issue17409

الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel ما نشهده اليوم ليس مجرد تكاثر للأزمات، بل تحول بنيوي فـي النظام الــدولــي، ينتقل فيه العالم مـــن مــرحــلــة الـهـيـمـنـة الأحــــاديــــة إلــــى تــعــدديــة قطبية تــنــافــســيــة. فـــالـــولايـــات المـــتـــحـــدة والـــصـــن تــتــنــازعــان النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي، وأوروبـا وروسيا تتنازعان على إعـادة رسم حـدود الأمـن القاري، فيما تتَّسع الفجوة السياسية والاقـتـصـاديـة بـن الشمال والجنوب. وفي الشرق الأوسط، تتباين مواقف الدول العربية من إيران وإسرائيل. وبذلك لم يعد الاستقطاب عسكريا فقط، بل أصبح تجاريا وتكنولوجيا وطاقيا وإعلاميا أيضاً. في هذا السياق، يطرح سؤال مختلف حول معنى القوة: هل تكمن قوة الدولة في انخراطها الكامل في أحد المعسكرات، أم في قدرتها على الاحتفاظ بهامش مــن الاســتــقــال، والــتــواصــل مــع أطــــراف متنافسة في الوقت نفسه؟ فالتأثير في النظام الدولي المعاصر لا ينبع دائـمـا مـن قـيـادة مـحـور، بـل قـد ينتج أيـضـا من القدرة على الربط بين المحاور، وبناء الثقة، وتحويل المـــوقـــع الــوســيــط إلـــى رأســـمـــال سـيـاسـي واقــتــصــادي ودبلوماسي. وتظهر عناصر هذا النموذج، بدرجات متفاوتة، فـــي تـــجـــارب المـــغـــرب والــســعــوديــة والإمـــــــارات والـهـنـد وتـــركـــيـــا والــــبــــرازيــــل وإنـــدونـــيـــســـيـــا. ورغــــــم اخـــتـــاف سـيـاسـاتـهـا، يـجـمـع بـيـنـهـا تــوســيــع هــامــش الـحـركـة بـن مـراكـز قــوة مـتـعـددة، مـع ثـبـات المـصـالـح ومـرونـة الشراكات. هذا النمط من الدول يسمى «دول الجسور». ولا تحيل التسمية إلــى مـوقـع جـغـرافـي فحسب، بـل إلى وظيفة سياسية: الجمع بين وضوح المصالح، وتعدد الـــشـــراكـــات، والـــتـــواصـــل مـــع قـــوى مـتـنـافـسـة مـــن دون التبعية لأي منها. وهــي تنتج الثقة، وتفتح قنوات الاتصال، وتحول الربط والوساطة إلى نفوذ سياسي واقتصادي واستراتيجي. يــنــبــغــي الــتــمــيــيــز بــــن دولـــــــة الـــجـــســـر والــــدولــــة المـتـأرجـحـة: فـالأخـيـرة تغيّر مواقعها تحت الضغط أو طـــلـــبـــا لمـــكـــاســـب ظــــرفــــيــــة، بـــيـــنـــمـــا تـــــنـــــوّع الأولــــــى شراكاتها وفق رؤيـة ثابتة لمصالحها. فالاستقلالية الاستراتيجية لا تعني غـيـاب الالــتــزامــات، بـل رفض اختزال السياسة الخارجية في الاصطفاف الأحادي. وتـوضـح السياسة الـخـارجـيـة للسعودية جانبا من هذا المنطق؛ إذ تحافظ على شراكاتها مع الغرب، مع توسيع تعاونها مع الصين وروسـيـا، في انتقال من التحالف الكامل إلى تعدد الشراكات. وتظهر صور أخرى في تجارب الهند والبرازيل وتـــركـــيـــا. فــالــهــنــد تــجــمــع بــــن شـــراكـــتـــهـــا مــــع الـــغـــرب وعلاقاتها الاستراتيجية مع روسيا؛ والبرازيل بين عضويتها في «بريكس» وعلاقاتها الغربية؛ وتركيا بين عضويتها الأطلسية وعلاقاتها مع روسيا وإيران والصين. لكن تعدد العلاقات لا يصنع جسرا تلقائيا ما لم تدعمه الثقة والاستمرارية. ويــــقــــدم المــــغــــرب نــــمــــوذجــــا مـــهـــمـــا لـــفـــكـــرة دولــــة الجسر. فموقعه لا يختزل في القرب الجغرافي من أوروبــا، بل يتقاطع فيه الانتماء الأفريقي والعربي والمــــتــــوســــطــــي والأطـــــلـــــســـــي. كـــمـــا تـــجـــمـــع ســيــاســتــه الـــخـــارجـــيـــة بــــن شـــــراكـــــات تـــاريـــخـــيـــة مــــع الــــولايــــات المـــتـــحـــدة وأوروبــــــــا، وتـــعـــزيـــز حـــضـــوره المــؤســســاتــي والاقتصادي في أفريقيا، وانفتاح متنام على الصين وروسيا وتركيا، فضلا عن روابطه مع دول أميركا اللاتينية. وتتحول هـذه الهوية المتعددة إلـى مورد اســـتـــراتـــيـــجـــي حــــن تــدعــمــهــا شـــبـــكـــات دبــلــومــاســيــة واقـــتـــصـــاديـــة وبـــرلمـــانـــيـــة، وبـــنـــى لـوجـسـتـيـة ومـالـيـة تربط بين فضاءات مختلفة. وبذلك لا يكون المغرب مــجــرد نـقـطـة عــبــور جـغـرافـيـة، بــل فــاعــل يـسـعـى إلـى ربـط أوروبــا بأفريقيا، والمجال الأطلسي بالساحل، والفضاء العربي بعمقه الأفريقي. لا يكفي الارتــبــاط بــأطــراف مختلفة كـي تصبح الــــدولــــة جـــســـراً. فــنــجــاح هــــذا الــــــدور يـتـطـلـب وضـــوح المـصـالـح، واسـتـمـراريـة السياسة الـخـارجـيـة، وقـبـولا من أطـراف متنافسة، ومؤسسات قـادرة على تحويل العلاقات إلى مبادرات، ومنفعة ملموسة كالوساطة والاستثمار والربط اللوجستي والتعاون التنموي. ومـــن دون ذلــــك، قـــد يـصـبـح تــعــدد الــعــاقــات مــنــاورة ظرفية. لا يـــحـــتـــاج الـــنـــظـــام الـــــدولـــــي إلــــــى قــــــوى الــــــردع والــتــحــالــفــات فـحـسـب، بـــل أيــضــا إلـــى دول تــحــد من تكاليف الاستقطاب وتمنع المنافسة من التحول إلى قطيعة. فالجدران التجارية والتكنولوجية، وإغلاق الحدود، وتسييس الممرات وسلاسل الإمداد، تجعل إبقاء قنوات التواصل مفتوحة موردا استراتيجياً. وفـي مقابل «دولــة الجسر»، يمكن الحديث عن «دولـــــة الـــحـــاجـــز»؛ أي الـــدولـــة الــتــي تـجـعـل القطيعة والـــضـــغـــط والإقــــصــــاء أدوات دائـــمـــة فـــي سـيـاسـتـهـا الخارجية. وربما تمنحها هذه الأدوات قدرة مؤقتة عـلـى الإكـــــراه، لـكـنـهـا تـسـتـنـزف رصــيــدهــا مــن الـثـقـة، وتـضـعـف أهـلـيـتـهـا لـلـوسـاطـة، وتـحـولـهـا مــن منتج لــاتــصــال إلـــى مـنـتـج لــانــقــســام. فــالــربــط والإقــصــاء لـــيـــســـا أداتــــــــن مــخــتــلــفــتــن فـــحـــســـب، بـــــل فــلــســفــتــان متعارضتان في تصور العلاقات الدولية. فـي عـالـم يـــزداد فيه الاسـتـقـطـاب، لـن تُــقـاس قوة الـدول بما تملكه من أدوات الإكــراه، بل بما تستطيع الحفاظ عليه من قنوات اتصال. فدولة الجسر لا تلغي الــخــافــات، ولا تـقـف بــالــضــرورة عـلـى مـسـافـة واحـــدة مـن الجميع، لكنها تمنع الاخـتـاف مـن التحول إلى عزلة دائمة، وتحافظ على إمكان التفاوض حين تبدو القطيعة هي الخيار الأسـهـل. وقـد تكون هـذه القدرة على إبقاء المستقبل مفتوحا أحد أهم أشكال القوة في النظام الدولي الجديد. الاستقلالية الاستراتيجية مصدرا للقوة OPINION الرأي 13 Issue 17409 - العدد Tuesday - 2026/7/28 الثلاثاء لحسن حداد عبدالحق عزوزي عندما تبني الحضارة الإنسانية أبطالها مــرة أخـــرى، تثبت كــرة الـقـدم أنـهـا ليست مجرد لـعـبـة تُــحـسـم فـــوق المـسـتـطـيـل الأخـــضـــر، بــل هــي مــرآة تعكس ما يدور في عمق المجتمعات، ومختبر حقيقي لقياس جـودة السياسات العمومية، والاستثمار في الإنسان، ونجاعة المدرسة، وقدرة الدولة على تحويل الــتــنــوع قـــــوةً، والــهــجــرة فـــرصـــةً، والاخـــتـــاف مـصـدرا للإبداع. لقد جاء تتويج المنتخب الإسباني بكأس العالم ليؤكد أن البطولات الكبرى لا تُصنع بالحظ، ولا تُولد فــي تسعين دقـيـقـة، وإنــمــا تُــبـنـى عـبـر ســنــوات طويلة مـن التخطيط، والـتـكـويـن، والاسـتـثـمـار فـي الإنـسـان، والـثـقـة فــي الـشـبـاب، والـــقـــدرة عـلـى اكـتـشـاف المـواهـب وصقلها، مهما كانت أصولها الاجتماعية أو الثقافية أو الجغرافية. ولــعــل أبــــرز رمــــوز هــــذا الــتــتــويــج الــعــالمــي الـنـجـم لامــــن يــــامــــال، ذلــــك الـــشـــاب الـــــذي تـــعـــود أصـــولـــه إلــى المغرب، والـذي أصبح في سن مبكرة أحد أبـرز نجوم الــكــرة الـعـالمـيـة. لكنه لـيـس حـالـة اسـتـثـنـائـيـة، بــل هو جــــزء مـــن جــيــل كـــامـــل صـنـعـتـه الـــهـــجـــرة، واحـتـضـنـتـه المدرسة الرياضية الإسبانية، ومنحته فضاء للإبداع والانتماء والعطاء. إن لامــن يـامـال، ونيكو ويليامز، وغيرهما من أبناء الهجرة، يوجهون اليوم رسالة قوية إلى العالم: أن الهجرة ليست عبئا كما يروج له بعض الخطابات الشعبوية، وإنـمـا رأســمــال بـشـري هـائـل متى أُحسن استثماره. فالمهاجر لا يحمل معه حقيبة السفر فقط، وإنما يحمل أيضا ثقافته، وإرادته، وأحلامه، وقدرته على الإبداع والابتكار. ولــــذلــــك؛ لــــم يـــكـــن غـــريـــبـــا أن تـــتـــحـــول مـنـتـخـبـات أوروبــــيــــة عـــــدّة فـسـيـفـسـاء حـــضـــاريـــة جـمـيـلـة، تجمع لاعبين من أصول عربية وأفريقية وآسيوية وأوروبية فــي فـريـق واحــــد، يـوحّــدهـم الانـتـمـاء لـلـوطـن، والعمل الــجــمــاعــي، واحــــتــــرام الـــقـــانـــون، والــرغــبــة فـــي تحقيق الإنجاز. وفي المقابل، فإن هذا التتويج الإسباني لا ينبغي أن يحجب حقيقة أخرى بالغة الأهمية، وهي التطور الــافــت الــــذي تـعـرفـه كـــرة الــقــدم الـعـربـيـة والإسـامـيـة خلال السنوات الأخيرة. فـقـد أثــبــت المـنـتـخـب المــغــربــي فـــي مــونــديــال قطر وفـــي المـــونـــديـــال الأخـــيـــر أنـــه قــــادر عـلـى مــقــارعــة كـبـار العالم، وقدم نموذجا حضاريا قبل أن يكون نموذجا ريــاضــيــا، جـمـع بــن الانــضــبــاط، والـــــروح الـجـمـاعـيـة، والـتـواضـع، والاعــتــزاز بالهوية، واحــتــرام الآخـــر. ولم يكن ذلك الإنجاز مجرد مصادفة، بل ثمرة إصلاحات عميقة عرفتها منظومة التكوين والبنيات التحتية والاستثمار الرياضي بالمملكة المغربية. إن الرسالة التي تحملها هذه التحولات واضحة: الفجوة الحضارية ليست قدرا أبدياً، وإنما هي نتيجة خيارات وسياسات، ويمكن تجاوزها عندما يصبح الاستثمار في الإنسان أولوية وطنية. ثـــم إن المـنـتـخـبـات الــكــبــرى لـيـسـت ســـوى امــتــداد لمجتمعات قوية، تعرف كيف تكتشف المواهب، وكيف تمنح الفرصة للجميع من دون تمييز، وكيف تجعل من المدرسة والأسرة والنادي والإعلام حلقات متكاملة في صناعة الإنسان. ومن هنا، فإن الانتصار الحقيقي ليس هو الفوز بالكأس فقط، وإنما النجاح في بناء منظومة تجعل الفوز نتيجة طبيعية، وليس استثناء عابراً. وفـــي هـــذا الــســيــاق، تـبـرز الـهـجـرة بصفتها أحـد أهـــم الـــروافـــد الـتـي أعــــادت تشكيل الـريـاضـة العالمية. فــمــن لامــــن يـــامـــال إلــــى كــيــلــيــان مـــبـــابـــي، ومــــن جـمـال مـوسـيـالا إلـــى نيكو ويـلـيـامـز، ومـــن عــشــرات الأسـمـاء الأخرى، نكتشف أن كثيرا من نجوم الكرة العالمية هم أبـنـاء الـهـجـرة، أو أبـنـاء أســر قَــدِمــت مـن الـجـنـوب إلى الـشـمـال بحثا عــن حـيـاة أفــضــل، فـــإذا بـهـم يصبحون سفراء لبلدانهم الجديدة، من دون أن يقطعوا صلتهم بجذورهم الأولى. وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ ففي الوقت الـذي لا تـزال فيه بعض الأحـزاب اليمينية المتطرفة تنظر إلى الــهــجــرة بصفتها تــهــديــداً، تـثـبـت الــوقــائــع أن هـــؤلاء المهاجرين وأبناءهم أصبحوا جزءا من القوة الناعمة لـلـدول، وعنصرا أساسيا فـي اقتصادها، وثقافتها، ورياضتها، وعلومها، وابتكاراتها. إن الــريــاضــة، كـمـا الـثـقـافـة والاقــتــصــاد والبحث الــعــلــمــي، تـــؤكـــد أن الـــحـــضـــارات لا تُــبــنــى بــالإقــصــاء، وإنما بالتنوع، ولا تزدهر بالخوف من الآخـر، وإنما بـــالانـــفـــتـــاح عــلــيــه، ولا تـنـتـصـر بــالــعــنــصــريــة، وإنــمــا بتكافؤ الفرص. ولـــذلـــك؛ فـالـبـطـولـة هــي بـطـولـة صنعها تحالف الحضارات والمــدارس، والأندية، والجامعات، ومراكز البحث، وسياسات الإدماج، وثقافة المواطنة، واحترام الـكـفـاءة. فالمنتخبات الـكـبـرى لا تُصنع فـي أسابيع، ولا تــولــد مـــن رحـــم المـــصـــادفـــة، بـــل هـــي ثــمــرة سـنـوات طويلة من التخطيط، والاستثمار، واكتشاف المواهب، بصرف النظر عن أصولهم الاجتماعية أو الثقافية أو الجغرافية. إن كأس العالم، في نهاية المطاف، لا يفوز بها أحد داخل الملعب فقط، وإنما يفوز بها مجتمع بأكمله، يبدأ انـتـصـاره فـي المجتمع، ويـتـرسـخ فـي مـراكـز التكوين، ويكتمل في احترام القانون، والعدالة، والعمل، والإيمان بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية للأمم. وهــــذا هــو الــــدرس الــــذي تــؤكــده إسـبـانـيـا الــيــوم. فـالمـسـتـقـبـل يــكــون لــأكــثــر قــــدرة عــلــى الاســتــثــمــار في الإنــســان، وعـلـى تحويل التنوع قـــوةً، والـهـجـرة قيمة مــضــافــة، والــريــاضــة مـــدرســـة لـبـنـاء الــحــضــارة، وهـي إحــــدى أهـــم أدوات الــقــوة الـنـاعـمـة فــي الــقــرن الــحــادي والعشرين.

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky