــاء مـــع املــبــعــوث األمــيــركــي 2006 األسبق للسودان الذي جاء إليه في نياال عام وعـرض عليه أمــواال تحت غطاء تنمية املناطق في دارفور، لكنه رأى أن الطرح كان يهدف، في جوهره، إلى مخطط عرض عليه وعلى قيادات قبلية أخرى لتشجيع قبيلة الـرزيـقـات على التمرد ضـد الدولة السودانية، بهدف تفكيكها إلى كيانات متعددة. وتـكـتـسـب هــــذه الــــروايــــة أهــمــيــة خــاصــة ألنـهـا تأتي في سياق مرحلة أعقبت توقيع اتفاقية السالم بني الحكومة السودانية والحركة 2005 الشامل عام الشعبية بقيادة جــون قـرنـق، وهــي االتفاقية التي مهّدت الستفتاء تقرير املصير في جنوب السودان، . وتفسير ذلــك أن 2011 وانـتـهـت إلــى انفصاله عــام الدول التي دعمت وشجعت انفصال الجنوب، كانت تـسـعـى فــي الــوقــت ذاتــــه إلـــى تــكــرار الـسـيـنـاريـو في دارفور. ويتقاطع هــذا الـتـصـور أيـضـ مـع تصريحات أدلــــى بـهـا الــجــنــرال والـسـيـاسـي األمــيــركــي الـسـابـق ، قال فيها إنه 2007 و 2003 ويسلي كالرك في عامي اطلع على مذكرة تتحدث عن خطة أميركية إلعادة سـبـتـمـبـر، تشمل 11 تـشـكـيـل املـنـطـقـة بـعـد أحـــــداث عددًا من الدول من بينها السودان والعراق وسوريا ولبنان. كما يستشهد أصحاب هذا الـرأي باملحاضرة الـــتـــي ألـــقـــاهـــا وزيــــــر األمــــــن الـــداخـــلـــي اإلســـرائـــيـــلـــي وتناول فيها الرؤية 2007 األسبق آفي ديختر عام االسـتـراتـيـجـيـة اإلسـرائـيـلـيـة لـلـتـعـامـل مــع املنطقة وتـــحـــديـــدًا فـــي ســبــع ســـاحـــات مـــن بـيـنـهـا الـــســـودان ومـــصـــر وفــلــســطــ ولـــبـــنـــان والــــــعــــــراق. وتـتـضـمـن تـــلـــك االســـتـــراتـــيـــجـــيـــة خـــــيـــــارات اســــتــــخــــدام الـــقـــوة والــدبــلــومــاســيــة، أو خـلـق الــفــوضــى وإثـــــارة الـفـن، وتــوظــيــف الــجــمــاعــات الــعــرقــيــة والــطــائــفــيــة وقـــوى املعارضة التي لديها استعداد للتعاون مقابل دعم وصولها للسلطة. وردًا عـــلـــى ســــــــؤال حــــــول أســـــبـــــاب االهـــتـــمـــام بـالـسـودان، أشـــار ديختر، بعد حديثه عـن التدخل اإلسرائيلي في الجنوب ودارفور، إلى أن التقديرات اإلسرائيلية منذ خمسينيات القرن املاضي، كانت تــرى أن الــســودان بما يمتلكه مـن مـــوارد ومساحة شـاسـعـة وعــــدد ســكــانــه، ال يـنـبـغـي أن يـتـحـول إلـى قوة إقليمية مضافة للقوى التي يمكن أن تؤثر في موازين القوى باملنطقة وتهدد إسرائيل. في املحصلة، فإن الحقائق التي تؤكدها تقارير دولـــيـــة حــــول أبـــعـــاد وحـــجـــم الـــتـــدخـــ ت الـخـارجـيـة فـي الــســودان، إلــى جـانـب روايـــات عــدد مـن الشهود الـــفـــاعـــلـــ الـــحـــالـــيـــ ، واملــــســــؤولــــ والــســيــاســيــ الـــســـابـــقـــ ، تــســلــط الــــضــــوء عـــلـــى جــــوانــــب يــرفــض الـبـعـض رؤيــتــهــا فـــي الـــحـــرب الـــراهـــنـــة، وارتـبـاطـهـا بمخاطر ومـخـطـطـات التفكيك والتقسيم الـتـي لم تتوقف. عثمان ميرغني أشياء ال تحدث إال في نيجيريا فـــي بــلــد يُــــوصَــــف بـــأنـــه أكـــبـــر اقـــتـــصـــاد فـــي غــرب أفــريــقــيــا، والــبــلــد األكـــثـــر ســكــانــ فـــي أفــريــقــيــا، اعــتــاد النيجيريون على املـفـارقـات. لكن القضاء النيجيري ينظر هــذه األيـــام فـي قضية تــجــاوزت حـــدود الخيال الــســيــاســي واإلداري؛ رجــــل مــتــهــم بــتــأســيــس وكــالــة حكومية ال وجود لها، وتعيني نفسه مديرًا عامًا لها، والــحــصــول عـلـى مـكـتـب داخــــل املـجـمـع الـحـكـومـي في أبوجا، وفتح عشرات الحسابات املصرفية باسمها، والـظـهـور أمــام سـفـراء ومـسـؤولـ كما لـو كــان ممثال رســمــيــ لـــلـــدولـــة. واألدهــــــى أن هــــذه الـهـيـئـة الـوهـمـيـة وجــــدت طـريـقـهـا إلــــى مـــشـــروع مــيــزانــيــة الـــدولـــة لـعـام ، بمبلغ يقترب من املليون دوالر أميركي، قبل أن 2026 تنكشف القصة. اشـتـهـر الـنـيـجـيـريـون بعمليات احـتـيـال عاملية، ظـلَّــت عـالـقـة فــي أذهــــان الــنــاس بسبب الــذكــاء العالي الذي يقترب من الخيال، ولعل من أشهر هذه القصص الرجل الذي يدعى إيمانويل نـوودي، الذي أقنع بنكًا ، بشراء حقوق بناء مطار وهمي 1998 برازيليًا، عـام 242 فــي الـعـاصـمـة النيجيرية أبـــوجـــا، وســـرق منهم مـلـيـون دوالر، منتحال صـفـة مـحـافـظ الـبـنـك املـركـزي النيجيري! ولكن القصة التي تهز نيجيريا هذه األيـام أكثر غرابة، ألن الضحية كانت نيجيريا نفسها، والجاني شــخــص يـتـمـتـع بـــجـــرأة اسـتـثـنـائـيـة، كــشــف هـشـاشـة منظومة الرقابة داخل مؤسسات الدولة؛ فحتى أكثر املحتالني مهارة ال يستطيعون وحدهم اخـتـراق هذا العدد من الحواجز اإلداريـــة، والحصول على مكاتب رسـمـيـة، وفــتــح حـسـابـات مـصـرفـيـة، وإجـــــراء لــقــاءات دبـلـومـاسـيـة، لــوال وجـــود ثـغـرات كبيرة فـي منظومة التحقُّق والتنسيق بني املؤسسات. إنها قصة تبدو أقرب إلى سيناريو فيلم ساخر منها إلى واقع دولة بحجم نيجيريا؛ ففي الدول التي تعمل مؤسساتها بـكـفـاءة، يكفي اتــصــال هـاتـفـي أو رسالة إلكترونية للتحقُّق من صفة أي مسؤول. أما في هذه القضية، فقد استمرت الوكالة الوهمية في العمل تـحـت اســـم «مـجـلـس االسـتـثـمـار األجـنـبـي الـرئـاسـي» ألكثر مـن عــام، ووجـهـت مـراسـ ت رسمية للحكومة، من أبرزها طلب وثيقة دبلوماسية رسمية من وزارة الــخــارجــيــة الـنـيـجـيـريـة لتسهيل تــأشــيــرات أمـيـركـيـة ملــوظــفــيــه، كــمــا عـــقـــدت اجــتــمــاعــات رســـمـــيـــة، وأوحــــت لشركاء أجانب بأنها تمثل الرئاسة النيجيرية. واألخـــــطـــــر أن الـــقـــضـــيـــة ال تــــطــــرح ســــــــؤاال حـــول الشخص املتهم وحده، بل حول النظام اإلداري بأكمله. كـيـف مــــرَّت الــوثــائــق؟ ومَــــن مـنـح املـكـتــب؟ ومـــن سمح بفتح الحسابات؟ ومن لم يطرح السؤال البسيط: هل هذه املؤسسة موجودة أصالً؟ هذا هو السؤال الحقيقي الذي يقلق النيجيريني اليوم، خصوصًا مع اقتراب االنتخابات العامة، حيث إن القضية التي ستعقد أولى جلساتها أمام املحكمة بـعـد أســبــوعــ ، تـحـولـت إلـــى مـــادة سـيـاسـيـة تتبادل فيها الحكومة واملـعـارضـة االتـهـامـات، بينما يطالب كثيرون بتحقيق مستقل يكشف ما إذا كانت املسألة مــجــرد احــتــيــال فــــردي أم أن هــنــاك مــتــواطــئــ داخـــل أجهزة الدولة. ورغم أن الرئاسة سارعت إلى نفي أي عالقة لها بالهيئة املــزعــومــة، وأكــــدت أن الـتـوقـيـعـات واألخــتــام املستخدَمة كانت مزورة، وأمرت بفتح تحقيق شامل، فــــإن الـــضـــرر املــعــنــوي وقــــع بــالــفــعــل؛ فـــصـــورة اإلدارة العامة اهتزت أمام املواطنني وأمام الشركاء الدوليني، ألن نجاح املحتال لـم يكن فـي تـزويـر األوراق، بـل في إقـــنـــاع مــؤســســات رسـمـيـة بـالـتـعـامـل مـعـه بـاعـتـبـاره مسؤوال حقيقيًا. لــــطــــاملــــا اشــــتــــهــــرت نـــيـــجـــيـــريـــا بـــــــــروح املـــــبـــــادرة واالبـتـكـار، وهــي بلد أنـجـب أكـبـر صناعة سينمائية في أفريقيا وأحد أكثر قطاعات التكنولوجيا حيوية في القارة. لكنها في املقابل عانت لعقود من الفساد والبيروقراطية وضعف الحوكمة، وهي عوامل تسمح أحيانًا بوقوع أحداث يصعب تصديقها. ولـــعـــل املـــفـــارقـــة أن هــــذه الــقــضــيــة ال تـــســـيء إلــى نـيـجـيـريـا، بــقــدر مــا تــقــدم لـهـا فــرصــة نــــادرة ملـراجـعـة مـؤسـسـاتـهـا؛ فـــالـــدول ال تُــقــاس بــعــدد األخـــطـــاء التي تقع فيها، وإنما بقدرتها على اكتشافها ومحاسبة املسؤولني عنها ومنع تكرارها. عبد هللا ولد محمدي الدول ال تُقاس بعدد األخطاء التي تقع فيها، وإنما بقدرتها على اكتشافها ومحاسبة المسؤولين عنها

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==