مــا لــم تحصل عليه الـحـكـومـات الإسـبـانـيـة بـالـقـوة منذ ؛ تـــاريـــخ الــتــوقــيــع عــلــى «مـــعـــاهـــدة أوتــــرخــــت» مع 1713 عــــام بريطانيا حول جبل طـارق، التي بموجبها تنازلت إسبانيا مكرهة لبريطانيا عن تلك الصخرة المتحكمة في مدخل البحر المتوسط الغربي، نجحت الدبلوماسية في تحقيقه بعد أكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة من التفاوض الشاق. على 2026 ) يوليو (تموز 14 التوقيع يوم الثلاثاء الماضي معاهدة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، بمشاركة إسبانيا وحكومة جبل طــارق، جعل غير الممكن وغير المقبول لسكان عام ممكنا ومقبولا في آن. المفارقة 300 المحمية طيلة أكثر من أن هذه المفاوضات، التي بدأت فعليا عقب خروج بريطانيا من ، استغرقت وقتا أطول من اتفاقية 2020 الاتحاد الأوروبي عام الانسحاب البريطاني ذاتها ومن اتفاقية التجارة والتعاون التي تلتها. الاتفاق الأساسي أُعلن للمرة الأولى في يونيو (حزيران) ، ثـم أُنـجـز نصه الكامل فـي ديسمبر (كـانـون الأول) من 2025 ، قبل أن 2026 ) العام نفسه، ونُشر رسميا في فبراير (شباط يُــوقَّــع نهائيا وتُـــزال بموجبه الحواجز الحدودية فعليا هذا الأسبوع. الاتفاقية أتاحت للمرّة الأولى لقوات شرطة إسبانية الدخول إلى محمية جبل طارق البريطانية، وعلى وجه الدقة إلى ميناءيها الجوي والبحري فقط، للإشراف على إجراءات دخول وخروج مواطني الدول التسع والعشرين الموقعة على اتفاقية «شينغن» من وإلى المحمية. الاتفاقية شملت كـذلـك فتح الــحــدود الـبـرّيـة بـن مدريد وجـبـل طــــارق، والــســمــاح لـلـمـواطـنـن مــن الـجـهـتـن بـالـدخـول والخروج من دون الحاجة للاصطفاف في طوابير بالساعات للحصول على موافقة أمنية. السياج والبوابات الفاصلة بين النقطتين الحدوديتين أُزيلت فعليا بعد اتفاق الدولتين. صدق من وصف الدبلوماسية بأنها فن الممكن. بفضلها دخـــلـــت الـــعـــاقـــة بـــن بــريــطــانــيــا وإســـبـــانـــيـــا مــرحــلــة جـــديـــدة. وبـمـوجـب الاتـــفـــاق حـافـظـت بـريـطـانـيـا عـلـى تبعية المحمية، وقبلت في الوقت ذاته خضوعها للقوانين واللوائح التي تنظم العمل باتفاقية «شينغن». هل يعني هذا أن إسبانيا تنازلت عن مطالبها بالسيادة عــلــى الـــصـــخـــرة؟ الإجــــابــــة بــالــنــفــي. بـــل إن الاتــفــاقــيــة نفسها تضمّنت نصا صريحا يقضي بأنها «لا تخلّ» بموقف أي من الطرفين من مسألة السيادة، ولن تُشكّل أساسا لأي مطالبات مـسـتـقـبـلـيـة بــشــأنــهــا. فــالمــطــالــب الإســبــانــيــة بــالــســيــادة على المحمية عليها الانـتـظـار، والمـهـم الآن التأكيد على أولـويـات الحياة لسكان جبل طارق من دون تعقيدات الأمن، والحرص على الاسـتـمـرار فـي مرحلة بناء الثقة بـن الـطـرفـن، والعمل على توسيع الثغرة التي فُتحت مؤخرا في جــدار صلد بعد ســنــوات مــن الــتــفــاوض. قــد يـــرى الـبـعـض أن فــتــرة الـتـفـاوض المـذكـورة كانت شاقة وطويلة، وهـو قـول لا يخلو من صحة، لكنها تـظـل أفــضــل وأجــــدى مــن معمعة إشــعــال نــيــران حـرب ولـو لمـدة يـوم واحــد. ومـا يحدث في خليج هرمز هـذه الأيــام، وإن اختلف سياقه جذريا عن نزاع جبل طـارق، يبقى تذكيرا بتكلفة الخيارات غير الدبلوماسية. مشكلة المحمية البريطانية بدأت بعد «بريكست». ورغم في المائة 96 أن نسبة المؤيدين للبقاء في الاتحاد فيها بلغت ، فإن خروج بريطانيا من الاتحاد استتبع 2016 في استفتاء خـــروجـــهـــا. غــيــر أن مـوقـعـهـا الــجــغــرافــي المـــاصـــق لإسـبـانـيـا ووضعها السياسي المميز كمحمية بريطانية أحدثا صعوبة فــي تطبيق اتـفـاقـيـة الـــخـــروج، بـخـاصـة فـيـمـا يتعلق بحرية التنقل، ذلــك أن المحمية تعتمد اعـتـمـادا كبيرا على العمالة عامل إسباني إلى المحمية 15500 الإسبانية؛ إذ يدخل نحو يوميا للعمل، يشكّلون نحو نصف القوى العاملة فيها، ثم يعودون إلى بيوتهم داخل الأراضي الإسبانية. الديكتاتور الإسباني فرانكو أغلق الحدود بالكامل عام بين المحمية وبلاده لمدة ثلاثة عشر عاماً، احتجاجا على 1969 تمسك سكان جبل طارق ببقائهم تحت الحكم البريطاني، ولم ، عشية انضمام 1985 تُفتح الحدود بشكل كامل مجددا إلا عام إسبانيا إلى الجماعة الاقتصادية الأوروبية. هذا التاريخ من الإغلاق والتشديد المتكرر، كلما توترت العلاقات حول قضية السيادة، يوضح حجم التحوّل الذي يمثله الاتفاق الحالي. بـعـد «بـريـكـسـت»، أصـبـح عـبـور الـعـمـال يـومـيـا مــن دون رقـابـة أمـــرا غير ممكن قانونياً، فاضطرت الحكومة المحلية في المحمية وإسبانيا إلى وضع حواجز أمنية على الحدود، وأصبح على العمال الإسبان وسكان المحمية الاصطفاف في طوابير يومية طويلة للحصول على أذونات الدخول الرسمية فــي الـجـهـتـن الــحــدوديــتــن. الاتـفـاقـيـة المـوقـعـة هـــذا الأسـبـوع ألـغـت هــذا الـحـاجـز الأمــنــي، وأطـلـقـت حـريـة الـحـركـة والتنقل. الإجـــــراءات الأمـنـيـة، منذ الآن وصــاعــداً، تتركز فـي الميناءين البحري والجوي لضبط واستيفاء إجراءات الدخول للمحمية والخروج منها لمواطني المحمية والدول الموقعة على اتفاقية «شينغن». ولأنه لا توجد حجامة من دون دم، فإن المحمية ستدفع ثمن الاتفاق الموقع من حساب امتيازاتها السابقة؛ أي أنها، وفق نصوصه وبنوده، ستغيّر بعضا من نظامها الضريبي لـيـتـسـق مـــع نــظــيــره فـــي دول الاتــــحــــاد الأوروبـــــــــي، وتـخـضـع بضائعها وسلعها الغذائية للمعايير ذاتها المعمول بها في الاتحاد. هناك أيضا إمكانية حدوث أضرار جانبية، ممثلة في استغلال عصابات تهريب المـخـدرات الإسبانية فتح الحدود لـتـوسـيـع نـشـاطـهـا، آخــذيــن فــي الاعــتــبــار المــســتــوى المعيشي المرتفع للسكان مقارنة بنظرائهم الإسبان. لـطـالمـا ارتــبــطــت بــطــولات كـــأس الــعــالــم عـبـر الـتـاريـخ بـحـمـولـة مـــن الأفـــكـــار والـــتـــأويـــات وقــصــص الــتــآمــر؛ ذلـك أن مـثـل هـــذه الــبــطــولات الـعـالمـيـة اسـتـثـنـائـيـة، عـلـى عكس مثيلاتها الــقــاريَّــة أو المـحـلـيَّــة الاعــتــيــاديــة؛ إذ ســرعــان ما تتفتَّق قـرائـح المـوسـوسـن عـن خــيــالات غـرائـبـيَّــة تتجاوز مساحة اللعب لتصل إلــى الأسـاطـيـر المـافـيـويـة، وتغلغُل المــنــظــمــات الـــســـريَّـــة، ولـــيـــس انـــتـــهـــاء بـــقـــوَّة المـــــال وهـيـمـنـة المراهنين، ناهيك عن نكء الجراح التاريخية، وفتح دمامل الــــحــــروب الــســيــاســيــة والانـــتـــقـــامـــيـــة، والــتــذكــيــر بــالمــجــازر والدماء، وهذا يحدث باستمرار. وآيــــــة ذلـــــك أن هـــــذا المــــونــــديــــال المــــشــــوِّق طـــغـــت عـلـيـه -وبخاصة لدى بعض العرب- التأويلات التآمرية، وإدخال الدور الماسوني أو الصهيوني والإمبريالي بغية نصر هذا الفريق، أو الانقضاض على الفريق الآخر. والــحــق أن مـثـل هـــذه التعابير حــن لا نـأخـذهـا على محمل الجد تمنحنا مزيدا من الفكاهة اليومية، وبالوقت نفسه يمكن لمـن أراد بحث هــذه الحالة بجديَّة أن يرصد مجموع العلامات والإشـــارات والمصطلحات التي طبعت المونديال، وكيف تعبِّر المجتمعات عن مكنونها الداخلي عبر مباراة رياضية عابرة. ومن أبرز من زُج باسمه في هذا المجال اللاعب ليونيل ميسي؛ إذ خلع عليه خصومه مجموعة مـن الانـتـمـاءات الغرائبية العجائبية، متجاوزين حيويَّة اللعبة وعالميَّتها، مـــحـــاولـــن ســـحـــب أي انــــتــــصــــار نـــحـــو نــــظــــريَّــــات تــآمــريــة ومنظَّمات سريَّة، وفق تفسيرات ظن البعض أنها انتهت، ولـكـنـهـا ســـرعـــان مـــا تـنـبـعـث وبــطــريــقــة مــثــيــرة لـلـتـسـاؤل والاستغراب. ولم يكن ميسي الوحيد الذي أُدرج في عوالم تفسير «الانــتــصــار الـــتـــآمـــري»؛ بــل مــن قـبـلـه مــــارادونــــا؛ حـيـث زُج بـاسـمـه ضـمـن عــشــرات الأحـــــزاب والأطـــيـــاف، وفُـــسِّـــرت كل حركة منه بفكرة يــراد منها نبزه ووصـمـه وربـطـه بدولة أو منظَّمة، سياسية كانت أو ماليَّة أو آيديولوجية. وهذا قـدَر الظواهر التي تـدرج قليلا على هذه الأرض؛ إذ يكون وهجها الـطـاغـي مستعصيا على الاستيعاب العمومي، وهذا يصح بالضبط على ميسي. وتتمة للحديث عن مارادونا ثمة تحليل مهم للباحث هانز أولريش غومبريخت، في دراسة له بعنوان «الفلسفة وأسلوب برشلونة» ترجَمها عبد الحميد محمد، ونُشرت في مجلة «حكمة». يقول: «لم يك من قبيل الصدفة اختراع دور (الليبرو) كلاعب يستطيع التحرُّر من مضايقات لاعبي الخصم بفضل أسلوبه. ولكن قبل ذلك، وأثناء بطولة كأس العالم، لم ينجح مارادونا في الحفاظ على هذا الأسلوب؛ حــيــث كــــان لاعـــــب خــــط الـــوســـط المـــتـــمـــرِّس لـــوثـــر مـاتـيـوس على قدر كبير من اللياقة البدنية والسرعة والقدرة على التحمُّل. وبنظرة على الماضي، يبدو أن عزل مارادونا عبر ماتيوس قد شكَّل نقطة تحوُّل حاسمة. آنذاك دوَّن أحدهم من الأيام الخوالي ملاحظة تقول إن اللعبة قد غدت (ألعاب قوى مع كرة). نتج من ذلك أن كل لاعب بات لديه دوما وقت أقـــل لإيـقـاف الـكـرة وتـمـريـرهـا، لتصبح رؤيـــة مهاجم غير محمي بسبب الضغط البدني للاعبي الخصوم أمرا أشبه بالمستحيل تماماً، ليولد أسلوب (اللمسة الواحدة) الذي يتشابه فيه عمليّا التسلُّم والتسليم». أيضا لنقرأ ما قاله بيب غوارديولا الذي درَّب ميسي : «إنـه يراقب، والآن يمشي، 2012 إلى 2008 في الفترة من إنـه يتمشَّى، وهـذا أكثر ما يعجبني فيه. إنـه ليس خارج المباراة؛ بل هو مشارك فيها، يحرِّك رأسـه يمينا ويساراً، يـــعـــرف بـالـضـبـط مـــا الـــــذي ســيــحــدث، نــعــم يــتــحــرَّك هـكـذا بـاسـتـمـرار، إنــه يـتـحـرّك دومـــا، إنــه لا يـجـري؛ لكنه يراقب دومــا مـا يـحـدث، يـحـاول الـتـعـرُّف إلــى أضعف لاعبي خط الظهر والأربــعــة، بعد دقـائـق يكون قـد رسـم الخريطة في عينه وفي مخِّه، وعـرف بالضبط المساحة والمنظر العام. الأمر أشبه بالبقاء على قيد الحياة في الغابة. يعرف أنه لو تحرك في المكان الذي رسمه فسوف يحظى بمساحات إضافية». نعم؛ إن استئناف واسـتـدعـاء التفسير الـتـآمـري في المجال الرياضي أمـر طبيعي، ولكن ضمن مستوى معي تتسلَّى بـه الجماهير، إنــه يمنحهم الـعـزاء والـسـلـوى في حـــال الـتـحـطُّــم والانــــهــــزام، وهــــذا مـــوجـــود فـــي فــــرق كثيرة بالعالم؛ حيث التبرير السريع الـذي يضمِّد الجراح، فهو الـبـديـل عــن المـعـالـجـة الـنـقـديَّــة العلميَّة والـعـمـلـيَّــة الـجـديَّــة للفشل والتراجع. ولكن الخطورة تكمن في تحويل اللعبة عـــن مــســارهــا الــريــاضــي إلـــى تـعـويـمـهـا سـيـاسـيـا وفـكـريـا وآيديولوجياً، فهذا مكمن الخطر ودلالــة انهيار القدرات الاستيعابية للألعاب الرياضية وأساليبها وأدواتها. الخلاصة: إن محاولة شيطنة كـل فــوز لميسي تعود إلى كونه «ظاهرة» يصعب استيعابها؛ لأن الناس بالغالب تــألــف «الــــعــــاديَّ» مــن الــنــاس و«الــــعــــاديَّ» مــن الـنـجـاحـات، وحين تتحقق الإنجازات الخارقة سرعان ما يهرعون نحو التأويل التآمري المريح... وربما الفتَّاك. حين استولى شبّان «خط الإمام»، بُعيد انـتـصـار ثـورتـهـم، عـلـى الـسـفـارة الأمـيـركـيّــة بـطـهـران، فــات الكثيرين أن الاسـتـيـاء عمل تأسيسي لنظام ولطريقة حياة. فهو أنكر مبدأ العلاقات الدبلوماسيّة وانتهك القانون. والإنكار يندرج في مدرسة تُــعـرف بـالـعـدمـيّــة، ومـصـدرُهـا الــعــدم، فيما Nihil مُشتق من Nihilism ّ مُعادلها الأجنبي اللاتينيّة، وتعني اللاشيء. فـــالـــعـــدمـــيّـــة تــنــكــر الـــشـــرعـــيّـــة والمــعــنــى الأخـــــــاقـــــــي عــــــن الــــتــــرتــــيــــبــــات الـــســـيـــاســـيّـــة والمــــؤسّــــســــيّــــة الــــقــــائــــمــــة، مـــشـــكّـــكـــة بــصــحّــة مصادرها ومستسهلة إطاحتها. وبــــهــــذا تـــخـــالـــف الـــعـــدمـــيّـــة اتّـــجـــاهـــات راديــــكــــالــــيّــــة أخـــــــرى تـــقـــتـــرح بــــدائــــل لــوضــع مـــــرفـــــوض، أكـــــانـــــت يــــســــاريّــــة كـــالمـــاركـــســـيّـــة والفوضويّة أم يمينيّة كالفاشيّة. فالمهم أن يقال: لا، وأن يُعمل بموجب هذه اللا، وفقط بعد ذاك نـــرى! ومــا دام الـعـالـم يـضـم أشياء غير جـديـرة بالحفاظ عليها، بـاتـت شهيّة العنف الذي يُطهّره كبيرة وواسعة. بيد أن من الصعب على العدميّ، حين يستحوذ على سلطة، كما الحال في إيران، أن يـــمـــارس عــدمــيّــتــه إطـــاقـــيّـــا. فــهــو يـغـدو مـــــســـــؤولاً، يــمــلــك شــيــئــا مــلــمــوســا عــلــيــه أن يتعامل معه ويــدبّــره. ولأنّـــه لـم يعد يتمتّع بـــتـــرف الــنــظــر إلــــى الــعــالــم المــحــيــط كـمـجـرّد عــــدم أو صـــفـــرٍ، أضــحــى مــضــطــرّاً، بـــن حين وآخـــر، إلــى الأخـــذ بـالـقـاعـدة الفقهيّة مـن أن «الـــــضـــــرورات تـبـيـح المــــحــــظــــورات». غــيــر أن الانـتـقـائـيّــة الـعـدمـيّــة تـتـجـاوز الـبـراغـمـاتـيّــة إلى الانتهازيّة تبعا لصدورها عن اضطرار فرضته الحياة فيما الحياة، كما يُفترض، منحطّة وكـريـهـة. ويمكن، مـن زاويـــة كهذه، الـــتـــوقّـــف عـــنـــد أفــــعــــال كــــــ«إيـــــران غـــيـــت» فـي الثمانينات، أو صفقات متفاوتة الاهميّة أُبرمت، في هذا الوقت أو ذاك، مع «شياطين» كبرى وصغرى. غير أن الـبُــعـد الـعـدمـي عـبّــر عـن نفسه مـــؤخّـــرا فـــي عــــدد مـــن المــــواقــــف. فــطــهــران لم تعبأ بكون «مــذكّــرة التفاهم» مـع واشنطن لصالحها، ولا اسـتـوقـفـهـا، فــي المـقـابـل، أن الـــتـــحـــوّلات الــلــبــنــانــيّــة والـــعـــراقـــيّـــة الأخـــيـــرة أحرقت «أوراقــهــا»، ولا خاطبتها محاولات دول خـــلـــيـــجـــيّـــة مـــســـاعـــدتـــهـــا، ولا اهـــتـــمّـــت بالاستثمار في تناقضات البلدان الغربيّة. فــــهــــي، حــــيــــال تـــلـــك الـــــتـــــطـــــوّرات المـــتـــبـــايـــنـــة والمـــتـــعـــارضـــة، اعـــتـــمـــدت اســتــجــابــة واحـــــدة وحـــيـــدة هـــي الــتــصــلّــب الـــــذي يـــوسّـــع رقـعـة الأعداء ويقلّص رقعة الأصدقاء. وهـــــذا المـــوقـــف الـــعـــدمـــي مـــن الـسـيـاسـة يكمّل نهجا فـي النظر إلـى الـــدول المحيطة، بل إلى مفهوم الدول. فــطــهــران حـــن تــفــكّــر بـلـبـنـان والـــعـــراق واليمن فإنّما تفكّر بها كميليشيات كانت لها حصّة الأسد في صناعتها. ذاك أن الدول لا ينبغي أن توجد إلا كامتداد للميليشيات، أو تقاطُع معها، كما حال سوريّا الأسديّة. وهــــي حـــن تــفــكّــر بـــــدول الــخــلــيــج المـــجـــاورة تلخّصها، وتلخّص مجتمعاتها، بردّها إلى مجرّد وظائف استراتيجيّة تُعاقَب بالقصف والترويع. وفي الحالتين فالدولة المثلى هي تـلـك الــتــي يُــنـتـف ريـشـهـا بـحـرمـانـهـا شطرا أساسيّا من سيادتها، بحيث تغدو سيادة مشتركة، أو مـجـزّأة، أو متنازعا عليها في الداخل أو مع الخارج. ولـــئـــن طــــرح مـــفـــهـــوم «الـــــجـــــوار» حـسـن الــــجــــوار، فـــهـــذا لــيــس تـعـبـيـرا إنـــشـــائـــيّـــا، بل تعود جـــذوره إلـى القانون الـدولـي وميثاق الأمـــم المـتّــحـدة وعـديـد الاتّــفـاقـيّــات الثنائيّة والـجـمـاعـيّــة. ذاك أن حـسـن الـــجـــوار يتّصل تعريفا بعدم تهديد الـدول بالقوّة وتسوية النزاعات سلما معها، وصـولا إلى التعاون فــي قـضـايـا مـشـتـركـة. أمّـــا الـسـلـوك الـعـدمـي فيرى إلى المصلحة بوصفها شيئا يتحقّق بـــالإكـــراه والإلـــحـــاق، مـكـرّسـا نـبـذ السياسة والدبلوماسيّة والقانون. والحال أن أصل هذا الموقف استعماري مــــفــــاده أن الأمــــــن والاســــتــــقــــرار الإقــلــيــمــيّــن يتأتّيان عـن تـــوازن الـقـوى ومناطق النفوذ وإلا فـــالاخـــتـــراق المــيــلــيــشــيــويّ، ولـــيـــس عن التعاون وتبادل الثقة وشراكة المصالح. وكــــــــمــــــــثــــــــل الــــــــســــــــيــــــــاســــــــة والــــــــــــدولــــــــــــة والـدبـلـومـاسـيّــة والـقـانـون، لا يقيم السلوك العدمي كبير احترام للمصالح الاقتصاديّة وللتجارة الـدولـيّــة. هـكـذا يُغلَق مـمـر مائي لـــلـــمـــاحـــة كـــمـــضـــيـــق هــــرمــــز ويُـــــعـــــمَـــــل، عـبـر الـــحـــوثـــيّـــن، عـــلـــى إغــــــاق مـــمـــر آخـــــر كــبــاب المندب، فلا يقتصر الأذى على مصالح دول المـنـطـقـة بـــل يــتــعــدّاهــا إلــــى مــصــالــح الـعـالـم أجمع. ومـعـروف أن إيــران التي وقّعت على اتّــفــاقــيّــة الأمــــم المــتّــحــدة لــقــانــون الــبــحــار لم تـصـادق عليها، مُــبـديـة تحفّظات أساسيّة على بعض بنودها. والـعـدمـيّــة ذات بطن مـاضـوي خصب. فـمـا دام الـعـالـم الـقـائـم سـيّــئـا وكــريــهــا، بـات استيراد العلاج من «الماضي المجيد» مهمّة مرغوبة. وكالاستيلاء على سفارة، يُعتمد على القرصنة أداة حيويّة واستراتيجيّة. وهو سلوك يعود إلى القرن السادس عشر، عــــدّه بـعـض مـــؤرّخـــي الاقــتــصــاد مـــن أدوات التراكم الأوّلــي لـرأس المـال، مثله مثل الغزو الاستعماري وتجارة الرقيق عبر الأطلسي والاســــــتــــــيــــــاء عــــلــــى الأراضــــــــــــــي المـــشـــتـــركـــة والاحـــتـــكـــارات الـــتـــجـــاريّـــة... فـفـي ذاك الـقـرن استخدمت إنجلترا الأليزابيثيّة القرصنة ضـــــد الـــســـفـــن الإســــبــــانــــيّــــة، واســتــخــدمــتــهــا هـــولـــنـــدا حــــن ثــــــارت عـــلـــى الإســـــبـــــان. وفـــي منطقتنا، فـي الـقـرن ذاتـــه، منحت الـولايـات الــعــثــمــانــيّــة فـــي شـــمـــال أفــريــقــيــا تــراخــيــص لـلـقـرصـنـة، ومـــارســـهـــا فـــرســـان مــالــطــا ضــد العثمانيّين... أمّـــا فـي الـزمـن الـحـديـث فـربّــمـا كــان من أبكر استعادات تلك الممارسة القديمة خطف الــرعــايــا الأجـــانـــب فــي بــيــروت الـثـمـانـيـنـات، ضمن جهد مشترك إيـرانـي – ســوري تولّى «حـزب الله» تنفيذه، تحصيلا لتراكم أوّلـي لمكاسب سياسيّة. لـــكـــن الــعــدمــيّــة لـــم تـبـلـغ فـــي الـسـيـاسـة والاقـتـصـاد والـقـانـون مـا بلغته فـي الثقافة والـــقـــيـــم، حــيــث يُـــشـــاح الــنــظــر عـــن الــحــداثــة وعـــالمـــهـــا بـــتـــجـــرّؤ مــتــمــاســك غـــيـــر مــســبــوق يوصد الـبـاب أمــام كــل تطوير يطال أنظمة الاعتقاد. وكــــم يـــبـــدو ضـــحـــا أن يُــــــرد عــلــى ذلــك كــلّــه بـــالـــقـــول: «لـــكـــن إيـــــران تــقــاتــل إســرائــيــل وأميركا»، أكان هذا صحيحا أم لم يكن. OPINION الرأي 12 Issue 17400 - العدد Sunday - 2026/7/19 الأحد ًشبح «مارادونا» على قميص «ميسي» جبل طارق: حين يصبح المستحيل ممكنا البُعد العدمي في السياسة الإيرانيّة وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة فهد سليمان الشقيران جمعة بوكليب
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky