عندما تلوح لمارك زوكربيرغ فكرة عمل جديدة وجـريـئـة، فـإنـه يفضل إغـــداق الأمــــوال عليها. ففي مليار دولار للاستحواذ 14.3 الصيف الماضي، ضخ فـــي المـــائـــة مـــن أســـهـــم شـركـة 49 عــلــى حــصــة تـبـلـغ «سكيل إيه آي»، مما أتـاح له استقطاب مؤسسها الـعـبـقـري الـــشـــاب ألـكـسـنـدر وانــــغ لــقــيــادة مـشـروع جديد يستهدف بناء أنظمة ذكاء اصطناعي تفوق الـــذكـــاء الــبــشــري. كـمـا وزع حـــزم مـكـافـآت ورواتــــب مليون دولار لجذب كبار العلماء لبناء 300 بلغت فريق متميز يسمى «مختبرات الذكاء الفائق». وربَّـــــمـــــا كــــــان الـــســـبـــب وراء ذلــــــك هـــــو صـــــدام الأنانيات، أو عجز شركة «ميتا بلاتفورمز» المزمن عن تطوير فكرة مبتكرة يمكن أن تدر أرباحا طائلة تـضـاهـي أربـــــاح مـنـصـات الــتــواصــل الاجــتــمــاعــي - وخير دليل على ذلك استثماراتها المكلفة والمؤلمة في عالم «الميتافيرس» والعملات الرقمية - إلا أن عددا من باحثيها البارزين فروا منذ ذلك الحين إلى مختبرات أخـرى، كما أن نظام الذكاء الاصطناعي الجديد الخاص بها «ميوز سبارك إيه آي» لم يرتق إلى مستويات الأداء العليا التي حققتها النماذج الـرائـدة مـن شركتي «أوبـــن إيـه آي» و«أنـثـروبـيـك». وقـــد أقــــرت شــركــة «مــيــتــا» نـفـسـهـا بـــوجـــود ثـغـرات فـي مجالي البرمجة والــوكــاء، كما تعثرت أيضا محاولاتها لبناء نماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة المصدر تحت العلامة التجارية «لاما». ولا يــبــدو أن زوكـــربـــيـــرغ يـعـتـزم الاســتــســام، غير أن تحوله المخطط له ليصبح مـزودا لخدمات الـــحـــوســـبـــة الــســحــابــيــة - وفـــقـــا لمــــا أوردتــــــــه وكـــالـــة «بـلـومـبـرغ نــيــوز» مــؤخــرا - يشير إلـــى قـبـول على مضض بأنَّه لن يحصد الأموال أو المكانة المرموقة الـــتـــي يـــتـــوق إلــيــهــا مـــن وراء بـــنـــاء نـــمـــاذج الـــذكـــاء الاصطناعي. وهو يدرس الآن خططا لبيع القدرات الحاسوبية للمختبرات المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي؛ وهـو تحول استراتيجي غير جاذب إعلاميا نحو البنية التحتية، لكنه قد يتحول إلى خـط عمل مربح للغاية، شريطة ألا تنفجر فقاعة الطفرة الحالية للذكاء الاصطناعي. ولا تزال الشركات المطورة للذكاء الاصطناعي بــحــاجــة مـــاســـة إلــــى الــــقــــدرة الــحــاســوبــيــة، بــيــد أن نـقـص المـــعـــروض يجعلها مـكـلـفـة لـلـغـايـة. إذ أدى نـقـص المـــعـــدات، والــعــوائــق المتعلقة بـالـتـراخـيـص، وصـعـوبـات الـربـط بشبكات الـكـهـربـاء، إلــى عرقلة جهود شـركـات التكنولوجيا لبناء مـراكـز بيانات جـــديـــدة. ومـــؤخـــراً، تـخـلـت شــركــة «كــيــو تـــي إس»، الـتـابـعـة لمجموعة «بـاكـسـتـون»، عــن خـطـط لبناء فدان 2100 جزء من مركز بيانات يمتد على مساحة في ولايـة فيرجينيا، بعد سنوات من احتجاجات السكان المحليين لإجهاض المشروع. بيد أن شركة «ميتا» تمتلك بالفعل مجموعة مـــركـــزا لـلـبـيـانـات تـهـيـمـن على 30 تــضــم أكــثــر مـــن غـيـغـاواط فــي أميركا 4.8 طـاقـة استيعابية تبلغ الـشـمـالـيـة، مـمـا يـضـعـهـا فـــي المــرتــبــة الــرابــعــة بين كبار المشغلين بعد شركة «أمــــازون» التي تتصدر غيغاواط، 5.5 غيغاواط، و«مايكروسوفت» بـ 10.6 بـ غــيــغــاواط، وفــقــا لتحليل حديث 5.2 و«غـــوغـــل» بـــــ أجــــرتــــه شـــركـــة «جـــيـــفـــريـــز غـــــــروب» الاســـتـــثـــمـــاريـــة. ويمتلك أي مستثمر في «ميتا» ذكريات مؤلمة عن خـطـة زوكـــربــيـــرغ المــثــيــرة لـلـجـدل لإنـــفـــاق مـلـيـارات الدولارات لتعزيز تلك الطاقة الاستيعابية - بما في 135 مليارا و 115 ذلك نفقات رأسمالية تتراوح بين - بهدف الوصول إلى أكثر 2026 مليار دولار لعام غيغاواط بحلول نهاية العام الحالي. 10 من ويــــــــردد اســــتــــخــــدام قــــــدرة الـــحـــوســـبـــة لـتـلـبـيـة الاحـــتـــيـــاجـــات الـــخـــاصـــة وبـــيـــع الـــســـعـــة الــفــائــضــة لـأغـراض الـتـجـاريـة، صــدى بعض المنطق الكامن وراء إطـــاق شـركـة «أمـــــازون» لقطاعها السحابي العملاق «إيــه دبليو إس» قبل عقدين مـن الـزمـان، وهي الخطوة التي تُعد واحدة من أنجح التحركات في تاريخ قطاع الأعمال. وتمثل خدمات «أمـازون في المائة من إيرادات 17 إيه دبليو إس» حاليا نحو أمـازون، لكنها تسهم بالحصة الأكبر من أرباحها مليار دولار 45.6 التشغيلية، حيث حققت نحو ، بهوامش ربح 2025 من الدخل التشغيلي في عام فـي المـائـة؛ وبـذلـك أصبحت أمــازون 35 بلغت نحو في جوهرها شركة سحابية ملحق بها متاجر. بيد أن القاسم الأكثر شبها بوضعية زوكربيرغ يــكــمــن فــــي شـــخـــص لـــطـــالمـــا ســـعـــى إلـــــى مــحــاكــاتــه: إيــلــون مــاســك. فـقـد بـــدأ المـلـيـارديـر (والتريليونير فـي بعض الأحـيـان) صاحب شركة «سبيس إكس لـتـكـنـولـوجـيـات اسـتـكـشـاف الــفــضــاء» بـنـجـاح في تأجير أجهزة حاسوب لتشغيل برمجيات الذكاء الاصـطـنـاعـي لـصـالـح شـركـة «أنــثــروبــيــك» وشـركـة «غوغل» التابعة لمجموعة «ألفابت». وفـي حـن يستفيد زوكـربـيـرغ مـن بناء مـزارع خـــــوادم ضـخـمـة لإدارة إمــبــراطــوريــتــه فـــي وســائــل الـتـواصـل الاجـتـمـاعـي، كـــان مـاسـك بــارعــا ببساطة في تشييد مراكز البيانات التابعة له «كولوسوس » بسرعة فائقة، مستعينا بنقل 2 » و«كولوسوس 1 تـوربـيـنـات غـــاز طبيعي متنقلة وضـخـمـة لتوليد الطاقة في الموقع مباشرة، بدلا من الانتظار لشهور أو ســـنـــوات لـلـحـصـول عـلـى تـصـريـح لسحبها من شبكة المــديــنــة. والآن، تستعد شـركـة «أنـثـروبـيـك» مــلــيــار دولار من 15 وحـــدهـــا لـلـمـسـاهـمـة بـمـبـلـغ الإيرادات السنوية لصالح «سبيس إكس» بصفتها المستأجر الجديد لدى ماسك. ومــــع ذلـــــك، فــقــد اضـــطـــر مـــاســـك إلــــى الاعـــتـــراف بـــالـــهـــزيـــمـــة فـــــي مـــضـــمـــار بــــنــــاء ذكـــــــاء اصـــطـــنـــاعـــي رائــــــد، حــيــث تـــراجـــع نـــمـــوذج «غــــــروك» الـــخـــاص به فـــي اخـــتـــبـــارات قــيــاس الـــقـــدرات والـــكـــفـــاءة، وكــــاد لا يحظى بأي حصة سوقية في بيع برمجيات الذكاء الاصطناعي للشركات. ويتقاسم ماسك وزوكربيرغ الشرف غير الرفيع بتأسيس نادي «أقطاب التكنولوجيا الفاشلين في الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي»، بـيـد أن الانــضــمــام إلـــى هـذا الـــنـــادي يـنـطـوي عـلـى كـــم هــائــل مـــن المـــزايـــا بفضل تحولهما نحو الاستثمار في البنية التحتية. ويــــــــــرى مــــحــــلــــل الــــتــــكــــنــــولــــوجــــيــــا «ريـــــتـــــشـــــارد ويـــنـــدســـور» مـــن مــؤســســة «راديـــــــو فــــري مــوبــايــل» الـبـحـثـيـة أن شــركــة «مــيــتــا» يـمـكـنـهـا بــيــع شـريـحـة صغيرة من سعة مراكز البيانات الفائضة لديها في 5 ، وزيادة هذا الحجم ليصل إلى ما يعادل 2026 عام ، وبأسعار تقارب تكلفة 2030 غيغاواط بحلول عام بناء هذه المرافق في المقام الأول. ويشير ويندسور إلى أن هذا النشاط التجاري دولارا إلـى سعر سهم 70 الجديد قد يضيف نحو دولاراً، على 583 «مـيـتـا»، الـــذي يبلغ حاليا نحو الرغم من أن هذا الارتفاع يتوقف على حجم السعة التي ستتيحها «ميتا» بالفعل - وهـو أمـر لا يزال مجهولا إلى حد كبير - وعلى ما سيدفعه العملاء مقابلها، وهو متغير آخر غير مؤكد. ولطالما كانت «ميتا» بحاجة ماسة إلى تنويع مصادر دخلها بعيدا عن قطاع الإعلانات الرقمية عبر الإنترنت الذي يتسم بالدورية والتقلب، والذي فــي المــائــة مــن إيـــراداتـــهـــا، لا 98 تستمد مـنـه نـحـو سـيـمـا وهـــي تــواجــه تـحـديـات جــديــدة متمثلة في قيام روبوتات الدردشة بجذب المستخدمين بعيدا عن المواقع الإلكترونية ونتائج بحث «غوغل». ويبدو أن قطاع تأجير قـدرة الحوسبة يمثل أول محاولة موثوقة وجادة منذ جهودها الكارثية فــي عـالمـي «المـيـتـافـيـرس» والـعـمـات الـرقـمـيـة. كما أنـــه يـوفـر لـكـل مــن زوكــربــيــرغ ومــاســك أداة تحوط ضـد الفشل فـي بـنـاء نـمـاذج ذكـــاء اصـطـنـاعـي، مع الاستفادة في الوقت ذاته من أصول ثابتة وثمينة - وهـي رقـائـق وخـــوادم الـذكـاء الاصطناعي - التي كانت لتظل خاملة ودون استخدام لولا ذلك. وقد لا يهم كثيرا ما إذا كان تحول زوكربيرغ هذا بمثابة خطوة استراتيجية بارعة كانت مخبأة فـــي جـعـبـتـه، أم أنــــه مـــجـــرد مـــواســـاة مــؤقــتــة. فمع استمرار الطلب المرتفع على قدرات الحوسبة، يبدو أنه في وضع مثالي لجني ثمار هذا التحول. * بالاتفاق مع «بلومبرغ» Issue 17404 - العدد Thursday - 2026/7/23 الخميس لــــم يـــكـــن نـــشـــر الـــزعـــيـــم الـــلـــبـــنـــانـــي ولــيــد جـــنـــبـــاط مــــذكــــراتِــــه المـــعـــنـــونـــة «مـــصـــيـــر فـي المـــــشـــــرق... مـــن الـــحـــرب الأهـــلـــيّـــة إلــــى الــســام الــهــش» مــجــرّد روايــــة عــاديّــة لــحــروب عبثيّة فرضتها وقـائـع الـتـاريـخ وصــيــرورة التدافع البشري نحو النفوذ والبقاء؛ وإنما تضمّنت بـــالإضـــافـــة إلــــى ذلــــك مــجــمــوعــة مـــن الـــــدروس المكثّفة التي أراد نشرها بين الأجيال العربية للاعتبار منها، فهو قـــارئ مـولـع بالتاريخ؛ يـــأخـــذ مــنــه كــثــيــرا مـــن الــخــطــط بـغـيـة تـدبـيـر شـــــؤون طــائــفــتــه، أو إعــــــادة الــتــمــوضــع وفــق التحدي المستجد... فهو كما ورِث انكسارات العائلة، تعلّم أيضا من حِكمها، فوالده كمال جنبلاط هو القائل: «أن تكون لبنانيا يعني، قبل كل شيء، أنك يجب أن تفهم مَن أنت، وما هو لبنان». لطالما عُــرف وليد جنبلاط بأنه صاحب المقولات المكثّفة المختصرة، لكن أن يدخل في مـجـال ســرد القصص وروايـتـهـا بالتفصيل، فـهـذا مـشـوّق لكل الصحافيين والسياسيين المهتمين بالتاريخ الحديث وحِقبه وتحدياته. ثـــــم عـــــضّـــــد جــــنــــبــــاط كــــتــــابــــه بـــحـــلـــقـــات تلفزيونية روى فيها بعض القصص التي لم ترد في الكتاب، وكثيرا من الطرائف والمواقف العفوية، والـيـومـيّــات التفصيليّة فـي تاريخ صــــراع الــزعــامــات الـلـبـنـانـيـة. ولــكــن مــا المهم فــي كــل هـــذا الـــذي طـرحـه وفـــي هـــذا التوقيت تحديداً؟! لـقـد تـمـكّــن جـنـبـاط مــن تــجــاوز الــحَــرَج الـــذي تـواطـأ على امتثاله بعض الـزعـامـات الـــلـــبـــنـــانـــيـــة، حـــيـــث طــــرحــــه تــــاريــــخ حـــروبـــه بــشــكــل واضـــــح وبــــجــــرأة عـــالـــيـــة، فـــهـــو؛ كما يــعــبّــر الأســـتـــاذ سـمـيـر عــطــا الـــلـــه: «الـــــدرزي الأكــثــر شــهــرة مـنـذ سـلـطـان بـاشـا الأطـــرش. يتحدَّر من طائفة أقلية، ويتزعّم، مثل أبيه، الـحـركـة الـوطـنـيـة بـكـل طـوائـفـهـا. ويـتـجـاوز حجم نفوذه السياسي المراحل التي مر بها لـبـنـان مـنـذ الــحــرب الأهـلـيـة، الـتـي تضمَّنت (حــــــرب الـــجـــبـــل)؛ أي مـــعـــركـــة الـــزعـــامـــة بـن الموارنة والــدروز. فـرض وليد جنبلاط على الــســاحــة الـلـبـنـانـيـة وجـــــودا دائـــمـــا لـــم يغب لحظة واحدة. وهذا الحضور لبناني دائماً، وعربي خصوصاً، ودولي عند الضرورة، من خـال عضوية (الاشتراكية الدولية). يقول خـصـومـه إنَّــــه مـتـقـلـب. وهــــذا ســــرّه الأهـــــم... أي حنكته الـسـيـاسـيـة وبـقـائـيـة الـعـواصـف اللبنانية. أما ثوابته، فمثل الجبل». الأمـــر الآخــر المهم فـي نظري تفريقُه بين علمانيّته التي تكوّن عليها؛ تربية وتعليماً، وبـــــن الاســـتـــبـــســـال فــــي حـــفـــظ إرث الــعــائــلــة، والحفاظ على هذه الطائفة الدرزية. من هنا، فــإن درزيّــتــه السياسية هـي الـتـي أبـقـت على مجتمع الــــدروز. ومــا أخـفـى خـسـارتـه بعض الـجـولات، ولكنه في الوقت نفسه تحدّث عن الانـــتـــصـــارات والـتـحـالـفـات الـعـجـائـبـيـة التي مكّنتْه من تحقيق هدف البقاء. بمعنى آخر، فــــإن درزيـــتـــه أصــيــلــة ذات بــعــد وطـــنـــي، فهو تزوج بمسيحية وسُنيّتين، ومن سلالة جدّه شكيب أرســــان، وبـنـى مسجدا فـي المختارة على اســم جــده. القصد أن المعاني الطائفية الغريزية ليست ضمن قاموسه الميداني في عوالم الحروب والسياسة، بل أخذها بالمعنى الأعم؛ أي الحفاظ على الآصرة الكليّة للدروز. ليست الفكرة من روايــة التاريخ توريث الأحــــــقــــــاد، فــــهــــذه حــــجّــــة يــســتــعــمــلــهــا بـعـض الـزعـمـاء اللبنانيين للهروب مـن الاعـتـرافـات الـضـروريـة المهمة بعد كـل هـذا الـتـاريـخ. بيد أن الــفــكــرة الأهــــم تـــوريـــث الأجـــيـــال مـجـمـوعـة مــــن الـــوثـــائـــق والأحـــــــــداث والمــــصــــاعــــب، ومـــن ثـــم عليهم الانــطــاق منها نـحـو آفــــاق أرحــب مـن أســـوار الطائفية العقائدية التي تنقُض مفهوم الدولة، وتنخر في مفهوم التعاقديّة الاجتماعيّة، وتصعّب من التفاهمات البينية داخـــل المجتمع الـواحـد.الـخـاصـة: مـا طرحه ولـيـد جنبلاط مفيد للباحث والمـهـتـم؛ لذلك طالب بقيّة الزعماء بالحديث عن تلك المراحل الـصـعـبـة، والــرحــات الــوعــرة، مـن دون تلكؤ أو تــــردد، فــالأجــيــال الـحـالـيّــة تـسـمـع لـتـغـذّي تــجــاربــهــا الــتــاريــخــيــة، فـقـصـص الـــتـــاريـــخ لا تــــــورِّث الأحــــقــــاد كــمــا يــتــحــجَّــج الـــبـــعـــض، بل إن فــي تــدريــب الــنــاس عـلـى سـمـاع تاريخهم ترسيخا لهم فـي الــدربــة والمُــكْــنـة مـن إبصار الــواقــع بمجاله الأعـــم واســتــشــراف المستقبل الذي يتمنّونه ويحلمون به. صـــــــور انــــحــــســــار مـــنـــســـوب مــــيــــاه الـــنـــيـــل فـي الـــســـودان، المــتــداولــة هـــذه الأيـــــام، تثير الــقــلــقَ؛ لما تــنــطــوي عـلـيـه مـــن مـــؤشـــرات خــطــيــرة. فـــالأمـــر لم يقتصر على ظـهـور ألـسـنـة رملية نتيجة تراجع مــيــاه الــنــهــر، حـتـى بـــدا فـــي بـعـض المــنــاطــق أقـــرب إلى خور يمكن للناس عبوره سيرا على الأقـدام، بـل امتد إلــى أزمــة فـي مياه الـشـرب فـي أجـــزاء من مـــديـــنـــتَـــي الـــخـــرطـــوم بـــحـــري وأم درمـــــــان بـعـدمـا توقفت محطات رئيسية للمياه نتيجة انخفاض منسوب المياه. كما تأثرت مشاريع زراعية بخروج مضخات الري عن الخدمة، وظهرت آثار الانحسار في عدد من الولايات وصولا إلى شمال السودان. جاء هذا التراجع في وقت يتوقع فيه الناس عــــادة ارتــفــاع مـنـسـوب المــيــاه مــع مـوسـم الامــطـار، الأمر الذي جدد الجدل حول تأثيرات سد النهضة الإثيوبي. ففي رأي عدد من خبراء المـوارد المائية أنه على الرغم من وجود مسببات طبيعية تتمثل فــي تـأخـر هـطـول الأمـــطـــار، فـــإن الـسـبـب الرئيسي يـرتـبـط بتشغيل ســد الـنـهـضـة الــــذي غــيَّــر النمط الطبيعي لتدفق المـيـاه. وعــد بعض الـخـبـراء هذا الانحسار إنـذارا للسودان ومصر بشأن تداعيات الـــســـد، مـــع إصـــــرار إثــيــوبــيــا عــلــى الإدارة الـفـنـيـة بصورة منفردة، والتحكم في ضخ المياه من دون مشاركة لبيانات التخزين والتصريف، مما يجعل دولتي العبور (السودان) والمصب (مصر) رهينة قرارات أديس أبابا. وتــــــــزداد المــــخــــاوف مــــع حـــديـــث إثـــيـــوبـــيـــا عـن مشاريع لتشييد سدود أخرى، مثلما صرح بذلك رئيس وزرائها آبي أحمد، في مقابلة تلفزيونية ،2025 ) من موقع سد النهضة في سبتمبر (أيلول واصــفــا افـتـتـاح الـسـد بـأنـه بــدايــة مـرحـلـة جـديـدة «تـــعـــزز مـكـانـة إثـيـوبـيـا الـجـيـوسـيـاسـيـة». وعـــاد الـــكـــام عـــن هــــذا المـــوضـــوع إلــــى الـــواجـــهـــة مـــجـــدّدا بعدما نُشر في مواقع إسرائيلية أن أديـس أبابا وضعت التصاميم لبناء ثلاثة سدود أخرى أعلى مـــجـــرى الــنــيــل الأزرق، مــمــا يـعـنـي حـتـمـا سحب كميات كبيرة من المياه للتخزين، وفرض سيطرة غير مسبوقة على تدفق المياه. هــذا الـنـهـج الأحــــادي يمثل تـحـديـا لـلـسـودان ومـصـر، ويتناقض مـع خـطـاب إثيوبيا عـن أنها تـــريـــد تــحــويــل مـــشـــاريـــع المـــيـــاه إلــــى أداة تــعــاون وتـبـادل للمنافع، بـدل أن تكون مصدرا للصراع. عاما ً، 15 فمنذ انطلاق مشروع سد النهضة قبل لم تنجح جولات التفاوض المتعددة في التوصل إلى اتفاقات ملزمة. حتى اتفاق المبادئ الذي وقع ، بـــن الــــســــودان ومـصـر 2015 فـــي الـــخـــرطـــوم عــــام وإثيوبيا بهدف تحقيق التشاور والتعاون، بقي حبرا على ورق، ولم يحقق شيئاً. فــــي ظــــل هـــــذا الـــــوضـــــع، يــبــقــى الـــحـــديـــث عـن الــفــوائــد المـحـتـمـلـة، أو عــن عـــدم إضــــرار المـشـاريـع المـــائـــيـــة الإثـــيـــوبـــيـــة بـــجـــيـــرانـــهـــا، غـــيـــر ذي مـعـنـى فــي غـيـاب اتــفــاق بـشـأن قــواعــد التشغيل وتـبـادل الـبـيـانـات. فثمة تـوافـق واســـع بـن خـبـراء المـــوارد المائية على أن غياب إطار قانوني مُلزم بين الدول المـعـنـيـة، يبقى جـوهـر المـشـكـلـة، وأن الـحـل يكمن في تعاون إقليمي مؤسسي يقوم على الشفافية، وتبادل البيانات، والإدارة المنسقة للموارد المائية المشتركة. فــــالمــــيــــاه شـــــريـــــان الــــحــــيــــاة، ومــــــع الـــــزيـــــادات السكانية، واحتياجات التنمية، وارتـفـاع الطلب على المــوارد، وتسارع التغيرات المناخية، يصبح الـــتـــعـــاون بـــن الــــــدول أكـــثـــر إلـــحـــاحـــا مـــن أي وقــت مـــضـــى. فــالــبــديــل هـــو تـعـمـيـق الـــخـــافـــات، وفـتـح الباب أمام صراعات ستكون تكلفتها باهظة على الجميع. والـعـالـم لـيـس خـالـيـا مــن الـنـمـاذج الناجحة فـــي إدارة الأنـــهـــار المــشــتــركــة. فـمـنـظـمـة اسـتـثـمـار ، بين مالي 1972 نهر السنغال التي تأسست عام وموريتانيا والسنغال، تعد من أبرز التجارب في تقاسم المنافع المـائـيـة، إذ اتفقت الـــدول الأعـضـاء عـلـى تـقـاسـم الـعـوائـد الاقـتـصـاديـة للمياه بغض الـنـظـر عـــن المـــوقـــع الــجــغــرافــي لــلــســدود، وأنــشــأت نظاما للإدارة المشتركة للمشروعات الكبرى، بما في ذلك ملكية جماعية لبعض السدود. كما تـقـدم لجنة نهر ميكونغ، الـتـي تأسست ، بين تايلاند ولاوس وكمبوديا وفيتنام، 1975 عام نــمــوذجــا آخـــر يــقــوم عـلـى الــتــشــاور المـسـبـق بـشـأن مشاريع استغلال المياه وتوليد الطاقة الكهرومائية وحـــمـــايـــة مــصــايــد الأســــمــــاك لـلـحـد مـــن الـــنـــزاعـــات، وتحقيق التعاون في إدارة المـــوارد بتوفير منصة للحوار المستمر وتـبـادل البيانات الهيدرولوجية والتخطيط المـشـتـرك للمشاريع فـي هــذه المـجـالات التي تمس الدول الموقِّعة. وإذا كان نموذج ميكونغ يقوم على مؤسسية التشاور الإقليمي، فإن تجربة نهر السنغال تذهب أبعد من ذلك عبر تقاسم إدارة المشروعات والتمويل والمنافع. فــــي المـــقـــابـــل، يـــقـــدم الـــتـــاريـــخ أيـــضـــا شـــواهـــد عــديــدة عـلـى تـحـول المــيــاه إلـــى أداة لـلـصـراع. فقد شهدت عصور مختلفة نزاعات وحروبا ارتبطت بـالـسـيـطـرة عـلـى المـــــوارد المــائــيــة، أو استخدامها أحيانا لأغـــراض عسكرية، ســواء بـإغـراق مناطق لتشكيل حـواجـز دفـاعـيـة، كما فعل الهولنديون فـي الـقـرن السابع عشر لمنع تقدم الفرنسيين، أو بـقـطـع إمــــــدادات المــيــاه مثلما فـعـل الــصــرب خـال حرب البوسنة. ولذلك، فإن مستقبل حوض النيل لا ينبغي أن يُبنى على موازين القوة أو الإجراءات الأحادية، وإنـمـا على قـواعـد واضـحـة للتعاون والشفافية وتـقـاسـم المـنـافـع. فــــإدارة الأنــهــار الـدولـيـة لـم تعد مـــجـــرد قــضــيــة هــنــدســيــة أو فــنــيــة، بـــل أصـبـحـت اختبارا لقدرة الدول على بناء شراكات مستدامة تَحول دون تحول المياه، التي هي أساس الحياة، إلى سبب جديد للصراعات والحروب. فهد سليمان الشقيران عثمان ميرغني *بارمي أولسون OPINION الرأي 14 انحسار مياه النيل يعيد جدل سد النهضة «اعترافات جنبلاط» ودروس من التاريخ زوكربيرغ وماسك... صدام الأنانيات
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky