issue17410

5 تحقيق FEATURES Issue 17410 - العدد Wednesday - 2026/7/29 األربعاء ASHARQ AL-AWSAT واشنطن تضبط ساعة الشرق األوسط على توقيتها... إسرائيل حليف ال قائد لم تعد العالقة األميركية - اإلسرائيلية تُقاس بحجم السالح الـذي تمنحه واشنطن لــتــل أبـــيـــب فــحــســب، وال بـــعـــدد املــــــرات الـتـي تحميها فيها داخـل املؤسسات الدولية، بل أصــبــح االخــتــبــار الـحـقـيـقـي الـــيـــوم فـــي مـكـان آخر: من يملك فعال حق رسم نهاية الحروب وترتيب الخرائط بعدها؟ فـالـذي يطفو على سطح الـعـ قـة ليس انـشـقـاقـ اسـتـراتـيـجـيـ وال تــراجــعــ أميركيًا عن االلتزام بأمن إسرائيل، بل صراع متزايد على حدود القوة، وعلى الجهة التي ستقرر شكل النظام اإلقليمي بعد سلسلة الحروب التي أعادت فتح ملفات الشرق األوسط كلها دفعة واحدة. فـــــإدارة الــرئــيــس دونـــالـــد تــرمــب ال تــزال تسلّح إسرائيل وتحميها سياسيًا، وتنسق معها عسكريًا في الحرب على إيــران، لكنها لــــم تـــعـــد مـــســـتـــعـــدة ملـــنـــح حـــكـــومـــة بــنــيــامــن نـــتـــنـــيـــاهـــو حــــــق تــــقــــريــــر تــــوقــــيــــت الـــــحـــــروب ونهاياتها، أو تعطيل عالقات واشنطن مع تــركــيــا والـــســـعـــوديـــة ودول الــخــلــيــج ومـصـر والـــعـــراق وســـوريـــا ولــبــنــان. بــهــذا املـعـنـى، ال تـواجـه إسـرائـيـل خصمًا أميركيًا، بـل حليفًا قرر أن يستعيد موقع القيادة. من يقود سياسة الشرق األوسط؟ هذا التحول يدحض املقولة الرائجة بأن تل أبيب هي التي تقود السياسة األميركية فــــي الــــشــــرق األوســـــــــط. تــســتــطــيــع إســـرائـــيـــل الـتـأثـيـر فــي الـــقـــرارات األمـيـركـيـة، وقـــد تدفع واشــنــطــن نـحـو خـــيـــارات لـــم تـكـن فـــي مقدمة أولــويــاتــهــا، لـكـن الــوقــائـع األخــيــرة تظهر أن اإلدارة األمـــيـــركـــيـــة تــحــتـفـظ بـســلـطـة ضـبـط اإليـقـاع وفــرض التسويات عندما تتعارض األجندة اإلسرائيلية مع املصالح األميركية األوســـع، مـن أمـن الـقـوات واألســـواق والطاقة إلى تماسك حلف شمال األطلسي ومستقبل النفوذ األميركي في املنطقة. وتــتــجــســد هـــــذه الــحــقــيــقــة فــــي سـلـسـلـة وقـــــائـــــع مـــتـــزامـــنـــة تــــبــــدأ بـــاحـــتـــضـــان تـــرمـــب لـلـرئـيـس الـتـركـي رجـــب طـيـب إردوغــــــان رغـم اعتراض رئيس الـوزراء اإلسرائيلي بنيامي نتنياهو، ثـم مطالبة إسـرائـيـل بـإعـادة نشر قواتها خــارج سـوريـا ولبنان، ودفـــاع نائبه جــي دي فـانـس عــن الــتــفــاوض مــع إيــــران في مواجهة الضغوط اإلسرائيلية، وصـوال إلى رهان ترمب على الدولة واملؤسسة العسكرية واألمنية الرسمية في كل من لبنان والعراق بـــــــدال مــــن تــحــويــلــهــمــا إلــــــى ســـاحـــتـــي حـــرب مفتوحتي. وليس البديل األميركي إقصاء إسرائيل، بل إنهاء احتكارها تعريف مصالح املنطقة وترتيب أولوياتها. ومــن هــذه الــزاويــة، تـبـدو تركيا املدخل األوضــــــح لــفــهــم حـــــدود الـــنـــفـــوذ اإلســرائــيــلــي داخل القرار األميركي. تركيا تكسر االحتكار يشكل امللف التركي أوضح اختبار لهذا التحول فـي العالقة األميركية اإلسرائيلية. فــقــد طــلــب نــتــنــيــاهــو مـــن تـــرمـــب، قــبــيــل قمة «الـــنـــاتـــو» فـــي أنـــقـــرة، كـبـح خــطــاب إردوغـــــان ومنع تزويد تركيا بتقنيات تعزز سالحها الجوي. وربط رئيس الوزراء اإلسرائيلي بي » أو محركات متطورة 35- بيع مقاتالت «إف ألنــقــرة وبـــن املـحـافـظـة عـلـى الـتـفـوق الـجـوي اإلسرائيلي، معتبرًا في مقابلة مع «فوكس آند فريندز» أن النظام التركي «مصاب» بفكر «اإلخــــــوان املـسـلـمـن» وأن تـسـلـيـحـه سيخل بتوازن القوى. جــــــــــاء ذلــــــــــك بـــــعـــــد وصــــــــــف إردوغـــــــــــــــان الـصـهـيـونـيـة بــأنــهــا «آيــديــولــوجــيــا إبـــــادة»، وقـــــــول وزيـــــــر خـــارجـــيـــتـــه هــــاكــــان فــــيــــدان إن الــحــكــومــة اإلســـرائـــيـــلـــيـــة أصــبــحــت «مـشـكـلـة للعالم بأسره»، وفق تفاصيل أوردهـا موقع «أكسيوس». لكن واشنطن تنظر إلى تركيا من زاوية مختلفة. فهي صاحبة ثاني أكبر جيش في «الــنــاتــو»، وقـــوة مــؤثــرة فــي ســوريــا والبحر األسـود، ووسيط استخدمته اإلدارة في غزة وإيران وملفات أخرى. لذلك مضت واشنطن مـلـيـون 700 فـــي حـــزمـــة تـــزيـــد قـيـمـتـهـا عــلــى دوالر لتزويد مشروع املقاتلة التركية «قآن» بمحركات أميركية، رغــم أن الـعـودة الكاملة » ال تزال مرهونة بتخلي 35- إلى برنامج «إف » الـــروســـيـــة 400- أنــــقــــرة عــــن مــنــظــومــة «إس (الــحــالــي الـعـمـل عـلـى مــخــارج لــهــا) وبـقـيـود قانونية أميركية. وفي قمة أنقرة، أعلن ترمب أنه سيلغي العقوبات املفروضة على تركيا وأنـه منفتح »، وإن لــم يتخذ الـقـرار 35- عـلـى بيعها «إف النهائي. كما أشاد بإردوغان ودافع عنه في مـواجـهـة االعــتــراض اإلسـرائـيـلـي، فـي مشهد وصفته «رويترز» بأنه مكسب سياسي كبير للرئيس التركي. وبذلك تعاملت اإلدارة مع خـطـاب أنـقـرة املـنـاهـض إلسـرائـيـل باعتباره خالفًا يمكن احتواؤه، ال سببًا إلخراج تركيا من الحسابات اإلقليمية. وبـالـنـسـبـة إلـــى إســرائــيــل، تمثل تركيا قـــوة مـنـافـسـة تـجـمـع بـــن الـــقـــدرة العسكرية والخطاب العقائدي واالمتداد داخـل سوريا والـــعـــ قـــة بـــحـــمـــاس. أمـــــا واشـــنـــطـــن فــتــراهــا شريكًا صعبًا، لكنه ال غنى عـنـه. والـخـ ف هــنــا لــيــس عــلــى تـقـيـيـم إردوغــــــــان أخــ قــيــ ، بــل عـلـى مــا إذا كـــان أمـــن إســرائــيــل يمنحها حـق االعــتــراض على تسليح حليف أطلسي تــحــتــاج إلـــيـــه الــــواليــــات املــتــحــدة فـــي مـلـفـات تتجاوز الصراع العربي - اإلسرائيلي. إيران: من يبدأ ومن يختم؟ تكشف الحرب مع إيـران حدود التباعد وحــــدود الـتـحـالـف فــي آن واحــــد. فــالــواليــات 28 املتحدة وإسـرائـيـل بـدأتـا عملياتهما فـي فـبـرايـر (شـــبـــاط) املــاضــي بتنسيق عسكري عـمـيـق، وال تــــزال واشــنــطــن تــوفــر إلسـرائـيـل قــــدرات ال تستطيع تأمينها مـنـفـردة. وقبل التصعيد األخير، أبلغت اإلدارة تل أبيب أنها سـتـرسـل عـــشـــرات طـــائـــرات الـــتـــزود بـالـوقـود اإلضــافــيــة إلـــى املـــطـــارات اإلسـرائـيـلـيـة، فيما كـــانـــت خــطــط ضــــرب مــنــشــآت نـــوويـــة وبـنـى تحتية إيـرانـيـة تُــنـاقـش فـي غـرفـة العمليات بـالـبـيـت األبـــيـــض، وفـــق «أكـــســـيـــوس». وهـــذا وحده ينفي الحديث عن انتقال واشنطن إلى معسكر مناوئ إلسرائيل. غير أن الشراكة في الحرب لم تنتج عمليًا اتفاقًا على نهايتها. حـكـومـة نـتـنـيـاهـو تــريــد إزالـــــة الـــقـــدرات الـــنـــوويـــة والـــصـــاروخـــيـــة اإليـــرانـــيـــة جـــذريـــ ، واإلبقاء على حرية استئناف القتال وضرب حلفاء طهران. أما ترمب، فعليه أن يوازن بي هذه األهداف وبي سالمة القوات األميركية، وحــريــة املــ حــة فــي مضيق هــرمــز، وأسـعـار الطاقة، والتكلفة السياسية لحرب مفتوحة. وبعد أيام متتالية من الغارات األميركية في موجة التصعيد األخيرة، كانت قطر ومصر وباكستان وعُــمـان تدفع نحو هدنة لعشرة أيام تتيح التفاوض على املالحة في املضيق؛ وهي مبادرة لم يقبلها الطرفان بعد. وبـــلـــغ الـــتـــوتـــر ذروتــــــه عــنــدمــا قــــال جي دي فـــانـــس إن أشـــخـــاصـــ داخــــــل الــحــكــومــة اإلسرائيلية حاولوا التأثير في الــرأي العام األميركي إلبقاء الحملة العسكرية مستمرة «إلـــــــى أجــــــل غـــيـــر مـــســـمـــى». وأضــــــــاف أنــــــه ال يـعـتـرض عـلـى مـــحـــاوالت الــــدول الـتـأثـيـر في واشنطن، بل على تحولها إلى «عامل يشوّه الحكم السياسي األميركي». لكنه شـدد، في الـوقـت نفسه، على أن ترمب كـان سيعارض امـتـ ك إيـــــران ســ حــ نـوويـ حـتـى مـن دون ضغط إسرائيلي. كما نقل «أكسيوس» عن مسؤول كبير فـــي اإلدارة قــولــه إن نـتـنـيـاهـو قــــدم «وعــــودًا كــثــيــرة» بــشــأن حــــرب إيـــــران لـــم تـتـحـقـق، في إشارة إلى تقديرات إسرائيلية متفائلة حول ســرعــة انــهــيــار قـــــدرات طـــهـــران. وتـفـسـر هـذه الـتـجـربـة تــشــدد الـبـيـت األبـــيـــض فـــي فحص املــطــالــب اإلسـرائـيـلـيـة وعــــدم الـتـعـامـل معها باعتبارها حقائق مسلّمًا بها. الــــخــــ صــــة أن إســـــرائـــــيـــــل اســـتـــطـــاعـــت التأثير فـي توقيت الـحـرب وبيئتها، لكنها لـم تحصل على تفويض بتحديد مدتها أو تسويتها. وقــد دعــا تـرمـب إسـرائـيـل وإيـــران في يونيو (حزيران) إلى التوقف الفوري عن إطـ ق النار عندما أوشـك اتفاق سابق على االنــهــيــار. الـقـيـادة األمـيـركـيـة، إذن، ال تعني دائـــمـــ ضــبــط الـــنـــفـــس؛ فــقــد تـــقـــود واشــنــطــن التصعيد بنفسها، لكنها تصر على أن يكون قرار الحرب والسالم أميركيًا. لبنان: الدولة قبل «المنطقة األمنية» اإلشكالية نفسها تظهر في لبنان وإن بـأدوات مختلفة؛ فهنا ال يدور الخالف حول خطر «حزب الله» بقدر ما يدور حول الطريقة األجدى ملعالجته. االخــــــتــــــ ف يـــتـــبـــلـــور فــــــي مــــشــــروعــــن: مـــشـــروع أمـــيـــركـــي يـــريـــد إعــــــادة بـــنـــاء سلطة الدولة تدريجيًا، ومشروع إسرائيلي يعطي األولـــويـــة لـحـريـة الـعـمـل الـعـسـكـري املـبـاشـر. 26 وقـــــد وفَّــــــر االتــــفــــاق اإلطــــــــاري املــــوقــــع فــــي يونيو (حزيران) املاضي مختبرًا عمليًا لهذا التباين، إذ نص على نزع سالح «حزب الله»، وانسحاب إسرائيلي مرحلي، وفتح الطريق نحو عالقات سلمية. وخالل استقباله الرئيس جوزيف عون في البيت األبيض، وصف ترمب لبنان بأنه بــلــد «عـــومـــل بـــصـــورة سـيـئـة جــــــدًا»، وتـعـهـد بـــمـــســـاعـــدتـــه، مــــع إقــــــــراره بــــوجــــود «مـشـكـلـة اسمها حزب الله». وقـدم عون خطة مكتوبة لحصر السالح بيد الدولة وتأمي االنسحاب اإلسـرائـيـلـي، قــائــ لـتـرمـب إن نـجـاح املـسـار يمكن أن يصبح جزءًا من إرثه. وبـالـتـزامـن، بـــدأ الـجـيـش اللبناني االنـــــتـــــشـــــار فــــــي زوطـــــــــر الــــغــــربــــيــــة بــعــد انــســحــاب الـــقـــوات اإلســرائــيــلــيــة، ضمن بــرنــامــج «املـــنـــاطـــق الــنــمــوذجــيــة» الـــذي يشمل أيضًا صريفا وفرون. وتتلخص الفكرة في انتقال املنطقة إلى الجيش اللبناني، وتنظيفها من الذخائر غير املنفجرة والبنى املسلحة، ثم تكرار التجربة فـــي مـنـاطـق أخـــــرى. وقــــال مـــســـؤول عسكري إســرائــيــلــي إن االخـــتـــبـــار يـــهـــدف إلــــى إثــبــات أن الــجــيــش الـلــبــنـانـي هـــو الــجــهــة الـرسـمـيـة الوحيدة املخولة حمل السالح. لكن الخالف يبرز عند تحديد الجدول الــزمــنــي والــجــهــة الــتــي تـــصـــادق عـلـى نـجـاح الـــتـــجـــربـــة. تــــريــــد بــــيــــروت وواشــــنــــطــــن مـنـح الجيش مهلة ودعمًا ماليًا ولوجستيًا لبسط سـيـادتـه، بينما تـطـالـب إسـرائـيـل بالتحقق بنفسها من إزالة أسلحة «حزب الله» وبإبقاء مناطق أمنية وحرية تدخل إذا فشل التنفيذ. ونـقـل «أكــســيــوس» أن تـرمـب قـــال لنتنياهو عن الوجود اإلسرائيلي في سوريا ولبنان: «ال يريدونكم هناك، عليكم إعادة االنتشار»، بـيـنـمـا رد مـكـتـب نـتـنـيـاهـو بـالـتـشـديـد على الحاجة إلى مناطق أمنية على الحدود. واشنطن ال تطالب إسرائيل بانسحاب غير مشروط وال تتجاهل سالح «حزب الله»؛ لكنها تريد أن يصبح االنسحاب أداة لتقوية الدولة، ال أن يتحول االحتالل إلى بديل دائم عــنــهــا. وتــــراهــــن عــلــى عــــون والـــجـــيـــش لـعـزل الحزب وسحب لبنان من النفوذ اإليراني، في حي تشكك إسرائيل في قدرة الدولة وتفضل االحتفاظ بضمانة القوة املباشرة. وقــــد يـفـتـح االتــــفــــاق، إذا نـــجـــح، طـريـقـ نحو إنهاء حالة العداء، وربما نحو اندماج إقليمي أوسـع. لكن عون لم يوافق حتى اآلن عــلــى لـــقـــاء نــتــنــيــاهــو، وربـــــط أي حـــديـــث عن السالم باملبادرة العربية؛ ولذلك فإن الحديث عــن انـضـمـام لـبـنـانـي سـريـع إلـــى «اتـفـاقـيـات إبراهيم» ال يزال طموحًا أميركيًا - إسرائيليًا أكثر منه قرارًا لبنانيًا. سوريا والعراق: سيادة دول أم ساحات مفتوحة؟ مـــن لـبـنـان يـتـسـع الــنــقــاش إلـــى سـوريـا والعراق، حيث تتكرر املعضلة: هل تُدار بقايا الــنــفــوذ اإليـــرانـــي عـبـر بــنــاء الـــدولـــة، أم عبر إبقاء الجبهات مفتوحة؟ ففي هذين البلدين تسعى واشنطن إلــى تحويل ضعف النفوذ اإليراني إلى فرصة لبناء دولتي أقل ارتهانًا لـلـمـيـلـيـشـيـات، بـيـنـمـا تــنــظــر إســـرائـــيـــل إلــى الـبـلـديـن أســاســ بوصفهما مــمــرات للسالح ومنصات لتهديد حدودها. في سوريا، التقى ترمب الرئيس أحمد الـــشـــرع عـلـى هــامــش قـمـة الــنــاتــو فـــي أنــقــرة، ثـم طلب مـن نتنياهو الـبـدء بسحب الـقـوات اإلسرائيلية من األراضـي التي احتلتها بعد ســـقـــوط نـــظـــام بـــشـــار األســــــد. وأقــــــر مــســؤول أمـيـركـي إن وجــودهــا يخلق تــوتــرًا قــد يقود إلى تصعيد. وكانت اإلدارة قد أمضت أشهرًا في محاولة التوصل إلى اتفاق أمني يضمن حــــدود إســرائــيــل ويـعـيـد األراضـــــي تدريجيًا إلــى دمـشـق، قبل أن تخلص إلــى أن حكومة نتنياهو ال تريد تقديم التنازالت املطلوبة، وفق تقارير صحافية. املــــقــــاربــــة األمـــيـــركـــيـــة تــــقــــوم عـــلـــى دعـــم سلطة مركزية سـوريـة تستطيع منع عـودة التنظيمات املتطرفة، ودمــج القوى الكردية فـــي مـــؤســـســـات الــــدولــــة، والـــعـــمـــل مـــع تـركـيـا واألردن. وقـد رحبت واشنطن باتفاق وقف الــــنــــار واالنــــــدمــــــاج املـــرحـــلـــي بــــن الــحــكــومــة السورية و«قـــوات سوريا الديمقراطية» في يــنــايــر (كـــانـــون الـــثـــانـــي) بــاعــتــبــاره «مـحـطـة تاريخية». أما إسرائيل فتطالب بحزام أمني طويل األمد، وتقول إن االنسحاب قد يسمح بــتــكــرار هــجــوم شـبـيـه بـالـسـابـع مـــن أكـتـوبـر على حدودها الشمالية. وفـــــي الـــــعـــــراق، ال تــســتــطــيــع واشــنــطــن الــتــعــامــل مـــع الــــدولــــة كــســاحــة قــصــف فـقـط؛ فـلـديـهـا قــــوات وعـــ قـــات اقـتـصـاديـة وأمـنـيـة ومصلحة في منع انهيار النظام السياسي. وقــــد أبـــــرز اســتــقــبــال تـــرمـــب رئـــيـــس الــــــوزراء العراقي الجديد علي الزيدي هذه األولوية. فــالــزيــدي، الـــذي شـــارك قـبـل أيـــام فــي مـراسـم تـشـيـيـع املـــرشـــد اإليــــرانــــي الـــســـابـــق، تـحـدث فــــي الـــبـــيـــت األبــــيــــض عــــن تـــعـــزيـــز الـــعـــ قـــات االقـتـصـاديـة مـع الــواليــات املـتـحـدة، وإنـجـاز انسحاب القوات األميركية املقرر في سبتمبر (أيلول)، ووضع جميع األسلحة تحت سلطة الـدولـة. وكـان نـزع سـ ح الفصائل املدعومة مـن إيـــران مـحـورًا رئيسيًا فـي محادثاته مع اإلدارة األميركية. إســـرائـــيـــل، فـــي املـــقـــابـــل، تـقـيـس الــعــراق بــمــعــيــار الــــصــــواريــــخ واملــــســــيَّــــرات ومـــمـــرات اإلمداد. وقد أدت غارات على مواقع «الحشد الشعبي» فـي مــارس (آذار)، نسبتها بغداد إلـى الـواليـات املتحدة وإسـرائـيـل، إلـى مقتل عـــنـــصـــرًا وأثــــــــــارت احــــتــــجــــاج الـــحـــكـــومـــة 15 العراقية. ولهذا تفضل واشنطن، كلما أمكن، نــــزع الـــســـ ح عــبــر الــحــكــومــة الـــعـــراقـــيـــة، ألن الضربات غير املنضبطة قد تقوي خصومها وتــحــوّل الــعــراق مـجـددًا إلــى سـاحـة مواجهة أميركية - إيرانية. فلسطين... القفل والمفتاح ال تـسـتـطـيـع واشـــنـــطـــن بـــنـــاء مـنـظـومـة إقـلـيـمـيـة تــضــم الــســعــوديــة ومـــصـــر وتـركـيـا ودول الخليج إذا بقي االندماج اإلسرائيلي منفصال تمامًا عن القضية الفلسطينية. وقد طـلـب تـرمـب فــي مـايـو (أيــــار) مــن السعودية وقــطــر وبــاكــســتــان وتــركــيــا ومــصــر واألردن االنضمام جماعيًا إلـى «اتفاقيات إبراهيم» بعد تسوية حــرب إيـــران. غير أن الـدعـوة لم تـلـق اسـتـجـابـة، ألن املــــزاج الشعبي فــي تلك الــــــــدول ومـــــواقـــــف حـــكـــومـــاتـــهـــا ال يـسـمـحـان بتطبيع مجاني فـي ظـل واقـــع غــزة والضفة الغربية. الــــســــعــــوديــــة، وهــــــي الــــجــــائــــزة الـــكـــبـــرى للمشروع األمـيـركـي، أبلغت واشنطن مــرارًا أنـــهـــا تـــحـــتـــاج إلـــــى خـــريـــطـــة طـــريـــق مــوثــوقــة نحو دولــة فلسطينية. وفـي املقابل، يرفض نــتــنــيــاهــو وحـــلـــفـــاؤه الــيــمــيــنــيــون قـــيـــام تلك الـدولـة، ويتمسكون بمقاربة «السالم مقابل الــســ م»، أي التطبيع اإلقليمي مـن دون أي تـنـازل سياسي للفلسطينيي. وهــو مـا دعا الرياض إلى القول إنها ال ترى إمكانًا قريبًا للتطبيع ما دام هذا الرفض قائمًا. أمــا خطة تـرمـب لـغـزة، فتتضمن إعــادة إعــمــار بـمـلـيـارات الــــــدوالرات وقــــوة اسـتـقـرار دولـــــيـــــة وحـــكـــمـــ فــلــســطــيــنــيــ تـــكـــنـــوقـــراطـــيـــ وانسحابًا إسرائيليًا مرحليًا، لكنها تعثرت عند االنتقال إلـى املرحلة الثانية. وتواصل إســرائــيــل الـسـيـطـرة عـلـى مــســاحــات واسـعـة 23 وبـــــنـــــاء حــــاجــــز تـــــرابـــــي يـــمـــتـــد أكــــثــــر مـــــن كيلومترًا داخل القطاع، ما يثير مخاوف من تكريس تقسيم دائم وفق العديد من املراقبي. ومن دون معالجة ذلـك، يصعب إقناع الدول العربية بتمويل إعــادة اإلعمار أو تحمل أي مسؤوليات أمنية وسياسية في غزة. هنا يصبح امللف الفلسطيني جزءًا من الخالف األميركي - اإلسرائيلي على هندسة املنطقة ومستقبلها الـسـيـاسـي ال بصفتها مجرد قضية إنسانية مؤجلة. واشنطن تريد توظيف ضعف إيـــران لبناء شبكة شـراكـات عربية - إسرائيلية تحت قيادتها؛ واليمي اإلســـرائـــيـــلـــي يـــريـــد تــوظــيــف الــضــعــف نفسه لتوسيع الـسـيـطـرة اإلقليمية مــن دون كلفة فلسطينية. وبـن املنهجي تقف السعودية ومـصـر وتـركـيـا والـخـلـيـج بوصفها قـــوى لم تــعــد الــــواليــــات املـــتـــحـــدة مــســتــعــدة لـتـجـاهـل شروطها. صندوق االقتراع المقرر األخير هــــــذه الـــــتـــــوازنـــــات كـــلـــهـــا ســـتـــوضـــع فـي 27 ميزان االنتخابات اإلسرائيلية املقررة في أكـتـوبـر (تـشـريـن األول) املـقـبـل، وهــي األولــى مــنــذ هــجــوم الــســابــع مـــن أكــتــوبــر والـــحـــروب فـي غـزة ولبنان وإيـــران. وقـد أعلن نتنياهو ترشحه مجددًا، لكنه يواجه تحديًا متصاعدًا مـن رئـيـس األركـــان السابق غـادي آيزنكوت، الـذي تظهر استطالعات الـرأي أنه قـادر على منافسته من موقع أمني متشدد، ال من موقع يساري تقليدي. وتـــراجـــع مـوقـع نتنياهو فــي واشنطن بصورة واضحة. فبعد ست زيــارات سريعة إلـى البيت األبيض منذ عــودة ترمب، حاول ألكـــثـــر مـــن أســبــوعــن الــحــصــول عــلــى مـوعـد جديد، قبل أن يحدد أخيرًا الثالثاء، في وقت وصـف فيه موقع «أكسيوس» مكانته بأنها باتت هشة لدى الديمقراطيي وداخل الدائرة الترمبية وقاعدة «ماغا». ويتزامن ذلك مع تغير أوسـع في الرأي الــــعــــام. فـــقـــد أظـــهـــر اســـتـــطـــ ع مـــركـــز «بـــيـــو» فـــي املـــائـــة مـــن األمــيــركــيــن 60 لـــأبـــحـــاث أن يحملون نظرة سلبية إلـى إسرائيل، بينهم فـي 41 فــــي املــــائــــة مــــن الـــديـــمـــقـــراطـــيـــن و 80 املــائــة مــن الـجـمـهـوريـن، مــع ارتــفــاع الـرفـض خصوصًا بي الجمهوريي دون الخمسي. لكن ال توجد أدلة علنية تثبت أن إدارة تـــرمـــب قـــــررت إســـقـــاط نـتـنـيـاهـو أو الـتـدخـل املـــنـــظـــم الســـتـــبـــدالـــه. فـــتـــرمـــب دافــــــع عـــنـــه فـي مواجهة مـذكـرة املحكمة الجنائية الدولية، وضغط سابقًا ملنحه عفوًا في قضايا الفساد، وأعـــلـــن أنـــه لـــن يُــعـتـقـل فـــي أمــيــركــا، ردًا على تهديدات عمدة نيويورك زهران ممداني، وال تزال إدارته توفر إلسرائيل حماية وتسليحًا استثنائيي. فـــي املــحــصــلــة، ال تــقــف إســـرائـــيـــل أمـــام خـــيـــار بـــن الــتــحــالــف مـــع الــــواليــــات املـتـحـدة أو الـقـطـيـعـة مــعــهــا، بـــل أمـــــام امـــتـــحـــان أكـثـر تـعـقـيـدًا: هــل تـقـبـل أن تــكــون شـريـكـ مـركـزيـ داخل مشروع تقوده واشنطن، أم تصر على تحويل التحالف إلـى تفويض مفتوح يتيح لــهــا فــــرض الـــوقـــائـــع الــعــســكــريــة ثـــم مـطـالـبـة أميركا بتغطيتها؟ التحالف األمني سيبقى، وربما يـزداد عمقًا، لكن شروطه السياسية تتغير. هذه هي الرسالة األهم في لحظة ما بعد الحروب: إسرائيل باقية حليفًا أول، لكنها لم تعد القائد الوحيد للخرائط الجديدة. لوحة دعائية ضخمة مناهضة للواليات المتحدة وإسرائيل تظهر الرئيس األميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء اإلسرائيلي بنيامين نتنياهو معلقة على مبنى في طهران وكتب عليها بالفارسية «ستغرق في بحر انتقام الشعب اإليراني» (إ.ب.أ) تشير تطورات متسارعة في السياسة األميركية بشأن الشرق األوسط إلى مالمح مقاربة جديدة تؤكد أن واشنطن، رغم استمرار تحالفها الوثيق مع إسرائيل، باتت أكثر حرصًا على إدارة ملفات املنطقة وفـق أولوياتها االستراتيجية، ال وفـــق رؤيــــة حـكـومـيـة رئــيــس الــــــوزراء اإلســرائــيــلــي بنيامني نتنياهو وحده. فمن تركيا وإيران إلى لبنان وسوريا والعراق، وصوال إلى امللف الفلسطيني، تبرز مؤشرات على سعي إدارة الرئيس دونـالـد تـرمـب تحقيق تـــوازن دقـيـق بـ دعــم أمــن إسرائيل الثابت من جهة والحفاظ على مصالحها األوسـع من جهة أخرى، بما يعيد رسم حدود النفوذ اإلسرائيلي داخل عملية صنع القرار األميركي ويعيد تشكيل معادالت اإلقليم. التحالف األميركي ــ اإلسرائيلي تحت اختبار الملفات الشائكة واشنطن: إيلي يوسف تركيا تشكّل االختبار األوضح لتحوّل العالقة األميركية ـ اإلسرائيلية، خصوصا بعد مطالبة نتنياهو بمنع تعزيز القدرات الجوية ألنقرة

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==