issue17405

بالحديث عن واقـع النفوذ الفرنسي في المغرب العربي، والتراجع الكبير الذي كان يميز التحصيل الدراسي في اللغة الفرنسية، فإنه قد بات هناك ما يشبه النفور تجاه الفرنسية في الأجيال الجديدة لصالح ميل واضح نحو الإنجليزية. طبعا من السطحية الاكتفاء بتفسير تراجع الإقبال على الفرنسية بهيمنة الإنجليزية على العالم معرفة وتعاملاتٍ؛ فالقضية فـي المـغـرب العربي تحديدا أكـثـر تعقيدا وتشابكا بين أسباب عدّة يتعالق فيها الثقافي والهوياتي وصولا إلى السياسي والجمر النائم تحت الرماد. ويــتــضــاعــف الــتــعــقــيــد عــنــدمــا يـتـعـلـق الأمـــــر بــالــجــزائــر وعلاقتها بفرنسا؛ حيث إن كل شيء في هذه العلاقة مختلف، بــــدءا مــن طبيعة الاسـتـعـمـار الــــذي كـــان احـــتـــالا استيطانيا ولـيـس حـمـايـة، كـمـا هــو حـــال تـونـس والمـــغـــرب، وأيــضــا طـول إلـى تـاريـخ الاستقلال 1830 مـدة الاستعمار التي امـتـدت مـن ، أي قـــرن وجـيـل كــامــل؛ الأمـــر الـــذي جـعـل الـنـدوب 1962 سـنـة جروحا عميقة تراها بالعين المجردة في متاحف الجزائر التي تروي جرائم الاستعمار الفرنسي، مع حرص شديد على نقل سـرديّــات الجرائم إلـى الأجـيـال الصاعدة كـي لا تُنسى. ولقد عاينت ذلك بنفسي أثناء مشاركة رسميّة تخللها تنظيم زيارة إلى متحف الجزائر، وشدة الوفاء للشهداء. إذن لا يمكن تفسير قرار الجزائر مؤخرا إلغاء الفرنسية في السنة الثالثة ابتدائي، والإبقاء على الإنجليزية، اتقاء لما يُسمَّى صدمة اللغتين في السن المبكرة؛ بأن الأمـر يعود إلى كــون الفرنسية ترتيبها الـرابـعـة بعد الإسـبـانـيـة والصينية والإنجليزية، وأنها لم تعد لغة الدبلوماسية الأولى، كما كان شأنها قبل الحرب العالمية الأولــى. كما لا يبدو لنا التفسير بكون الولايات المتحدة الأميركية نجحت بعد الحرب العالمية الثانية فـي منتصف الـقـرن العشرين، فـي بـدايـة إزاحـــة اللغة الفرنسية عن العالمية المتقدمة، من التفسيرات عالية الإقناع. أيـضـا لا شـك فـي أن الـخـطـاب التسويقي لـلـقـرار لا غبار عليه؛ إذ إن القدرة الاستيعابية للطفل من الصعب أن تتحمل تخمة لغوية، والتمكن من لغتين إلى جانب العربية (اللغة الأم) في سن مبكرة. ولكن المشكل ليس في فلسفة الإصلاح اللغوي بيداغوجيّاً، بل في اللغة التي اختارت الجزائر التضحية بها، وهي الفرنسية؛ ذلك أن تأجيل تدريس الإنجليزية كان يمكن أن يلبي الفلسفة المتوخاة. ولكن الجزائريين اختاروا إسقاط الفرنسية، وتفضيل الإنجليزية عليها. مــن المـهـم أن نشير إلـــى أن هـــذا الــقــرار لـيـس مــعــزولا عن سياق المقاربة التدريجية الجزائرية للحد من حضور الثقافة الفرنسية في الفضاء السيميائي الجزائري. وهنا نلوّح إلى تعميم الإنـجـلـيـزيـة فــي المــــدارس العليا لـلـذكـاء الاصطناعي والمـدرسـة العليا للرياضيات، منذ ما يقارب الأربــع سنوات، وهو توجه تم توصيفه آنذاك بأنه غير مسبوق. ، صدرت بيانات 2021 في المقاربة نفسها نذكر أنه، سنة من عدة وزارات جزائرية تدعو إلى منع استعمال الفرنسية في التعاملات اليومية مع المواطنين، واستندت البيانات الرسمية إلى المادة الثالثة من الدستور الجزائري، التي تقر بأن العربية هي اللغة الرسميّة للبلاد. وبالعودة إلى القرار الصادر حديثا الذي نركز عليه، فإنه قد يرى البعض أن الأمر ليس أكثر من قرار بيداغوجي محض. غير أن الحقيقة تقول إننا أمـام قـرار في ظاهره بيداغوجي، وفي باطنه سياسي بامتياز، تماما كما هي أسباب المقاربة التدريجية للحد من النفوذ الثقافي الفرنسي. بل نحن أمام تحول تاريخي في علاقة الجزائريين بالفرنسية التي تؤكد فـي المـائـة فـي السنوات 25 دراســــات أنـهـا تـراجـعـت بأكثر مـن الخمس الأخيرة لصالح الإنجليزية. وبتفكيك المسكوت عنه في هذا التحول التاريخي الذي يشكل سـيـاسـيـا صـفـعـات متتالية لـفـرنـسـا ذات الحساسية العالية تـجـاه ثقافتها ولغتها، نجد أن هــذه المـقـاربـة يمكن اعـتـبـارهـا رد فعل ضـد مسألتين أسـاسـيـتـن: الأولـــى التوتر السياسي القائم بين الجزائر وفرنسا على خلفية ملف الذاكرة، ومـطـالـبـة الـجـزائـر بـاعـتـراف رسـمـي بـالـجـرائـم الاستعمارية والاعـــتـــذار والـتـعـويـضـات. ورغـــم أن فـرنـسـا حــاولــت المــراوغــة بتشكيل لــجــان مــؤرخــن مـشـتـركـة، فـــإن أعــمــال هـــذه الـلـجـان ظلَّت مجمَّدة، ولـم تقم فرنسا بالاعتراف والاعـتـذار باعتبار تكلفتهما الباهظة جداً، ولا نعتقد أنها قادرة على ذلك. أمـا المسألة الثانية التي زادت الطين بلة (بالنسبة إلى الـجـزائـر)، حيث تعمقت الأزمــة بين البلدين، فتتعلق بتأكيد ، دعمها لمخطط المغرب للحكم الذاتي في 2024 فرنسا، سنة الصحراء الغربية، وهي قضية في غاية الحساسية والتعقيد جزائريا ومغربياً. إذن نحن أمـام طـاق صامت على مراحل، يشبه الطلاق للضرر. شاهدت كأس العالم مرة واحدة في البلد الفائز بالكأس، حين كنت أدرس في باريس، 1998 وكـان ذلـك في فرنسا عـام وبقيت أحـداث تلك الفترة عالقة في الذهن حتى الآن، عزَّزها احتفاظي بصور وبتدوينات متفرقة عن تلك الفترة وحتى فـــوز فـرنـسـا عـلـى الــبــرازيــل فــي المـــبـــاراة النهائية وحصولها للمرة الأولى على الكأس. وظــلــت مـشـاهـد «كــــأس الــعــالــم الـفـرنـسـيـة» حـــاضـــرة في الذهن واستدعيتها في محطات عديدة، وقارنتها بما يجري في بلدان أفريقية وعربية أخرى لم يحصل أي منها على كأس العالم، إنما وصلت إلى أدوار متقدمة أو نالت لقب «التمثيل المشرف» أو حصل منتخبها على بطولة أفريقية. صحيح أن فوز فرنسا للمرة الأولى بكأس العالم أشعل أفـــــراح و«لـــيـــالـــي مــــاح» وخــــرج مــئــات الآلاف مـــن الــبــشــر إلــى الشوارع والميادين وحتى محطات المترو والقطارات احتفالا بهذا الفوز، إلا أنه ظل لدي شعور عميق بأن هذه الاحتفالات مختلفة عـن نظيرتها فـي بـادنـا، واعتبرت أن الـفـارق يرجع إلـى أن هـذه الانـتـصـارات الكروية محاطة بانتصارات أخرى صناعية وعلمية وسياسية وثقافية تُهدئ من درجة انفعالات الناس ولا تلغيها. وكان إحراز اللاعب الفرنسي ذي الأصول الجزائرية زين الدين زيدان هدفين في المباراة النهائية أمام البرازيل، عاملا إضافيا في شعور ملايين الفرنسيين من ذوي الأصول العربية والأجنبية بــأن منتخب فرنسا يمثلهم، وشــاركــوا بحماسة لافتة في احتفالات هذا الفوز، وكان العنف استثناء من هذه الاحتفالات، على عكس ما يحدث الآن حيث تشهد العاصمة الفرنسية حــوادث عنف عقب فـوز أنديتها أو خسارتها على السواء. أمـــا المـشـاهـدة الأوروبـــيـــة الـثـانـيـة فـكـانـت فــي بـلـد شديد الــــهــــدوء والــتــحــضــر هـــو الـــســـويـــد، عــقــب مــشــاركــتــي فـــي أحــد المؤتمرات في جزيرة فيزبي، وذهبت بعدها إلى استوكهولم في موعد مباراة فريقها الوطني مع سويسرا في كأس العالم ، ودُهـشـت بــأن الحياة كـانـت تسير بشكل طبيعي، 2018 فـي فليس هناك أي مظاهر للاحتفال، ولا أحد تقريبا يتكلم في الكرة أو عن المباراة التي ستُجرى بعد ساعات قليلة، وجاءت الساعة الرابعة وجلست في أحـد المقاهي أشاهد المـبـاراة مع أعـــداد كبيرة مـن الـنـاس أغلبهم كــان يشجع بحماسة ويقف حــن تـضـيّــع الـسـويـد فـرصـة هـــدف، وظـــل هـنـاك جـــزء يشجع بهدوء نادر لا يختلف كثيرا عن موقفي المحايد. اللافت أن بعد فوز السويد في هذه المباراة لم أسمع في وســط المـدنـيـة صــوت آلــة تنبيه واحـــدة إلا مـن بعض سائقي التاكسي فـي المحطة الرئيسية، وبــدا مـن ملامحهم أنهم من أصــــول أجـنـبـيـة، وبــــات المـشـهـد الــســويــدي مختلفا حـتـى عن الفرنسي، وعن دول أوروبية أخرى تحتفل بانتصارات فرقها بصورة أكبر من السويد و«أخف» من بلادنا. وإذا كـان الفرح بفوز المنتخب الوطني في بلد أوروبــي مثل السويد أقل من فرح فرنسا وإيطاليا وإسبانيا الفائزة للمرة الثانية بكأس العالم، إلا أن هذا لا يعني أن هذه البلاد تــفــرح بـطـريـقـتـنـا نـفـسـهـا فـــي الــعــالــم الــعــربــي أو فـــي أمـيـركـا الجنوبية وأفريقيا، لأن الفرح الذي سبق وشاهدته في فرنسا عقب فوزها بكأس العالم كـان كبيرا ولكنه كـان مختلفا عمَّا يمكن أن نـشـاهـده فــي بــلــدان «الــجــنــوب»، لـيـس بسبب فــارق الـثـقـافـة وحــــرارة الــنــاس وكـــل مــا يمكن أن يـقـال حـــول طبائع المجتمعات وعـاداتـهـا، وهـو ما ينطبق أكثر على الـفـارق بين فرنسا والسويد، وليس مع دول الجنوب التي تتحول فيها الحماسة للكرة إلى نوع من التعويض عن أي إخفاق سياسي واقتصادي وليس مجرد ساحة للمتعة والـفـرح، على عكس البلاد المتقدمة التي يخفف من حدة مشاعر شعوبها الكروية وأفــراحــهــا وأحــزانــهــا نـجـاحـهـا فــي مــجــالات أخــــرى، كالتقدم الـعـلـمـي والـتـكـنـولـوجـي والإنـــجـــاز الاقــتــصــادي والـسـيـاسـي، والحضور الدولي، والنشاط الثقافي، وغيرها. يقيناً؛ تعامُل الشعوب والمجتمعات مع كرة القدم وكأس العالم يقول إن الفرح للفوز والحزن للخسارة، وهـي ظاهرة إنسانية عالمية عـابـرة لـلـحـدود والـثـقـافـات، ولكنها تختلف فـي درجـتـهـا وطـريـقـة التعبير عنها مـن سـيـاق ومــن بلد إلى آخــر، فمثلا التسييس الكامل والتلاسن القاسي الــذي حدث بـن مصر والـجـزائـر عقب مـبـاراة شهيرة جــرت فـي الـسـودان لم نجده بهذه الـصـورة مع حادثة بشعة جـرت في 2009 في بين مشجعي ليفربول ويوفنتوس، 1985 مباراة كرة قدم عام حيث ضبطت منظومة العدالة الناجزة والمحاسبة والشفافية مـرتـكـبـي الاعــــتــــداءات مــن دون حــمــات تعميم وســبــاب على شعب بأكمله. سيظل العنف والفرح للفوز والحزن للخسارة ظاهرة عابرة لكل الثقافات والمجتمعات ولكن يظل الفارق في درجتها وحدودها وقدرة دولة القانون على محاسبة المخطئ وخلق ثقافة مجتمعية ترفض التعميم، فمشجعو الكرة هم جــزء مـن الشعب ولـيـسـوا كـل الـشـعـب، و«الـــفـــوز» الاقـتـصـادي والـعـلـمـي والـصـنـاعـي قـــادر عـلـى أن يضبط مـشـاعـر وحـــدود الفوز أو الخسارة الكروية. OPINION الرأي 12 Issue 17405 - العدد Friday - 2026/7/24 الجمعة وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مصطفى فحص الحقيقة تقول إننا أمام قرار في ظاهره بيداغوجي وفي باطنه سياسي للحد من النفوذ الثقافي الفرنسي «الفوز» الاقتصادي والعلمي والصناعي قادر على أن يضبط مشاعر وحدود الفوز أو الخسارة الكروية عمرو الشوبكي عائدان من واشنطن طريق العودة من واشنطن تختلف دائـــمـــا عـــن طـــريـــق الـــذهـــاب إلــيــهــا. فهي لــيــســت كـــغـــيـــرهـــا مــــن الــــطــــرق الـــدولـــيـــة، لأن الـــحـــركـــة بــــن واشـــنـــطـــن وعــــواصــــم الــشــرق الأوســـــط، ذهــابــا وإيـــابـــا، ليست حــركــة دبـلـومـاسـيـة روتــيــنــيــة، لا سيما عـنـدمـا تـكـون الـوجـهـة بــغــداد وبــيــروت؛ العاصمتين اللتين تفصلهما الجغرافيا ويـــجـــمـــعـــهـــمـــا المــــصــــيــــر مــــنــــذ تـــأســـيـــس الدولتين قبل أكثر من قرن. تـــتـــقـــاطـــع دلالات زيـــــــــارة الـــرئـــيـــس الـلـبـنـانـي جـــوزيـــف عـــون إلـــى واشـنـطـن مــع زيــــارة رئـيـس الـــــوزراء الـعـراقـي علي الـــزيـــدي، فــي الـــزيـــارة الـخـارجـيـة الأولـــى لـــه إلـــى الـعـاصـمـة الأمــيــركــيــة. والـقـاسـم المـشـتـرك بــن الــزيــارتــن لا يقتصر على التوقيت أو الرمزية، بل يمتد إلى ما قد تفضي إليه نتائجهما في المدى المنظور، بـوصـفـهـمـا أولــــى المــحــطــات عـلـى طريق تــشــكّــل نـــظـــام مــصــالــح إقــلــيــمــي جــديــد، بـــتـــوازنـــاتـــه الــجــيــوســيــاســيــة ومـــمـــراتـــه الاقـــــتـــــصـــــاديـــــة، فـــــــوق أنـــــقـــــاض الـــنـــظـــام الإقليمي الذي سبق السابع من أكتوبر (طوفان الأقصى). 2023 ) (تشرين الأول فـالـعـاصـمـتـان الـلـتـان تـحـولـتـا إلـى حـــديـــقـــتـــن خــلــفــيــتــن لــــطــــهــــران؛ بـــغـــداد ،2005 وبيروت بعد عام 2003 بعد عام وتـــعـــامـــلـــت واشـــنـــطـــن طــــويــــا مــــع هـــذه المــــعــــادلــــة الــــتــــي فـــرضـــتـــهـــا تــــحــــولات مـا بــعــد أحــــــداث الــــحــــادي عــشــر مـــن أيــلــول ، بـدأتـا تنفضان غبار 2001 ) (سبتمبر ســـــنـــــوات مـــــن فــــائــــض خـــــرائـــــط الـــنـــفـــوذ الإيراني، والتخلص من ضرائب الوقوع في المجال الحيوي للمنظومة الإقليمية الـتـي نسجتها طــهــران. غـيـر أن سقوط نــــظــــام الأســـــــد قـــطـــع هــــــذا المــــمــــر، وأعــــــاد ســــوريــــا إلـــــى مــوقــعــهــا الــجــيــوســيــاســي الـطـبـيـعـي، بـمـا أنــهــى مـرحـلـة تــجــاوزت فيها بــغــداد وبــيـــروت عـقـدة الجغرافيا والمسافة بشروطها الإيرانية السابقة. والــــــيــــــوم، فــــــإن اســــتــــعــــادة ســـوريـــا دورها الطبيعي تُعزز إمكانية استعادة بغداد وبيروت دورهما التاريخي أيضاً، بحيث تنتقلان من موقع ساحتَي نفوذ إلى موقع الشريكين المؤسسين في نظام مصالح إقليمي جديد، يقوم على تكامل الـجـغـرافـيـا وتــاقــي المـصـالـح المشتركة، ويستند إلــى تــوازنــات مختلفة، بعيدة عن الاصطفافات العقائدية وسياسات المحاور والنفوذ. عملياً، الــعــودة مــن واشـنـطـن أكثر أهـــمـــيـــة مـــــن الــــــذهــــــاب إلــــيــــهــــا. فــنــتــائــج الزيارتين لن تُقاس بما صدر من بيانات أو بـــمـــا عُـــقـــد مــــن اجـــتـــمـــاعـــات، بــــل بـمـا إذا كــانــت بـــغـــداد وبـــيـــروت ستنجحان فــــي تـــرجـــمـــة هــــــذه الـــلـــحـــظـــة إلــــــى خــيــار اســـتـــراتـــيـــجـــي جــــديــــد، يُـــخـــرجـــهـــمـــا مـن جغرافيا الـنـفـوذ الـتـي حكمتهما طـوال الـــعـــقـــديـــن المــــاضــــيــــن، ويُـــدخـــلـــهـــمـــا فـي جغرافيا المصالح التي بــدأت ملامحها تـــتـــشـــكـــل فـــــي المـــــشـــــرق بـــعـــد الـــتـــحـــولات الكبرى التي شهدتها المنطقة. لـــذلـــك، أتــــت زيــــــارة رئـــيـــس الــــــوزراء الــــعــــراقــــي إلــــــى طـــــهـــــران مــــبــــاشــــرة بـعـد عــــودتــــه مــــن واشـــنـــطـــن، وزيــــــــارة رئــيــس الـــــوزراء الـلـبـنـانـي نـــواف ســـام المرتقبة إلـى بغداد بعد عـودة الرئيس اللبناني من واشنطن، حيث في الأولـى قد يكون الـــســـيـــد عـــلـــي الــــــزيــــــدي يـــحـــمـــل رســـائـــل أمـيـركـيـة إلـــى طـــهـــران، ولــكــن الأهــــم هي الـرسـالـة العراقية الداخلية إلــى طهران حــــــــول ضـــــــــــرورة الـــتـــمـــيـــيـــز بــــــن الــــــــدور الإيـجـابـي والـنـفـوذ السلبي فـي الـعـراق. أمــــا الــثــانــيــة، فــهــي مــرتــبــطــة، نـــوعـــا مــا، افـــتـــراضـــيـــا بـــــزيـــــارة الـــــزيـــــدي لـــطـــهـــران، ولكنها، فـي خصوصيتها التشاركية، تـــؤسّـــس لــفــضــاء إقـلـيـمـي جـــديـــد ضمن معادلة تصالحية جديدة مع بغداد. فـي هــذا الـفـضـاء الاقليمي الجديد أكــــــدت الـــتـــجـــربـــة أن تـــركـــيـــبـــتَـــي الـــعـــراق ولبنان لا تسمحان للأول بأن يُحكم ضد إيران، ولا للثاني بأن يُحكم ضد سوريا. التجربة أثبتت فشل حكمهما من إيران وســــوريــــا، كــمــا أن فــضــاءهــمــا المـشـتـرك الجديد يعزز هذه المعادلة؛ فلبنان أيضا لا يُحكم ضد إيران ولا يُحكم منها، كما أن العراق لا يُحكم ضد سوريا والعكس بالعكس. وعــــلــــيــــه، فــــــإن طــــريــــق الـــــعـــــودة مـن واشنطن بالنسبة إلى العاصمتين أكثر أهـمـيـة مـــن الـــذهـــاب إلــيــهــا. فـهـي ليست مـجـرد زيـــارة دبلوماسية، بـل قـد تكون بــدايــة انـتـقـال مــن جـغـرافـيـا الـنـفـوذ إلـى جغرافيا المصالح. كأس العالم «بين عالمين» الجزائر والتضحية بالفرنسيّة هل بغداد وبيروت ستنجحان في ترجمة هذه اللحظة إلى خيار استراتيجي جديد؟ آمال موسى

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky