issue17404

Issue 17404 - العدد Thursday - 2026/7/23 الخميس كتب BOOKS 17 تزامنا مع الفيلم الذي يستلهم أحداث «الأوديسة» الناشرون يتسابقون لإعادة طبع ملحمة هوميروس... بزخارف براقة تـشـهـد ســــوق «مـلـحـمـة هــومــيــروس» ازدحــامــا شـديـدا -يشبه حــال قصر شهير في جزيرة إيثاكا- مما دفع الناشرين إلى ابــتــكــار أســالــيــب ذكــيــة لــجــذب الـــقـــراء إلـى إصداراتهم. إنـــهـــا ذروة أحـــــداث «الأوديـــــســـــة»؛ إذ يـــعـــود أوديــــســــيــــوس أخــــيــــرا إلـــــى مــوطــنــه فـــي إيــثــاكــا لـيـجـد مـنـزلـه يــعــج بـالـخُــطّــاب المـــتـــنـــافـــســـن عــــلــــى الــــــــــــزواج مـــــن زوجــــتــــه «بــــيــــنــــيــــلــــوبــــي» وعـــــلـــــى الاســـــتـــــيـــــاء عــلــى عرشه. عليه الآن الإطاحة بهؤلاء الدخلاء واســتــعــادة مـكـانـه الــشــرعــي، لـكـن الــســؤال يظل: كيف؟ وعــلــى طـريـقـتـهـم الــخــاصــة، يـخـوض ناشرو الكتب معركة مماثلة. لقد ازداد الاهتمام العام بـ«الأوديسة» في الفترة التي سبقت طرح الفيلم المقتبس عــــن مــلــحــمــة هــــومــــيــــروس -والـــــــــذي يـضـم نـخـبـة مـــن الــنــجــوم- لـلـمـخـرج كريستوفر نـــولان الأســـبـــوع المـــاضـــي. وحـتـى الآن من هــذا الــعــام، ارتـفـعـت مبيعات «الأوديــســة» في المائة مقارنة بالعام الماضي، 76 بنسبة وذلــــــــك وفــــقــــا لـــبـــيـــانـــات «ســــيــــركــــانــــا بـــوك )، وهـي جهة Circana BookScan( » سكان متخصصة في تتبع مبيعات قطاع الكتب. وبـــالـــنـــســـبـــة إلــــــى الــــنــــاشــــريــــن الـــذيـــن يعيدون طبع عـشـرات الترجمات المتاحة حـالـيـا لــــ«الأوديـــســـة»، يـمـثـل هـــذا الـوضـع تحديا وفرصة في آن واحـد. وإليكم كيف يتعامل بعضهم مع هذه اللحظة. تـــتـــمـــثـــل الــــطــــريــــقــــة المـــــبـــــاشـــــرة الـــتـــي يتبعها الـنـاشـرون لـارتـقـاء بترجماتهم لـ«الأوديسة» في إعادة إصدارها بحُلّة جديدة ومبهرة. وتُـــــــــــــــــــعـــــــــــــــــــد دار )Picador( » «بـــيـــكـــادور مـــن هـــــؤلاء الــنــاشــريــن؛ فـفـي شـهـر مـايـو (أيـــار) أطــــلــــقــــت الــــــــــــدار -الــــتــــي تــــعــــمــــل فــــــي الــــــولايــــــات المـــتـــحـــدة فـــرعـــا لــشــركــة «فـــــــارار، ســــتــــراوس آنــد Farrar, Straus( » جيرو &)- طـــبـــعـــة Giroux جـــــــديـــــــدة مـــــــن تـــرجـــمـــة روبـــــــــرت فـــيـــتـــزجـــيـــرالـــد لـــــــــ«الأوديــــــــســــــــة» الـــتـــي . وقد أثر فيلم 1961 صـدرت لأول مرة عام نــــولان بـشـكـل مــبــاشــر عــلــى اسـتـراتـيـجـيـة إعادة الإصدار هذه. تــقــول شـيـا أوشـــــي، مـــديـــرة الـدعـايـة والــــتــــســــويــــق فـــــي داري الـــنـــشـــر «فـــــــــارار، Farrar, Straus &( » ســتــراوس آنـــد جــيــرو )، في Picador( » )، و«بــــيــــكــــادور Giroux رسالة بالبريد الإلكتروني: «خططنا في الـبـدايـة لإصـــدار طبعة فـاخـرة جـديـدة من ،2025 ملحمة (الأوديـسـة) في خريف عـام 2026 لكننا أجـلـنـا المــوعــد إلـــى ربـيـع عـــام لــاســتــفــادة مـــن حــالــة الــحــمــاس المحيطة بـالـفـيـلـم المــقــتــبــس عـــن المــلــحــمــة لـلـمـخـرج كـريـسـتـوفـر نـــــولان». وإلــــى جــانــب تعديل التوقيت، أضفت «بيكادور» مظهرا جديدا وجـذابـا على الطبعة الجديدة، إذ تميزت بغلاف أخضر نابض بالحياة، وزخـارف بـارزة برقائق معدنية، وأغلفة ذات طيات داخـــلـــيـــة (أجـــنـــحـــة)، وحــــــواف ورقـــيـــة غير مستوية (مقطوعة يدوياً). لــيــســت «بــــيــــكــــادور» الـــوحـــيـــدة الــتــي تُضفي لمسة تجديدية على هـذه الملحمة؛ فـفـي شـهـر يـونـيـو (حــــزيــــران)، أعــــادت دار )Penguin Classics( » «بنجوين كلاسيكس إصـدار ترجمة روبـرت فاجلز التي نُشرت فـــي مــجــلــد ذي غــــاف مـــقـــوّى، 1996 عــــام ومُــــغــــلّــــف بـــغـــاف خــــارجــــي مــــلــــوَّن يـــــزدان بشخصيات من القصيدة. لقد جــاء مـوعـد طــرح فيلم نـــولان في توقيت مثالي ومصادف لخطط «بنجوين كــاســيــكــس»، الــتــي كــانــت تـعـتـزم بالفعل عـــامـــا عــلــى تـرجـمـة 30 الاحـــتـــفـــال بـــمـــرور عـــامـــا عــلـــى تـأسـيـس 80 فـــاجـــلـــز، ومـــــــرور العلامة التجارية نفسها؛ إذ انطلقت الدار E.V.( بـتـرجـمـة إي. فــــي. ريــــو 1946 عــــام ) لملحمة «الأوديسة». Rieu وقــــالــــت إلـــــــدا روتـــــــــور، الــــنــــاشــــرة فـي «بنجوين كلاسيكس»، في بيان لها: «لقد كـان توقيتا رائعا في الـواقـع؛ فبينما كان عـشـاق السينما يترقبون رؤيـــة المعالجة السينمائية لملحمة هوميروس، كنا نحن في الوقت ذاته نستعد للاحتفاء بترجمة فاجلز». جاذبية المشاهير بـدلا من الاكتفاء بإعادة الإصـــدارات، تـلـجـأ بـعـض دور الـنـشـر إلـــى أداة أخـــرى: الاستعانة بالمشاهير. ورغـــــم أن عـــديـــدا مـــن أكـــثـــر تــرجــمــات «الأوديسة» رواجا تعود لعقود مضت، فإن ترجمتين حديثتين اكتسبتا مكانة ثقافية ، نشرت دار «دبليو 2017 بــارزة؛ ففي عـام W.W. Norton &( » دبليو نورتون آند كو .) ترجمة لإميلي ويـلـسـون، الأسـتـاذة Co في جامعة بنسلفانيا. وفي العام الماضي، أصـــدرت مطبعة جامعة شيكاغو نسخة مترجمة بقلم دانـيـال مندلسون، الأستاذ .)Bard College( في كلية بارد غالبا مـا يرتبط فـي الأذهــــان تصور نــمــطــي عـــن المـتـخـصـصـن فـــي الــــدراســــات الـــكـــاســـيـــكـــيـــة بــــأنــــهــــم أشــــبــــه بـــالـــرهـــبـــان المنعزلين فـي «الــبــرج الـعـاجـي» لـأوسـاط الأكـــــاديـــــمـــــيـــــة، إلا أن كـــــــا مـــــن ويـــلـــســـون ومــنــدلــســون يــمــثــان اســتــثــنــاء لافـــتـــا، إذ يـتـمـتـعـان بـحـضـور إعـــامـــي قـــوي ومثير لــاهـــتـــمــام. وتــحــظــى كـــتـــابـــات مـنـدلـسـون الـــنـــقـــديـــة الــثــقــافــيــة بــتــقــديــر يـــضـــاهـــي مـا تحظى به أعماله البحثية والأكاديمية؛ إذ كـتـب لمـطـبـوعـات بـــارزة مـــــــــثـــــــــل «نــــــــــيــــــــــويــــــــــورك تــايــمــز» و«نــيــويــوركــر» و«نيويورك ريفيو أوف بوكس». أمـــــــــــــــا ويـــــــلـــــــســـــــون -وهي أول امرأة تترجم مـــلـــحـــمـــة «الأوديـــــــســـــــة» إلـــى الـلـغـة الإنجليزية- فــــقــــد أصــــبــــحــــت مــحــطــا لـــــــأنـــــــظـــــــار ومـــــــصـــــــدرا لــــــــلــــــــجــــــــدل لـــــســـــبـــــبـــــن: أولـــهـــمـــا أن تـرجـمـتـهـا، الـتـي اتسمت بصراحة مثيرة لـلـجـدل، أشعلت نـــقـــاشـــا مــحــتــدمــا حـــول الطريقة المثلى لترجمة أعمال هوميروس. وثانيهما أن عملها وجد نفسه في خضم «الــحــروب الـثـقـافـيـة»، وهــو التعبير الـذي استخدمته هي نفسها في مقابلة أجرتها مؤخرا مع مجلة «نيويورك». وصـــرحـــت ويــلــســون لـلـمـجـلـة الـشـهـر المــاضــي قـائـلـةً: «بـعـد أن نــشــرت ترجمتي للأوديسة، قوبل العمل بإشادة -وإن كانت تـبـسـيـطـيـة نـــوعـــا مــــا- بـوصـفـهـا تـجـسـيـدا )، لـكـنـه واجــه girl power( لــقــوة الـفـتـيـات أيضا ردود فعل سلبية وانتقادات». لـقـد شـكَّــلـت الــشــهــرة المـلـحـوظـة الـتـي اكتسبها كــا المـتـرجـمـن مـيـزة كـبـيـرة في ظـــل حـــالـــة الاهـــتـــمـــام الــــواســــع -أو «حـمـى الأوديسة»- التي تشهدها الساحة حالياً. في هذا السياق، قالت لويز بروكيت، مديرة الاتصالات في دار نشر «نورتون»، في رسالة بالبريد الإلكتروني: «قد لا يكون مفاجئا أننا نروِّج لترجمة إميلي ويلسون، لـكـن الأمـــر الأكـثـر إثـــارة للدهشة هـو حجم الاهـــتـــمـــام الـــــذي يــتــصــاعــد بـشـكـل عــفــوي؛ فقد نُظمت جلسات لـقـراءة ترجمة إميلي ويـلـسـون بشكل جـمـاعـي، وتـأسـسـت نــواد للقراءة مخصصة لمناقشة (الأوديسة)». وعلى غرار ويلسون، أصبح مندلسون «صــوتــا مرجعيا يلجأ إلـيـه الصحافيون الذين يغطون أخبار هذا العمل، والراغبون فـــي مـعـرفـة المـــزيـــد عـــن المـلـحـمـة وعــــن عـالـم هــــومــــيــــروس»، وذلــــــك حـسـبـمـا ذكـــــر ليفي ستال، مدير التسويق في دار نشر جامعة شيكاغو، في رسالة بالبريد الإلكتروني. * محرر في قسم مراجعة الكتب )Book Review( خدمة «نيويورك تايمز» *إم جي فرانكلين حكاية الفسطاط في العصر الأيوبي صـــدر حـديـثـا عــن دار الــعــن للنشر فــي الــقــاهــرة روايــــة «درب الـصـفـا» أولــى روايــــات الـبـاحـث والـشـاعـر عبد الرحمن الطويل، وهـي روايــة تاريخية تــدور في أجــــــواء مــديــنــة الــفــســطــاط الــقــديــمــة، في عصر الظاهر بيبرس، لترصد نهايات عصر الـدولـة الأيـوبـيـة وبــدايــات العصر المــمــلــوكــي، وتـــعـــالـــج أزمـــــة شــــاب يعيش مـعـانـاة وجـــوديـــة فــي مـحـاولـة اكـتـشـاف ذاتـه، ومعاناة واقعية تتمثل في أزمات أســــرتــــه، ومـــعـــانـــاة عــاطــفــيــة، فـــضـــا عن ارتباطه بمدينته. الـــــروايـــــة تـــاريـــخـــيـــة لــكــنــهــا مـفـعـمـة بـــأجـــواء صــوفــيــة، كــمــا تـحـتـفـي بـالـحـب والــــســــعــــي والـــــصـــــبـــــر، لــــــتــــــروي قــصــص الإنــــســــان عـــبـــر الـــــزمـــــان، حـــيـــث تـتـقـاطـع الأحـــــــــــــداث الــــتــــاريــــخــــيــــة مــــــع الــــتــــجــــارب الشخصية في رحلة عميقة من الإصرار والأمل. وعلى مدار النص يحاول الكاتب اســتــعــادة لـغـة المــرحــلــة الـزمـنـيـة المحكي عنها، ومحاكاة مفرداتها وبنيتها، حتى يشعر الـــقـــارئ بـأنـه يعيش داخـــل اللغة القديمة ذات الحمولات التراثية الكبيرة. كما تعتمد الرواية اعتمادا واضحا على تضمين أبيات شعرية بشكل مفرط، ما يجعل النص مزيجا بين الشعر والسرد. وكــــــــان قـــــد صــــــدر لـــلـــمـــؤلـــف «بـــريـــق ) و«سِــــــفــــــر لـــــم يـــكـــن» 2015( » غـــيـــهـــبـــي )، وكــتــاب «الـفـسـطـاط وأبــوابــهــا» 2017( )، وحصل عنه على جائزة الدولة 2024( الـتـشـجـيـعـيـة فـــي فــــرع الـــتـــاريـــخ والآثـــــار وحفظ التراث. مـن أجـــواء الــروايــة نـقـرأ: «مَـــن عاش فـــي درب الــصــفــا صــفــا» كــانــت هــــذه هي الوصية التي وَرِثَــهـا حبيب عن عمران، واستمسك بـهـا، وعـاهـد قلبَه أل يخرج عـنـهـا؛ أمــــا فـــي أن يـصـفـو صـــفـــاء أبـيـه، وحِـــرصـــا عــلــى أن يـبـقـى «الـــعـــمـــران» في الـــدرب الـــذي أوصـــى بــه، ورجــــاء أن يَظل «حـــبـــيـــبـــا» لَِــــــن أحَـــــــب. لـــكـــن الأمـــنـــيـــات لا تــصــنــع الأقـــــــــدار، كـــــان الــــزمــــن أبـــقـــى مِـــن الـوصـيـة، وأخــلَــد مِــن الـــدرب، وأقـــوى مِن الحُب، وأوثق مِن العهد، وأطول مِن صبر الـــعـــاشـــق. فـــي عــصــر الــســلــطــان الــظــاهــر بيبرس، كانت دولة المماليك الفتية تحقق انتصاراتها الحاسمة على الصليبيين، وكــانــت الـفـسـطـاط الـعـريـقـة تـدخـل طــورا جـديـدا مِــن أطـــوار غروبها، وكــان حبيب بــن عــمــران يـبـحـث عــن نـفـسـه فــي وصية أبـيـه، وفــي عائلته الـتـي بـاتـت أمـانـة في يـــديْـــه، وفـــي دربـــه الـــذي شَـــب بــن بيوته واستظل بظلاله، «وفي مدينته العتيقة التي اكتنزت العصور في معالمها، وفي حـبـيـبـتـه الــتــي ابـتـسـمَــت لـــه فـــي وجهها الدنيا، وفي أنغام الغناء ورَنّات الأعواد وقـوافـي الأشــعــار، وفــي صفحات الكتب وخـزائـن الأســفــار، وفــي أخْــذ العهد على الأشياخ وتَلقِّي حِكَم الأولياء، وفي رؤية الـعـجـائـب وســـمـــاع حــكــايــات الـسـابـقـن، لتجتمع عندَه الأخـبـار، وتَخلُد بصوته في ذاكرة الدهر». القاهرة: «الشرق الأوسط» فيكتوريا كامبس تناقش تصوّرات التنمية الذاتية من خلال رؤية فكرية فيلسوفة إسبانية تقترح طريقا مختلفا للسعادة في زمن تغص فيه رفوف المكتبات بــــوصــــفــــات جـــــاهـــــزة لــــــ«الـــــســـــعـــــادة فــي عـشـر خـــطـــوات» و«حـــيـــاة مـثـالـيـة خـال ثـاثـن يــومــا»، يـأتـي كـتـاب الفيلسوفة الإسـبـانـيـة فيكتوريا كامبس «البحث عــن الــســعــادة» لـيـقـتـرح طـريـقـا مختلفا تــــمــــامــــا. هــــــذا الــــكــــتــــاب الـــــــذي طــــــرح فـي الأســـــــواق الــفــرنــســيــة مـطـلـع هــــذا الــعــام 30 وقُوبل باستحسان النقاد وأكثر من ألف نسخة في إسبانيا وحدها، لا يَعِد القارئ بالسعادة كما لو كانت منتجا استهلاكياً، بل يستعرض سيرة طويلة لــفــكــرة الـــســـعـــادة فـــي الــفــكــر الـفـلـسـفـي، ويـصـل إلــى أن الـسـعـادة ليست وصفة جـــاهـــزة، بــل تـعـلّــم طــويــل لـحـيـاة طيّبة ومعقولة. السعادة بين التنمية الذاتية والفلسفة تـــنـــطـــلـــق فـــيـــكـــتـــوريـــا كـــامـــبـــس مـن ملاحظة بسيطة وأساسية في آن واحد: تُـــعـــرَض الـــســـعـــادة الـــيـــوم فـــي كـــل مـكـان كـمـا لــو كـانـت سلعة جــاهــزة للاقتناء؛ مــن رفــــوف كـتـب الـتـنـمـيـة الــذاتــيــة التي تَـــعِـــد بــــأن تـغـيـيـرا بسيطا فــي الــعــادات اليومية كفيل بأن يحوّلنا إلى «أفضل نسخة من أنفسنا»، إلى الإعلانات التي تـربـط الـسـعـادة بـالـشـراء والاسـتـهـاك، وصـــــــولا إلـــــى الــــصــــور المـــصـــقـــولـــة عـلـى الشبكات الاجتماعية التي توحي بأن الحياة المثالية في متناول اليد لمن يتّبع خطوات محدّدة بدقّة. غير أن الكاتبة الإسبانية تـرى أن هـذه الصورة مبسَّطة إلـى حـد الخداع، وتقرّر أن تبدأ كتابها بسؤال موجَّه إلى كل من يصدّق هذه الوعود السهلة: لو كــانــت الــســعــادة مـــجـــرّد وصــفــة جـاهـزة تُطبَّق خـطـوة خـطـوة، فلماذا لا تنجح هذه الوصفات مع الجميع، ولماذا يبقى شعور النقص والخيبة حاضرا رغم كل ما يُقال لنا عن «الطريق السريع» إلى الحياة السعيدة؟ وتـضـيـف أن الــوصــفــات الـتـي تَــعِــد بـالـسـعـادة فــي عـشـر خــطــوات تتجاهل أمـــــــرا أســــاســــيــــا: أن الإنـــــســـــان لا يـمـلـك السيطرة الكاملة على كل ما يحيط به، وأن جزءا كبيرا من حياته يتشكّل بفعل مـــا هـــو خـــــارج عـــن إرادتـــــــه، مـــن ظـــروف اجـتـمـاعـيـة واقـــتـــصـــاديـــة، إلــــى عــاقــات مـــعـــقّـــدة، إلــــى أزمــــــات لا يــمــكــن الـتـنـبّــؤ بـهـا. فكيف يمكن الـحـديـث عـن سعادة «مـــضـــمـــونـــة» بـــمـــجـــرّد اتّــــبــــاع بــرنــامــج مُسبق الصنع؟ وبــــــدل أن تــــقــــدّم لـــلـــقـــارئ خـــطـــوات عملية من نوع «استيقظ في الخامسة صباحاً» أو «كرّر عبارات إيجابية أمام المـــــرآة» أو «اكـــتـــب أهــــدافــــك»، تصطحب كـامـبـس الـــقـــارئ فـــي رحــلــة عـبـر تـاريـخ الــفــلــســفــة، لـتـبـحـث عـــن كـيـفـيـة تــصــوّر المفكّرين لمعنى السعادة. فتذكّرنا بأن السعادة ارتبطت عبر العصور بمعان أعــــمــــق مــــن مــــجــــرّد الــــشــــعــــور الــلــحــظــي بــــالــــرضــــا: عـــنـــد أرســـــطـــــو كــــانــــت ثـــمـــرة للفضيلة والـعـمـل عـلـى الـنـفـس، وعند الرواقيين كانت ثمرة لقبول ما لا يمكن تغييره، وعند فلاسفة السياسة كانت مرتبطة بالعدالة والحرية والكرامة. كل هذا يعني أن السعادة ليست حالة تُنتَج بـــســـرعـــة، بـــل نـتـيـجـة لمـــســـار طـــويـــل من التربية، والتجربة، واتّــخــاذ الــقــرارات، وتحمّل الخسائر أيضاً. لمــــــاذا هـــــذا الـــكـــتـــاب بـــديـــل حـقـيـقـي لكتب التنمية الذاتية؟ يمكن اخـتـصـار المـسـافـة بـن كتاب الـفـيـلـسـوفـة الإسـبـانـيـة وكــتــب التنمية الذاتية في ثلاث نقاط أساسية. أولاً، الـكـتـاب لا يَــعِــد بـحـل سريع، عـــلـــى خــــــاف كـــتـــب الـــتـــنـــمـــيـــة الـــذاتـــيـــة الـــتـــي غـــالـــبـــا مــــا تـــعـــرض عـــلـــى الـــقـــارئ طـريـقـا مـبـاشـراً: «اتـبـع هــذه الـخـطـوات وســـتـــتـــغـــيّـــر حــــيــــاتــــك». كـــامـــبـــس تــقــول شيئا آخـر: السعادة تحتاج إلى وقت، إلـــى تـعـلّــم، إلـــى تــدريــب عـلـى التفكير، إلـى قــدرة على قبول أن بعض الجراح لا تُشفى بالكامل، لكنها تُعاش بشكل مختلف. ثــــانــــيــــا، يــــرفــــض الــــكــــتــــاب نـــمـــوذج «الوصفة الواحدة للجميع» التي تروّج لها كتب التنمية الـذاتـيـة، والـتـي ترى أن تـجـربـة شـخـص واحـــد فــي الـوصـول إلـى السعادة ستنجح مـع الآخـريـن. إذ تُـــذكّـــرنـــا الـكـاتـبـة بـــأن حــيــاة كـــل إنـسـان تختلف، وأن الـطـريـق إلـــى الـسـعـادة لا يمكن نسخه كما ننسخ برنامج حمية غذائية. ثـالـثـا، يخفّف الـكـتـاب مـن الشعور بـالـذنـب الـشـخـصـي المـــوجـــود فــي كثير مـــن الــخــطــابــات المــعــاصــرة الــتــي تـقـول: إذا كـــنـــت غـــيـــر ســـعـــيـــد، فـــالـــخـــطـــأ مـنـك وحدك؛ لم تكن إيجابيا بما فيه الكفاية، لـــم تــنــظّــم وقـــتـــك كــمــا يـــجـــب، لـــم تـطـبّــق التعليمات بـدقّــة. كامبس تفتح زاويــة أخــــرى: مـــاذا عــن الـفـقـر، عــن الـظـلـم، عن البطالة، عـن الــوحــدة الاجتماعية، عن العنف الـيـومـي؟ كيف يمكن أن نحمّل الفرد وحده مسؤولية شعوره بالخيبة إذا كان يعيش في ظروف خانقة؟ التربية... مدرسة السعادة مـــن أهـــــم مـــحـــاور الــكــتــاب فـــكـــرة أن السعادة يمكن أن تُعلَّم في البيت وفي المدرسة. ففي مدرسته، لا يتعلّم الطفل الحساب واللغة فقط، بل يكتشف أيضا معنى النجاح والفشل، ومعنى العمل الـطـويـل، ومعنى الانـتـظـار، ومعنى أل يحصل دائما على ما يريد في اللحظة التي يريدها. وفي أسرته، يتعلّم الطفل من خلال المواقف اليومية كيف يتعامل مـــع الـــغـــيـــرة، ومــــع الـــخـــوف، والــغــضــب، والحزن. هـنـا تـطـرح كـامـبـس ســــؤالا قريبا مــن تـجـربـة كــل قــــارئ: مــــاذا لــو عُــلّــمـنـا منذ الصغر أن المـلـل ليس عــدوّنــا، بل قــــد يـــكـــون فــــرصــــة؟ فــــي زمــــــن تــدعــونــا فـيـه كثير مــن الـخـطـابـات إلــى مــلء كل ثانية من اليوم بالنشاط والإنتاجية، تــذكّــرنــا الـكـاتـبـة بـــأن لـحـظـات الــفــراغ، والـجـلـوس بــا هـــدف مــعــنّ، قــد تكون اللحظة التي تنبت فيها فكرة جديدة أو قرار مهم. تـربـيـتـنـا عــلــى الــــهــــروب مـــن المــلــل، وعلى طلب المتعة الفورية، قد تجعلنا غـــيـــر قـــــادريـــــن عـــلـــى احـــتـــمـــال الـــطـــريـــق الــطــويــل إلـــى الــســعــادة الـحـقـيـقـيـة، تلك التي تحتاج إلـى وقــت لبناء عـاقـة، أو إتقان مهنة، أو فهم النفس، أو إصلاح خطأ. تعلّم التعامل مع المشاعر لا إلغاؤها فـــي كــثــيــر مـــن كـــتـــب «الإيـــجـــابـــيـــة» يُــطـلـب مـن الــقــارئ أن يـطـرد مـا يسمّى «المشاعر السلبية» مـن حياته: لا تكن حزيناً، لا تغضب، لا تخَف، فكّر بشكل إيـــجـــابـــي فــــقــــط. كـــامـــبـــس تــــقــــدّم رؤيــــة أكـثـر واقـعـيـة ورفـقـا بـالإنـسـان: الـحـزن قـد يكون إشـــارة إلـى فقد حقيقي، إلى عــاقــة انــكــســرت، إلـــى حـلـم لـــم يكتمل، وتجاهله لا يمحو الـسـبـب. والغضب قـــد يــكــون عــامــة عــلــى أن ظـلـمـا مـــا قد وقـــع، أو أن حـــدودا تــم تــجــاوزهــا، وأن أشـيـاء كثيرة يجب أن تتغيّر. والقلق قد يدل على أن حياتنا تسير في اتّجاه لا نرتاح له، وأننا بحاجة إلى مراجعة اختياراتنا أو طلب مساعدة. السؤال الحقيقي، حسب الكاتبة، لـيـس: كيف أقـتـل هـــذه المــشــاعــر؟ بـــل: كـيـف أفهمها وأتعلّم التعبير عنها دون أن تدمّرني أو تدمّر من حولي؟ قد لا يخرج القارئ من هذا الكتاب وهــــو يــمــلــك «خـــطـــة عـــمـــل» واضـــحـــة لما سيقوم به غـداً، لكنه يخرج وفـي ذهنه أســـئـــلـــة جــــديــــدة، وفـــــي قــلــبــه شـــــيء مـن الـــــراحـــــة: الـــســـعـــي إلـــــى الـــســـعـــادة لـيـس سـبـاقـا، ولـيـس امـتـحـانـا ننجح فـيـه أو نـفـشـل، بـــل هـــو تـعـلّــم طـــويـــل، يـمـكـن أن يــبــدأ فـــي أي عــمــر، وفــــي أي ظــــرف، إذا قـرّر الإنسان أن ينظر إلـى حياته بعين أكثر رفقاً، وأكثر فهماً، وأقــل خوفا من النقص والضعف. باريس: أنيسة مخالدي فيكتوريا كامبس قد لا يخرج القارئ من هذا الكتاب وهو يملك «خطة عمل» واضحة لما سيقوم به غدا لكنه يخرج وفي ذهنه أسئلة جديدة

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky