issue17402

لا جديد تحت الشمس، يجلس الكاتب السياسي كل صباح أمام سيل الأخبار، فيجد العالم يعيد نفسه بــإصــرار يبعث عـلـى الـدهـشـة والمــلــل، حـــرب تـبـدأ هنا، وأخـــرى تنتهي هـنـاك، ثـم تـعـود الأولـــى بـثـوب جديد، مضيق يغلق فتختنق التجارة العالمية، ثم يفتح قليلا حتى يلتقط العالم أنفاسه، قبل أن يعود الاختناق من جــديــد، دولـــة تـتـحـول إلـــى سـاحـة صـــراع بـالـوكـالـة، ثم يعتاد الناس المشهد حتى يصبح الموت خبرا عادياً. أوروبا التي أقسمت بعد الحرب العالمية الثانية ألا تـرى حربا أخـرى على أرضها، وجـدت نفسها أمام حــرب روسـيـا وأوكـرانـيـا، ومضيق هرمز يذكر العالم بأن سفينة واحدة قد تربك الاقتصاد العالمي، أكثر مما تفعل عشرات المؤتمرات الدولية، والسودان تحول إلى ميدان رماية تتقاطع فيه حسابات الداخل والخارج. كل هذا صار مألوفاً، لكن بين ركام الأخبار يظهر أحيانا خبر صغير، شارد، لا يغير خريطة العالم، لكنه قد يفسرها، خبر يجعلك تهتف كما هتف أرخميدس: وجدتها. الخبر يقول إن البريطانيين، طوال عامين كاملين، لم يسموا مولودا واحدا باسم «كير»، وهو اسم رئيس الــوزراء البريطاني كير ستارمر، الـذي انتهى به الأمر إلى الاستقالة بعد سلسلة من الأزمات السياسية. يــا لـهـا مــن عـقـوبـة، ليست مـظـاهـرة غـاضـبـة، ولا حملة إعلامية، ولا هتافات في الشوارع، وإنما شطب لـاسـم مــن شــهــادة المــيــاد، وكـــأن الـشـعـب قـــال لرئيس وزرائــــــه: قــد نـتـعـايـش مــعــك، لـكـن أبــنــاءنــا لــن يحملوا اسمك. وهنا يصبح دفتر المواليد صندوق اقتراع آخر، أكثر قسوة، لأن نتائجه تبقى جيلا بعد جيل. الـطـريـف أن بريطانيا عـرفـت زمـنـا مختلفاً، كان الـنـاس يتسابقون إلــى إطـــاق أسـمـاء قـــادة سياسيين محبوبين على أبنائهم. ولـكـن مـع سـتـارمـر بــدا وكـأن مـاكـيـنـة الأســـمـــاء تـوقـفـت فــجــأة ودخــــل اســمــه الحجر الصحي. الأسماء ليست مجرد حروف، وإنما استفتاء صامت على المكانة في وجدان الناس. إن مـــا حــــدث فـــي لـــنـــدن عــاصــمــة الـــضـــبـــاب ليس بـجـديـد عـلـى الــتــاريــخ، فـقـد فعلته شــعــوب كـثـيـرة في لحظات الغضب، وعلى سبيل المـثـال عانت السياسة مـــن قــائــمــة طــويــلــة لأســـمـــاء مـــن طـــــراز هـتـلـر الألمـــانـــي، وسـتـالـن الـسـوفـيـاتـي، وفـرانـكـو الإسـبـانـي، وغيرهم، مـــن الـــذيـــن تـــركـــوا بــصــمــات عـصـيـة عــلــى الـــتـــجـــاوز أو القفز على نتائجها الكارثية، في حين أن هناك أسماء خلدتها دفـاتـر المـوالـيـد مثل العلماء إسـحـاق نيوتن، وفـلـيـمـنـغ وغـالـيـلـيـو، فـالـشـعـوب دائــمــا تبتكر الحيل لتعبر عن مواقفها الذكية من دون استدعاء الفوضى والانهيارات. إذا بـاتـت لمــواقــف الـشـعـوب أشــكــال أخــــرى، ولعل قـصـة كـيـر ســتــارمــر تـحـمـل ذلـــك المـعـنـى الــقــاســي الــذي جسدته الحالة الغربية في التعبير عن نفسها، فهي حالة تؤمن بتخليد الأسماء كلما جاء جيل جديد، وقد حدث مع اسم فيكتوريا تلك الملكة البريطانية الشهيرة التي تجدد إقامتها على أبواب بريطانيا. حـــــــن كــــــانــــــت مـــــــارلـــــــن مـــــــونـــــــرو تــــحــــتــــل خــــيــــال الأمـــيـــركـــيـــن، خــــرج آلاف الأطــــفــــال يــحــمــلــون اســمــهــا، رغـم أن مارلين مونرو لم يكن اسمها الحقيقي، لكنه كان اسمها الفني الـذي انتصر على اسمها الأصلي، وحين صعد نجوم السينما والغناء، امتلأت سجلات المـــوالـــيـــد بــأســمــائــهــم، لأن الـــنـــاس أرادوا أن يـــورثـــوا أبناءهم شيئا من البريق. وفــــي الــســيــاســة يـــحـــدث الأمـــــر نــفــســه، ولـــكـــن في الاتجاهين. ويقال إن اسم ريتشارد، في أسرة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، ارتبط بالإعجاب بالملك ريــتــشــارد قـلـب الأســــد، أمـــا والـــد لاعـــب الــكــرة الشهير كريستيانو رونـالـدو، فلم يختر اسـم «رونــالــدو» من فراغ، لكن يقال إنه استلهمه من اسم الرئيس الأميركي رونـالـد ريـغـان، الـذي كـان ممثلا قبل أن يدخل البيت الأبيض. هكذا تتداخل السياسة بالرياضة، والتاريخ بالأحلام، داخل شهادة ميلاد طفل لا يدري شيئا عن كل ذلك. لكن السياسة قادرة أيضا على تحويل الاسم إلى عـــبء، فكم مـن أسـمـاء ازدهـــرت مـع صـعـود أصحابها، ثـم اختفت بعد أن التصقت بـالـحـروب، أو الفضائح، أو الاســتــبــداد، أســمــاء كـانـت فــي يـــوم مــن الأيــــام تفتح الأبــــواب، ثـم أصبحت تفتح ملفات التحقيق، وأخــرى تــحــولــت إلــــى لــعــنــة، يـتـجـنـبـهـا الآبــــــاء كــمــا يـتـجـنـبـون الأمراض الوراثية. وفي عالمنا العربي أمثلة أكثر مما يحتمله مقال واحـد، لكن النبش في دفاتر الأسماء قد يوقظ معارك لا حـاجـة إلـيـهـا، فـالـتـاريـخ يحتفظ بقائمته الطويلة، والناس يحتفظون بذاكرة أعمق. فالسياسي قد يخسر منصبه ويعود إليه، وقد يـخـسـر حــزبــه ثـــم يــؤســس حــزبــا جـــديـــداً، وقــــد يخسر انتخابات ثم يفوز في التي تليها، أما إذا خسر اسمه، فـقـد خـسـر مـعـركـة لا تعلن نتائجها لـجـان الــفــرز، ولا مراكز استطلاع الرأي، وإنما تعلنها غرف الولادة. Issue 17402 - العدد Tuesday - 2026/7/21 الثلاثاء كل الطرق لاستعادة الدولة القادرة والعادلة، التي تحمي المــواطــنــن وتـبـسـط الــســيــادة مــن دون أي «شـــريـــك»، تـمـر عبر احـتـكـار السلطة الـقـوة والـعـنـف، وقـاعـدتـه: نــزع ســاح «حـزب الـــلـــه» وكــــل ســــاح لا شـــرعـــي، وكـــذلـــك تـفـكـيـك الــبــنــى التحتية الـعـسـكـريـة والمـيـلـيـشـيـاويـة، وبــالأهــمــيــة نـفـسـهـا تـفـكـيـك بنى منظومة الاقتصاد الأسوَد الموازية. انــهــيــار «مـــذكـــرة الــتــفــاهــم» الأمــيــركــيــة - الإيـــرانـــيـــة أدخـــل المنطقة حقبة شديدة الخطورة. فمع عمليات جراحية أميركية محسوبة، بدأت واشنطن الرد على القرصنة الإيرانية في مضيق هـرمـز بـضـربـات قاصمة لتقويض قــــدرات «الــحــرس الــثــوري»، ولعزل الغرب الإيراني المطل على الخليج العربي بتدمير جسور تربطه بـالـداخـل. واتسعت مـروحـة الـخـطـوات الأميركية، التي تُرَمّد الأوراق الإيرانية، من لبنان إلى إيـران وبالعكس، بحيث يضيق هامش الحركة أمام أتباع النظام. مــؤشــر مـهـم جــسّــدتــه زيـــــارة رئــيــس وزراء الـــعـــراق، علي الزيدي، الولايات المتحدة، التي استنكرتها طهران، خصوصا لجهة توقيتها أو لما رافقها من مباحثات عسكرية واتفاقات اقتصادية خصوصا في مجال الطاقة، لتشكل معلما في نهج يستهدف تحرير قرار بغداد وموقعها ودورها في الإقليم، رغم عمق «التأثير» الإيـرانـي... ليضاف إلى هذا المؤشر قـرار كبير حدد نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل زمنا للخلاص من السلاح اللاشرعي في بلاد الرافدين. ولئن كانت زيارة الرئيس اللبناني، جوزيف عون، الذي يلتقيه، اليوم الثلاثاء، الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في البيت الأبيض، تُكرس خروج لبنان من محور الخراب، وتحمل تـبـعـات فـصـل لـبـنـان نـهـائـيـا عــن الـفـلـك الإيـــرانـــي، فـهـي تدشن مرحلة جديدة بين البلدين، أبـرز عناوينها تنفيذ الالتزامات المتأتية عن «الاتـفـاق الإطـــاري» الثلاثي، بين لبنان وإسرائيل بــشــراكــة أمـيـركـيـة. إنـــه الاتـــفـــاق الــــذي بـــدأ يـضـع فــي التطبيق التفاهمات التي تضمنها، وأهمها الانسحاب المتدرج لقوات الاحتلال الإسرائيلي من الأراضــي اللبنانية. وإذ شدد النص على «إعادة الانتشار»، فإنه أكد أن المنحى «إلى خارج الأراضي اللبنانية»، مُسقطا بذلك «الحزام الأمني» وأخـطـاره... ليعلن كــل ذلـــك عــن إنــجــاز دبـلـومـاسـي بــإلــزام إســرائــيــل الانــكــفــاء عن الجنوب في مقدمة لإرساء استقرار مستدام. ويـبـقـى أبـــــرز الالـــتـــزامـــات الـلـبـنـانـيـة المـــضـــي فـــي تطبيق مـعـادلـة «الأرض مـقـابـل الـــســـاح»، أي لا ســـاح فــي لـبـنـان إلا سلاح القوى الشرعية. فاستعادة الأرض تعني إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، ونزع السلاح اللاشرعي يُسقط «ورقة التوت» عن النفوذ الإيراني المقنّع، فيُستكمل التحرير. وغني عن البيان أن مجلس الوزراء أمّن الغطاء السياسي لهذا المنحى؛ إن من خلال البيان الــوزاري، وإن عبر القرارات التاريخية بحصر السلاح، وحظر العمل العسكري والأمني لـ«حزب الله»، وقد قرر ترحيل عناصر «الحرس الثوري» بعدما ثبتت مسؤوليتهم عن حروب مدمرة استدرجت الاحتلال مجدداً، بعد كارثة «إسناد» غزة. وبـقـدر مـا يُــعـول على حُسن التنفيذ لتأمين جـوانـب من متطلبات الثقة الأميركية بالسلطة اللبنانية، تدعم مرجعية هذه السلطة في القرارات السيادية؛ إن في بسط السيادة على الأرض، أو فـي بسط السيادة الاقتصادية والمـالـيـة، مـن خلال الركون للمحاسبة في ورشة الإصلاحات المالية والاقتصادية. ولأن «الاتـفـاق الإطـــاري» تضمن التزاما أميركيا بالدعوة إلى مـؤتـمـر مـالـي دولـــي لانـتـشـال لـبـنـان؛ فـــإن زمـــن الــتــذاكــي الــذي أُطلقت فيه على «مَنْهَبَة العصر» تسمية «الفجوة»، بات على مليار دولار، 200 وشك الأفول؛ لأن الأرض لم تنخسف وتبتلع بل إن «المَنْهَبَةَ» هي ترجمة «فساد فلكي» ساد زمن التساكن مع الاحتلالات والسلاح اللاشرعي، وأفضى إلى انهيار مالي مبرمَج صنعته القوى النافذة المافياوية والميليشياوية. كل شــيء تحت المجهر الأمـيـركـي كما مجهر الأشـقـاء والأصـدقـاء الذين يُعوِّل عليهم لبنان لدعم متطلبات إعادة إعمار ما هدّمته الحرب الإسرائيلية - الإيرانية، وتاليا انتشال البلد ووضعه على سكة التعافي. رغم التداخل بين الالتزامات والمهام، فإن المرحلة الراهنة لا تقبل استمرار المـراوحـة ولا أي خلل في التنفيذ. لقد أثبت «الاتـفـاق الإطـــاري» متانته، ورسَـــم سياقات استعادة الـدولـةِ، الــــقــــادرة لأول مـــرة عـلـى إنـــهـــاء الــكــانــتــون الـطـائـفـي الـجـنـوبـي باستعادة الجنوب إلى لبنان. التحديات كـبـيـرة، ومـكـلِّــف تــجــاوُز العقبات؛ مما يحتم يقظة وحـزمـا حيال مـا يمكن أن يفعله النظام الإيــرانــي الـذي يفتقر إلـــى قــيــادة مـــوحـــدة، فـيـكـابـر فــي الـهـزيـمـة الــتـي جلبها على إيـران، وهو عاجز عن العودة إلى وقف النار على قاعدة التزامه ما تعهّد: فتح مضيق هرمز... فيحلم في لبنان بإطالة أمـد الـوضـع الـراهـن، غير آبــه بتداعياته لجهة تعميق مآسي اللبنانيين. إن أولـويـة طـهـران، التي لم تطو صفحة «تصدير الـثـورة»، السعي لإنقاذ استثمارها في «حــزب الـلـه»، وليست حماية اللبنانيين ولبنان، وهي تبدو مسكونة بهاجس انتزاع «وقــت مستقطَع» حتى تتمكن واجهتُها اللبنانية من ترميم بعض قدراتها، عل ذلك يمكنها من إبقاء لبنان ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية... ويتعطل مشروع استعادة الدولة. مـرة أخــرى: ما يقال عن اشـتـراط نـزع السلاح اللاشرعي مــقــابــل الانـــســـحـــاب الإســـرائـــيـــلـــي، يـنـبـغـي وضـــعـــه فـــي إطــــاره الصحيح. لنضع جانبا ترهات «صمود» السلاح اللاشرعي... لقد غدر بلبنان، وبجنوبه خصوصاً، وأغرق البلد في هزيمة مروعة، وأنزل أخطر نكبة ببيئته. والمضاد الحيوي لالتهابات هذا «الصمود» رفعَته أصــوات الضحايا الذين حملوا نـداءَي صُـــــوْر والـنـبـطـيـة المــطــالــبَــن بـالـشـرعـيـة بـــديـــا لـتـلـك المــقــاوَلَــة و«حـــزبـــهـــا»؛ حــرصــا عـلـى المـتـبـقـي مــن بــلــدات وبــيــوت وأرزاق وذاكرة. تغيَّر العالم خلال السنوات الماضية بوتيرة قـــد تـــفـــوق، دون مــبــالــغــة، الــعــقــود الــثــاثــة الـتـي سبقتها، فالحروب ذات الطابع المستدام؛ من غزة ولبنان إلـى أوكرانيا إلـى غـرب أفريقيا، وتغول الإرهـــاب ضـد الـــدول الهشة، وليس آخــرا الحرب الإيرانية، كلها يعني تآكل النّظام الدولي القائم عـلـى الـقـواعـد الـتـي نـشـأت بـعـد الــحــرب العالمية الثانية. تــرابــط الـنـظـام الـعـالمـي بـالاقـتـصـاد الـدولـي كـــــان قـــوامُـــه الـــتـــجـــارة وتـــدفـــق الــطــاقــة وصـــعـــود الــتــكــنــولــوجــيــا تـــحـــولـــت إلـــــى تـــحـــديـــات تـتَّــصـل بــالــحــفــاظ عــلــى الاســـتـــقـــرار، بــعــد انــتــهــاء عصر الــحــرب الـــبـــاردة الـــذي كـــان يـفـتـرض أن الازدهــــار شرطُه رأسمالية السوق والتنافس الذي سيحوّل العالم إلى نمط واحد. مـــنـــذ ســـقـــوط جــــــدار بـــرلـــن وبــــــدء مــــا عـــرف بأحادية القطب بقيادة الولايات المتحدة، اعتقد خــبــراء الـسـيـاسـة أنـهـا لحظة تـقـتـرب مــن نهاية التاريخ، لكن هجمات الحادي عشر من ستمبر ، وحــــرب الـــعـــراق ثـــم أفـغـانـسـتـان 2001 ) (أيــــلــــول ، والتي تلاها صعود 2008 والأزمـــة العالمية في الـصـن ثــم حـــرب روســيــا وأوكــرانــيــا، كشفت عن أنَّها كانت لحظة البداية لخلل كبير في النظام الدولي، بسبب عدم التزام القواعد من قبل القوى الـــكـــبـــرى الـــتـــي أســـهـــمـــت فــــي إنـــشـــائـــه وتــكــريــســه والدعوة لاحترامه قبل أن تنكفئ عليه. عالم اليوم ينتقل بشكل سريع من تعددية المصالح المشتركة، تحت مظلة النظام العالمي، إلـــى تــعــدديــة قـطـبـيـة حــــادة تـحـكـمـهـا الـصـفـقـات والمصالح الذاتية والتنافس بين القوى الكبرى، مـــع صـــعـــود لــقــوى مـتـوسـطـة فــاعــلــة مـــن شـأنـهـا ترجيح كفة اتـجـاه النظام العالم عبر تعاونها وتحالفاتها. وإذا كانت الثلاثية التي ســادت سابقا في النظر إلــى الـعـالـم قـد تـاشـت، فـإنَّــهـا تـعـود لكن بأشكال جـديـدة وثقل مختلف، فلم يعد الغرب الـعـالمـي الـــذي يضم الــولايــات المـتـحـدة وأوروبــــا، قـــادرا على كبح جـمـاح وصـعـود الـشـرق العالمي الذي تقوده الصين وروسيا ومن ورائهما الدول المتحالفة معهما، فـي حـن أن بقية دول العالم الـذي يوصم بشكل اختزالي ومتحيّز بالجنوب العالمي ومن الشرق الأوسط، أصبح اليوم رمانة المــــيــــزان، لأنــــه يــحــتــوي عــلــى أكـــبـــر احــتــيــاطــيــات وموارد بالعالم، إضافة إلى عدد السكان، والأهم القوى الصاعدة التي ستسهم في تشكيل ملامح النظام المقبل. لا يستطيع الـغـرب العالمي الـيـوم أن يكسب بقية العالم بشعارات الديمقراطية والحريات، وما إليها التي تتعرض في أعـرق الـدول التي تمثلها إلى مساءلات نقدية جادة، وهي أيضا لا تستطيع احـتـواء تعاظم القوى الصاعدة التي تسعى إلى تـنـويـع شـراكـاتـهـا وحـمـايـة مصالحها والـتـرقـي بهدوء في التأثير على صنع القرار العالمي. المعضلة الحقيقية هي في غياب المؤسسات الدولية وتآكلها؛ إذ لم تتغير ولم تتطور بالقدر الـــــذي يـسـهـم فـــي إدارة مـــوازيـــن الـــقـــوة؛ مجلس الأمــــن لا يــــزال مــشــلــولا بـحـق الــنــقــض، ومنظمة التجارة الدولية هشة، وصـنـدوق النقد والبنك الــدولــي يتعرضان لكثير مـن الـنـقـد، عطفا على الأوزان السياسية في مقابل الدعم الاقتصادي والـــتـــمـــويـــل، ومــــن هــنــا فـــــإن بـقـيـة الـــعـــالـــم خـــارج العالمين الغربي والشرقي أصبح رهين تحالفات متغيرة، وانكفاء على الـذات، وتدعيم الاستقرار مـــن خــــال الانــــفــــاق الـــدفـــاعـــي ومـــشـــاريـــع تنمية الداخل والاستثمار. فـــرصـــة الـــعـــالـــم الـــغـــربـــي الــــيــــوم خــصــوصــا الولايات المتحدة وأوروبا، في إعادة تقييم دوره بشكل واقعي ومتوازن، مع التركيز على حقائق أولية: سيادة الـدول وسلامة أراضيها، وسيادة الـقـانـون والاعـــتـــراف بـتـنـوع الـثـقـافـات والأنــمــاط السياسية والالتزام بالمصالح المشتركة. دون هذه الواقعية فإن العالم سيظل مرهونا بالفوضى وحالة اللايقين التي لا يمكن التعايش معها، حتى في ظل تحول مفهوم الحروب اليوم، لا سـيـمـا مـــع مـــا يـمـكـن تـسـمـيـتـه «تــأثــيــر الــقــوى الفاشلة»، سواء كانت دولا أو ميليشيات، حيث تـسـهـم بـشـكـل كـبـيـر فـــي تـقـويـض الأمــــن بتكلفة رخـيـصـة، وقـــدرة على الـبـقـاء مـن خــال اقتصاد موازٍ، وفي ظل عدم رغبة القوى الكبرى، أو حتى المؤسسات الدولية في حمل عبء التصادم معها. الـــحـــروب الـعـالـقـة والـقـضـايـا المـصـيـريـة في مـنـطـقـة الـــشـــرق الأوســـــط هـــي مـــن سـتـعـيـد شـكـل الـعـالـم الـجـديـد فـي العشر سـنـوات المقبلة، ومن خـــال المـسـاهـمـة فـــي تـــــوازن الــعــاقــة بـــن الـقـوى الكبرى المتصارعة لبناء نظام دولي جديد مبني على الشراكات والمصالح والتنافس العادل، على نحو يشبه ما رأيناه بالأمس من قدرة التنافس فــي لعبة كـــرة الــقــدم وكـــأس الـعـالـم عـلـى تـجـاوز التحيّزات ومحاولات المحاباة والتدخل. فـــي مـــقـــال فـــريـــد فـــي هــــذا الـــجـــانـــب عــنــوانــه «قـــــصـــــر الأحـــــــــــام الـــــغـــــربـــــي» لــــــوزيــــــر خـــارجـــيـــة سـنـغـافـورة الأسـبـق والـعـالـم السياسي الشهير كيشور محبوباني، شـبَّــه الـعـالـم القديم بقصر يــســكــنُــه الـــغـــربـــيـــون وهـــــم لا يــــزالــــون يـــحـــاولـــون الـتـمـسـك بـامـتـيـازاتـه (الـقـيـم والمـــبـــادئ الـدولـيـة) مع إهمال الشقوق في الجدران والخرائب خارج القصر؛ حيث العالم تغير إلى الأبد. رغم التداخل بين الالتزامات والمهام فإن المرحلة الراهنة لا تقبل استمرار المراوحة حنا صالح يوسف الديني جمال الكشكي OPINION الرأي 14 النظام العالمي والفرصة الأخيرة تفاهمات «الاتفاق الإطاري» في التطبيق الناس والأسماء والسياسة السياسة قادرة على تحويل الاسم إلى عبء فكم من أسماء ازدهرت مع صعود أصحابها

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky