الثقافة CULTURE 18 Issue 17409 - العدد Tuesday - 2026/7/28 الثلاثاء الأخطاء من حيث هي قانون ثقافي ليست الأخطاء حتمية فحسب، بل هي ضـروريـة لكي تظل العقول البشرية يقظة ومعطاءةً. والعطاء العقلي لا يأتي إلا بسبب أخطاء السلوك البشري، ومن شأن السلوك أن يكون على صيغة تجارب نقترفها بحماس واندفاع. وعادة نحن نقدم على الأفعال مشروطين بالتخلي عن التعقل، وإن ظل العقل نفسه على درجات من الحذر لكن الفعل أمضى من العقل، إذ لو تعقلنا قبل الإقدام ما أقدمنا. ومن ثم فطلب السلامة يتبدى وكأنه نقيض الإنجاز. مـن هنا جــاءت النجاحات الكبرى وهــي تلك التي لـم نـتـردد قبل اقتحامها. وكما يقول المثل الشعبي «فـي كل دقـة تعليمة»، وهـو مثل يحيل لقانون سلوكي مـجـرب، وإن كـانـت «التعليمة» ليست أكـيـدة كما تشهد الـوقـائـع، إذ يظل البشر يرتكبون الأخـطـاء، كأنهم لا يتعظون ولا يتعلمون. علامة ذلـك ما نـراه اليوم في أجواء الحرب الإيرانية، وهي الحرب التي نشهد وقائعها كل لحظة، ونسمع دوي الصواريخ، كما نشاهد «عواجل» الأخبار، وكل واحد منا في رأسه حلول يراها، ولكن الفاعلين وممسكي الزناد لا يسمعون حلولنا ولو سمعوها ما انصاعوا لها. ولذلك نرى الأخطاء أمامنا ونعجب كيف لا يرونها. وكما يقولون عن أن «غلطة الشاطر بعشرة»، وهـو مثل شعبي يصف الحال بدقة مجربة ويشهد أن أخطاء الشاطر الماهر أعمق من أخطاء البسيط التلقائي. كما هو مشهود، فأخطاء ترمب في الأقوال، وفي الأفعال، هي أخطاء الشاطر الـعـارف، لكنه رغـم شطارته لم يلتزم بمقولته في حملته الانتخابية بـأن «القوة الحقيقية هي أن تجعل غيرك يخاف منك»، وهي جملة عاقلة لو وظفها بمعناها الحق لما لجأ لحل القوة المادية. وفي المقابل تأتي أخطاء إيران في الأقوال والأفعال كذلك. والأفدح يقع من إيران، فعلى مدى نصف قرن تمعن إيران في ارتكاب الأخطاء بمثل ما تمعن في إيذاء نفسها، ومع وضوح ذلك وتكراره لم تتعلم ولم تتعظ. كــل واحـــد مـنـا لــه مــوقــف ورأي ولــديــه مـلـحـوظـات وتـــأويـــات حـــول منظومة الأخطاء هذه. لكن الحدث لا يسمع ولن يسمع. ولـذا تستمر الحرب بشرطها وليس بشروط الأطـــراف. وكلما اتفق الطرفان حدث أمـر ما يقلب المعادلة ويعيد الكرة بأفدح من كراتها السابقة. الأكيد أن كل مخطط استراتيجي وكل خبير عسكري سيجعلان الحدث مادة للدرس والتنظير. لكن الخبير لن يغير مسار الأحداث مهما قال أو نصح أو احتج واعترض. السبب ليس في عناد البشر، ولا في أطماعهم، وإن وجدت، وإنما هو لقانون ثقافي يشبه القوانين الفيزيائية في حتميته، وذلك أن الأخطاء هي الأصل في العمل البشري، ولا بد من حدوث الأخطاء، ولا بد من تعصيها على الحلول لكي يتحقق شرطها الوجودي، ومن ثم فاعليتها في إنتاج النظريات فلسفيّاً، وفي صناعة الأسلحة عسكرياً. ولا بد من ضحايا، وهذه حتمية أخرى، فلولا الخسائر الكبرى لما تحققت المكاسب الكبرى. وهـذا ليس تهوينا لمغبات الـحـرب، ولكنه أمـر لا خيار فيه، ولـو لم تك إيـران ضحية لعداواتها فهي لـن تسلم مـن أن تكون ضحية لنفسها لأسـبـاب تخصها وتعيها. وخطاب إيــران يشير لذلك كما هو خطاب ترمب الـذي قـال إنـه سيفرض السلام بالقوة. وهذه صيغة حربية وليست خطابا سلمياً. وإيران تقول بالمقولة نفسها، وإن بصيغ مختلفة، فهي ترى أن الحرب أحد معانيها الجوهرية، وتـرى أن وجودها لن يتحقق إلا بالقوة. فالحرب هنا مـشـروع فكري، ومـن ثم فهي سلوك سياسي لـلـطـرفـن مـعـا. وقـبـلـهـم كـــان هتلر وذاكـــرتـــه ليست بـعـيـدة عـنـا، وتـشـابـهـات حـال اليوم مع عقلية هتلر قوية جـداً، ففكرة الهيمنة هي قانون الأحـــداث، وهـي أيضا ما سيكتب نهاية الأحـــداث، وكذلك نموذج هتلر في الاستهانة بإكثار الخصوم وتعديد الجبهات، وكأننا نشهد استعادة للحكاية الهتلرية ليس أكثر. وهــذه ليست فحسب سياسات متهورة، لكنها أيضا حتميات ثقافية لا بد أن تعاود الحدوث وبصيغ تتنوع، وهو تنويع مخاتل وخداع. ومخاتلته هي سر تكراره الذي تعمى عنه عيون الآخرين لكي يقعوا فيه، ولا يسمح القانون الثقافي للعيون أن ترى، ولا للأذهان أن تتذكر أو تتعظ، بما أن الاتعاظ يخالف شرط سريان الـقـانـون الثقافي. مما يعني عموما أن نـمـاذج بشرية لا بـد واقـعـون فـي الأخـطـاء وممنوع عليهم أن يتعلموا مـن أخـطـاء سابقيهم. الخطير أننا لـن نعرف صناع الأخطاء القاتلة إلا بعد أن يقترفوها وكأنها دورات كونية كما الكوارث الطبيعية. وللأخطاء وظيفة أخلاقية رفيعة يترجمها الحديث النبوي «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجـاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم». وهـذا يعزز نظرية المعاني في الازدواج السلوكي ما بين خير مرغوب، وشر محتوم في انتظام يفرض شرطه وسلوكه. عبد الله الغذامي تتنقل بين سان فرانسسكو وفلورنسا وأوكلاند وبرلين... وعُرفت بإنجازها أعمالا ضخمة كاترينا غروس صانعة الأحلام المستعادة بقوة الزمن «جين إير» هي بطلة رواية تحمل اسمها من تأليف البريطانية شارلوت برونتي كانت . لا تـزال الرواية تُطبع في 1847 قد نشرت عام مختلف الــلــغــات وتُـــبـــاع لأنــهــا لا تــــزال ممكنة القراءة بمتعة وشغف. أثناء قراءتها للرواية في مرسمها بنيوزلندا شعرت الفنانة الألمانية ) أن المـــرأة التي لا تكف 1962( كاترينا غــروس عــن الـحـركـة شحنت خـيـالـهـا بـطـاقـة تدميرية تـــهـــبـــهـــا إلــــهــــامــــا يُـــــخـــــرج الـــــرســـــم مـــــن حــــــدوده التقليدية، جغرافيته التي تختصره باعتباره لـوحـة تُــعـلـق عـلـى جــــدار. فـي إمـكـان الـرسـم إذا أن يــكــون شـيـئـا آخــــر مـــن خــــال تـغـيـيـر بيئته ومواده والمساحة التي يتحرك عليها ويتفاعل مــن خـالـهـا مــع الـجـمـهـور. «انـطـلـقـت ومشيت سـريـعـا» هــو عــنــوان المــعــرض الــصــادم الـــذي لا يعبر فعل النظر عن حقيقة تجربة زيارته بقدر مــا يمكنني الــقــول إنـنـي عشته بـكـل حـواسـي. تـــضـــع غـــــــروس زائـــــــر مـــعـــرضـــهـــا عـــلـــى سـفـيـنـة تتعرض لعاصفة تأخذها من جزيرة لتسلمها إلى آخرى من غير أن تصل بها إلى شاطئ آمن. تـبـدأ المـغـامـرة مــن عـمـل فـنـي ضـخـم أقيم فـــي إحــــدى قـــاعـــات «وايـــــت كــيــوب ـــــ بـيـرمـسـي» فــي حـــزيـــران المــاضــي ليستمر عــرضــه ويـكـون جـــزءا مـن مثتنيات المـؤسـسـة الـعـريـقـة. يجمع ذلـك العمل بين أكــوام غير منتظمة من التراب ولـــوحـــة قـمـاشـيـة مــغــمــورة جــزئــيًــا ومـنـحـوتـة بـرونـزيـة مصبوبة ليُشكّل كـل ذلــك عملا فنيا واحدا، تتصل أجزاؤه بقلق ينتقل إلى المتلقي مــن خـــال الإيــقــاع بــه فــي وهـــم بـصـري لا يكف عـن الـحـركـة. ينساب الـلـون بسلاسة عبر هذه الـــعـــنـــاصـــر مُـــغـــطـــيًـــا ومُـــــوصـــــا الأســــطــــح غـيـر المــســتــويــة مـــع الــحــفــاظ عــلــى وجــــودهــــا. يعمل العمل الفني كأرضية متصلة، في الوقت الذي تغطي فيه لوحة كبيرة معلقة على الجدار كل ما هو موجود على الأرض لتشكل امتدادا له. تتصل أرضية القاعة بذلك الركام الترابي المـلـون مـن خــال سـطـوح لامـعـة يتحرك عليها قوس قزح لا يكف عن المزاوجة بين ألوانه التي لا تكف عن اللعمان. ذلك ما دفعني إلى سؤال الــحــارس بــحــذر»هــل يمكنني الـــدخـــول؟» حين أومـــأ بــرأســه مـوافـقـا لاحـظـت أن كــل مَـــن حضر بـعـدي فـعـل مــا فعلته. صنعت الـرسـامـة التي سبق لها أن عرضت أعمالها في كبرى المتاحف العالمية مكيدتها بإتقان كما لو أنها خططت لــكــي تـــقـــوض الـــســـلـــوك الــتــقــلــيــدي الـــــذي يميز طريقة المرء في النظر إلى الأعمال الفنية. «إنك تدخل إلى عالم تسبقك إليه قناعة أن الدخول إليه محظور». كل شيء يهذي من حولها لـــيـــس الـــــرســـــم بـــنـــيـــة مـــــحـــــددة بـــوصـــفـــات جاهزة سلفا بل هو نظام تفاعلي مفتوح على إيـــقـــاعـــات مـتـبـايـنـة فـــي مــســتــويــات صـعـودهـا وهبوطها. ذلـك مفهوم أتــاح للفنانة أن تبني عالما تتحرك الألــوان فيه بحرية على الأسطح المـــخـــتـــلـــفـــة، رابـــــطـــــة بـــــن الــــقــــمــــاش والــــعــــمــــارة والــــجــــدران والأعـــمـــدة والأرضـــيـــة والــســقــف. لا تُــمـثّــل حــــدود الأشـــيـــاء فــواصــل بــل هــي روابـــط تعمل كجسر بينها. استُلهمت الـلـوحـات من الـتـغـيـرات الـدرامـاتـيـكـيـة للعناصر الطبيعية مـــن مــطــر وشــمــس حـــارقـــة وقـــــوة الـــريـــاح الـتـي عايشتها غروس أثناء وجودها في نيوزيلندا. ومثل رسامي الشوارع تلجأ غـروس إلى استعمال بخاخ الطلاء الصناعي في التلوين بأصباغ اكريلك زاهية شديدة اللمعان، بحيث يشعر المــرء أنـه ينتقل إلـى عالم، تقوى طاقته الحلمية على إلغاء الحواس المباشرة. يتحقق المـــــرء وهــــو يــعــيــش الــتــجــربــة مـــن قـــدرتـــه على الـتـعـامـل حـسـيـا مـــع مـــا يــــرى ويـفـشـل لأن كل شيء من حوله يهذي بقوة، كما لو أن الرسامة صنعت عالمها من مواد يفجر بعضها البعض الآخر ما أن تتصادم. بـعـد دقــائــق مــن الـتـجـربـة يـشـعـر المــــرء أن عليه الاسـتـسـام لتلك الحتمية الحلمية بما أنه قد فقد السيطرة على حواسه وهي أدواته التقليدية فـي اكتشاف الـفـن. ذلـك مـا يعني أن غــروس نجحت في أن تخلق علاقة بين الزمن والمـــكـــان يـكـمـن قــوامــهــا فـــي تـشـتـيـت الــحــواس فـــا يــعــرف المــــرء فـــي أي زمــــن هـــو ولــــن يتمكن مـن التحقق مـن مكانه. وهــو مـا ينعكس على جغرافيا العمل الفني، بحيث لا يمكننا التمييز بين بدايته ونهايته . ذلك تأويل جانبي تسمح به طريقة الفنانة في التعامل مع موضوعها. مـــا يــهــم أن المــــرء حـــن يــدخــل إلــــى الـعـمـل الفني الذي برعت غروس في مسرحته يعيش تجربة بصرية فريدة من نوعها. فهو إذ يراه من الداخل يشعر أنه جزء منه. لن يكون مجرد متلق سلبي بـل هـو مـشـارك إيجابي فـي خلق المـشـهـد. ذلـــك مــا يشعر بــه حــن يـــرى الآخـريـن وهم يعيشون مثله فصول التجربة مأخوذين بقوة العصف. كل شيء يجري بسرعة «فـــي الــصــحــراء، كــل يـــوم وكـــل لـيـلـة، تـرى مرور الوقت بالفعل لأن الضوء المتغير يُحوّل كــــل مــــا تــنــظــر إلــــيــــه. لــــه تـــأثـــيـــر مُــــزيــــل لــلــمــادة والتحوّل فوري تقريبًا. هذه اللوحات هي ردّي على تلك الظاهرة التي هي عابرة تماما ومع ذلك تتكرر كل يوم» تقول كاترينا غروس وهي تقصد البيئة النيوزلندية التي تستلهم منها رؤيـتـهـا الفنية. الفنانة الـتـي درســـت الـفـن في دوسلدورف بألمانيا وتنقلت في سياق برنامج مُــنــح فـنـيـة بـــن فــلــورنــســا وســــان فـرانـسـسـكـو واخـــتـــارت أن تـــوزع وقـتـهـا بــن مرسميها في أوكلاند وبرلين عُرفت بشغفها بإنجاز أعمال قــامــت بتركيب 2015 فـنـيـة ضــخــمــة. فـــي عــــام ثـــاث أشــجــار عـمـاقـة فــي الـقـاعـة الكلاسيكية الــجــديــدة بمتحف فـيـسـبـادن، غـطـت جـذورهـا بـــطـــاء لامــــع يـخـطـف الأبــــصــــار. وفــــي مــشــروع بالتعاون 2016 «روكـــاواي» الـذي أنجزته عـام ببروكلين قامت غروس MoMA PS1 مع متحف برش حمام عسكري أميركي مهجور وجزء من الشاطئ المحيط بـه فـي شبه جـزيـرة روكـــاواي بنيويورك بكثافة بالطلاء. ســــواء فــي عملها الـبـيـئـوي الـكـبـيـر الــذي احتل قاعة كاملة أم في لوحاتها التي يتجاوز عرض عدد منها الستة أمتار والتي تم عرضها فــي قـاعـتـن كبيرتين لــم تـضـع غـــروس مسافة ذات شروط وقيود محكمة بين مادتي الأكريلك والـــرذاذ الصناعي المـلـون. مزجت المـادتـن كما لو أنهما الشيء نفسه إضافة إلى أن كل شيء يـوحـي بـأنـهـا لا تملك الــوقــت لـإسـتـرخـاء من أجـل التمعن في القواعد والاستجابة لها. كل شـــيء جـــرى بـسـرعـة وإمــعــان فــي الـحـركـة. ذلـك مـا ينعكس على المشاهد وهــو يتلقى البريق الـــذي يلقي بحمولته الكثيفة بـرشـاقـة مترفة لا يمكن الإفــات من تأثيرها المهيج للمشاعر المـضـطـربـة. إذا كــانــت أعــمــال كـاتـريـنـا غــروس تنتمي إلى التجارب الفنية الكبرى فإن عملية تـلـقـي تـلـك الأعـــمـــال تـمـثـل هــي الأخــــرى تجربة كبرى في التفاعل الذي يهب المتلقي حرية في اخــتــيــار المـــوقـــع الــــذي يـقـف فـيـه ويـتـمـكـن من خــالـــه أن يـــمـــارس خــبــرتــه فـــي اسـتـعـمـال حواسه. فضاؤنا الذي يحلم مثلنا لـــــو أن كـــاتـــريـــنـــا غــــــــروس اكـــتـــفـــت بـنـقـل مـــشـــاهـــد الــبــيــئــة الـــتـــي تــحــيــط بـــهـــا لأعــتــبــرت محاولتها جزء مما يسميه النقاد المنهجيون بــ»فـن الأرض» مثلها فـي ذلـك مثل البريطاني ) ولـكـن انفتاحها على 1945( ريـتـشـارد لـونـغ المشهد الطبيعي ينطوي على الكثير من الحيل التي تزيح عن محاولاتها معنى الانتساب إلى ذلـك المشهد كما هـو الـحـال لـدى لـونـغ. الإلهام لــديــهــا فــنــي خـــالـــص وهــــي بـــذلـــك تـتـحـقـق من إخـاصـهـا للتجريد كـونـه تعبيرا عـن النجاة من خلال عناصر الرسم الخالصة بمعزل عما يمكن أن تنقله من مرئيات. تـقـول غـــروس «أنـــا مهتمة بكيفية قـدرة الـلـوحـة عـلـى إيــصــال الـسـرعـة ومــــرور اللحظة وفــــي الـــوقـــت نـفـسـه احـــتـــواء لــحــظــات مـتـعـددة داخل صورة واحدة، بحيث يستحيل فصلها». ذلــــك مـــا يـشـيـر إلــــى الـــزمـــن الــفــالــت مـــن قـيـاسـه الـــواقـــعـــي لــيــقــع فـــي فــلــك إطــــــاره الـــكـــونـــي غير المــــحــــدود. وهــــو زمــــن حــلــمــي، لا تــقــع وحـــداتـــه فــي الــســنــوات أو الأيــــام أو الــدقــائــق بــل فــي ما يتركه إيقاعه الذهبي من لذة في مفارقة المكان الـواقـعـي والانــتــســاب إلـــى الـحـركـة الـتـي يؤلف الزمن خيوط تشابكها. وهبتنا كاترينا غـــروس فـي معرضها « انطلقت ومشيت سريعا» فرصة مهمة للتعرف على التجريد لا باعتباره محاولة لخلق عالم فــنــي يـسـتـمـد وجــــــوده الـشـكـلـي مـــن الـعـنـاصـر الفنية من غير الحاجة إلى التشبه بالواقع بل وأيضا لكونه قادرا على إحياء الزمن بصيغته الحلمية وهي صيغة لا تخضع لسلطة المكان. «أنـــــت تــــرى كــمــا لـــو أنــــت تــحــلــم» تــلــك مــعــادلــة نجحت غروس في تثبيتها بحيث يخرج المرء مــن معرضها كـمـا لــو أنـــه أنـهـى حلما سبفكر كثيرا في إستعادته. كاترينا غروس من أعمال الفنانة فاروق يوسف تقول غروس إنها مهتمة بكيفية قدرة اللوحة على إيصال السرعة ومرور اللحظة وفي الوقت نفسه احتواء لحظات متعددة داخل صورة واحدة غواية الحياة الحديثة من زوايا مختلفة في مجموعتها القصصية «حلق صيني لا تـــرتـــديـــه مــــاجــــي» تــشــكــل الـــحـــيـــاة الــيــومــيــة الـــفـــضـــاء الــــســــردي الـــــذي تـخـتـبـر فــيــه الـكـاتـبـة والروائية المصرية ضحى عاصي أثر التحوّلات العالمية، عبر مفارقات تبدو عابرة لكنها تضع شخصياتها في مواجهات ندّية مع السياسة والاقتصاد، فتدفعها إلى إعادة تعريف ذواتها وسط تلك الدوائر المتداخلة. صــدرت المجموعة أخـيـرا عـن دار «دوِّن» لـلـنـشـر بـــالـــقـــاهـــرة، وفــيــهــا يـتـكـثـف الاشــتــغــال عـــلـــى الــــرمــــز، حـــيـــث تـــتـــحـــوّل مـــامـــح الأشـــيـــاء المـاديـة، من الهاتف المحمول والحُلي، ووجبة «ماكدونالدز»، وبوليصة التأمين، إلى شفرات ســــرديــــة تـــقـــرأ مــــن خـــالـــهـــا الـــكـــاتـــبـــة تـــحـــولات منظومة القيم، ومـا تتركه مـن أثـر فـي الهُوية الـــذاتـــيـــة، وبـــذلـــك تــنــحــاز الــنــصــوص لـلـتـاريـخ المكتوب في البيوت والجيوب والذاكرة. عـــبـــر خـــمـــس وعــــشــــريــــن قـــصـــة قـــصـــيـــرة، يـتـحـرى الـــســـرد الـهـشـاشـة الـبـشـريـة مـــن خـال مـواقـف مُبطنة، تـسـتـدرج أبـطـالـه إلــى مناطق جـــديـــدة لاخــتــبــار غـــوايـــة الــحــيــاة الـحـديـثـة من زوايـــــا مـخـتـلـفـة، فـفـي قـصـة «مــقــامــرة الأسـئـلـة الخمسة» يتزامن عيد ميلاد البطلة الخمسين مــــع رســــالــــة صـــوتـــيـــة تـــســـتـــدرجـــهـــا إلــــــى عــالــم الاحـــتـــمـــالات والــيــنــاصــيــب المــــــــراوغ: «لــــم تكن شيري في حاجة مادية فعلية لأن تذهب وراء هذه الرسالة التي جاءتها وهي تتصفح أحد مـــواقـــع الإنــتــرنــت بـأنـهـا الـــيـــوم الــفــائــز بجهاز الآيفون الأحـدث مجاناً»، ومنذ تلك اللحظة لا تـعـود القصة معنية بـالآيـفـون فـي ذاتـــه، بقدر مـا تنشغل بالكيفية الـتـي تخلق بها الثقافة الاســتــهــاكــيــة رغـــبـــات لـــم تــكــن فـــي الـحـسـبـان، وتـدفـع الإنـسـان إلــى ملاحقة احـتـمـالات تحتل مكانا متقدما مـن الـوعـي، فيصبح «الآيـفـون» بـــهـــذا المــعــنــى صــانــعــا لــلــرغــبــة أكـــثـــر مـــن كـونـه موضوعا لها. ولا تنفصل هـــذه الـــدلالـــة عــن الـثـنـائـيـات الــتــي تنسجها قـصـص المـجـمـوعـة بــن المـــادي والـــرمـــزي، وبــن القيمة الـتـي يـحـددهـا السوق وتـــلـــك الـــتـــي تـحـفـظـهـا الـــــذاكـــــرة، فـــفـــي «ســـرقـــة غـيـر مـمـكـنـة» تستيقظ الـبـطـلـة بــوجــه «صـــاف ومشرق، لكنه بليد» لتنحو إلى مراجعة ذاتية تـسـتـحـضـر الــعــمـــر ومـــحـــطـــاتـــه، فــيــمــا يـتـسـلـل السرد إلى مساءلة صناعة التجميل بوصفها آلية لمحو «الخطوط التعبيرية» ومعها الفروق الفردية تحت شعارات الكمال. وفي «ساعة يد» يضعنا السرد داخل توتر يصنعه منطقان، إذ تعجز الشرطة عن فهم إصــرار البطلة على التبليغ عن ساعة بلاستيكية مـسـروقـة، فيتكرر الــســؤال: هل هي مصنوعة من الذهب؟ هل ترصعها قطع مــن الألمــــاس؟ وفـــي المـقـابـل، تتمسك البطلة بسرديتها الحاضنة لتاريخها الشخصي، لتطرح القصة ســـؤالا ضمنيا عـن إمكانية «تــســعــيــر» الـــتـــاريـــخ الــشــخــصــي، أو مـحـوه حـــــن يـــعـــجـــز عـــــن الــــــدخــــــول فـــــي حـــســـابـــات السوق. ومـن خـال تكرار أسئلة التحقيق، ينسج السرد إيقاعه بين نبرتي الاستجواب والــــدفــــاع، لـيـبـلـغ أقــصــى تــوتــر بـــن القيمة المادية والقيمة العاطفية للأشياء. وفــــي الــقــصــة الـــتـــي تــحــمــل المـجـمـوعـة عنوانها «حـلـق صيني لا تـرتـديـه ماجي» لا تـتـوقـف كلمة «صـيـنـي» عـنـد بـلـد المنشأ الـذي تـزوره البطلة في رحلة عمل فحسب، إنـمـا تستدعي دلالـتـهـا الشعبية بوصفها مـرادفـا للبديل أو «المُــقـلـد»، لتصبح الحُلي وسيلة للتفاوض مـع الــواقــع الاقـتـصـادي، بما يكشف كيف تعيد الأزمات الاقتصادية تشكيل علاقة الإنـسـان بـالأشـيـاء: «تذكرت ليلى كيف تـدهـورت الأوضـــاع الاقتصادية فـــي بـــادهـــا، وارتــفــعــت أســـعـــار الـــذهـــب، ما جـــعـــل الــــذهــــب الــصــيــنــي هــــو الـــحـــل الأمـــثـــل للحفاظ على ماء الوجه، فقد باع كثير من النساء حليهن الأصلية واستبدلنه بذهب صيني حتى لا يلاحظ أحد تدهور الحال». تــتــجــلــى هــــــذه الــــــقــــــراءة بــــوضــــوح فـي قــــصــــة «تــــــرويــــــكــــــا» حــــيــــث يـــحـــتـــل افـــتـــتـــاح مـطـعـم «مـــاكـــدونـــالـــدز» فـــي مــوســكــو مطلع الـتـسـعـيـنـات مــوقــعــا يــتــجــاوز كـــونـــه حـدثـا عـــــابـــــراً، فـــالـــطـــابـــور الـــطـــويـــل أمـــــــام المــطــعــم «الأميركي» يتحوّل إلى علامة على خريطة عالم يتغير بالكامل بـمـوازيـن قـوتـه: «كـان الـشـوق واللهفة أن تلمس أيديهما أصابع البطاطس الذهبية أقـــوى مـن أي إحساس بـــالإرهـــاق، فلم تكن أي منهما تحلم يوما بـتـنـاول سـانـدويـشـات الـبـيـج مـــاك فــي قلب الــعــاصــمــة الــســوفــيــاتــيــة»، فـتـصـبـح وجـبـة سريعة شعبية وثيقة تؤرخ لانتقال العالم مــــن مـــــواءمـــــات الــــحــــرب الـــــبـــــاردة إلـــــى زمـــن العولمة والغزو الاقتصادي. ولا تــكــتــفــي الأشـــــيـــــاء فــــي المــجــمــوعــة بحمل الـــذاكـــرة أو تمثيل الــتــحــوّلات، إنما تكتسب أحيانا صوتا وإرادة، ففي «خناقة أسرية» تعلو أصــوات الأجهزة الكهربائية المنزلية فيما تخبو أصوات أهل البيت، في معادلة فانتازية تتقاطع فيها أنسنة الآلة مع مكننة الإنسان، حتى يصبح كل منهما ساعيا إلى انتزاع الاعتراف من الآخر. القاهرة: منى أبو النصر
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky