عـــــرض أمـــجـــد مـــكـــي، مـــنـــذ أيـــــــام، وهـــو محقِّق فتاوى الشيخ مصطفى الزرقا وأحد املقربني مـنـه، رسـالـة خطية كتبها الشاعر نــــزار قـبـانـي إلـــى الـشـيـخ مـصـطـفـى الـــزرقـــا، تُـــنـــشـــر ألول مـــــــرة، وهــــــي رســــالــــة مــفــاجــئــة واستثنائية؛ ألنّها تحمل كثيرًا من اللمحات الدالة على مكانة الرجلني الكبيرين: عميد الفقه اإلسالمي، وشاعر الحب واملرأة. ونـــحـــن أمـــــام لــقــبــ تــشــكّــ مـــن خــ ل مـــســـيـــرة دؤوبــــــــة ومـــنـــتـــجـــة، وبــــنــــاء راســــخ ومتميّز حتى استقرّا في الوجدان الثقافي الـعـام، األول مـن خــ ل عـطـاء فكري وإنتاج فقهي قـــل نظيرهما فــي الـعـالـم اإلســ مــي، والـــثـــانـــي مـــن خــــ ل إبـــــداع شــعــري مـتـوهّــج ارتقى بالحب واملــرأة من التجربة الخاصة إلــى أفــق إنـسـانـي واســـع، وأخـــرج القصيدة العاطفية من لغة الغزل التقليدية إلـى لغة أكثر قربًا من الحياة اليومية، فجعل شعره عالمة فارقة في الشعر العربي الحديث. وكـــــان الــشــاعــر والــدبــلــومــاســي ورجـــل األعـــمـــال الـــســـعـــودي عــبــد املــقــصــود خـوجـة يلح على الشيخ الزرقا أن يجمع له أشعاره لينشرها فـي ديــــوان، واسـتـغـرق األمـــر عدة سنوات، ثم ملا صدر الديوان فرح الشيخ به فرحًا كبيرًا، ورأى أن يهدي نزارًا نسخة منه، فكانت هذه الرسالة جوابًا على هذه الهدية: «أستاذي ومعلّمي الكبير. أســـعـــدنـــي أن أســـمـــع صـــوتـــك الـجـمـيـل بعد خمسني عامًا من النَأْي، فأنا واحد من الــطــ ب الــذيــن شــربــوا الـعـلـم مــن ينابيعك، واســــتــــنــــاروا بـــقـــنـــاديـــل مـــعـــرفـــتـــك فــــي كـلـيـة 1944 الـــحـــقـــوق بــالــجــامــعــة الـــســـوريـــة عـــــام .1945 و إن شيخنا مصطفى الـزرقـا كـان دائمًا نموذجًا لكبار عصر التنوير، بل كان واحدًا من أئمة املعرفة العربية من أمثال ابن سينا، وابن رشد، والفارابي، الذين أعطوا البشرية بـيـادر عالية مـن حنطة الفكر، وحـدائـق من فاكهة املعرفة. وإذ كـــنـــت قـــد عـــرفـــتُـــك عــاملـــــ ، وفـقـيـهـ ، وإمـــامـــ.. فيسعدني الـيـوم أن أكـتـشـف فيك الــزمــيــل الــشــاعــر الــــذي يــرمــي أقـنـعـة الــوقــار والــحــكــمــة والــقــبــعــة األكـــاديـــمـــيـــة.. ويــرمــي نفسَه فـي بحر الشعر.. حيث املــاء قصيدة زرقــاء.. والرمل منديل من الحرير.. وألوف الحوريّات بانتظار اإلمام الشاعر.. ليتبرَّكن بعطر قصائده... فــشــكــرًا لــــك، يـــا حـبـيـبـنـا ويــــا معلمنا، ألنّـــك (ارتـكـبـتَ) أخـيـرًا إثــم الـشـعـر.. وغَــوايـة الــــقــــصــــيــــدة.. رغــــــم إيـــمـــانـــي الـــعـــمـــيـــق، مـنـذ بداياتي الشعرية األولى.. أن الشِعْر هو نقاء النقاء.. وطهارة الطهارة. وفــــــــي هــــــــذا الــــــزمــــــن الـــــــــرمـــــــــادي الــــــذي يــحــاصــرنــا مـــن الـــشـــرق والــــغــــرب، والــشــمــال والجنوب، يأتي ديوانك (قوس قزح) ليحمل إلـيـنـا أســـــراب الــحــمــام، ورائـــحـــة الـيـاسـمـ ، ورائحة الحُبّ. أطال الله عمرَك، وغَمَرَك دائمًا بغالئل الصحة والسعادة. أخوك نزار قباني .»1996 تموز 25 لندن وبعد سنتني مـن تـاريـخ هــذه الرسالة الـتـي لـم نقرأها إال الـيـوم، قــص علينا نـزار سبب هذا النأي الذي ورد ذكره في الرسالة، فــــي مـــقـــالـــة نـــشـــرهـــا فــــي جــــريــــدة «الـــحـــيـــاة» اللندنية ضمن سلسلة من املقاالت، استعاد فـــي بـعـضـهـا مــحــطــات مـــن حــيــاتــه األدبـــيـــة والــــفــــكــــريــــة، وفـــــي تـــلـــك املـــقـــالـــة تــــحــــدّث عـن قصيدته (خبز وحشيش وقمر)، وما أثارته من عاصفة جدلية في سوريا وخارجها: «القصيدة اإلثم، أو القصيدة الجريمة أوصـلـتـنـي إلـــى املـجـلـس الـنـيـابـي الــســوري، وهــــي ســابــقــة لـــم تـــحـــدث فـــي أي بـــرملـــان من بـرملـانـات الـعـالـم، فـانـبـرى أسـتـاذنـا الشيخ مصطفى الزرقا النائب عن جماعة اإلخوان املسلمني بتقديم اسـتـجـواب عنيف لـوزيـر الخارجية آنئذ األستاذ خالد العظم طالبًا منه إحالتي إلى اللجنة التأديبية، وطردي مــن وزارة الـخـارجـيـة، وتـأيـيـدًا ألقــوالــه قـام النائب الزرقا بتالوة القصيدة على النواب، وكــــان لـحـسـن حـظـي فـصـيـح الــلــســان، رائـــع اإللــقــاء، فما إن انتهى مـن تـــ وة القصيدة حتى انفجرت قاعة مجلس النواب، وشرفة املتفرجني، ورجـــال الصحافة، بالتصفيق، فــعــاد الـنـائـب والـــعـــرق يتصبب مــن جبينه مخذوال ومحبطًا، وباظ االستجواب». وال بـــد هـنـا مـــن اســــتــــدراك وتـصـويـب؛ فقد وصــف نـــزار أســتــاذه بـأنّــه «الـنـائـب عن جـــمـــاعـــة اإلخــــــــوان املـــســـلـــمـــ »، بــيــنــمــا كـــان الـــشـــيـــخ نـــائـــبـــ مــســتــقــ عــــن مـــديـــنـــة حــلــب. ويـــبـــدو أن هـــذا الـــوصـــف جـــاء لــلــداللــة على موقعه ضمن املجال اإلسالمي العام، ال على انتمائه التنظيمي، وهي مسألة تتكرر عند توصيف بعض الشخصيات اإلسالمية؛ إذ تُــنـسـب أحــيــانــ ، عـلـى سـبـيـل الــتــجــاوز، إلـى جماعة اإلخــــوان املسلمني ملـجـرد انتمائها إلى الفضاء اإلسالمي العام. إن هــذه الـرسـالـة الـتـي اغتنم القباني فـرصـة كتابتها لــإشــادة بالفقيه الشاعر هي شهادة إنسانية لرجلني كبيرين، فهي تـكـشـف عـــن نــــزار الــــذي لـــم يـحـمـل فـــي قلبه ضـغـيـنـة ألســــتــــاذه ذي املـــوقـــف الـــنـــاقـــد من قــصــيــدتــه قــبــل أربـــعـــ عـــامـــ ، كــمــا تكشف عــن الـشـيـخ الــزرقــا الفقيه املـوسـوعـي الــذي لــــم يـمـنـعـه انـهـمـاكـه الــعــلــمــي واسـتـغـراقـه الفقهي من أن يفتح نافذة على عالم الشعر، ويضيف إلى سيرته العلمية صفحة أدبية رقيقة، ويختار لديوانه عنوانًا ملفتًا مليئًا باأللوان: قوس قزح. وتـــكـــشـــف هــــــذه الــــرســــالــــة عـــــن جـــمـــال االعــتــراف املـتـبـادل بـ الرجلني الكبيرين؛ فقد اعترف الشيخ مصطفى الزرقا بالشاعر حــ أهــــداه ديـــوانـــه، واعــتــرف الـشـاعـر نــزار قـــبـــانـــي بــــأســــتــــاذه ومـــعـــلـــمـــه حــــ اســتــهــل رسالته بقوله: «أستاذي ومعلمي الكبير»، مستعيدًا فضل سنوات التلقي األولـــى. ثم مــا لـبـث أن داعــــب أســـتـــاذه بـعـد أن اكتشف فـيـه الـشـاعـر خـلـف صـــورة الـعـالـم والفقيه، فاستقبله في عالم الشعر بوصفه «الزميل الـــشـــاعـــر»، قــبــل أن يـخـتـم رســالــتــه بـعـبـارة تختلط فيها الفرحة بالجرأة: «أخوك نزار». وكــأنّــه ال يكتفي بــاالعــتــراف بــأســتــاذه، بل يضمّه إلى أخوّة الشعر، بعد أن جمعتهما من قبل رابطة العلم. فــي هـــذه الـرسـالـة يــقــدّم التلميذ الــذي غـــدا مـــن أكــبــر شـــعـــراء الـعـصـر اإلشـــــادة في أعـلـى صـورهـا عندما يـقـرن أســتــاذه بكبار رمـــوز املـعـرفـة الـعـربـيـة، ويـضـعـه أنـمـوذجـ لـــكـــبـــار عـــصـــر الـــتـــنـــويـــر، دون أن يـــقـــع فـي وهــدة املبالغة أو التملق أو االبــتــذال، فمن يعرف الشيخ في مسيرته يـدرك تمامًا أنّه كـان من أوائــل السوريني املعاصرين الذين جمعوا بتمكّن واقتدار وتميّز بني مجاالت مــتــعــددة: الــشــرعــي، والــقــانــونــي، واألدبــــي. وأذكـــر فـي هــذا املـقـام موقفًا شخصيًا ترك فـــي نـفـسـي أثــــرًا عـمـيـقـ ، حـــ وقـــعـــت، وأنـــا طـالـب فـي الـصـف الــحــادي عشر فـي مكتبة مدرستي الخسروية فـي حلب، على كتاب كفاية املتحفّظ البـن األجـدابـي، وهـو كتاب في فقه اللغة، فإذا محققه الشيخ مصطفى ، وأدركـت 1925 الـزرقـا، وتـاريـخ طبعه سنة يومها أنّه أنجز هذا العمل في فترة مبكرة من حياته، وهو في مثل سني تقريبًا، فكان ذلــك درســـ مهمًا فـي أن اإلنــجــازات الكبرى تبدأ من فترة اليفاعة والشباب. وقد انعكس ذلك االهتمام األدبـي على صياغته وسبكه فــي أكـثـر املــوضــوعــات جـفـافـ ، فـقـدّمـهـا في عبارة طلية رقيقة الحاشية أنسية البيان، وهـــذا الـتـآلـف بــ الـفـقـه واألدب الـــذي لفت نظر شـاعـرنـا إلــى أســتــاذه كــان ثـمـرة رؤيـة عميقة لدى الشيخ الزرقا الذي رأى أن األدب جزء من تكوين رجل الشريعة، وضرورة من ضرورات بيانه وتأثيره. يقول الشيخ: «إنــي أرى دراســـة األدب لـــرجـــل الــشــريــعــة كـــاملـــاء لــلــتــربــة. فسيبقى رجـل الشريعة جافًا فـي أسلوبه وتدريسه وكـــتـــابـــتـــه، ومـــــعـــــزوال عــــن مـــســـالـــك الــبــيــان املُــفـصـح، واألداء املُعجب الـنـافـع، والـتـذوق الـوجـدانـي الفني، لعظمة الـقـرآن، وجوامع كلم الـرسـول صلى الـلـه عليه وسـلـم، مـا لم يتمكن فـي الــدراســة األدبــيــة، للغة العربية وآدابها». وفــــي مـــيـــدان الــفــقــه، قــــام الــشــيــخ بـأهـم مـــغـــامـــرة فـقـهـيـة فـــي الــعــصــر الـــحـــديـــث؛ إذ أعــــــــاد بــــنــــاء املـــــــــادة الـــفـــقـــهـــيـــة، وصــــــــاغ مـن قـــواعـــدهـــا ومــبــادئــهــا نــظــريــات عـــامـــة على غرار النظريات الحقوقية الغربية، فكان من أوائـــل مـن نقلوا الفقه إلــى قـالـب النظريات الـقـانـونـيـة، وأصّــــــل لـــعـــدد مـــن الــنــظــريــات، منها: نظرية االلتزام العامة. نظرية امللكية. نظرية االرتباط التعاقدي. نظرية الشروط الـــعـــقـــديـــة. نـــظـــريـــة املـــــؤيـــــدات الــتــشــريــعــيــة. نـــظـــريـــة األهــــلــــيــــة. نـــظـــريـــة الــــضــــمــــان. وقـــد أصاب وزير املعارف السوري الدكتور منير الـعـجـ نـي حـــ قــــدّم كــتــاب الـشـيـخ الــزرقــا املدخل الفقهي العام: «فاألستاذ الزرقا فقيه أديــــب، وأسـلـوبـه فــي الـكـتـابـة يـكـاد ينسيك صعوبة املادة وجفافها». إن رسالة نـزار وثيقة إنسانية نـادرة، تـكـشـف عـــن وفــــاء الـتـلـمـيـذ ألســــتــــاذه، وعــن سمو األستاذ الذي بقي حاضرًا في وجدان تلميذه رغم اختالف املواقف، وتبرهن على أن الثقافة الحقيقية واملعرفة الرفيعة، إذا اقترنتا بالنفوس الكبيرة، تمدان الجسور فــوق الـخـصـومـات، وتـرتـقـيـان بـاالخـتـ ف، فــيُــعــرف لــصــاحــب الــفــضــل فــضــلــه، ولــرجــل العلم قدره، ولألديب مقامه. الثقافة CULTURE 18 Issue 17408 - العدد Monday - 2026/7/27 االثنني رسالة من نزار قباني إلى مصطفى الزرقا تنشر ألول مرة بين الشيخ... والشاعر نزار قباني محمد أمير ناشر النعم قباني إلى الزرقا: يسعدني اليوم أن أكتشف فيك الزميل الشاعر الذي يرمي أقنعة الوقار والحكمة والقبعة األكاديمية إرجاء الدورة التاسعة لجائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية أعــلــنــت إدارة جـــائـــزة «املــلــتــقــى للقصة الــقــصــيــرة الــعــربــيــة» تــأجــيــل أعـــمـــال الـــــدورة .)2027-2026( التاسعة للجائزة وجـــاء فــي الـبـيـان الــصــادر عــن املجلس االســــتــــشــــاري، الــــــذي يــــرأســــه الـــكـــاتـــب طــالــب الـرفـاعـي، «بسبب مـن تعثّر إمكانية انعقاد الــــدورة، والـتـسـاؤل الـعـربـي الكبير املـطـروح حـول الـجـائـزة، وبالنظر إلـى الشفافية التي اتـخـذتـهـا الــجــائــزة مــســارًا لــهــا. فـلـقـد ناقش املجلس االستشاري للجائزة حيثيات الدورة التاسعة، وقرر تأجيل انعقادها ملوعد قريب سيُعلن عنه في أقرب فرصة». وذكــر البيان أن انـطـ ق جـائـزة امللتقى مـن 2015 لــلــقــصــة الـــقـــصـــيـــرة الـــعـــربـــيـــة عـــــام الكويت، شكل حدثًا إبداعيًا ثقافيًا منعطفًا في تاريخ القصة القصيرة العربية الحديثة. ففي وقــت سيطرت فيه جـوائـز الــروايــة على املــشــهــد الــثــقــافــي الـــعـــربـــي، مــمــا أثّـــــر تــأثــيــرًا سـلـبـيـ كـبـيـرًا عـلـى إصـــــدار ونــشــر املـجـامـيـع القصصية، حتى إن عددًا كبيرًا من الناشرين العرب أعرض عن نشر أي مجموعة قصصية، جـــاءت والدة جـائـزة امللتقى بوصفها طوق نـــجـــاة لـلـقـصـة الــعــربــيــة، خـــاصـــة مـــع وجـــود عـــدد كـبـيـر مـــن مـبـدعـي الـقـصـة الـعـربـيـة في املجلس االستشاري األول للجائزة يتقدمهم زكـــــريـــــا تـــــامـــــر، ومـــحـــمـــد خـــضـــيـــر، وســعــيــد الكفراوي، وسليمان الشطي، وإسماعيل فهد إسماعيل، وليلى العثمان. إضافة لناشرين ونقّاد ومترجمني أجانب. مما جعل مشروع الــــجــــائــــزة يــــولــــد كــــبــــيــــرًا، وذلــــــــك فـــــي حـضـن الجامعة األميركية في الكويت. الكويت: «الشرق األوسط» نسيج العنكبوت والعودة األبدية على مرآة سيارتي الجانبية يعشعش عنكبوت عنيد بإرادة حديدية وهو يؤدي العمل نفسه دائمًا، صباحًا، ظهرًا، مساءً: نسْج خيوطه في هيئة مصيدة ومغادرة مكانه أو االختفاء داخل الفراغ القائم بني ســطــح املـــــرآة نـفـسـهـا وظــهــرهــا املـنـحـنـي، ولعل تصرفه هذا يعكس خجال متأصال فيه مني، فهو يعرف أن تصرفه الــدؤوب ذاك يزعجني دائمًا ويجبرني على خبط خيوطه بغضب وإزالتها كل يوم من على وجـه األرض، غير أنـه يعود ثانية إلعـادة حياكة شبكته بسرعة ال متناهية، فالوقت يــمــر بــســرعــة والـــحـــشـــرات الـــطـــيـــارة الـتـي ضـلـت طـريـقـهـا ال تـمـر عـــن طــريــق الخطأ بمصيدته إال مـــرة واحــــدة طـــوال سـاعـات اليوم، وإذا لم تكن جاهزة في تلك اللحظة الــتــي تـمـر بـهـا حــشــرة مـــا، فـإنـهـا ستفلت إلى األبد من أن تكون وجبة غذاء له، إذن فـهـو يـؤمـن تـمـامـ ، بـاملـثـل الــقــائــل: الـوقـت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك. أو لــعــل عــــدم ظـــهـــوره املــطــلــق أمــامــي يــــعــــود إلــــــى ســـبـــب آخــــــــر: قـــنـــاعـــتـــه بـــأنـــي سأنسى ليوم أو يومني وجـــوده الفعلي، وهذا سيزيد من عدد غنائمه (أو باألحرى ضــحــايــاه)، فـنـجـاحـه فــي إبــقــاء مصيدته قائمة طوال هذه الفترة دليل على صواب قــراره بعدم الظهور وهـو يتبختر أمامي بــرشــاقــتــه املـــعـــهـــودة، إذ انــطــلــت خـدعـتـه عليّ، وتفوقت إرادته في نسج شباكه على إرادتي بإزالتها حاملا تقع عيناه عليّ. يــــــحــــــضــــــرنــــــي ســــــــــــــؤال آخــــــــــــــر: مـــا الــــــذي يــجــعــل مــــرآة سـيـارتـي الجانبية بـــــــــــالـــــــــــذات مــــكــــانــــه الـــــــوحـــــــيـــــــد لـــنـــســـج خيوطه غير املرئية تــــقــــريــــبــــ عـــلـــيـــهـــا؟ قـــــــــــد يـــــــــكـــــــــون هـــــــذا الـــــــســـــــؤال مـــنـــاســـبـــ طـــــرحـــــه عــــلــــى تــلــك الــحــشــرة املسكينة الـــــتـــــي وقـــــعـــــت ذات يـــــــوم فــــــي مـــصـــيـــدة هــــــــذا الـــعـــنـــكـــبـــوت. أســــتــــطــــيــــع ســــمــــاع صـــــــــــــدى صـــــوتـــــهـــــا حتى بعد أن تكون آثـارهـا اختفت تمامًا فــــي أحــــشــــاء الـــصـــيـــاد الـــــبـــــارع: إنـــهـــا تـلـك املـــرآة الـتـي تجعلنا نحن الضحايا نظن أن مـا وراء سطحها عـالـم يمتد بعيدًا ال مـــجـــرد انـــعـــكـــاس كـــــاذب لــلــعــالــم املـــحـــدود الـــــذي نـعـيـش فـــيـــه. إذن إنــــه الـــوهـــم الـــذي يـخـلـقـه الـعـنـكـبـوت لـفـرائـسـه بـاسـتـخـدام مرآة سيارتي، وراء نجاح مهمته األزلية، فـخـيـوط شـبـاكـه شـفـافـة إلـــى حـــد أنــهــا ال تُـــرى حــ ينعكس الــضــوء الـسـاقـط على املرآة. تـذكـرنـي شــبــاك صـديـقـي العنكبوت بـــتـــلـــك األفـــــخـــــاخ الــــتــــي تــصــنــعــهــا بـعـض املـجـتـمـعـات الـبـدائـيـة فــي أفـريـقـيـا لصيد فـــرائـــســـهـــا الــــتــــي تـــتـــغـــذى عـــلـــى لــحــومــهــا وتستخدم جلودها وأنيابها ومخالبها في صنع أدواتها وثيابها. هــنــاك نـجـد كـــل فـــخ يـنـطـلـق مـــن فهم طــبــيــعــة الـــفـــريـــســـة الــنــفــســيــة والـــذهـــنـــيـــة، فـــلـــصـــيـــد الـــــفـــــأر يــــجــــب اســـــتـــــخـــــدام روح الـــفـــضـــول الـــشـــديـــد لـــديـــه فــــي اســتــكــشــاف األمـــاكـــن الـضـيـقـة كــاألنــابــيــب والـفـتـحـات الســــتــــدراجــــه إلـــيـــهـــا، أمـــــا الــــقــــردة فـيـجـب االســـــتـــــفـــــادة مـــــن مـــيـــلـــهـــا إلــــــى اســـتـــخـــدام أصابعها التي تشبه أصابع اإلنسان في مسك الخيوط الخفيفة التي تقودها إلى قـلـب الــفــخ الــــذي ال عــــودة مــنــه، أمـــا فـرس النهر الضخم القوي فثقل جسده املهول حــ يضغط عـلـى جـسـم صغير مـشـدود إلـــــى حـــجـــر كـبـيـر مـــنـــصـــوب فـــــوق غـصـن شجرة متني، هو الكمني الذي يسقط على رأسه الكبير الهش... أعــــــود إلـــــى عــنــكــبــوتــي املـــقـــيـــم (عــلــى األغــلــب) داخـــل مـــرآة سـيـارتـي. أعـــرف أنـه من فصيلة ال تعيش أكثر من سنتني، فهو بالتأكيد ال ينتمي إلــى فصيلة الرتيالء الكبيرة الحجم التي تعيش إناثها إلى ما سنة. 15 يقرب من وال أسـتـبـعـد أن نــجــاحــه فـــي نصب الـشـبـاك بـانـتـظـام أكـــد أنـــه قــد انــتــزع حق اإلقامة بجواري من مجتمعه العنكبوتي، ولــعــل الــشــرط الـوحـيـد الــــذي وضــعــه هـذا املجتمع عليه هو أن يبقي عالمة، تشبه العلم الذي يمثل بلدًا ما، معلقة في الهواء دائمًا، وهذه هي مصيدته. غـيـر أن وجـــود الــســيــارة مـعـي ألكثر من عشر سنوات يجعلني أشك بأن املقيم على حافة بابها األمامي، هو العنكبوت نـــفـــســـه، الـــــــذي اكـــتـــشـــف املــــــــرآة أول مــــرة، واستوطن فيها من دون رخصة. إذن هـــــنـــــاك ســـلـــســـلـــة مــــــن عـــنـــاكـــب متماثلة فـي الشكل والسلوك ظلت تنقل هــــذه املـلـكـيـة مـــن جــيــل إلــــى آخــــر، غــيــر أن طـبـيـعـة حــيــاة كـــل مـنـهـا مـتـطـابـقـة تمامًا مع حياة من سبقها ومن أعقبها. لكأنها الــــكــــائــــن الــــبــــدئــــي الـــــــذي اكـــتـــشـــف الــــقــــارة الجديدة املتمثلة فـي سيارتي الصغيرة التي انتقلت ملكيتها بني ثالثة أو أربعة أشخاص ال يعرف أحدهم أيًا من اآلخرين. هــــل يــمــكــن الــــقــــول إن حــــيــــوات هـــذه الــعــنــاكــب املـتـعـاقـبـة عــلــى مــــرآة سـيـارتـي هــي فــي الـحـقـيـقـة حــيــاة واحــــدة حـددتـهـا الجينات نفسها، فهي بشكل ما العنكبوت نـفـسـه يـتـكـرر فـــي اسـتـنـسـاخـات مـتـكـررة أزلـــيـــة، حـتـى لــو أن سـيـارتـي سـحـبـت من الــخــدمــة وتــحــولــت إلـــى قـطـع خـــــردة، فـإن هـــــذا الـــعـــنـــكـــبـــوت ســيــجــد ســــيــــارة أخــــرى يـسـتـوطـنـهـا، وألنــــه ال يـمـتـلـك ذاكـــــرة من أولئك الذين سبقوه فإنه يعيش بذاكرته الـشـخـصـيـة فــقــط: الـــيـــوم اصـــطـــدت ذبـابـة غنية بـكـل الفيتامينات الـتـي يحتاجها جــســدي، وأمــــس كــانــت نـحـلـة تـعـثـرت في خـــــطـــــاهـــــا حـــــــ رأت انـــــــعـــــــكـــــــاس شـــــتـــــ ت األزهــــــــــار عـــلـــى املــــــرآة فــــتــــقــــدمــــت بـــحـــمـــاس صــوبــهــا، وكــــان علي انـتـظـار موتها بأناة ورويــــــــــــة خــــشــــيــــة مــن إبرة لسعتها القاتلة. هـنـا فــي هـــذه املتاهة التي تشكلها خيوط شبكتي يصبح موت الــفــرائــس فـــي األغـلـب نـــــاجـــــمـــــ عـــــــن تـــعـــطـــل بــــوصــــلــــتــــهــــا، فــتــظــل تتخبط وسط نسيج نــاعــم ومـــغـــر بـالـبـقـاء فــيــه ونـــســـيـــان املــهــام الــتــي كــانــت تــريــد تـنـفـيـذهـا. فـــمـــاذا يـريـد أي كائن أكثر من راحـة يقدمها له نسيج العنكبوت: هنا يصبح املاضي واملستقبل والحاضر عجينة واحـــدة، مادته األولية هو النسيان: إنه فردوس من نوع خاص، وحتى حني يحني وقت امتصاص إكسير حـــيـــاتـــهـــا فـــإنـــهـــا لــــن تـــشـــعـــر بـــــأي ألـــــم بـل ستكون العملية أقــرب إلـى دغـدغـة باطن القدم. مـــــن عــــالــــم هــــــذا الـــعـــنـــكـــبـــوت األزلــــــي ونسيج شباكه الالمرئية تـتـراءى للمرء أبــــديــــة ال تــخــتــلــف كـــثـــيـــرًا عــــن تـــلـــك الــتــي شخصها نيتشه في كتابه «العلم املرح»: مـــــاذا لـــو جـــــاءك شــيــطــان وقـــــال إن عليك أن تعيش حـيـاتـك نفسها مـــرة أخـــرى بل مرات ال حصر لها، بكل آالمها وأفراحها وتفاصيلها، وبالترتيب نفسه مـن دون أي تـغـيـيـر؟ هـــل تـسـتـطـيـع أن تــقــول نعم لحياتك كما هي، بحيث ترضى بتكرارها إلى األبد؟ بــالــنــســبــة لــنــيــتــشــه، مــــن يــلــعــن ذلـــك املصير يكون رافضًا جانبًا من حياته، أما اإلنسان القادر على استقبال الخبر بفرح، فهو قد بلغ أقصى درجات تأكيد الحياة، وما يعنيه نيتشه بذلك تأكيد قبول املرء بقدره الذاتي: بحياته كلها، أ يتقبل ما حدث له فحسب بل أن يريده ويحبه كما وقع. ولــــعــــل صـــديـــقـــي الـــعـــنـــكـــبـــوت املــقــيــم داخل مرآة سيارتي الجانبية يوافق على هـــذا الـــشـــرط بــالــكــامــل. فـهـو يـعـيـشـه على أرض الــواقــع عبر استنساخاته السابقة والالحقة، باعتبارها مجرد ثياب يبدلها الـكـائـن نفسه فــي رحـلـتـه صـــوب األبــديــة، قادمًا من مـاض وهمي يشبه وهـم العالم الــــذي تـرسـمـه مــــرآة سـيـارتـي صـــوب وهـم آخـــر لـــم يــولــد بـعـد اســمــه املـسـتـقـبـل، هـذا االمــــــتــــــداد بــــ االثــــنــــ يـــشـــبـــه كـــثـــيـــرًا مـا يجري نسجه كل يـوم على مـرآة سيارتي الجانبية املجاورة ملقودها. لؤي عبد اإلله الفيلسوف األلماني نيتشه
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==