issue17407

يصل الاستلاب بالسيد البرغي أنه أكثر ما يشعر بالطمأنينة حين يصبح أمام كاميرا المراقبة في الإصلاحية الثقافة CULTURE 17 Issue 17407 - العدد Sunday - 2026/7/26 الأحد أحمد عبد المعطي حجازي الموشح... من المغرب إلى المشرق اليوم أتحدث عن الموشح الأندلسي الذي وعدت في ختام مقالتي السابقة بـأن يكون موضوعنا لهذا الحديث، أقـدم من خلاله صـورة من صـور التبادل والتواصل الثقافي بين المشرق والمغرب العربيين. والمعروف الشائع أن المشرق في معظم الأحيان هو المصدر الذي يأتي منه الفعل الذي يعتبره المغاربة جديرا بأن يتبنوه ويعتبروه تراثا لهم كما هو تراث للمشارقة، لأن الثقافة العربية في المشرق هي الثقافة العربية في المغرب، وهذه هي الحقيقة التي نعترف فيها بأن الثقافة العربية بدأت في المشرق، وهو واقع يُــؤدي في كثير من الأحيان إلـى تجاهل واقـع آخـر لا يستطيع أحـد أن ينكره، وهو أن المغاربة لم يكونوا مجرد جمهور يتلقى ما ينتجه المشارقة، بل كانوا أيضا مصدرا آخر من مصادر الثقافة العربية منذ أصبحت هذه الثقافة بكل صورها ومجالاتها ثقافتهم. وهـذا منطق مفهوم وواقـع ملموس نحتاج لأن نُذكر به دائما ونوضحه، لأن اللغة حين تصبح لغة الفرد والجماعة يتواصلون بـهـا فــي حـيـاتـهـم الــخــاصــة والــعــامــة لا تــكــون بـالـنـسـبـة لـلـنـاطـقـن بـهـا مجرد ألفاظ يرددونها أو جمل يكررونها، وإنما تصبح عواطف، ومشاعر، وأفكاراً، ومعاني، وباختصار تصبح تعبيرا عن الذات، ذات الفرد، وذات الجماعة. فـــإذا كـانـت اللغة العربية قـد دخـلـت بــاد المـغـرب وبـــاد المـشـرق أيـضـا مع العرب الفاتحين في القرن السابع الميلادي، فقد وجدت هنا وهناك إقبالا يلفت الأنظار واستعدادا للإجادة والإتقان. إذ لـم يمض أكثر مـن قرنين حتى أصبحت العربية لغة الأكـثـريـة، وأخـذ المغاربة يشاركون بها في إنتاج الأدب العربي. ومن أوائل الشعراء الذين ظهروا في هذه المرحلة الأولى من تاريخ المغرب العربي عبد الرحمن بن زياد القيرواني الذي رحل إلى العراق، فهزّه الحنين لوطنه وقال: وأين القيروان من العراق؟! ذكرت القيروان فطاح شوقي على الإبل المضمرة العتاق مسيرة أشهر للعيس نصا هـــذا الـشـاعـر لــم يـكـن إلا واحــــدا مــن عــشــرات بـــدأ بـهـم الـشـعـر الـعـربـي في المـغـرب بـأقـطـاره الممتدة وولايــاتــه المختلفة، ومنها جـزيـرة صقلية التي جاء منها جوهر، قائد جيش المعز الذي فتح مصر وبنى القاهرة لتصبح عاصمة الفاطميين، وهذا تاريخ نعرفه، لكن الذي لا نعرفه كما يجب هو الثقافة العربية في صقلية التي خضعت للحكم العربي من القرن التاسع الميلادي إلى القرن الـحـادي عشر. وفـي ذلـك العصر الـذي كانت فيه الثقافة العربية هي السائدة في الشرق والغرب، ازدهرت في صقلية التي أصبحت قبلة الباحثين عن علوم الـعـرب. ونـحـن ننظر فيما بقي لدينا مـن تـــراث الـعـرب الصقليين فنجد مائة وسبعين شاعرا ظهروا جميعا في الجزيرة ونقرأ من شعرهم عشرين ألف بيت. ومن أشهر شعراء صقلية ابن حمديس الذي أشرت إليه في المقالة السابقة. وله في الحنين لوطنه الذي سقط في أيدي النورمانديين فرحل عنه ابن حمديس مع من رحلوا: يهيّج للنفس تذكارها ذكرت صقلية، والأسى وكان بنو الظرف غُمارها ومنزلة للتصابي خلت فإني أحدّث أخبارها! فإن كنت أُخرجت من جنة *** والحديث عن ثقافتنا العربية في المغرب والأندلس وعما كان بين المغاربة والمشارقة من تواصل وتبادل - هذا الحديث يبدأ ولا يكاد ينتهي، لأن العمل الــذي نتحدث عنه أو الاســم الــذي نـذكـره تـاريـخ وتـــراث لا ينفصل بعضه عن بعضه. وكيف نتحدث عن جوهر الصقلي مثلا دون أن نتحدث عن صقلية؟ أو نتحدث عن صقلية دون أن نتحدث عن ابـن حمديس؟ أو نتحدث عن ابن خلدون دون أن نتحدث عن الأندلس التي استوطنتها عشيرته، وعن المغرب حيث ولــد، وعـن مصر حيث هاجر واشتغل بالتأليف والـتـدريـس والقضاء، ولقي وجه ربه؟ وكيف نتحدث عن الأندلسيين الذين أبدعوا الموشح دون أن نتحدث عن المشارقة الذين أخذوه عنهم، وفي مقدمتهم الشاعر المصري ابن سناء الملك، فضلا عن آخرين مصريين وغير مصريين يتحدث عنهم صلاح الدين بن أيبك الصفدي فـي كتابه «توشيع التوشيح» فيقول: «ومـــن أهــل الـديـار المصرية الـقـاضـي السعيد هـبـة الـلـه بــن سـنـاء المــلــك، وهـــو حـامـل رايـــة هـــذه الصناعة والناس عليه فيها عيال، ونصر الدين بن قلاقس الإسكندري، والأُسْــعَــد بن مماتي، وابـن وزيــر، وابـن المنجم، والـسـراج الـــوراق، وابـن سعيد بن المغربي، والنصير الحمامي، ومظفر الأعـمـى، والشهاب أحمد بن عبد الله الـعـزازي، وقـد أكثر من هـذا الفن. ومـن شعراء الشام السراج عمر بن مسعود الكناني الحلبي، والشيخ صدر الدين محمد بن الوكيل، وأحمد بن حسن الموصلي، وهو من المكثرين». وابــن سناء الملك لـم يكتف بأنه ينظم فـي هـذا الشكل الشعري الـقـادم من الأندلس، بل نظم فيه، وألف كتابا تحدث فيه عن أصول الموشح، وحدد قواعده، وأدّى فيه الـدور الـذي أداه الخليل بن أحمد في علم العروض. فالموشح شكل شعري قائم بذاته لا يتألف من أبيات كما هي الحال في القصيدة، وإنما يتألف من مقطوعات يتميز كل منها بأوزانها وقوافيها، وينتهي الموشح بخاتمة أو خرجة ينظمها الشاعر بالعامية. لأن العامة أو الأغنيات الشعبية الأندلسية هي الأصول التي خرج منها الموشح، ومن هذه الأصول ظهر الموشح مرتبطا بالغناء من ناحية، وجامعا بين الفصحى والعامية من ناحية أخرى. ومن هنا لم يلتزم الشعراء دائما بالأوزان المألوفة وهم ينظمون الموشح، وإنما تحرروا في بعض ما نظموه فوضعوا له أوزانا مختلفة، لأن الوزن في الغناء يختلف عن الوزن في الإلقاء أو في القراءة. وفـي هـذا يقول ابـن سناء الملك: «والقسم الثاني من الموشحات هو ما لا مدخل لشيء منه في شيء من أوزان العرب. وهذا القسم منها هو الكثير، والجم الغفير، والـعـدد الـــذي لا ينحصر، والــشــارد الـــذي لا ينضبط. وكـنـت أردت أن أقيم لها عَروضا يكون دفترا لحسابها، وميزانا لأوتادها وأسبابها، فعز ذلك وأعوز، لخروجها عن الحصر وانفلاتها من الكف، وما لها عروض إلا التلحين، ولا ضرب إلا الضرب، ولا أوتاد إلا الملاوي، ولا أسباب إلا الأوتار...». *** وأختم بالعودة إلـى ما قلته عن معرفتنا نحن المشارقة بإنتاج أشقائنا المغاربة. قلت إن هذه المعرفة انطباعات تحتاج لاختبار. وأنا أُكرر في ختام هذه المقالة ما طالبت به في المقالة السابقة. سومر شحادة في «حكاية السيد البرغي» حيث الأدب شفاء من الاستبداد رحلة الرقيب في البحث عن الذات الاســـتـــبـــداد لـــم يـعـد مـسـألـة مـحـلـيـة في دولة ديكتاتورية من دول العالم الثالث، بل سمة عالمية تستعيد أقسى ملامحها، كأنما كـــل نــظــريــات الــحــريــة وئــــدت ونــســي أثــرهــا. حـــتـــى إن كـــــان ســـومـــر شــــحــــادة فــــي روايـــتـــه الـجـديـدة «حكاية السيد الـبـرغـي» الـصـادرة حـديـثـا عــن «دار الآداب» يـسـتـوحـي الـحـالـة الـسـوريـة الـتـي عايشها، فــإن الـنـص يتخلى عــــن تـــحـــديـــد المـــــكـــــان، ويــــتــــرك الــشــخــصــيــات منفلتة مـن ربقة الأســمــاء، تعيش وجودها الإنساني الكفكاوي المــر بـا صـدمـات كبرى أو أحداث انقلابية. فـــنـــحـــن فــــي أمــــاكــــن لا أســــمــــاء لـــهـــا ولا عـنـاويـن. الشخصية الرئيسية فـي الـروايـة (الـــبـــطـــل) يـعـمـل فـــي مــؤســســة يـطـلـق عليها اسم «إصلاحية». بمعنى أنها تقوم بمهمة الإصلاح، بينما هي بنية استخباراتية تتبع «الــنــظــام» الـــذي لا نـعـرف لــه هـويـة أو لـونـا. القصة إذن بلا مؤشرات زمانية أو مكانية، تدخلنا فـي لعبة روائـيـة متحررة مـن قيود الـجـغـرافـيـا واعــتــبــاراتــهــا، بـحـيـث نـبـقـى في بقعة هلامية تـــدور فيها الأحــــداث. الـروايـة التي تتحدث عن حبائل التحايل على القمع، ووســـائـــل الـتـاعـب عـلـى الـسـلـطـة المـسـتـبـدة، تمارس الحيل ذاتها على الـقـارئ والسلطة معا ً. الموظف الحكومي في قسم الوثائق في «الإصــاحــيــة» لـم يكن مهجوسا بالتساؤل حــــول مــهــمــتــه، وهــــو يـــقـــرأ الـــنـــصـــوص الـتـي يـــتـــوجـــب عــلــيـــه مـــراقـــبـــتـــهـــا، لـــكـــن حــــن تـمـر عـلـيـه مــقــالــة مـــمـــدوح حـــــداد، يـتـلـبـسـه الـشـك في صلاحية المقالة نفسها للنشر، ويشعر بـــالاســـتـــفـــزاز وهــــو يـــقـــرأ فــيــهــا أن المــوظــفــن أمــثــالــه «مـــجـــرد بــرغــي فـــي آلــــة تـطـحـن وعــي الــــنــــاس». الآلـــــة هــنــا هـــي الـــنـــظـــام، والمـــوظـــف الرقيب هو برغي لا أكثر في آلة ضخمة، وكم من برغ غيره. وهي في مجملها براغي تسيّر الآلـة دون أن تفهم كنه وظيفتها الحقيقية. إربـاكـه أمــام هـذا التشبيه يجعله يتذكر من جديد أن عمله هذا «سمّم حياته» لكن رضي وتــغــاضــى وكــتــم وجـــعـــه، لأن هـــذه الـوظـيـفـة «تــــزيــــد مــــن حـــظـــوظ أبـــنـــائـــه فــــي الـــوظـــائـــف مستقبلاً». نــــــص مــــقــــالــــة مــــــمــــــدوح حـــــــــــداد، يــفــتــح تدريجيا أمـــام السيد الـبـرغـي بــاب الكشف، حــيــث تـنـقـلـب حـــيـــاتـــه، ويـــذهـــب يــبــحــث عن ممدوح، من هو؟ بماذا يفكر؟ وهل له كتابات أخـــرى؟ أي مصادفة أن تكون ابنته معجبة بــهــذا الــكــاتــب وفـــي مكتبتها روايـــتـــه «عـطـر الليل» التي سيقرأها خلال رحلته مع عائلته إلى الريف. فـي روايـــة «عـطـر الـلـيـل» يبحث الموظف عــــن خــلــفــيــات الـــكـــاتـــب مــــمــــدوح، عــــن نـــوايـــاه وانـتـمـاءاتـه، ويـؤجـل مــرة تلو أخـــرى تسليم الـتـقـريـر الــــذي يـفـتـرض أن يكتبه عــن المـقـالـة المعلقة، ويقدمه للجهة المسؤولة. فـــي مـــــــوازاة تــصــاعــد الـــحـــالـــة الـنـفـسـيـة المضطربة التي يعيشها المـوظـف، وهـو يقرأ روايــــــة مـــمـــدوح حــــــداد، والـــتـــي تـنـعـكـس على علاقته بعائلته، يتساءل عن دوره وحياته، ومهمته. ومع تقدمه في القراءة يلتبس علينا الأمر، كما الموظف نفسه، إن كان ممدوح مرآة له، ومجرد اسم مستعار، أم كاتبا حقيقياً. طوال عشرين سنة، كان الموظف البرغي يــقــدم تــقــاريــره دون تـــــردد، هـــذه المــــرة يشعر بأنه أمــام كاتب يختبر فـكـره، ومـسـاره. وإذا كـانـت مـقـالـة مــمــدوح قــد اسـتـفـزتـه وحرضته على قــراءة روايـتـه، فـإن الـروايـة بموضوعها عن الألـم الشخصي، وانسداد الأفـق، وضياع الــــذاكــــرة، تـحـت وطــــأة نــظــام قـمـعـي، تتسبب لــه فــي اهـــتـــزازات نفسية عميقة ومـراجـعـات مــوجــعــة. يــقــرأ الـــروايـــة الــتــي تـقـلـب وجــدانــه خلال رحلته الريفية مع عائلته، لكن الرقابة لا تعتقه. وهـي وإن غابت تبقى ساكنة فيه. يـنـظـر مـــن نـــافـــذة فـــي فــنــدقــه الــجــبــلــي، حيث تنساب الحقول أمامه، فيرى كاميرا ترصده، كعين لا تنام. يتخيل التقرير الذي سيسطره فـي صاحب الـروايـة واصـفـا إيــاه بأنه «كاتب منحط، يوظف الكتابة توظيفاً»، لا، بل «هو خطر على الأدب»، لكنه يتراجع. هذا الكاتب أعـــاده إلــى ذاتـــه، إلــى أيـــام الأرق الأولـــى، حين بـــدأ وظـيـفـتـه قـبـل عـشـريـن سـنـة، يـومـهـا كـان يصاب بقلق يحجب عنه النوم. لكن زميلا له نصحه بـأن يحب عمله ويـحـاول «رؤيــة الآلة على أنها أمر وجداني... وما أن يعترف المرء بالآلة حتى ترافقه مثل حب قديم يجدد ذاته». يصل الاسـتـاب بالسيد البرغي أنـه أكثر ما يشعر بالطمأنينة حـن يصبح أمــام كاميرا المراقبة في الإصلاحية، ربما لأنه هنا يصبح بعيدا عن أي شبهة قد تلتصق به. أما خارج مكان عمله فشياطين أفكاره توسوس له بما يشعره بالرعب من انكشاف أمـره، خاصة أن إحساسا يطارده بأن ثمة كاميرات تترصده أيـــنـــمـــا تـــنـــقّـــل، مــــا يـــزيـــد مــــن شــــعــــوره الـــدائـــم بالخوف المكبوت. فـــي خــضــم مــعــركــتــه الـــذاتـــيـــة مـــع روايــــة ممدوح، التي فيها من التفاصيل ما يشبهه حـد التطابق، يسمع وهـو جالس فـي مكتبه فــــي «الإصــــاحــــيــــة» صـــوتـــا يـــقـــتـــرب مــــن بـــاب غرفته. عندها سارع إلى إحكام إغلاق الباب، سنده بجسده، ثم أخذ ينظر في أرجاء الغرفة بـــفـــزع وهـــــو يــعــتــقــد أن الـــنـــظـــام قـــــرأ أفــــكــــاره. «الــنــظــام قـــــادم، وســــوف يـسـحـقـه بالمسننات الـحـديـديـة، وقـــد تـأخـر فــي قــــراءة مصيرية». ثــم يــقــول لـنـفـسـه: «أصـبـحـت أقــــرب للاعتقاد بالفعل أنـنـي عــدو نفسي، وقــد نجح النظام في ترسيخ هذا التصور لدي». مع بداية قـراءة السيد البرغي لـ«عطر الــلــيــل» يـشـعـر أن مـــمـــدوح خــصــم لــــه، لكنه بـــمـــرور الـــصـــفـــحـــات، يــصــل إلــــى خــاصــات أهمها أن مـمـدوح عجز عـن امـتـاك حياته، و«عـجـز عـن الاعــتــراف أن البشر أقــل مـن أن تـصـنـع أقـــــدارهـــــا». يـــقـــرأ فـــي الــــروايــــة عجز مـمـدوح عـن مواجهة الـنـظـام، مواجهة تلك الأدوات المخابراتية التي صــارت جــزءا من نسيج المجتمع، وليست دخيلة عليه. يشعر بتشابه بين حياته الشخصية ومـا يعيشه صاحب الــروايــة. فهو بحسه التجسسي المـتـمـرس وخــبــرتــه، يـــدرك أنـه أمــــــام ســـيـــرة وجــــدانــــيــــة لـــلـــكـــاتـــب مـــمـــدوح حداد، وهي ليست مجرد حكاية من صنع الخيال، إنها مليئة بالمشاعر والانفعالات. مع التقدم في القراءة يصبح أكثر تماهيا مـــع الـــكـــاتـــب، لــكــن الـــفـــرق أنــــه انـــخـــرط في النظام، وممدوح عــاداه وواجـهـه، لكنهما وصــــا إلــــى الـنـتـيـجـة نـفـسـهـا، هـــي أنـهـمـا سُحقا، وابتلعتهما الآلة. عندما ينهي القراءة أول مرة، يشعر كأن إحساسا جديدا يخترقه، أو كأنما حفر النص في داخله عميقاً، وفجّر أسئلة وجودية. نحن فـي حـضـرة روايـــة داخـــل الــروايــة. بمعية السيد الـبـرغـي، نقرأ حكاية ممدوح حــداد، بعيني الموظف الرقيب، ونعيش في الـوقـت نفسه تفاعلاته النفسية مـع النص، وإحساسه بـه، وكيف أنـه بمرور الصفحات تـــزداد شكوكه فـي نفسه، ومراجعته المؤلمة لحياته، ليس حــول محاباته للنظام فقط، لكن حول علاقته الملتبسة بزوجته أيضاً. إذ يقول: «بقيت أنظر إليها نظرتي إلى حديقة فـــي جــــوار المـــنـــزل، تــفــوح مـنـهـا رائـــحـــة عطر الليل. وكنت أمنع نفسي من اقتحام أسوار تلك الحديقة، أو التطفل على أزهارها». شيء من التجاور في حياة زوجين يفترض أنهما اندغما، لكن الحياة لا تسير بانسيابية حين تكون النفس قلقة، مرتجفة، تدفن مخاوفها، وتصمت عن الضيم، وترتكب الآثام مكرهة. لـــهـــذا، وهــــو فـــي خــضــم إعـــــداد الـتـقـريـر فـــإن «أكــثــر المــواضــيــع الــتــي بــــدأت تـلـح عليه هـي مسألة الـحـريـة». أمــا الـعـبـارة التي بقى يرددها، ويتمنى لو تصل إلى الأسماع، فهي «أنــا بـــريء». لكنه فاقد الـقـدرة على التحكم بمصيره. فكيف تستوي الحرية مع القيد؟ تــبــقــى الــــروايــــة تــســيــر بـــوتـــيـــرة هــادئــة خارجياً، مضطربة في أعماق النفوس، إلى أن نــصــل إلــــى نــهــايــة يـحـسـم فـيـهـا المــوظــف أمره، مختارا ما يعتقده حريته، على البقاء قطعة صغيرة في آلة جهنمية. لكن هل وجد الموظف سلامه الذي يبتغيه؟ نبرة النص لا تـوحـي بـذلـك، لكننا نفهم أن مـمـدوح حـداد الذي بقي شخصية مقنعة هو مجرد ذريعة روائية أو حاجة أدبية لقراءة الموظف لذاته. أما رواية «عطر الليل» بأسلوبها الذي سحر قـــارئـــهـــا، فـلـعـبـت دور المـــشـــرّح الــنــفــســي، أو الـكـاشـف والمـحـلـل، لشخصية قضم روحها الـقـمـع وشــتّــت كـيـانـهـا، فــي إشــــارة إلـــى دور الأدب في الشفاء من الاستبداد. بيروت: سوسن الأبطح تحمل معها آثار وعلامات العصور التي وُلدت فيها رحلة المصطلحات عبر التاريخ قـــد يـــبـــدو لــلــوهــلــة الأولــــــى أن الـكـلـمـات مـــجـــرد أدوات لـلـتـعـبـيـر، وأن المـصـطـلـحـات لا تـخـتـلـف عـــن غــيــرهــا إلا فـــي درجــــة الــدقــة. لـــكـــن تـــــاريـــــخ الأفــــــكــــــار يـــكـــشـــف شـــيـــئـــا آخـــــر، فالمصطلحات الكبرى لا تنتقل مـن لغة إلى أخــرى كما تنتقل البضائع بـن الـبـلـدان، بل تـحـمـل مـعـهـا آثــــار وعـــامـــات الــعــصــور الـتـي وُلـــدت فيها، وتكتسب فـي كـل انتقال معنى جديداً. ولهذا فإن دراسة تاريخ المصطلحات لـيـسـت بـحـثـا لـغـويـا فـحـسـب، بـــل هـــي نـافـذة على تاريخ الفكر والثقافة. حـــن يـنـتـقـل مـصـطـلـح مـــن مــعــجــم إلــى مـــعـــجـــم، لا تــنــتــقــل مـــعـــه الــــحــــروف وحـــدهـــا، بـــل تـنـتـقـل أيـــضـــا شـبـكـة كــامــلــة مـــن المـعـانـي والأســـئـــلـــة. فـالمـصـطـلـح الــــذي نــشــأ فـــي بيئة ثــقــافــيــة مــعــيــنــة كـــــان يـسـتـجـيـب لمـشـكـاتـهـا وأسئلتها الخاصة، وحين يدخل لغة جديدة يجد نفسه في مواجهة سياق مختلف، فيبدأ بالتغير شيئا فشيئاً. وقـد يحتفظ باسمه، لكنه لا يحتفظ دائما بروحه الأولى. ولــــهــــذا كـــثـــيـــرا مــــا يـــكـــون تــــاريــــخ الـفـكـر تــــاريــــخــــا لـــلـــتـــرجـــمـــات بــــقــــدر مــــا هــــو تـــاريـــخ للنظريات. فكثير مـن الـتـحـولات الـكـبـرى لم تــبــدأ بـاكـتـشـاف عـلـمـي أو مــحــاولــة لـبـرهـان جـــديـــد، وإنـــمـــا بـــــدأت بـــإعـــادة فــهــم مصطلح قـــديـــم، أو بــإيــجــاد مــقــابــل جــديــد لـــه فـــي لغة أخـــــــرى. ومـــــع كــــل تـــرجـــمـــة تـــتـــبـــدل الـــعـــاقـــات بين المصطلحات، وتتغير الـحـدود الفاصلة بـن المفاهيم، حتى يبدو للقارئ المتأخر أن المعاني الحالية كانت موجودة منذ البداية، مــــع أنـــهـــا ثـــمـــرة قــــــرون طـــويـــلـــة مــــن الــتــحــول والتغير المستمر والصيرورة التي لا تنقطع. ولــــــــيــــــــس هـــــــــــــذا خــــــــاصــــــــا بــــالــــفــــلــــســــفــــة وحـــــدهـــــا. فــمــصــطــلــحــات مـــثـــل «الــــحــــداثــــة»، و«الآيـديـولـوجـيـا»، و«الـهـويـة»، و«الثقافة»، و«العقل»، و«الحرية»، و«الحق»، تبدو اليوم مـسـتـقـرة الــــدلالــــة، لـكـنـهـا فـــي الـحـقـيـقـة مــرت بـرحـات طويلة. ففي كـل عصر كانت تشير إلـــى مـعـنـى يـخـتـلـف، ولـــو قــلــيــاً، عـمـا كانت تـشـيـر إلـــيـــه فـــي عــصــرهــا الأول. ولـــذلـــك فــإن قراءة النصوص القديمة بالمفاهيم الحديثة كثيرا ما تؤدي إلى إساءة الفهم، لأننا نحمل إلى الماضي معاني لم تكن قد تشكلت بعد. ولــــعــــل أشــــهــــر الأمــــثــــلــــة عـــلـــى ذلــــــك لـفـظ الــــلــــوغــــوس الـــيـــونـــانـــي. فـــقـــد كـــــان يـــــدل عـنـد هــرقــلــيــطــس عـــلـــى الـــنـــظـــام الــــــذي تــنــتــظــم بـه الموجودات، ثم اكتسب عند الرواقيين أبعادا كونية وعقلية، وانتقل في التراث المسيحي ليشير إلى «الكلمة» الإلهية، ثم واجهنا نحن المترجمون العرب صعوبة في إيجاد مقابل واحــــد لـــه، فـتـنـوعـت تـرجـمـاتـه بــن «الـــقـــول»، و«الـكـلـمـة»، و«الــعــقــل»، و«المــنــطــق»، بحسب السياق. وهـكـذا لـم يكن انتقال اللفظ مجرد انتقال بين لغات، بل كـان انتقالا بين عوالم فكرية مختلفة، وفي كل محطة كان يكتسب ظـــالا جـديـدة مـن المـعـنـى. مـثـال آخــر سيزيد قضيتنا وضوحاً، نجده في صرخة الحرية الأخــيــرة فـي فيلم المـخـرج والمـمـثـل الأميركي ميل غبسون «القلب الشجاع» وكيف أثـارت ســخــريــة بــعــض الـــنـــقـــاد، لأن تــلــك الــصــرخــة خــارجــة عــن سـيـاقـهـا الــتــاريــخــي، عـلـى الأقــل كما يـصـوّرهـا المشهد السينمائي. فالناس في القرن الثالث عشر يفهمون معنى الحرية، لكن ليس بهذه الصورة التي تذكر بخطابات الدكتور الأميركي مارتن لوثر كنغ، ونضاله السياسي من أجل الحقوق. ومــــــن هـــنـــا تــــأتــــي أهـــمـــيـــة الـــــعـــــودة إلـــى تـاريـخ المصطلحات. فـهـذه الـعـودة لا تهدف إلـــى الـبـحـث عــن الأصــــل الــلــغــوي للمصطلح فحسب، بل إلى اكتشاف الطرق الذي سلكها حتى وصل إلينا في صورته التي عاصرتنا. * كاتب سعودي. *خالد الغنّامي البقية على الموقع الالكتروني

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky