issue17407

Issue 17407 - العدد Sunday - 2026/7/26 الأحد مذاقات القهوة ليست مجرد مشروب منبه بل صناعة عالمية وثقافة متجذرة وإرث إنساني MAZAQAT 21 أسرار أغلى وأشهى الأنواع في العالم القهوة... كنز عابر للقارات في فنجان في كل صباح، تتكرر الحكاية نفسها في ملايين البيوت والمقاهي حول العالم؛ تمتد يـد نحو فنجان قهوة قبل أي شيء آخــر، وكــأن العالم لا يبدأ إلا بعد الرشفة الأولــــى. غير أن هــذا المــشــروب الـــذي يبدو بسيطا يخفي وراءه رحـلـة تمتد لـقـرون، تـبـدأ مــن أعــالــي الـجـبـال، وتـعـبـر الــقــارات، وتـــصـــل أحـــيـــانـــا إلــــى مـــــــزادات تُـــبـــاع فيها حبوب البن بأسعار تنافس الذهب. فالقهوة ليست مجرد مشروب منبه، بل صناعة عالمية، وثقافة متجذرة، وإرث إنـسـانـي صـنـع حــضــوره فــي الأدب والـفـن والاقـــــتـــــصـــــاد، حـــتـــى غـــــدت رمـــــــزا لـــلـــحـــوار والـــتـــأمـــل، ورفـــيـــقـــة لا تـغـيـب عـــن جـلـسـات العمل والإبداع. من جبال الحبشة إلى موائد العالم تــحــكــي الـــــروايـــــات أن أول خـــيـــط فـي قـصـة الـقـهـوة بـــدأ فــي مـرتـفـعـات الحبشة، حيث لاحظ أحد الرعاة نشاطا غير مألوف في قطيعه بعد تناوله ثمار شجرة البن. وســـواء صحت الــروايــة أم بقيت فـي إطـار الأســـطـــورة، فــإن المـؤكـد أن اليمن كــان أول من حـوّل تلك الثمار إلـى مشروب، ومنها انطلقت القهوة إلى العالم. ومن ميناء المخا الشهير، عبرت السفن محملة بأكياس البن إلى الشرق والغرب، حتى أصبحت كلمة «موكا» مرادفة لأحد أشهر أنواع القهوة. وما لبثت المقاهي أن ظهرت في مـدن الشرق الإسـامـي، قبل أن تغزو العواصم الأوروبــيــة، حيث تحولت إلــــى صـــالـــونـــات لــلــفــكــر، ومـــنـــابـــر لـــأدبـــاء والـعـلـمـاء، حتى لُقبت فـي بعض الأزمـنـة بـ«جامعات العامة». لماذا ترتفع أسعار بعض أنواع القهوة؟ قد يبدو غريبا أن يدفع شخص مئات الــــدولارات مقابل فنجان قـهـوة، لكن وراء ذلك أسبابا تتجاوز مجرد الطعم. فــــأفــــضــــل أنـــــــــــواع الــــــــن لا تـــنـــمـــو إلا فـــي بــيــئــات اســتــثــنــائــيــة؛ عــلــى ارتـــفـــاعـــات شاهقة، وفـي تربة بركانية غنية، وتحت مـنـاخ دقـيـق تــتــوازن فيه درجـــات الـحـرارة والأمـــطـــار. وتُــقـطـف الـثـمـار يـدويـا بعناية فائقة، فـا تُختار إلا الحبات التي بلغت ذروة نـــضـــجـــهـــا، ثـــــم تـــخـــضـــع لــعــمــلــيــات تخمير وتجفيف وتحميص مدروسة قد تستغرق أسابيع. ويـــــضـــــاف إلــــــى ذلــــــك عــــامــــل الـــــنـــــدرة، فــبــعــض المـــــــــزارع لا تــنــتــج ســـــوى كــمــيــات محدودة كل عام، ما يجعلها محط أنظار المشترين ودور التحميص الفاخرة حول الـــعـــالـــم. كــمــا أن نــتــائــج مــســابــقــات تـــذوق الـــن الـعـالمـيـة قــــادرة عـلـى مـضـاعـفـة قيمة مـــحـــصـــول كــــامــــل بـــمـــجـــرد حـــصـــولـــه عـلـى تقييم استثنائي. عندما يصبح البن سلعة فاخرة فــــــي عـــــالـــــم الـــــقـــــهـــــوة، هـــــنـــــاك أســــمــــاء تــجــاوزت حـــدود الــجــودة لتصبح عنوانا للفخامة. يـــــأتـــــي فــــــي مـــقـــدمـــتـــهـــا كـــــوبـــــي لــــــواك الإندونيسي، الذي اكتسب شهرته بسبب طـــريـــقـــة إنــــتــــاجــــه الـــــفـــــريـــــدة، رغــــــم الـــجـــدل الأخــــاقــــي الـــــذي أحـــــاط بـــه فـــي الــســنــوات الأخيرة. كـــــمـــــا تــــــبــــــرز قــــــهــــــوة بـــــــــاك آيــــــفــــــوري التايلاندية، الـتـي تُنتج بكميات ضئيلة لـلـغـايـة، لتصبح واحــــدة مــن أغــلــى أنـــواع القهوة في العالم. غــيــر أن نــجــم الـــســنــوات الأخـــيـــرة بلا مــنــازع هــو غيشا البنمية؛ الـسـالـة التي قلبت موازين سوق البن المختص، بعدما ســـجـــلـــت فـــــي المـــــــــــزادات الـــعـــالمـــيـــة أســــعــــارا قـــيـــاســـيـــة وصــــلــــت إلــــــى آلاف الــــــــــدولارات للكيلوغرام الواحد. ويـرى خبراء التذوق أنها تقدم تجربة استثنائية، تمتزج فيها روائـــح الياسمين والـبـرغـمـوت مـع نكهات الفواكه الاستوائية في توازن نادر. وهل الأغلى هو الألذ؟ ليس بالضرورة. فالذوق يبقى الحكم الأول فـي عـالـم الـقـهـوة. فهناك مـن يعشق القهوة الإثيوبية لما تتمتع به من حموضة مـشـرقـة وروائـــــح زهــريــة وفـاكـهـيـة، بينما يفضل آخـرون نعومة القهوة الكولومبية وتـوازنـهـا، فـي حـن يجد عشاق النكهات العميقة ضالتهم في البن اليمني، المعروف بطابعه الـغـنـي ولمـسـاتـه الـتـي تجمع بين الشوكولاته والتوابل والفواكه المجففة. ولهذا يؤكد خبراء القهوة أن الجودة لا تُـــقـــاس بــالــســعــر وحــــــده، بـــل بـانـسـجـام الـــنـــكـــهـــات، وطـــــزاجـــــة الـــتـــحـــمـــيـــص، ودقــــة الـتـحـضـيـر، وقـــــدرة الـفـنـجـان عـلـى تقديم تجربة متكاملة. أكثر من مشروب... حكاية حضارة فـي النهاية، لا تكمن قيمة الـقـهـوة في ثمنها، بل في الرحلة التي تقطعها قبل أن تـسـتـقـر فـــي الــفــنــجــان. فـمـن بـــــذرة تـنـمـو في أعالي الجبال، إلى يد المــزارع الـذي يرعاها، ثـــم خـبـيـر الـتـحـمـيـص الــــذي يـطـلـق عـطـرهـا، وصــــــــولا إلــــــى الـــلـــحـــظـــة الــــتــــي يــلــتــقــي فـيـهـا الإنسان بفنجانه، تتشكل قصة تستحق أن تُروى. ولعل سر القهوة الحقيقي أنها المشروب الوحيد الذي يجمع بين البساطة والفخامة في آن واحـد؛ يستطيع أن يكون رفيق عامل يبدأ يومه مع شروق الشمس، كما يمكن أن يتحول إلى تحفة نادرة يتنافس عليها هواة التذوق في المزادات العالمية. ولــــــهــــــذا، ســـتـــظـــل الــــقــــهــــوة أكـــــثـــــر مــن شـــــــــراب ســـــاخـــــن؛ إنــــهــــا ذاكـــــــــرة الـــشـــعـــوب، ورائحة المدن القديمة، ولغة الصباح التي يفهمها الجميع، مهما اختلفت أوطانهم ولهجاتهم. أين تجد ألذ فنجان قهوة في العالم؟ قـــد يـــكـــون الــــســــؤال الأكـــثـــر إثــــــارة بين عـــشـــاق الـــقـــهـــوة هـــــو: أيـــــن يــمــكــن الــعــثــور عــلــى ألــــذ فـــنـــجـــان؟ والإجـــــابـــــة، كــمــا يـقـول خبراء البن، ليست مرتبطة بدولة واحدة، بـــل بــتــجــربــة مـتـكـامـلـة تـجـمـع بـــن جـــودة الـــحـــبـــوب، ومــــهــــارة الــتــحــمــيــص، وإتـــقـــان التحضير، وثقافة المكان. تتصدر ملبورن فـي أستراليا قوائم عـواصـم القهوة الحديثة؛ إذ تحولت إلى وجــهــة عـالمـيـة لـعـشـاق الــقــهــوة المـخـتـصـة، وتشتهر بمقاهيها الـتـي تتعامل مـع كل فنجان بوصفه عملا فنياً، حتى أصبحت مــــعــــيــــارا عـــالمـــيـــا فــــي جـــــــودة الإســـبـــريـــســـو ومشروبات الحليب مثل «الفلات وايت». وفــــي إثـــيـــوبـــيـــا، مــهــد الـــقـــهـــوة الأول، لا تكمن المتعة فـي المـــذاق فحسب، بـل في الــطــقــوس أيـــضـــا. فــمــراســم إعـــــداد الـقـهـوة هـنـاك جــزء مـن الــتــراث الاجـتـمـاعـي؛ حيث تُحمص الحبوب أمــام الضيوف وتُطحن وتُغلى على مهل، لتقدم في تجربة تحمل عبق التاريخ قبل أن تحمل نكهة البن. أمـا اليمن، فيظل بالنسبة لكثير من المـتـذوقـن موطنا لبعض أكثر أنـــواع البن شخصية وتـمـيـزاً. فحبوب الــن المـزروعـة في المرتفعات اليمنية تمنح فنجانا غنيا بنفحات الـشـوكـولاتـه والـتـوابـل والـفـواكـه المجففة، وهي نكهات يصعب العثور على مثيل لها في أماكن أخرى. وفــــــــي إيـــــطـــــالـــــيـــــا، لا تُــــــقــــــاس جــــــودة القهوة بحجم الفنجان، بل بكمال جرعة الإســـبـــريـــســـو. هـــنـــاك يـــقـــف الـــــزبـــــون أمــــام المــنــضــدة، يـحـتـسـي قـهـوتــه فـــي ثــــــوانٍ، ثم يـغـادر، وكــأن الإسبريسو طقس يومي لا يحتمل التأجيل. أمـــــا الــــيــــابــــان، فـــقـــد حـــولـــت تـحـضـيـر القهوة إلــى فـن قائم على الـدقـة والـهـدوء. ففي مقاهي طـوكـيـو، تـكـاد تـكـون القهوة المقطرة يدويا بعناية طقسا تأملياً؛ حيث يُمنح كل فنجان الوقت الكافي ليكشف عن أدق نكهاته. وفــي الـسـنـوات الأخــيــرة، بـــرزت لندن وكوبنهاغن بين أهم مدن القهوة المختصة فــــي الــــعــــالــــم، بـــفـــضـــل انـــتـــشـــار المـــحـــامـــص المـتـخـصـصـة، واعــتــمــاد أجــــود أنـــــواع الـن الـقـادمـة مــن إثـيـوبـيـا وكـولـومـبـيـا وبنما، إلــــــى جــــانــــب اهــــتــــمــــام اســـتـــثـــنـــائـــي بــطــرق التحضير الحديثة. وربـمـا تبقى الحقيقة الأجـمـل أن ألذ فنجان قهوة ليس دائما الأغلى ثمناً، بل ذلــك الـــذي يجمع بـن جـــودة الـــن، وإتـقـان التحضير، واللحظة التي يُرتشف فيها. فالقهوة، في نهاية المطاف، ليست مجرد مـذاق، بل تجربة كاملة تُصنع من المكان، والرفقة، والذاكرة. لندن: «الشرق الأوسط» فنجان القهوة رفيق الصباح (شاترستوك) في خيمة استخدمها خبازو «الجيش القاري» خلال حرب الاستقلال الأميركية مخبز أميركي يزدهر بفضل جهوده لإحياء التاريخ مــثــلــمــا الــــحــــال مــــع غـــالـــبـــيـــة الـــخـــبـــازيـــن، يستيقظ جاستن شيري، صاحب مخبز «هاف كــــراون بـايـكـهـاوس»، فــي تـشـارلـسـتـون بـولايـة ســـــاوث كـــارولايـــنـــا، فـــي الـــســـاعـــات الأولــــــى من الفجر، ليبدأ عجن الخبز والفطائر لزبائنه، الذين يصطفون خـارج محله بمجرد أن يفتح أبوابه. غير أن ما يميِّز شيري عن منافسيه، أن مخبزه عبارة عن خيمة من الـطـراز المستخدم عــــادة فــي الـتـخـيـيـم، تـضـم فــرنــا طينيا يماثل تلك الأفـــران التي استخدمها خبازو «الجيش القاري» خلال حرب الاستقلال الأميركية. وفــــــي المـــــواقـــــع الـــتـــاريـــخـــيـــة المــــمــــتــــدة مـن ماساتشوستس إلـــى فــلــوريــدا، يعكف شيري عـلـى صـنـع أرغـــفـــة خــبــز، تـشـبـه تـلـك الــتــي أمـر الـجـنـرال جـــورج واشـنـطـن بتوفيرها لـرجـالـه. ونظرا لأنـه يقيم في «مـاونـت فيرنون» بولاية فرجينيا، شهد شيري ضغط عمل مكثف هذا عاماً 250 العام، تزامنا مع احتفال البلاد بمرور على التأسيس، احتفالية تمهد لخمس سنوات قـادمـة مـن فعاليات إحـيـاء الــذكــرى فـي مواقع رئيسية شهدت مـعـارك حــرب الاسـتـقـال. وقد حُــجـزت خـدمـاتـه بالفعل فـي مـوقـع «واشنطن كـــروســـيـــنـــغ» بــبــنــســيــلــفــانــيــا، ومــــوقــــع مـعـركـة «مــونــمــوث» فــي نـيـوجـيـرسـي، حـيـث يستعيد الممثلون الهواة هناك ذكرى إحدى أطول معارك الحرب بإطلاق نيران البنادق والمدافع. وقــــال شـــيـــري، فـــي تـصـريـحـات أدلــــى بها مـــطـــلـــع هــــــذا الـــشـــهـــر فــــي «مـــــاونـــــت فـــيـــرنـــون»: «يـشـتـكـي الـــنـــاس الـــيـــوم مـــن أن خـبـز الأكــــل في المنزل يستغرق وقتا طويلاً، لذا فإن مشاهدتي في أثناء العمل تفتح عيونهم على واقع آخر». ومــن خيمته المنصوبة فـي الحقل الممتد عـــلـــى مـــســـاحـــة اثــــنــــي عـــشـــر فــــدانــــا أمـــــــام قـصـر واشـــنـــطـــن، يــــشــــارك شـــيـــري زبـــائـــنـــه تـفـاصـيـل عمليته الــتــي تـسـتـغـرق عـشـر ســاعــات كـامـلـة. وعلى غرار نظرائه في القرون الماضية، يتعين عـلـى شـيـري الـتـعـامـل مــع تـقـلـبـات الـطـقـس؛ إذ سبق له الخبز في درجات حرارة حارقة وكذلك فـــي بــــرد قـــــارس، فـــضـــا عـــن الـــريـــاح والأمـــطـــار والـعـواصـف الثلجية، وكـافـح لتثبيت خيمته في وجه الرياح العاتية. وفـــي أوقـــــات ذروة الــعــمــل، يـــشـــارك والـــدا عـــامـــا في 11 شـــيـــري وزوجــــتــــه وابـــنـــتـــه ذات الـــــــ عمليات البيع، بينما يرتدون جميعا ملابس تاريخية تعود لتلك الحقبة، ويتبادلون أطراف الــحــديــث مـــع الــزبــائــن حـــول تـــاريـــخ الـخـبـز في الـــقـــرن الــثــامــن عــشــر، فـــي الـــوقـــت الــــذي ينهمك شــيــري فــي إدخــــال المــخــبــوزات وإخــراجــهــا من الفرن بسرعة. وإلــى جانب بيع أرغفة الخبز، التي تزن رطلا واحدا وتماثل الحصص التموينية التي كـــان يـتـلـقـاهـا جــنــود «الــجــيــش الـــقـــاري» خـال الحرب، يقدم شيري منتجات موسمية، تماما كما كـان يفعل نـظـراؤه فـي المـاضـي. وتتضمن هذه المنتجات أجبانا مصنوعة محليا والزبدة والأســـمـــاك المـمـلـحـة. أمـــا خـبـز الـزنـجـبـيـل الــذي يصنعه، فيُشكل باستخدام قوالب مستنسخة يدويا من القرن الثامن عشر، ويستغرق إعداده ثلاثة أيام. وقــد سُــمـي مخبزه بـهـذا الاســـم، لأن رطل الخبز كــان يكلف نصف كـــراون أو اثـنـي عشر بنسا ونصف البنس في منتصف القرن الثامن عشر، ما يعادل ثلاثة دولارات ونصف الدولار، الـــيـــوم. وتــبــاع أرغـفـتـه الـحـالـيـة بـنـحـو خمسة عشر دولاراً، وعـــادة مـا تنفد بضاعته فـي أقل مــن ســاعــة، مــع انـــجـــذاب الـحـشـود إلـــى خيمته بفضل رائحة الخبز الذكية. مــــن جـــهـــتـــهـــا، تـــتـــابـــع بـــــاربـــــرا أونـــــوراتـــــو وزوجـــهـــا تــونــي مـسـيـرة شــيــري المـهـنـيـة، منذ . ويعيش 2018 أن قـــرآ عـنـه لـلـمـرة الأولــــى عـــام الـــزوجـــان أونــــوراتــــو، الـــلـــذان يـمـتـلـكـان مـزرعـة تــاريــخــيــة فـــي ولايـــــة بـنـسـلـفـانـيـا، فـــي منطقة مونتكلير القريبة بولاية فرجينيا، ويعتبران مـــن زبـــائـــنـــه الـــدائـــمـــن فـــي «مــــاونــــت فــيــرنــون» ومواقع أخــرى. وفـي هـذا الصدد، قالت باربرا أونــــوراتــــو: «خـــبـــزه ومـنـتـجـاتـه الأخـــــرى رائـعـة لـلــغــايـة، وأنــــا مـعـجـبـة جــــدا بـمـشــاركـة عائلته بأكملها في هذا العمل». جـــديـــر بــالــذكــر أن شـــيـــري نــشــأ فـــي غــرب ولايـة بنسيلفانيا، وسط عائلة من الشغوفين بمحاكاة التاريخ وتفسيره، وكثيرا ما يحرص عـلـى ارتـــــداء المــابــس الـتـاريـخـيـة والــســفــر إلـى مــواقــع إعــــادة تمثيل مــعــارك حـــرب الاسـتـقـال مــع والــديــه وشـقـيـقـه، مـنـذ أن كـــان فــي الثامنة مــن عــمــره. وفـــي أثــنــاء فـتـرة عمله مــع الطاهي شــــــون بــــــــروك فـــــي مـــطـــعـــم «هــــــاســــــك» بــمــديــنــة تشارلستون، أدرك شيري أنـه بمقدوره صنع الخبز على الموقد المستخدم لطهي اللحوم بعد خمود النيران. وقال شيري: «نظرا لانغماسي الشديد في تجارب إعــادة التمثيل التاريخي، والــتــي تتضمن الـطـهـي عـلـى نــيــران المخيمات طـوال حياتي، كانت الخطوة المنطقية التالية بــالــنــســبــة لــــي صـــنـــع فـــرنـــي الـــــخـــــاص». وبــعــد استشارة مؤرخ الثقافة الغذائية ديفيد شيلدز، عثر شيري في أرشيف محلي على مواصفات بناء فرن طيني كتبها الـ«سالزبورغرز» -جالية مـــن خـــبـــازي ولايـــــة جـــورجـــيـــا، كـــانـــوا يـعـمـلـون بالقرب مـن نهر سـافـانـا، فـي أربعينات القرن الثامن عشر. فـــي خـــبـــزه، يـعـتـمـد شـــيـــري عــلــى حـبـوب تُطحن خصيصا بناء على طلبه، بما في ذلك طاحونة «ماونت فيرنون». كما يستخدم رغوة الخميرة، أو خميرة البيرة، التي يحصل عليها من صُنّاع البيرة المحليين، تماما كما كان يفعل الخبازون، قبل الإنتاج الضخم لمواد التخمير. وأضـــــــــاف: «أحـــــــــاول اســــتــــخــــدام مــكــونــات كانت شائعة فـي المناطق التي أعمل بها، لأن هذا ما كان يتعين على خبازي واشنطن فعله فـي ذلــك الــوقــت». ويتضمن عمل شـيـري كذلك جــمــع وصـــفـــات طـــعـــام وأدوات خــبــز ومـــعـــدات ومـخـطـوطـات وكـتـب، تـعـود إلــى الـقـرن الثامن عــشــر. ويـــركـــز بـشـكـل خــــاص عــلــى كـريـسـتـوفـر لـودويـك، مهاجر ألماني افتتح مخبزا ومتجرا ناجحا للحلويات في فيلادلفيا في خمسينات الــــقــــرن الـــثـــامـــن عــــشــــر، وشــــغــــل مـــنـــصـــب مــديــر الخبازين لدى واشنطن خلال الحرب. وأوضـــــح شـــيـــري: «تـــولـــى لـــودويـــك إدارة عـــشـــرات الــخــبــازيــن المـحـلـيـن فـــي مـسـتـودعـات الإمــــــداد والمــــواقــــع الـرئـيـسـيـة الأخـــــرى الـقـريـبـة نـسـبـيـا مـــن الـــقـــوات لـتـسـهـيـل عـمـلـيـات الـنـقـل. وكانوا ينتجون مئات، إن لم يكن آلاف، الأرغفة للجيش». ووفـــقـــا لــحــســابــات واشـــنـــطـــن، كــــان الأمـــر ألـــــف رطـــــل مــــن الـــدقـــيـــق لإطـــعـــام 100 يــتــطــلــب ألــف رجــل عـن كـل عــام تستمر فيه الـحـرب، 15 وكــــــان واشـــنـــطـــن يـــدفـــع أجــــــور الـــخـــبـــازيـــن مـن جيبه الخاص. وكثيرا ما كان يراسل لودويك مباشرة بطلبات دقيقة لتسليم الخبز. وأشــــــار شـــيـــري إلــــى أنــــه «فــــي حـــن جــرى تجنيد عـديـد مــن هـــؤلاء الـخـبـازيـن فــي خدمة قـــســـم الـــخـــبـــز، فـــــإن بــعــضــهــم كــــانــــوا مـحـتـرفـن يعملون بموجب عقود وواصلوا تجارتهم بعد الحرب». وكــــــــــان ســـــــايـــــــروس بــــوســــتــــيــــل مــــــن بــن هـــــؤلاء؛ والـــــذي كــــان خـــبـــازا مـسـتـعـبـدا سـابـقـا فـــي بــنــســلــفــانــيــا، وأدار مــخــبــزا تــعــاقــديــا في ، وذلــــــــك فـــــي أثـــنـــاء 1782 نـــيـــوجـــيـــرســـي عــــــام اسـتـمـرار المــنــاوشــات بـعـد مـعـركـة يـوركـتـاون. وافـتـتـح مـخـبـزا ومـصـنـعـا نـاجـحـا لـلـبـيـرة في فيلادلفيا بعد الحرب، وأصبح عضوا مؤسسا فـي «الجمعية الأفـريـقـيـة الــحــرة» بفيلادلفيا، الـتـي دعـمـت المــــدارس المستقلة لـــذوي البشرة الــســمــراء. ويُــعــد مـغـنـي الأوبـــــرا والــنــاشــط في مـــجـــال الـــحـــقـــوق المـــدنـــيـــة بــــول روبــــســــون أحــد أحفاده. ويعد منزل كليفدين، الذي يعود تاريخه إلـــــى الــــقــــرن الـــثـــامـــن عـــشـــر، ويـــقـــع فــــي مـنـطـقـة جيرمانتاون بمدينة فيلادلفيا، إضافة حديثة إلى قائمة مواقع تشيري. وقالت كارولين جي. والاس، المديرة التنفيذية، إنهم كانوا يسعون لإيجاد سبل للتعاون معه منذ فترة. وأضـــافـــت والاس: «إن تــجــربــة المـــذاقـــات نفسها الـتـي كــان يتذوقها شـخـص مـن القرن الثامن عشر، خاصة جندي في الجيش، تُعد وسيلة رائعة لتعريف الناس بتلك الحقبة». وكان مشهد خيمته التي تعود إلى القرن الثامن عشر، ورائحة فرن الخبز، هما ما جذب سيندي كيتشل، مُعلّمة مـن إنديانابوليس، إلى خيمة تشيري في صباح مشرق من يونيو .21 (حزيران) في القرن الـ وقــالــت كيتشل، خــبــازة مـنـزلـيـة شغوفة كـــانـــت تـــــزور مـــاونـــت فـــيـــرنـــون لــلــمــرة الأولـــــى: «كنت في واشنطن العاصمة لحضور مؤتمر. وتـذكـرنـي رؤيـــة هــذا المـكـان بالهدف الحقيقي .»250 لمبادرة أميركا * خدمة «نيويورك تايمز» *نيويورك: رامين غانشرام جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky