issue17402

OPINION الرأي 12 Issue 17402 - العدد Tuesday - 2026/7/21 الثلاثاء وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com هل يغير بيرنهام بريطانيا كما غيرتها ثاتشر؟ يوم الجمعة الماضي انتخب نواب حزب العمال أندي بيرنهام زعيما لحزبهم، وحُكما نائبا عمالياً، 379 رئيسا لـــلـــوزراء، بتأييد وبذلك تدخل بريطانيا كما قال بيرنهام في خطابه، عـهـدا جـديـداً؛ وكلمة «عـهـد جديد» تؤشر لعزمه على تغيير البلاد كما غيرتها مارغريت ثاتشر في الثمانينات بمركزتها السلطات في لندن، وبإطلاقها حرية السوق، وخصخصة القطاع الـعـام؛ وخلافها تعهد بـــيـــرنـــهـــام بــتــطــبــيــق الـــامـــركـــزيـــة المـــوســـعـــة، وبــتــأمــيــم قـــطـــاعـــات خــدمــاتــيــة كــالــقــطــارات، والمـاء، والطاقة، وصناعات ثقيلة كالصلب. وإذا صــدَّقــنــا مـــا يـقـولـه بـيـرنـهـام الــــذي بـدأ أمـس تشكيل حكومته بعد تكليفه من الملك تشارلز، فسنشهد تجربة مثيرة للغاية في بلد يعيش أزمــة اقتصادية وسياسية أدَّت إلى تغيير سبعة رؤساء للوزراء خلال عشر ســـنـــوات، وذلـــــك يـــعـــود لأســـبـــاب عـــــدة، منها الفشل في الـرؤى، والتخبط في السياسات، وتـــبـــخـــر الـــثـــقـــة بـــالـــســـاســـة. ولـــكـــيـــا نــذهــب بعيداً، ثمة أمران مهمان يستدعيان التوقف عندهما لأنـهـمـا المـحـركـان لتغيير الــــوزراء، وفــقــدان الـثـقـة بالسياسيين، وبــــروز اليمين المتشدد، وهما: الاقتصاد والهوية. حـــزب الـعـمـال تــأســس لـحـمـايـة الطبقة الـــعـــامـــلـــة، وعــــبــــارة «الـــطـــبـــقـــة» تــــدل عــلــى أن الاقتصاد يجب أن يتأطر لحماية الشريحة الأقـل قـوة اقتصاديا لتأسيس مجتمع أكثر عدالة، والحزب بتخليه في عقود منصرمة عــن هـويـتـه أفــقــده انـتـمـاءه الأصــلــي، وحمل ثـــاتـــشـــر لـــلـــقـــول «بـــشـــمـــاتـــة» إن زعـــيـــم حـــزب الـعـمـال تــونــي بـلـيـر مـخـتـرع حـــزب «الـعـمـال الجديد» هو ابنها غير الشرعي للتدليل على فـشـل الاشــتــراكــيــة وانــتــصــار مـنـطـق الـسـوق النيوليبرالي. أنـدي بيرنهام الآن في مهمة تــاريــخــيــة عــنــوانــهــا ســلــخ الـــحـــزب مـــن ثــوب بـلـيـر، وإلــبــاســه ثــوبــه الأصــلــي الاشــتــراكــي؛ لــذلــك الـتـركـيـز عـلـى الاقــتــصــاد أصــبــح لبنة أســاســيــة فــي بـرنـامـجـه لإدراكـــــه كـاشـتـراكـي أن داخـــل الإنــســان نـزعـتـن: أولاهـــمـــا، تأمين الأســـــاســـــيـــــات مـــــن طــــعــــام وتـــعـــلـــيـــم وســـكـــن، وثـــانـــيـــتـــهـــمـــا، الـــتـــمـــايـــز والــــتــــبــــاهــــي. الــفــكــر الاشــتــراكــي يعتقد أن تحقيق الأســاســيــات ضــــروري لـغـيـاب الـتـنـازع الـطـبـقـي، والــدولــة بتدخلها في الاقتصاد تقضي على التمايز والتباهي، وتحقق المجتمع العادل. الــــفــــكــــرة الـــنـــيـــولـــيـــبـــرالـــيـــة الـــثـــاتـــشـــريـــة خـــاف ذلـــك تـــرى أن الـــدولـــة لا دخـــل لـهـا في الاقتصاد، وأن الأفــراد قــادرون كأحرار على صــنــاعــة الــــثــــروة، وبـــاقـــي الــطــبــقــات الــدنــيــا ستستفيد من ثرواتهم بالتنقيط، لأنه ليس عـدلا أن يدفع من يعمل ماله ليعيش به من لا يـعـمـل، وبــالــتــالــي لا ضـيـر أن يـتـمـايـز أو يتباهى ليحقق لُب إنسانيته. وهذا التمايز والتباهي، في النيوليبرالية المُعاشة، فتح الباب أمام مشكلة الهوية. مشكلة الهوية أن النيوليبرالية نقلت الصراع من الطبقية إلى الهوية (التمايزية) بشعار أن أبناء البلاد الأصليين لا يحصلون على خيرات بلادهم، وأن المهاجرين هم الأكثر اســتــفــادة، وبـالـتـالـي أصـبـح الــصــراع بسبب ظــــروف المـعـيـشـة الـقـاسـيـة لـيـس بــن الطبقة الغنية والفقيرة، بل بين مواطن أصلي وغير أصلي. ويدرك بيرنهام أن أزمة الهوية سببها اقــتــصــادي لـشـعـور شـريـحـة كــبــرى (بـيـضـاء الــــبــــشــــرة) أنـــهـــا مــــحــــرومــــة، وهــــــذا الـــحـــرمـــان استغله سـيـاسـيـون وســـوَّقـــوا أن المهاجرين يـــــــأخـــــــذون فــــــــرص عــــمــــلــــهــــم، ويـــــتـــــكـــــاثـــــرون، ويُذوبون تقاليد البلاد، وجذورها المسيحية - اليهودية. وهـكـذا كلما ازداد الفقر توسَّع الانقسام في الهوية، وكذلك بتركيب السلطة، ولـــذلـــك تـعـهـد بــيــرنــهــام أنَّــــه ســيــكــون رئـيـسـا للجميع، أغنياء وفقراء، وسيحكم بالتوافق حــتــى مـــع الأحــــــزاب المـــعــارضـــة لـــه بـالـقـضـايـا المصيرية، وسيسمح لكل نوابه بالاعتراض؛ لكنه شدد بوضوح أن طريقه عمالي خالص، ولن يكون كحزب المحافظين الذي رفع شعار «لنستعد قرار بريطانيا» وانتهى به المطاف بتسليمه للشركات والأغنياء. هل سيتمكن أندي بيرنهام من النجاح؟ ثمة عناصر تحمل على هذا الاعتقاد وأخرى تعاكسه؛ عناصر النجاح إدراك حزب العمال أن هـذه فرصته الأخيرة لإعــادة التواصل مع الــنــاخــبــن، ولــقــنــاعــة نـــوابـــه أن لــديــهــم قــائــدا «كاريزماتياً» مؤمنا بـجـذوره العمالية، وله تــجــربــة نــاجــحــة فـــي مــديــنــة مـانـشـسـتـر، وأن الـــبـــاد تــحــتــاج إلــــى انــعــطــافــة مـصـيـريـة كما احتاجتها في أواخـر السبعينات مع ثاتشر. وعــنــاصــر المـعـاكـسـة أنـــه يـتـسـلـم الـسـلـطـة في خـضـم أزمــــات داخــلــيــة وخــارجــيــة؛ الـداخـلـيـة تتطلب خيارات مؤلمة كرفع الضرائب لتحقيق وعـــــــــوده بـــالـــتـــأمـــيـــم، وضـــــمـــــان الأســــاســــيــــات للمواطنين، وخارجيا أزمات تتطلب مزيدا من الإنفاق على الدفاع، وانشغالا أكبر في نسج العلاقات المستقبلية مع أوروبــا، وإصلاحها مــع أمـيـركـا بينما سـيـكـرس - مـضـطـرا - جل وقته لحل الأزمات الداخلية. ما يواجهه بيرنهام أكبر مما واجهته ثاتشر، والفارق أن ثاتشر باعت أملاك الدولة، وأحـبـتـهـا الطبقة الـعـمـالـيـة، ونـوابـهـا كـانـوا وراءهــا صفا واحــداً، بينما بيرنهام يحتاج لـلـمـال لــشــراء مــا بـاعـتـه ثـاتـشـر، وحــزبــه كما يقول نيل كينوك، مُلهم أنــدي بيرنهام، إنه «لا يحتاج لأعداء ما دام يوجد حزب العمال»، للدلالة على الانقسام الكبير في التوجهات داخل الحزب. وبهذه السردية، فإن بريطانيا على موعد تاريخي سيؤدي، إن نجح أندي بيرنهام، إلى تغيير هائل لن تقتصر تردداته على الساحة البريطانية بل ستتجاوزها إلى العالم، تماما كما تجاوزت إصلاحات ثاتشر حــــدود بـريـطـانـيـا لـتـصـبـح بــوصــلــة الـعـولمـة النيوليبرالية؛ وكـذلـك قـد يشهد الـعـالـم، إن تفاءلنا، عـــودة جـديـدة للاشتراكية بـتـزاوج شـــاذ، لــم يخطر بـبـال مــاركــس، بــن عـدويـن: الرأسمالية والاشتراكية. أحمد محمود عجاج حتى لا تفاجئنا غرينسبان مــــا زالــــــــت المـــاكـــيـــنـــة الانـــتـــخـــابـــيـــة لـــلـــســـيـــدة ريــبــيــكــا غرينسبان تعمل بنشاط وحيوية سعيا نحو إيصالها فــي ليلة بــــاردة مظلمة مــن لـيـالـي شـهـر أكـتـوبـر (تشرين الأول) المقبل إلى سدة الأمانة العامة للأمم المتحدة، وما زالـــت تتنقل بــن عــواصــم الـعـالـم عـمـومـا، وعــواصــم دول مجلس الأمـــن، خصوصا فـي رحـــات مـدفـوعـة التكاليف بحكم كونها المدير العام لمنظمة الأمــم المتحدة للتجارة والــتــنــمــيــة وتــجــتــمــع بــــرؤســــاء الــــــدول وكـــبـــار المــســؤولــن لتقنعهم بأهليتها لهذا المنصب الذي هو أكبر المناصب وأهمها فـي مـيـدان الدبلوماسية العالمية، مستندة إلى الدعم القوي الذي تَلْقاه من الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرها من الدول الأعضاء في المجلس. هذه الماكينة الانتخابية تتحرك بسرعة وكفاءة نحو الوصول إلى الهدف خلال أسابيع قليلة من الآن، وما لم تتحرك الجهات المعارضة لترشيحها فورا فإن وصولها سيصبح أمرا واقعا لا يمكن تغييره. غرينسبان لا تخفي تعاطفها الشديد مع إسرائيل التي أقامت فيها لفترة، ولديها أفراد من أسرتها ما زالوا مقيمين فيها، وبعضهم خــدم فـي الجيش الإسـرائـيـلـي. وهــي تفتخر بـأنَّــهـا ابـنـة ليهوديين مـن أوروبــــا الشرقية هـــربَـــا مـــن اضــطــهــاد الـــنـــازيـــة وانــتــهــى المـــطـــاف بـهـمـا في كوستاريكا. تؤكد غرينسبان أنَّــهـا ستلتزم الحياد فـي مختلف الـنـزاعـات الـدولـيـة. لكن الحياد بـن المحتل وبـن الشعب ضحية الاحتلال هو انحياز سافر، وهي تكرر أنَّها مؤمنة بحل الدولتين، ولكنَّها لا توضح لنا كيف تنوي أن تضع هذا الحل موضع التنفيذ. تلمح غرينسبان إلـى أن معارضتها نـوع من أنـواع الــاســامــيــة، لافــتــة إلــــى أن الأمــــم المــتــحــدة لـــم يـسـبـق لها أن انـتـخـبـت يـهـوديـا لمـنـصـب الأمــــن الــعــام عـبـر أكــثــر من ثمانين عاما من عمرها. وهذه مفارقة غريبة، فالمسلمون (والهندوس والبوذيون وحتى السيخ) عددهم في العالم يفوق أعداد اليهود، وهم أيضا لم يتمكنوا حتى الآن من إيصال مرشح منهم إلى هذا الموقع! وحـتـى لا نـفـاجـأ مـتـأخـريـن بـــأن وصـــول غرينسبان إلى هذا الموقع عرّض للانتكاسة مكاسب كثيرة حققتها القضية الفلسطينية في الأمم المتحدة، فإنني أدعو الدول العربية والإسلامية إلى قيادة تحالف يضم دولا أفريقية وآســـيـــويـــة، يــوجــه دعــــوة لـلـسـيـدة غـريـنـسـبـان لمقابلتهم مجددا في رحاب الجمعية العامة للأمم المتحدة للإجابة عن أسئلة محددة منها: - مـــا مـوقـفـهـا الـحـقـيـقـي مـــن حـــل الـــدولـــتـــن؟ وكـيـف ستعمل على إخراجه إلى حيز التنفيذ؟ - مـــا مــوقــفــهــا الــحــقــيــقــي تـــجـــاه الاعــــتــــراف بــالــدولــة الفلسطينية؟ وهل يمكنها أن توجه نـداء صريحا تدعو فيه الــولايــات المتحدة إلــى إسـقـاط معارضتها لانضمام فلسطين؟ - مـا موقفها تـجـاه مسألة «أونـــــروا» (منظمة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين) وهل تضمن المحافظة على ميزانياتها ومواجهة الاحتياجات المتزايدة للاجئين؟ - مـا موقفها حــول ضـــرورة تـأمـن الحماية للشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية تجاه حملات الإبادة التي ما زال الجيش الإسرائيلي يشنها بلا هوادة، وتجاه اعتداءات المستوطنين؟ إنــنـــي أرجـــــو أن يــتــولــى الأخ الــصــديــق نـبـيـل فهمي الأمين العام الجديد للجامعة العربية قيادة حملة فعَّالة لتنسيق هذه الجهود، وهو بذلك سيبعث رسالة بأن في الجامعة العربية عهدا جديدا وقائدا مختلفا ونمطا غير تقليدي في الفكر والعمل. إن أجابت السيدة غرينسبان عن تساؤلاتنا بشكل مــقــنــع ومـــعـــقـــول فــــأهــــا وســــهــــا بـــهـــا، وإلا فــإنــنــا نـدعــو لــهــا بـالـصـحـة والـــســـعـــادة والــعــمــر المـــديـــد عــلــى شــواطــئ كــوســتــاريــكــا الــجــمــيــلــة، بــعــيــدا عـــن ضـــوضـــاء نــيــويــورك وإزعاجات الفلسطينيين! إذا كانت إجاباتها عن تساؤلاتنا مقنعة فأهلا بها وإلا سندعو لها بالصحة بعيدا عن ضوضاء نيويورك عبد الله بن يحيى المعلمي «داونينغ ستريت»... الوعد بالتغيير من القادمين والراحلين يوم الجمعة الماضي، نصَّب حزب العمال البريطاني زعـيـمَــه الـجـديـد أنـــدي بـيـرنـهـام، ليكون رئـيـس الحكومة السابع خلال عشر سنوات، والخامس خلال أربع سنوات. فـــي الــخــطــاب الـقـصـيـر الــــذي ألـــقـــاه بـعـد الــتــتــويــج، تعهّد «بإنجاز أكثر لحظات التغيير أهمية في سياستنا خلال أربعين عاماً». الـذيـن أُتيحت لهم فرصة مشاهدة مـراسـم تنصيب ، يتذكَّرون 2024 سلفه السير كير ستارمر في صيف عام من دون شك أن مفردة «التغيير» كانت أكثر المفردات ترددا وبــــروزا فــي خـطـابـه، بــل اخـتـيـرت لـتـكـون شــعــارا للحملة 10« الانتخابية والمرحلة الجديدة. غـادر السير ستارمر داونـيـنـغ سـتـريـت» بـدايـة هــذا الأســبــوع، عـائـدا إلــى بيته العائلي. عامان كاملان قضاهما في ذلك المقر التاريخي، ولا يــــزال الــجــدل قـائـمـا حـــول حـجـم مــا تـحـقـق فعليا من وعــــوده: فبينما يشير مــؤيــدوه إلـــى إصــاحــات هيكلية بـدأت تُؤتي ثمارها ببطء، يـرى منتقدوه أن حكومته لم تُحدث الأثر الملموس الذي وُعد به الناخبون، بل إن بعض المؤشرات -مثل نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة- تؤكد أن شعبية الحزب تراجعت مقارنة بلحظة فوزه الساحق قبل عامين فقط. غـادر السير كير ستارمر الموقع وتـرك لخلفه، أندي بيرنهام، مهمة إنجاز التغيير الموعود والمنشود. الــــســــؤال المــــشــــروع هـــنـــا: هـــل بــيــرنــهــام مـــجـــرد حلقة أخرى في هذه السلسلة أم أن وصوله يحمل ما يكفي من الاختلاف ليكسر النمط؟ الاســتــثــنــاء الأبــــــرز فـــي هــــذا الـــســـيـــاق يـبـقـى الـسـيـدة الـــحـــديـــديـــة مـــارغـــريـــت ثـــاتـــشـــر، الـــتـــي لـــم تــكــتــف بــالــوعــد بـالـتـغـيـيـر، بـــل أحـــدثـــت مـــا يُــشــبــه الـــثـــورة فـــي الـسـيـاسـة البريطانية. ولـعـل مـا مـيـّـزهـا كــان اجـتـمـاع عـوامـل ثلاثة نادرا ما تتكرر معاً: أزمة اقتصادية حادة هيّأت الأرضية لتحوّل جـــذري، وقناعة آيديولوجية صلبة لـم تتزحزح تحت ضغط الـــرأي الــعــام، وأغلبية برلمانية مكّنتها من المضي في قراراتها الصعبة دون مساومات كبرى داخل حــزبــهــا. غــيــاب أي مــن هـــذه الـعـنـاصـر الــثــاثــة قــد يفسّر جزئيا لماذا بقيت تجربتها استثناء ولم تتكرر. هنا يكمن الفارق الذي قد يستحق الانتباه في حالة بيرنهام: فهو لـم يصل إلــى السلطة بالطريقة المعتادة، بــل عـبـر تــمــرد داخــــل صــفــوف حــزبــه أطــــاح ســتــارمــر بعد نتائج انتخابية كارثية، وتصاعد شعبية حزب الإصلاح اليميني الـشـعـبـوي. كـمـا أن بـيـرنـهـام يـمـثّــل تــيــارا داخــل حـزب العمال أقــرب إلـى يسار الـوسـط التقليدي منه إلى الــنــهــج الــتــكــنــوقــراطــي الـــحـــذر الـــــذي عُـــــرف بـــه ســتــارمــر، ويتحدث عن «أكبر عملية إعادة توزيع للسلطة» من لندن إلى الأقاليم. هل يكفي هذا لإحداث تغيير فعلي؟ الإجابة الصادقة تكمن في الخاتمة، أي بعد أن يغادر ذلك المكان ويلتحق بمن سبقه. أي حكم مسبق قبل ذلك اليوم -سلبا أو إيجاباً- أقرب إلى التكهن منه إلى التحليل. الأكـــيـــد أن أحـــــدا لـــم يــتــجــرأ بــعــد عــلــى ســـــؤال رئـيـس الحكومة الجديد عـن التفاصيل العملية لـهـذا التغيير: كــيــف ســيــمــوّلــه؟ وكـــيـــف ســيــمــرره عــبــر بـــرلمـــان وحـــــزب لا يـزالان يضمّان الوجوه ذاتها التي جلست حول مناضد الاجــتــمــاعــات الأســبــوعــيــة مـــع سـلـفـه وأربـــكـــت مـسـيـرتـه؟ فالكلام رخيص -كما يقول المثل الإنجليزي- لكن رخص الكلام لا ينفي بالضرورة إمكان أن يتبعه فعل، وإن كان التاريخ القريب يمنح المتشككين مبررا كافيا للتريث قبل التصديق. وحده القط «لاري» -المسؤول عن تنظيف مقر رئيس الحكومة مـن الـفـئـران- يظل الثابت الوحيد فـي عالم من المتغيِّرين على مدى قرابة عقد ونصف العقد من الزمن. الـافــت لـاهـتـمـام أن «لاري» مقتنع تـمـامـا بـعـدم جــدوى الكلام؛ إذ يواصل أداء مهمته بصمت، ولا يلتفت إلى ما يُكتب عنه في التقارير الإعلامية. لقد أصبح تغيّر الوجوه مـن حـولـه عـــادة لا يوليها أدنـــى اهـتـمـام، على الـرغـم من الحرص الشديد الذي يبديه كل قادم جديد إلى ذلك المقر فـي التزلف إلـيـه، خصوصا أمـــام وسـائـل الإعـــام. وربما فـي هــذا الـثـبـات الــهــادئ للقط درس أبـلـغ مـن أي خطاب: فالحكم على «التغيير» لا يكون بالكلمات التي تُقال عند التنصيب، بل بما يبقى -أو يتغير فعلاً- بعد سنوات من الصمت. غادر ستارمر الموقع وترك لخلفه بيرنهام مهمة إنجاز التغيير الموعود والمنشود جمعة بوكليب

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky