يوميات الشرق ASHARQ DAILY 22 Issue 17398 - العدد Friday - 2026/7/17 الجمعة تستضيف المعرض مكتبة الملك فهد الوطنية في الرياض «من العُلا إلى نجران» يستكشف أسرار الحضارات المكتوبة على الصخور بـــن جـــبـــال طـــويـــق، ونـــقـــوش نــجــران الــــتــــاريــــخــــيــــة، وصــــمــــت شـــــواهـــــد الـــقـــبـــور الـحـجـازيـة الــتــي تــــروي قـصـص الـراحـلـن بالخط الكوفي البديع، تختزل الصخور حــكــايــة الـــوجـــود الــبــشــري والـجـيـولـوجـي على أرض الجزيرة العربية. وبالتزامن مع اليوم العالمي للصخور تــســتــضــيــف مــكــتــبــة المـــلـــك فـــهـــد الــوطــنــيــة بـــالـــريـــاض مــعــرضــا اســتــثــنــائــيــا بــعــنــوان «مـن العُلا إلـى نـجـران... تاريخ لا يمحوه الزمان»، يضم على جدرانه قطعا صخرية متنوعة الأشــكــال، تـأخـذ الــزائــر فـي رحلة بصرية وعلمية عبر الزمن، ليفك شفرات لغة الأرض وإرث الإنـسـان الــذي نُحت في الصخر ليبقى عصيا على النسيان. أسرار الأعماق في طويق تـــبـــدأ رحـــلـــة المـــعـــرض مـــن قــلــب جـبـال طـــــويـــــق وشــــــعــــــاب الــــخــــصــــم فــــــي مــنــطــقــة الـــــــريـــــــاض، وتــــتــــربــــع «أحـــــــفـــــــورة مــــرجــــان المـــــخ المــــيــــت» فــــي المــــكــــان بــوصــفــهــا قـطـعـة جـــيـــولـــوجـــيـــة نــــــــــادرة، تـــشـــبـــه بــتــافــيــفــهــا الـدقـيـقـة المـــخ الــبــشــري، وتــعــود إلـــى بقايا مستعمرة شعاب مرجانية قديمة تنتمي إلى شعبة اللاسعات (طائفة المرجانيات) التي تحجرت عبر ملايين السنين. وتـــعـــد هـــــذه الأحــــــفــــــورة، الـــتـــي تــعــود لــلــعــصــور الـــبـــالـــيـــوزويـــة أو المــــيــــزوزويــــة، شاهدا علميا قاطعا على أن وسط الجزيرة العربية كـان يوما غارقا تحت مياه بحار قديمة دافئة، كما تُستخدم هذه التكوينات الــــرســــوبــــيــــة كـــــــــــــأدوات حــــاســــمــــة لـــعـــلـــمـــاء الــجــيــولــوجــيــا لــتــحــديــد أعــــمــــار الــطــبــقــات الأرضــــــيــــــة، وتـــتـــبـــع الــــتــــحــــولات المــنــاخــيــة الكبرى. ولا يقتصر الشاهد البيئي على الـبـحـار؛ إذ يضم المـعـرض أنسجة نباتية وأشــــجــــارا مـتـحـجـرة يــعــود تــاريــخــهــا إلــى مـــايـــن الــســنــن دُفـــنـــت بــفــعــل الــتــرســبــات الطينية أو الأنشطة البركانية في عصور كـــانـــت تــضــج بــالــغــابــات الـكـثـيـفـة، وبــاتــت الــــيــــوم بــمــنــزلــة «كــــتــــاب مـــفـــتـــوح» يـسـاعـد العلماء على فهم جغرافيا المـنـاخ القديم للجزيرة العربية وتحولاتها من الخضرة والنماء إلى الطبيعة الصحراوية الحالية. الحجر يتحدث أبجدية أولى مـــــن الـــجـــيـــولـــوجـــيـــا إلــــــى الـــحـــضـــارة الإنــســانــيــة يـنـتـقـل المـــعـــرض بــــالــــزوار إلــى الـجـنـوب الــســاحــر، وتــحــديــدا إلـــى منطقة نـــــجـــــران. هــــنــــاك، تـــقـــف قـــطـــعـــة أثــــريــــة مـن الـرخـام الأبـيـض تـعـود إلــى الـقـرن التاسع قبل الميلاد، حُفر عليها بـ«الخط المسند» الجنوبي العريق. ولا تــمــثــل هـــــذه الــقــطــعــة مـــجـــرد أثـــر فـنـي، بــل هــي حلقة وصـــل مـعـرفـيـة توثق تطور الحرف العربي؛ فالخط المسند هو الأب الــروحــي الـــذي تـفـرعـت مـنـه الــروابــط والأحــــرف العربية الحديثة، لتشهد هذه الـــصـــخـــرة الـــرخـــامـــيـــة عــلــى ريــــــادة إنــســان الـجـزيـرة العربية فـي تـدويـن فـكـره ولغته ومعاملاته منذ ما يقارب ثلاثة آلاف عام. شواهد الحجاز بالخط الكوفي وفــــــي زاويــــــــة أخـــــــرى يــــقــــدم المـــعـــرض مـــجـــمـــوعـــة نــــــــــادرة مـــــن شـــــواهـــــد الـــقـــبـــور المـــصـــنـــوعـــة مــــن حـــجـــر الــــبــــازلــــت الأســــــود الـــبـــركـــانـــي، الـــتـــي عُــثـــر عـلـيـهـا فـــي منطقة الـحـجـاز، والـتـي تعكس مـامـح مـن العهد الإسلامي المبكر وتطور الخط العربي. ومــــن المـــعـــروضـــات يـــبـــرز شـــاهـــد قبر مــن الــقــرن الأول الـهـجـري، يـعـود لــ«قـاسـم بـــن صـــالـــح»، وقــــد نُـــقـــش بــالــخــط الـكـوفـي الغائر، ليمثل بدايات التدوين الجنائزي الإسلامي. ويـــضـــم المــــعــــرض أيـــضـــا شــــواهــــد مـن القرن الـرابـع الهجري (العاشر المـيـادي)، تــبــرز فــي تفاصيلها دقـــة الـنـقـش بالخط الـــكـــوفـــي الــــبــــارز؛ إذ نــــرى شـــاهـــدا لــــ«أبـــي الــــــحــــــارث مـــحـــمـــد بـــــن روح المــــخــــزومــــي» سطرا بديعاً، وشـاهـدا آخر 12 مكونا مـن لـ«الحارث بن محمد بن هشام بن المغيرة المخزومي»، يعكسان هيبة الخط وحضور الــقــبــائــل الــقــرشــيــة المــخــزومــيــة فـــي تــاريــخ الحجاز ومكانتها الاجتماعية. «الرحى» في وجدان الشعراء العرب ولـم يغفل المـعـرض تفاصيل الحياة الـيـومـيـة والــوجــدانــيــة لإنـــســـان الـجـزيـرة الـــعـــربـــيـــة؛ إذ تـــحـــضـــر «الــــــرحــــــى» كــــــأداة حجرية تـراثـيـة لا غنى عنها فـي المـنـازل القديمة. وتــــــتــــــكــــــون الــــــــرحــــــــى مــــــــن حــــجــــريــــن مــســتــديــريــن مــتــطــابــقــن يـــوضـــعـــان فــوق بـعـضـهـمـا لــطــحــن الـــحـــبـــوب وتـحـويـلـهـا إلــى دقـيـق. ويـتـجـاوز حضور الـرحـى في المعرض بُعده المعيشي إلى البُعد الثقافي والـرمـزي؛ إذ طالما كانت الرحى حاضرة فــي وجــــدان الـشـعـراء الــعــرب مـنـذ العصر الــجــاهــلــي، مـــــرورا بـالـعـصـور الإسـامـيـة والأمـويـة والعباسية، حيث كانت تظهر في قصائد الفخر والحرب كرمز للدوران والاســـــتـــــمـــــراريـــــة، وصـــــــــراع الأيـــــــــام الـــتـــي «تـطـحـن» الــنــاس والـجـيـوش كـمـا يطحن الحجر حبات القمح. وفي مجمله يمثل معرض «من العُلا إلــــى نـــجـــران» اســـتـــعـــادة بــصــريــة لـتـاريـخ وطــــنــــي كُــــتــــب عـــلـــى تــــضــــاريــــس الأرض، ودعوة مفتوحة للأجيال الجديدة لقراءة كتاب الطبيعة والحضارة الذي خطّته يد الزمن على صخور السعودية في مختلف مناطقها. تستضيف مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض معرض «من العُلا إلى نجران... تاريخ لا يمحوه الزمان» بالتزامن مع اليوم العالمي للصخور (الشرق الأوسط) يستعرض المعرض مجموعة نادرة من شواهد القبور (الشرق الأوسط) نُقوش بالخط الكوفي الغائر (الشرق الأوسط) تبدأرحلة المعرض من قلب جبال طويق (الشرق الأوسط) الرياض: عمر البدوي يقدم المعرض مجموعة نادرة من شواهد القبور المصنوعة من حجر البازلت الأسود البركاني، التي عُثر عليها في منطقة الحجاز «يوما ما، ولد» و«الحارس» يُلاحقان ندوب الحرب خارج ساحات القتال فيلمان لبنانيان يعودان من برلين و«كان» إلى بيروت تــحــمــل مــــــاري روز أســـطـــا «الــــــــدب الـــذهـــبـــي» لأفضل فيلم قصير من مهرجان برلين السينمائي، بعد رحلة بدأت بفيلم صغير في مدّته وواسع في صـداه. بهذا الإنجاز، يكتب «يوما ما، ولد» اسمه بـن أبــرز الأفـــام اللبنانية القصيرة التي وصلت إلى إحدى أعلى المنصات السينمائية في العالم. وبــعــد أشــهــر عـلـى تـتـويـجـه فـــي ألمــانــيــا، عـاد الفيلم إلى المدينة التي خرج منها. في اليوم الأخير عاما معاً» التي نظَّمتها سينما 20« من احتفالية «متروبوليس»، احتشد الجمهور في أول عرض له في بـيـروت، حتى امتلأت الصالة. بـدت مُخرجته مُــتـأثّــرة وهــي تلتقي جمهورها للمرّة الأولـــى في مدينتها. اعترفت بأنها لم تتوقَّع الإقبال، ولا أن يجد الفيلم هذا الاحتضان منذ عرضه البيروتي الأول. حملت اللحظة عودته إلى بيئته الطبيعية الــتــي وُلـــــدت فـيـهـا فــكــرتــه، قـبـل أن تـعـبُــر الــحــدود وتحصد أرفع الجوائز. وخـــــال مـــشـــاهـــدة «يـــومـــا مــــا، ولــــــد»، تـحـضُــر عبارة كتبها الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز عن السينما حين قال إنها لا تُفكر في الأشياء، وإنما تجعلها تُفكر داخلنا. تتراجع الحرب إلى الخلفيّة، رغم أنها لا تغادر الكادر، فيفتّش الفيلم في الأثر الأبـطـأ للعنف، حـن يـتـوقّــف الإنــســان عـن العيش وفق ما يرغب، ويبدأ بالعيش وفق ما يتوقّعه من الخطر. يـــكـــتـــب الــــعــــمــــل جــــــــزءا كــــبــــيــــرا مـــــن مَــــشــــاهــــده بالصوت. فالانتظار هو أول ما تنقله الحرب إلى الناس، قبل أن تنقل إليهم خرابها. وبينما يُمهّد هدير الطائرات الطريق لِــا سيحدث، يــزرع داخل الزمن فجوة يعيش الإنسان فيها مُعلّقا بين الآن وبـعـد لـحـظـات. لـهـذا يـظـل الـصـوت آخــر مـا يغادر الفيلم. تختار مـــاري روز أسـطـا الـواقـعـيـة السحرية في محاولة للإمساك بعالم اختلَّت معاييره. يزداد الــعــنــف تـشـبُّــهـا بــالــحــيــاة الــيــومــيــة حــتــى يـتـوقَّــف الـــنـــاس عـــن مُـــســـاءلـــتـــه. يــجــد الــخــيــال طــريــقــه إلــى الفيلم من هذا المدخل، فيُحرّر الواقع من اعتياده. عندها، يصبح الفتى (خالد حسن) صاحب القدرة الـخـارقـة، الشخصية الأكـثـر واقعية؛ لأنـه الوحيد الــــذي لا يــــزال يـــرى مــا عـجـز الآخـــــرون عــن رؤيــتــه. وحده يعلم أن ما يحدث لا يمكن أن يصبح عاديا مهما طال بقاؤه. يـــلـــمـــع الـــفـــيـــلـــم حـــــن يـــضـــع ثـــقـــلـــه فـــــي جـــــوزة وبيضة، كأن العالم يُقرَأ من خلال أصغر وحداته. حبّة الجوز تكشف تصوُّرين متناقضين للعلاقة مـــع الأشــــيــــاء: الــيــد الــتــي تــــرى الـــكِـــسْـــر طــريــقــا إلــى الــداخــل، والـيـد الـتـي تصل إلـيـه مـن دون أن تترك ندبة. أمـا البيضة النيئة، فتستعيد حـق الأشياء فــي ألا تـكـون قـابـلـة لـلـتـوقُّــع. المـعـنـى الأبــعــد يبقى فيما يمتنع الفيلم عن قوله. غير أنــه يخطو أحيانا خطوة إضافية نحو الـتـفـسـيـر. يـقـتـرب مــن الــرمــز بـعـدمـا يـكـون قــد قـال كفايته، فيخسر شيئا من اتّساعه. الـصـورة حين تُترك وحدها تستمر في التفكير بعد انقضائها. أما حين تكشف أوراقها كاملة، فإنها تُنهي عملها عند حدود اللقطة. ليست المشكلة فـي وضـــوح الـفـكـرة، فالأفكار الواضحة قد تصنع سينما عظيمة. المفارقة تبدأ عندما تعرف الـصـورة مُسبقا مـا الــذي ينبغي أن نقوله عنها. عندها، ينتقل المُتفرِّج من البحث إلى الاستقبال، بعدما يكون المعنى قد حَسَم وجهته. فيصل إلى الفكرة من دون أن يعبُر متاهتها. ومــع ذلـــك، يبقى الفيلم مؤمنا بـــأن السينما تملك ما تعجز عنه الحروب، أي إعـادة الإنسانية إلـــى عــن أنـهـكـهـا الاعــتــيــاد. وحـــن يــعــود الــخــراب غريبا من جديد، يستعيد الإنسان شيئا فقده منذ زمن. العبور الأخير وشهدت ليلة احتفالية «متروبوليس» عرض La« فيلم لبناني آخر عاد من مهرجان «كان». في » (الحارس)، الذي اختير ضمن «أسبوع Sentinelle النقاد»، يبني المخرج علي شـرّي عالما سينمائيا يـتـعـامـل مــع المــــادة كـمـا يـتـعـامـل مــع الإنـــســـان. فلا فـــرق كـبـيـرا بــن جـــدار يحمل آثـــار الــزمــن، وتمثال فقد جزءا من ملامحه، وجسد أمضى سنوات وهو يتعلَّم كيف يطيع. يــنــقــل الــفــيــلــم مـــركـــز الـــثـــقـــل مــــن الــــحــــرب إلـــى مــــا تـــتـــركـــه وراءهــــــــــا. الـــرقـــيـــب «لافـــــلـــــور» (المـــمـــثـــل الأرجنتيني نـاهـويـل بيريز بـيـسـكـايـارت) يحمل آثـــار المـؤسّــسـة الـعـسـكـريـة أكـثـر مـمـا يحمل بـزّتـه. سنوات الانضباط تظهر في جسده، وفي الحركة التي فقدت عفويتها، والتعب الذي يبدو أقدم من الشخصية. يصل الفيلم إلـى لحظة تصبح فيها السُّلطة أقل حضورا في الخارج وأكثر رسوخا في الداخل. تخرج الثكنة مع الحارس «لافـلـور». لا تبقى خلفه ولا تكتفي بــأن تكون مكانا غـــادره. المدينة أوســـــع مـــن أن تــحــتــويــه، فـتـتـغـيَّــر فـــكـــرة الـــحـــرّيـــة. والمسافة بين الإنسان وخروجه من المؤسّسة ليست دائما المسافة نفسها بينه وبين التحرّر منها. يـمـتـد هـــذا الـتـفـكـيـر إلـــى الــجــســد. عـلـي شــرّي القادم من النحت، يُصوّره كتلة تحمل آثار ما مر عليها. الكتف مُنهكة والـرقـبـة مــشــدودة والتعب يكتسب قيمة مختلفة. إنه الأثر الوحيد الذي تعجز المؤسّسة عن محوه؛ لأنه يكشف الإنسان المُختبئ خلف الصورة التي يُطلَب منه أن يُجسّدها. ويبلغ الفيلم إحـــدى أكـثـر طبقاته ثـــراء حين يـضـع هـــذا الـجـسـد أمــــام أجـــســـاد اخـــتـــارت طـرائـق أخـرى للوجود. عندها، يتبي أن صـورة الرجولة التي صنعتها المؤسّسة العسكرية ليست الحقيقة الوحيدة، فتستعيد الهوية سيولتها بعد سنوات من القوالب الصلبة. وحـــن يـبـلـغ الـفـيـلـم صـــورتـــه الأخـــيـــرة، تـبـدو المدينة كأنها تحتفل بشيء لم يعد يعني بطلها. فــــي الأعــــلــــى، تــســتــعــرض الــــدولــــة صـــورتـــهـــا الــتــي صنعتها، وفــي الأسـفـل، يمضي إنـسـان خــرج من كل الصور التي صِيغت له. يترك علي شرّي هذين العالمين يعبُران الشاشة بـالـتـوازي، حتى يصبح الانفصال بينهما كاملاً. لا يبحث عن الصدمة في مشهده الأخير؛ لأنه كان يبنيه منذ البداية. كل ما سبقها يقود إليها. اللقطة الأخيرة ليست نهاية حــكــايــة. إنــهــا الـنـهـايـة المـنـطـقـيـة لمــســار طــويــل من الاستنزاف البطيء، حين يغدو الخروج من الدور هو الخروج الأخير الممكن. بيروت: فاطمة عبد الله فريق آمن بالحكاية قبل أن يراها العالم (متروبوليس)
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky