issue17409

مـثـان شهيران يـردّدهـمـا اللبنانيون، لكنَّهم قـلّــمـا يـقـتـدون بـهـمـا: «مـــن جـــرّب مــجــرّب كـــان عقله مخرب»، و«ما متت... بس ما شفت مين مات؟». لست ممن يلقون اللوم على طائفة أو منطقة أو فئة سياسية إذا ارتكب أحد اللبنانيين خطأ ما، بل أحمّل اللبنانيين جميعا المسؤولية، وأنا واحد منهم. أقـول قولي هذا استباقا لـردَّات فعل وأحكام من اعتادوا الحكم على النوايا بدل مناقشة الأفكار، ومن يختصرون أي نقد وطني باتَهام صاحبه. جـــــرّب الــلــبــنــانــيــون الانـــــدفـــــاع نــحــو الـقـضـايـا السياسية الخارجية، وبالغوا فـي ذلـك إلـى درجـة أن الخارج نفسه، أيا كـان، أُدهــش واستغرب حجم ذلك الانخراط الذي استنزف النِعم التي صنعت اسم لبنان، لبنان النموذج. جــــــرّب الـــلـــبـــنـــانـــيـــون المــــشــــاريــــع المـــقـــتـــرحـــة مـن الـــخـــارج، عـلـى اخــتــاف أنــواعــهــا وشــعــاراتــهــا، ولـم يــــدركــــوا عــقــمَــهــا أو ســــــوء نــتــائــجــهــا إلا بــعــد دفــع أغلى الأثمان: أرواحــا، وممتلكات، ومستقبل وطن ومصير أجياله. جــــرّب الـلـبـنـانـيـون الـــوصـــايـــات عــلــى اخــتــاف ثــــقــــافــــاتــــهــــا ولـــــغـــــاتـــــهـــــا، الـــــتـــــي اســــتــــعــــانــــت دائــــمــــا بـــالمـــيـــلـــيـــشـــيـــات كــــوكــــاء أتــــقــــنــــوا تـــنـــفـــيـــذ أوامــــرهــــا وأجنداتها، وكان مصير تلك الوصايات دائما إلى الفشل، ولو بعد حين. وجــــرّب الـلـبـنـانـيـون «الــحــمــايــاتِ» الـخـارجـيـة، واستقبلوها بالتَّصفيق والزغاريد، قبل أن يخيبوا بـــانـــســـحـــاب قـــواتِـــهـــا وأســـاطـــيـــلِـــهـــا عـــنـــدمـــا تـبـدلـت مصالحُها أو تـغـيـرت حـسـابـاتـهـا. رحــلــت السفن، وغادرت الجيوش، وبقي لبنان وحدَه يواجه نتائج الرهانات التي بُنيت عليها الآمال. أمَّــــا داخــلــيــا، فـقـد جــــرّب الـلـبـنـانـيـون الأحــــزاب والمـيـلـيـشـيـات الـطـائـفـيـة الـعـسـكـريـة والمــالــيــة، التي تــحــوَّلــت مـــع الـــزَّمـــن إلــــى «مــنــظــومــة» لــهــا نـظـامُــهـا الداخلي غير المعلن، تتكافل وتتضامن كلَّما تعلق الأمر ببقائها واستمرارها. مـــنـــظـــومـــة تــــحــــرص عـــلـــى اســــتــــدامــــة الــــغــــرائــــز والمـخـاوف الطائفية، وتفصّل القوانين على قياس مـصـالـحـهـا، غـيـر آبــهــة بـلـبـنـان وتــاريــخــه ومـعـنـاه ودوره، ما دامت تؤمِّن حاجاتِها واستمرار تسلطها على حساب الوطن والمواطن. وتــنــجــح أدوات هــــذه المـــنـــظـــومـــة، عــبــر تـغـذيـة المخاوف والانقسامات، في حرف أنظار اللبنانيين عــن المشكلة الحقيقية، وإلـهـائـهـم بـمـشـاريـع تبدو أحيانا وكأنَّها حلول، بينما هي تعيد إنتاج الأزمة نـفـسـهـا، مــن طـــروحـــات الـفـيـدرالـيـة والـكـونـفـدرالـيـة والتقسيم، وصولا إلى أفكار الانفصال أو الارتهان إلى مشاريع خارجية. وهكذا يتحوَّل النقاش من السؤال الأساسي: كــيــف نـبـنـي دولــــــة قــــــادرة تـحـمـي جــمــيــع أبـنـائـهـا؟ إلـــى نــقــاش حـــول أشــكــال جــديــدة لــتــوزيــع الضعف والانقسام. جـرَّب اللبنانيون «المـجـرّب»، وما زال بعضهم يكرّر التجربة نفسَها، غير آبهين بالتحذير الكامن فـــي المـــثـــل الــشــعــبــي، ومـــدفـــوعـــن بـــــ«الأنــــا» الـــتـــي لا تخطئ، والتي تتغذى من الإنكار. ومـــع ذلــــك، فــــإن الـلـبـنـانـيـن لا يـخـتـلـفـون على محطات تلك التجارب ولا على أثمانها، فهم جميعا يعيشون آثارها الجانبية والمزمنة. ويـــبـــقـــى الــــثــــابــــت الــــوحــــيــــد الـــثـــمـــن الــــــذي هـو بـمـتـنـاول أيـديـهـم ويمكنهم امـتـاكـه هــو وحدتهم الوطنية. وحـدتـهـم الــتــي لا تـعـنـي إلـــغـــاء الاخـــتـــاف، بل تحويله إلى مصدر غنى، والتي تقوم على المواطنة الــحــقــة والمـــــســـــاواة، ولا يـضـمـنـهـا ســــوى الــدســتــور والقانون ودولة قادرة على تطبيقهما. ومن عِبَر المثل الثاني، «ما متت... بس ما شفت مين مات»، فيحمل درسا أكثر قسوة. فعلى مـدى أربعة عشر عاماً، دفـع لبنان ثمنا هــائــاً: مـا يـقـارب مائتي ألــف شهيد، ومـئـات آلاف الجرحى والمعوقين، وندوبا نفسية لا تزال حاضرة، ومـلـيـارات الــــدولارات مـن الخسائر المــاديــة، إضافة إلى فرص اقتصادية ضائعة تُقدّر بمئات المليارات، وأضرار بيئية لا رجعة فيها. كل ذلك كان يمكن تجنبه أو تخفيفه لو سبق مــنــطــق الــــوفــــاق مــنــطــق الــــحــــرب، ولــــو عُـــقـــد مـؤتـمـر قبل هذا التاريخ بأربعة 1989 الوفاق الوطني سنة عشر عاما لما كانت تلك الحروب الكارثية. فـهـل يـتـعـلّــم الـلـبـنـانـيـون أن اســتــبــاق المشكلة وحلَّها قبل وقوعها أقــل تكلفة بكثير من محاولة معالجة آثارها بعد أن يصبح الثمن دما وخراباً؟ أمَّا خارجياً، فقد شاهد اللبنانيون، وشهدوا، كيف تُبدي الدول الكبرى مصالحها على أي اعتبار آخر، سواء تعلق الأمر بدولة أو جماعة أو فرد. ففي المـاضـي القريب، رأى العالم كيف تخلَّت قــــوى كــبــرى عـــن حــلــفــاء وثـــقـــوا بــهــا لــعــقــود عـنـدمـا تبدلت مصالحها وحساباتها، تاركة خلفها خيبات قاسية، من العراق إلى ليبيا، ومن أفغانستان إلى غيرها. وكان الدرس واضحاً: لا يمكن لأي شعب أن يبني أمنَه ومستقبلَه على إرادة الآخرين. في المقابل، حاولت إسرائيلُ، ولا تزال، تسويق مشاريع تتناسب مع مصالحها الخاصة، معتبرة أن لبنان الضعيف، ســواء كــان تابعا أو غـارقـا في الــحــروب، يبقى أكـثـر مـاءمـة لها مـن لبنان السيد المستقر والــقــادر. ويبقى المـثـال الفلسطيني الأكثر إيلاماً. قرن كامل من النَّزف، لم توقفه قرارات دولية ولا اتــفــاقــيــات ولا وعـــــود، مـــن الـــقـــدس إلــــى الـضـفـة الغربية وصولا إلى غزة، حيث بقيت الدماء تنزف والعالم يشاهد. ألا تــكــفــي كــــل هـــــذه الــــتــــجــــارب، الـــتـــي عـاشـهـا الـلـبـنـانـيـون أو شــاهــدوهــا بـأعـيـنـهـم، لــيــدركــوا أن الحفاظ على وطنهم ليس خياراً، بل شرط وجود؟ وأن لـيـس لـلـبـنـانـيـن إلا وحــدتــهــم الـوطـنـيـة، وتصويب قدراتهم الهائلة نحو بناء دولة مستقرة وعــــادلــــة وقــــــــادرة؛ دولـــــة تــحــمــي نـفـسـهـا بـنـفـسـهـا، وتصبح حاجة للخارج لا عبئا عليه، ومصدر ثقة لا مصدر خوف. وربَّما تكون المرة الأولى في تاريخ لبنان التي يـنـتـصـر فـيـهـا الـلـبـنـانـيـون جـمـيـعـا، لـيـسـت عندما يغلب فريق فريقا آخر، ولا عندما ينجح فريق في استدعاء الخارج أكثر من خصمه، بل عندما يقتنع الجميع بأن الدولة هي المنتصر الوحيد. فقد أثبت تاريخ لبنان أن كل انتصار داخلي قائم على الغلبة كان انتصارا مؤقتاً، وأن الخاسر الحقيقي كان دائما الوطن. أمَّا النَّصر الحقيقي، فهو أن يشعر كل لبناني أن كرامتَه يحميها القانون، وأن أمنَه تؤمّنه الدولة، وأن شـريـكَــه فــي الــوطــن لـيـس عــــدواً، بــل شـريـك في المصير. ويبقى الـسـؤال: هل يتّعظ اللبنانيون من أمثال هم أنفسُهم اقتبسوها، ولا يزالون يرددونها؟ أرجو ذلك. لأن الأوطــان تُخطئ كما يُخطئ البشر، لكنَّها لا تموت بأخطائها، بـل تموت حـن تـحـوّل الخطأ إلى عادة، والتجربة إلى إنكار، والانقسام إلى قدر. فــــالأوطــــان لا تـــمـــوت حـــن تـــخـــطـــئ... بـــل حين ترفض أن تتعلم. * ناشط سياسي Issue 17409 - العدد Tuesday - 2026/7/28 الثلاثاء كانت منطقة قناة السويس هـي المركز الـــرئـــيـــس الـــســـاخـــن لــلــعــمــلــيــات الــعــســكــريــة، والحروب الكبرى في منطقة الشرق الأوسط بــــصــــورة عـــامـــة حـــتـــى انـــطـــاقـــة الــــحــــرب ذات السنوات الثماني بين العراق وإيران. وبعدها تغير كل شيء ليصبح الصراع المباشر على منابع النفط في الخليج -بمختلف الأشكال وتعدد الأسباب- هو المعركة الأولى، والأهم. الانــــــتــــــقــــــال هــــــــذا صــــــــار تــــدريــــجــــيــــا مــن الخمسينات لحد اليوم، والنفط هو السبب في المائة. 90 الرئيس بنسبة - لمـــــــاذا كــــانــــت الـــــحـــــروب حــــــول قــنــاة 1 الـسـويـس، لأن قـنـاة الـسـويـس كـانـت شـريـان التجارة العالمي، قبل اكتشاف النفط بكميات ضـخـمـة، وأهـمـيـة الــشــرق الأوســــط كـانـت في فـي المـائـة مـن تـجـارة العالم 30 المـوقـع، حيث كانت تمر عبر القناة. مـــصـــر أمـــمـــت الـــقـــنـــاة، 1956 فــــي حـــــرب فأعلنت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل الحرب عـلـيـهـا. كـــان الـــصـــراع عـلـى مــن يسيطر على الممر الحيوي. : كـانـتـا بين 1973 و 1967 وأيــضــا حـربـا مـــصـــر وإســــرائــــيــــل. وكــــــان الــــهــــدف: ســيــنــاء، والقناة. وبـــالـــتـــالـــي كـــــان الـــــصـــــراع «جـــغـــرافـــيـــا - تجاريا ً». متى ولمـاذا انتقل الصراع للخليج؟ لقد دخل عامل جديد غيّر كل الموازين: النفط كان هو الدافع. ســـاح الـنـفـط، حـيـث قـام 1973 : الــفــتــرة الـــعـــرب بـتـوظـيـف الــنــفــط كـــســـاح بــعــد حــرب أكـــتـــوبـــر (تـــشـــريـــن الأول). أدرك الـــعـــالـــم كله أن الـخـلـيـج هـــو الــــذي يـتـحـكـم فـــي الاقـتـصـاد العالمي. : حـــيـــث حــــــرب الــخــلــيــج 1988 – 1980 الأولــــى الـتـي كـانـت بــن الــعــراق وإيـــــران. كـان الـــســـبـــب الــــواضــــح هــــو الـــســـيـــطـــرة عـــلـــى شـط العرب، بالإضافة إلى حقول النفط. التي شهدت 1991 - 1990 ثم جاءت فترة غـــزو الـكـويـت. الــعــراق غـــزا الـكـويـت ليسيطر في المائة من احتياطي النفط العالمي، 20 على ويلغي ديونه أيضاً. هكذا كانت الفكرة. كـــان غـــزو الـــعـــراق. أمـيـركـا دخلت 2003 العراق، وكان السبب المعلن هو تدمير أسلحة دمار العراق، أما السبب الاستراتيجي فكان: الـسـيـطـرة عـلـى نـفـط الـــعـــراق، بــالإضــافــة إلـى 2011 إســقــاط صـــدام حـسـن ونـظـامـه. ومـنـذ حتى الآن تشهد المنطقة صـراعـات بالوكالة في اليمن، وسوريا، والخليج. كلها مرتبطة بـخـطـوط أنــابــيــب، ومـضـيـق هــرمــز، وأسـعـار النفط. ومن البديهي سؤال: ما هي علاقة النفط بالموضوع؟ أسـبـاب جعلت الخليج 3 أصـبـح هـنـاك هو «قلب الصراع الجديد»: - حـــجـــم الاحـــتـــيـــاطـــي: دول الـخـلـيـج 1 في المائة من احتياطي النفط المؤكد 48 لديها في العالم، بالإضافة إلى أكبر احتياطي غاز. قناة السويس تبقى الطريق، لكن الخليج هو «المخزن». مليون برميل نفط 21 : - مضيق هرمز 2 في المائة 20 تمر منه يومياً، وهـو ما يعادل مـــن نـفـط الــعــالــم. بـالـتـالـي مـــن يـسـيـطـر على هــرمــز يسيطر عـلـى أســعــار الـنـفـط الـعـالمـيـة. إيـــــــــران، والــــســــعــــوديــــة، والإمـــــــــــــارات، وعُــــمــــان جميعها موقعها على المضيق. صـار 1974 - الـــــدولار والــنــفــوذ: بـعـد 3 اتــفــاق «الـــبـــتـــرودولار»، وأصــبــح الـنـفـط يباع بـــالـــدولار الأمـيـركـي فـقـط. مـمـا يعني أن أمـن الخليج أمر مهم جدا للاقتصاد العالمي. الـــــصـــــراع انـــتـــقـــل مــــن «الـــســـيـــطـــرة عـلـى الطريق» -أي قناة السويس- إلـى «السيطرة على المصدر»، أي المصب، ومضيق هرمز. مـــــــــادام الـــنـــفـــط هـــــو الــــــــدم الــــــــذي يـــحـــرك الاقتصاد العالمي، فإن الخليج سيظل المركز المهم الذي تتجه إليه أنظار العالم للعمل على سلامته. ولـــــذلـــــك ســـيـــبـــقـــى الـــنـــفـــط هـــــو المـــفـــتـــاح، والخليج هو الباب. فــي حــــواره مــع مجلة الــ«إيـكـونـومـيـسـت»، أعـــاد إيلون ماسك إثـارة الجدل بشأن مواقفِه من الهجرة، والهُوِيَّةِ، والعرقِ، والأديـان؛ بمَا فيها الإسلامُ، الذي فــي المـائـة، 1.3 مــا زال يـشـكّــل فــي الـــولايـــات المـتـحـدة ملايين ونصف المليون مسلم. 4 بحدود المفارقة أن ماسك نفسَه مهاجر جنوب أفريقي استقر في الولايات المتحدة وبنَى فيهَا إمبراطوريته الاقتصادية، بوصفه أحــد نـمـاذج الهجرة النَّاجحة صــــوب «الـحـلـم الأمـــيـــركـــي»، لـكـنَّــه بــــات الــيــوم ممثلا لأعلَى الأصـوات تحذيرا من الهجرة الجماعية، ومن تراجع معدّلات المواليد في المجتمعات الغربية. هــل مـاسـك صـــوت نــشــاز؟ بالتأكيد لا، فـالـجـدل بــشــأن الــهُــويــة هــو الــتــحــدي المــقــبــل؛ لـيـس لــلــولايــات المتحدة وأوروبا وحدَهما، بل للعالم كلّه، وهو اليوم في قلب مفهوم الدولة، لكنَّه في الجانب الغربي من العالم يأخذ أشكالا وجودية: من يملك تعريف الأمة والانتماء إليها؟ وهل يمكن للمجتمعات أن تحافظ عــلــى هُــويَّــتــهــا فـــي ظــــل تـــحـــولات ســكــانــيــة وثـقـافـيـة متسارعة؟ مسألة الـهُــويـة هـي البوصلة الـتـي يـعـود إليها معظم قضايا السياسة والأمن والاقتصاد، بل حتى الــحــروب ذاتــهــا، رغـــم أنَّــهــا تـبـدو لأول وهـلـة صـراعـا عـــلـــى المــــــــوارد وتـــنـــافـــســـا عـــلـــى المـــــقـــــدرات، لــكــنَّــهــا فـي جـوهـرهـا حــــروب عـلـى الـــذاكـــرة والانــتــمــاء والـتـاريـخ والسياق الحضاري، وهو الأمر ذاته إذا تأملنا كثيرا من الحروب الأهلية والتحديات الداخلية في الدول التي أخفقت في ترسيخ مفهوم المواطنة لتحل محله الانقسامات العرقية والطائفية والمذهبية. الهجرة اليوم من أهم التحديات في العالم، حيث لا يُــنـظـر إلـيـهـا بصفتها نقطة الـتـقـاء بــن الشعوب والحضارات، بل على أنَّها مصدر للمخاوف وفقدان السيادة والقلق من تغير الثقافة والهوية، فضلا عن التنافس على الوظائف والخدمات والموارد، وبالطبع التحديات الأمنية المرتبطة بالعنف والإرهــــاب. ولا شك في أن «الإسلام»، بالمعنى العام، يحتل الصدارة في هذا النقاش، رغم أنَّه لا يشكل النسبة الكبرى بين المهاجرين، بقدر مـا ينظر إليه وفــق مفهوم الهُوية والثقافة الخاصة التي تصبغ المنتسبين إليه. فـــي أحــــدث بــيــانــات «مـــركـــز بـيـو المــخــتــص» جـاء أن الإسـام أسـرع الديانات الكبرى نموا من الناحية السكانية. فقد بلغ عدد المسلمين نحو ملياري نسمة في المائة من سكان العالم، وازداد 25.6 ، أي 2020 عام مليون نسمة، والأهم أن 347 عددُهم خلال عقد بنحو هذا النمو مرتبط بأعمار صغيرة نسبياً، وبارتفاع في معدلات الولادات. ويـشـكـل عـــدد المـهـاجـريـن المسلمين حـــول العالم في المائة من المهاجرين 29 مليوناً، بما يعادل 80 نحو في 6 الــدولــيــن. فــي أوروبـــــا، يـشـكّــل المـسـلـمـون نـحـو المـائـة مـن السكان. وتـقـدَّر سيناريوهات «مـركـز بيو نحو 2050 المختص» أن نسبتهم قد تبلغ بحلول عام في 11.2 في المائة حـال توقفت الهجرة تماماً، و 7.4 المائة إذا استمرت الهجرة بوتيرتها المعتادة، ونحو في المائة حال ارتفاع معدلات الهجرة. 14 لماذا تبدو حالة الهلع متصاعدة رغم أن الأرقام لا تعكس وجود تهديد ديموغرافي؟ الجواب ببساطة هـو الفشل فـي ملف الانــدمــاج أولاً، وفــي الاستثمار في الإسلام المعتدل، بدل المسارعة إلى تبني مفاهيم وســيــاســات ومـــقـــولات الإســامــوفــوبــيــا، وتحويلها استراتيجيات أمنية تزيد من العزلة، وبالتالي إنتاج القابلية للتطرف. وما يقال عن أوروبا، التي تعيش التحدي الأكبر لمسألة الاندماج، يمكن أن يقال عن الولايات المتحدة الأميركية، حيث فـي أعلى التوقعات يمكن أن تبلغ ،2050 في المائة بحلول عام 2.1 نسبة المسلمين نحو وهــو رقــم لا يشكل معضلة، فـالـخـوف الأمـيـركـي من الهجرة مرتبط أشد بالحدود الجنوبية، والتحولات العرقية واللغوية، ومكانة «البيض» داخل المجتمع. لكن الإســام يحظى بالتغطية والـجـدل؛ بسبب تحديات الاندماج وخلق هوية مواطنة لا تتعارض مع الديانة، وهي مهمة لا تُلقى على كاهل الحكومات والمــؤســســات قـــدر المـجـتـمـعـات المـسـلـمـة الــتــي تعيش أيضا معضلة الهوية داخل أوطانها الجديدة. وهــــذه مـعـضـلـة جـــديـــرة بـالـتـعـاضـد مـــن أجـلـهـا ودراستها وتحويلها ملفا عالميا لا يحتمل الهروب إلــــى الأمـــــام كــمــا يـفـعـل إيـــلـــون مـــاســـك ومــــن هـــم على شـاكـلـتـه، وهـــم فـــي ازديــــــاد، حـــن يــقــولــون: نـحـن في عـصـر حــــروب الـــهُـــويـــة. ومـــا يـفـعـلـه مــاســك وآخــــرون هـو نـقـل القلق الديموغرافي مـن نقاشات التعصب اليميني إلى الفضاء الرقمي. المــشــكــلــة لــيــســت فـــي انـــتـــشـــار الإســــــام أو نسب المسلمين، وإنَّما في نوعية العلاقة التي تُبنى معهم وفــق مفهوم المـواطـنـة، فالهُوية لا تعمل فـي الـفـراغ. وأي مجتمع يـتـخـاذل عـن بـنـاء استراتيجيات دمج واضحة، سيكون البديل فيه هو البحث عن هويّات فـرعـيـة بـديـلـة مـتـطـرفـة تـعـمـل ضــد الـهـويـة الوطنية الجامعة. الاستثمار في الإسلام المعتدل؛ من بناء شراكات وعـــاقـــات إيـجـابـيـة مـبـاشـرة بـالمـجـتـمـعـات المسلمة، ودفعها باتّجاه احترام القانون وفهم الثقافة المحلية وتعلم اللغة والإســهــام الاقــتــصــادي، والـقـبـول بقيم المـواطـنـة، والقطيعة مـع الـهـويـات الفرعية المـضـادة لمنطق الـدولـة... لم يعد خيارا هامشياً، بل هو جزء أصـــيـــل مــــن ســـيـــاســـات الأمــــــن الـــوطـــنـــي والاســـتـــقـــرار الاجتماعي. الخليج سيظل المركز المهم الذي تتجه إليه أنظار العالم حسين شبكشي يوسف الديني *حسن الحسيني OPINION الرأي 14 حرب الهويات والخوف الديموغرافي النفط هو المفتاح هل يتّعظ اللبنانيون؟

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky