Issue 17397 - العدد Thursday - 2026/7/16 الخميس كتب BOOKS 17 التاريخ الثقافي لـ«البيتزا» فــي أزقـــة مـديـنـة نـابـولـي الإيـطـالـيـة، حــــيــــث تــــتــــدلــــى الــــــزهــــــور مـــــن الــــشــــرفــــات وتختلط رائـحـة الـبـحـر بـدخـان الأفـــران، وُلــــــــدت الـــبـــيـــتـــزا كـــوجـــبـــة ســـريـــعـــة تـسـد جـوع العمال والـفـقـراء، وضـــرورة عملية فــرضــهــا الأمـــــر الــــواقــــع، ولــيــســت كـطـبـق فاخر يكتسب شهرة عالمية ويوحد بين مـخـتـلـف الــثــقــافــات والـــشـــعـــوب، ويـكـتـب قـــصـــة مـــشـــوقـــة عــــن الـــهـــجـــرة والــطــبــقــات الاجتماعية والـــذوق الشعبي وتحولات العالم الحديث. فـــــــــي كــــــتــــــابــــــه «الـــــــبـــــــيـــــــتـــــــزا: تــــــاريــــــخ وحـــكـــايـــات»، الـــصـــادر عــن دار «الــعــربــي» بالقاهرة، ترجمة آلاء أحمد جـاد، يتتبع الـبـاحـث الإيـطـالـي لـوكـا تـشـيـزاري رحلة هذا الطعام، بعيدا عن الحكايات المكررة الــتــي تـخـتـزلـهـا فـــي قـصـة مـلـكـة إيـطـالـيـة تسمى «مـارغـريـتـا» حملت أشـهـر أنـــواع تلك الوجبة اسمها. ويـــوضـــح المـــؤلـــف أن الــبــيــتــزا ليست اخـتـراعـا مفاجئاً، بـل ثمرة تـاريـخ طويل مــن الـخـبـز المـسـطـح الــــذي عـرفـتـه شعوب الــبــحــر المـــتـــوســـط مــنــذ قــــــرون، فــقــد عــرف الإغـــــريـــــق والـــــــرومـــــــان وغــــيــــرهــــم أشــــكــــالا متعددة من العجين المخبوز الذي يُضاف إلــيــه الــزيــت والأعـــشـــاب والـــجـــن، غـيـر أن نـــابـــولـــي هــــي الـــتـــي مــنــحــت هـــــذه الــفــكــرة شخصيتها الحديثة. واللافت أن الطماطم، التي تبدو اليوم عـنـصـرا لا يمكن فصلها عــن الـبـيـتـزا، لم تكن جزءا أصيلا من المطبخ الإيطالي، فقد وصـلـت إلـــى أوروبــــا بـعـد اكـتـشـاف الـقـارة الأمــيــركــيــة، وظــلــت لـفـتـرة طـويـلـة موضع شـــك؛ إذ اعـتـقـد بـعـض الــنــاس أنــهــا نبات ضار غير صالح للأكل. ومـــــع الــــوقــــت، وجــــــدت طــريــقــهــا إلـــى مـطـابـخ جــنــوب إيـطـالـيـا، خـصـوصـا بين الـفـقـراء الـذيـن رأوا فيها مكونا رخيصا ومـــشـــبـــعـــا، هـــنـــا بـــــــدأت مــــامــــح الـــبـــيـــتـــزا «النابولية» تتشكل: خبز دائـري ساخن، وطـــمـــاطـــم، وزيـــــت، وثــــوم أو جــــن، يـؤكـل باليد في الشارع دون أطباق أو مراسم. كـــانـــت نـــابـــولـــي فـــي الـــقـــرنـــن الــثــامــن عشر والتاسع عشر مدينة مكتظة، تعج بالعمال والحرفيين والـبـاعـة والـبـحـارة، فظهرت الحاجة إلـى طعام يمكن شـراؤه بــثــمــن زهـــيـــد، وتـــنـــاولـــه أثـــنـــاء الــعــمــل أو فــي الــطــريــق، بــل إن بـعـض الـبـاعـة كـانـوا يبيعونها بنظام الـدفـع المـؤجـل للفقراء. ولــــهــــذا ارتــــبــــطــــت الـــبـــيـــتـــزا فــــي بــدايــتــهــا بـالـطـبـقـات الـشـعـبـيـة، ونــظــر إلـيـهـا كثير مـن أبـنـاء الطبقات المـيـسـورة باعتبارها طعاما بسيطا لا يليق بالموائد الراقية. ومـــن أشــهــر الـقـصـص المـرتـبـطـة بها حــكــايــة «بـــيـــتـــزا مـــارغـــريـــتـــا»، الـــتـــي يُــقــال إنــهــا صُــنـعـت تـكـريـمـا للملكة مـارغـريـتـا بــــــألــــــوان الــــعــــلــــم الإيــــطــــالــــي: 1889 عـــــــام الأحمر للطماطم، والأبيض للموزاريلا، والأخـضـر للريحان، لكن لوكا تشيزاري يـــــدعـــــو إلـــــــى الــــتــــعــــامــــل بـــــحـــــذر مــــــع هــــذه الرواية، فالكثير من تفاصيلها اكتسبت شـهـرتـهـا لاحـــقـــا، حـــن احــتــاجــت الـبـيـتـزا إلى أسطورة وطنية تمنحها مكانة أكثر رفعة، فالحقيقة الأهم أن هذا الطبق كان موجودا قبل القصة، وأن شهرته لم تأت من القصور، بل من الشوارع. الـــتـــحـــول الأكــــبــــر حـــــدث مــــع مـــوجـــات الهجرة الإيطالية إلــى الــولايــات المتحدة فــي أواخــــر الــقــرن الـتـاسـع عـشـر وبــدايــات الــقــرن الـعـشـريـن، حـيـث حـمـل المـهـاجـرون معهم وصفاتهم وحنينهم إلـى نابولي، فــــظــــهــــرت مــــطــــاعــــم الــــبــــيــــتــــزا فــــــي أحــــيــــاء الإيـطـالـيـن بـنـيـويـورك وشـيـكـاغـو ومــدن أخرى. هناك تغيرت البيتزا لتلائم المكونات الـــجـــديـــدة والــشــهــيــة الأمـــيـــركـــيـــة، فـكـبـرت أحجامها، وتنوعت إضافاتها، وصارت جــــزءا مـــن ثـقـافـة المــــدن الــحــديــثــة، قـبـل أن تـــعـــود إلــــى أوروبـــــــا والـــعـــالـــم فـــي صـــورة مختلفة وأكثر انتشاراً. وهكذا أصبحت البيتزا مـرآة لثقافة الــشــعــوب: فـــي نــابــولــي تـحـكـي عـــن الفقر والابـــتـــكـــار الـــيـــومـــي، وفــــي أمــيــركــا تـــروي قــصــة الـــهـــجـــرة والانـــــدمـــــاج، وفــــي الـعـالـم المـعـاصـر تعكس سـرعـة الـحـيـاة والعولمة وقدرة الطعام على عبور الحدود. القاهرة: «الشرق الأوسط» مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية طــــرح الـــعـــدد الـــجـــديـــد مـــن مجلة «الإيسيسكو» (السابع - يوليو/ تموز )، مجموعة من الملفات الثقافية، 2026 بالإضافة إلى بانوراما فكرية تجمع بين قضايا الثقافة واللغة، والتعليم، والعلوم، والتراث، والفلسفة. وأبـــرز ملفات الـعـدد ملف «اللغة الـعـربـيـة وأســئــلــة الــهــويــة المـعـرفـيـة»، الــــذي تـــنـــاول قـضـايـا الـلـغـة والـهـويـة وتـعـريـب الــعــلــوم. فعبر مــقــالات عـدة تـــتـــنـــاول الـــعـــاقـــة بـــن الــلــغــة وإنـــتـــاج المـــعـــرفـــة، والـــتـــحـــديـــات الـــتـــي تـــواجـــه العربية في عصر الذكاء الاصطناعي والــــتــــحــــول الــــرقــــمــــي، وآفــــــــاق تــجــديــد حــــــضــــــورهــــــا فـــــــي الـــــبـــــحـــــث الـــعـــلـــمـــي والتعليم والـثـقـافـة؛ يـؤكـد هــذا الملف أن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة تواصل، وإنما وعاء للهوية. وبمناسبة تجديد ولايـــة الأمـن العام لمنظمة «الإيسيسكو»، الدكتور ســـالـــم بـــن مــحــمــد المــــالــــك، فــقــد أجـــرت معه رئيسة التحرير الشاعرة روضة الـحـاج، مقابلة، تحدث فيها عـن أهم عـنـاويـن المـرحـلـة الـجـديـدة للمنظمة، وهــــــــــو «تـــــعـــــظـــــيـــــم الأثــــــــــــر وتــــرســــيــــخ الشراكات». حمل غـاف العدد صــورة مدينة قــــــازان «عـــاصـــمـــة الــثــقــافــة فـــي الـعـالـم »، احتفاء بمدينة 2026 الإسلامي لعام اســتــطــاعــت أن تـــقـــدم نــمــوذجــا فــريــدا لــلــتــفــاعــل الــــخــــاق بــــن الـــحـــضـــارات، وأن تجمع بـن أصـالـة الــتــراث وروح العصر، لتبدو فضاء رحبا للتعايش والتنوع الثقافي. وفــي كلمتها بافتتاحية الـعـدد، ذكــــــرت رئـــيـــســـة الـــتـــحـــريـــر أن صــــدور المجلة ابــتــداء مـن هــذا الـعـدد سيكون بــثــاث لــغــات: الـعـربـيـة، والـفـرنـسـيـة، والإنجليزية. اللغة العربية: ثراء وتغريب تـحـت عــنــوان: «الـلـغـة الـعـربـيـة... بــــن واقــــــع مُــــغْــــن وتـــغـــريـــب مُــــضْــــنٍ»، كـتـب أحــمــد سـلـيـم بــن أحــمــد الأرمــــي، الأمـــن الــعــام لـــ«الــرابــطــة المـوريـتـانـيـة لحماية اللغة العربية»، مقالا ناقش فــيــه واقــــع الــلــغــة الــعــربــيــة فـــي الـعـالـم من زاويتين متقابلتين؛ الأولــى تؤكد المــكــانــة الــدولــيــة المـتـنـامـيـة لـلـعـربـيـة، والثانية ترصد مظاهر التراجع داخل المجتمعات العربية نفسها. مـقـال آخـــر، فـي المـلـف ذاتـــه، حمل عـــــنـــــوان: «تـــعـــريـــب الــتــعــلــيــم الــطــبــي: بـن اسـتـعـادة الـهـويـة وتـعـزيـز جـودة الــــتــــعــــلــــم»، لـــلـــدكـــتـــور خــــالــــد آل عـبـد الرحمن، أستاذ طب الأســرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في السعودية. فــــي هـــــذا المــــقــــال، يـــطـــرح الــكــاتــب رؤيـة استراتيجية وتربوية غاية في الأهمية، تُفكك إشكالية لغة التدريس فـــي كــلــيــات الـــطـــب الـــعـــربـــيـــة. ينطلق الكاتب من رؤية مفادها بأن اللغة هي وعـاء التفكير العميق وليست مجرد أداة تـواصـل؛ وبالتالي؛ فـإن التعليم بــالـلـغـة الأم هـــو الـــركـــيـــزة الأســاســيــة لـلـفـهـم الإبــــداعــــي والــتــفــكــيــر الــنــقــدي وتجنب تلقين الحفظ. وضمن الملف، جاء مقال: «تعليم الـــعـــلـــوم لمـــــــاذا بـــالـــعـــربـــيـــة بـــعـــيـــدا عـن الهوية؟»، للكاتبة الدكتورة ندى نور الـــدائـــم، الأســـتـــاذة المــســاعــدة فــي قسم اللغة العربية بكلية الآداب - جامعة الخرطوم. فــــي هـــــذا المـــــقـــــال، تــــقــــدم الــكــاتــبــة طرحا تربويا وعلميا جريئا يتجاوز الخطاب التقليدي المرتبط بالهوية، لــيــركــز عــلــى «كـــفـــاءة الـتـعـلـم وجــــودة التعليم» معيارا وحيدا لاختيار لغة التدريس. وكـــــــــتـــــــــب الــــــــــدكــــــــــتــــــــــور يــــــوســــــف إســــمــــاعــــيــــلــــي، الــــخــــبــــيــــر فــــــي «مــــركــــز الإيسيسكو للغة العربية للناطقين بغيرها» فـي المــغــرب، مـقـالا بعنوان: «الــــدبــــلــــومــــاســــيــــة الـــلـــغـــويـــة وتــعــلــيــم العربية عالمياً». يـــقـــدم الـــكـــاتـــب تـــأصـــيـــا لمــفــهــوم «الــدبــلــومــاســيــة الــلــغــويــة» بـوصـفـهـا أداة استراتيجية فاعلة وصامتة في فــضــاء الـــعـــاقـــات الـــدولـــيـــة المــعــاصــرة وقوتها الناعمة. ويطرح المقال رؤية حديثة للعلاقة بين اللغة والسياسة الـــدولـــيـــة، إذ يـــؤكـــد أن الــلــغــة لـــم تعد مــــجــــرد وســـيـــلـــة لـــلـــتـــواصـــل أو وعــــاء للتراث، بل أصبحت إحدى أهم أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها الدول لـــبـــنـــاء نـــفـــوذهـــا وتـــعـــزيـــز حــضــورهــا العالمي. الدمام (السعودية): ميرزا الخويلدي نظريات فرويد عن اللاشعور تدين له بالكثير فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون رحل الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه عن عالمنا ، وتــزامــن رحـيـلـه مــع انــطــواء صفحة الـقـرن 1900 فــي التاسع عـشـر. لكن تأثيره مـا زال ممتدا حتى اليوم في مجالات الفلسفة وعلم النفس والفكر السياسي. تشهد بذلك عشرات الدراسات الصادرة عنه بمختلف اللغات خلال القرن الماضي، وفي هذه الألفية الثالثة. عن 2025 وأحـــــدث هـــذه الــــدراســــات كــتــاب صــــادر فـــي دار «أركـتـوروس للنشر»، في لندن، عنوانه «فردريك نيتشه: المفكر الذي شق دربا جديدا وأحدث ثورة في الفلسفة» Friedrich Nietzsche: The Ground - Breaking Thinker who Revolutionized Philosophy .Tony Lee Moral من تأليف توني لي مورال كــــان لـنـيـتـشـه حـــضـــور فـــي حـقـلـنـا الــثــقــافــي منذ العقود الأولــى من القرن العشرين؛ فقد كتب الــرواد، من أمثال عباس محمود العقاد وعلي أدهم، مقارنين فـلـسـفـتـه فـــي الـــقـــوة بـفـلـسـفـة المــتــنــبــي. وأخــــــرج عبد الرحمن بدوي كتابا عنه، وكذلك فعل فؤاد زكريا في مرحلة لاحقة. وترجم فيلكس فارس كتابه «هكذا تكلم زرادشــــت»، كما تجد لنيتشه ذكـــراً، يطول أو يقصر، في تواريخ الفلسفة، والفلسفة الوجودية خاصة، في عديد من الكتب لمؤلفين عرب. أهـم معالم الطريق في حياة نيتشه هي مولده ، الـتـحـاقـه بـجـامـعـة بـــون لــيــدرس الـاهـوت 1844 فــي وفِـــقْـــه الـلـغـتـن الــيــونــانــيــة والــاتــيــنــيــة، ثـــم الـتـحـاقـه بـــجـــامـــعـــة لايـــبـــتـــســـغ حـــيـــث تـــعـــرف عـــلـــى فـــكـــر أرتـــــور شوبنهاور، أداؤه الخدمة العسكرية لعام واحد في الـجـيـش الــبــروســي، صـداقـتـه لـلـمـوسـيـقـار ريـتـشـارد فاغنر (تحطمت علاقتهما فيما بعد كما تحطمت عــاقــتــه بـــأصـــدقـــاء آخــــريــــن)، اشــتــغــالــه أســـتـــاذا لفقه اللغة بجامعة بـــازل فـي سـويـسـرا، بــدء مسيرته في التأليف بـإصـدار كتابه «مـولـد التراجيديا مـن روح ، هجرته إلـى إيطاليا وانهيار 1872 الموسيقى» فـي قواه العقلية حتى وفاته بالتهاب رئوي وجلطة في سن الخامسة والخمسين. وقد تولت أخته إليزابيث إصدار مؤلفاته بعد وفاته، ولكنها للأسف تلاعبت فــي نـصـوصـه بـمـا زيَّـــف حقيقته، إرضــــاء للسلطات النازية التي تبنَّته (كما تبنت فاغنر) مع أن نيتشه من النازية براء. وفــي حياته الـخـاصـة كــان نيتشه مـعـذّبـا؛ عانى طــيــلــة عـــمـــره مـــن عــــدد مـــن الأمــــــــراض: نـــوبـــات صـــداع عـــنـــيـــف، وآلام فــــي الـــعـــيـــنـــن، واضــــطــــرابــــات مــعــديــة، ودفتيريا ودوسنتاريا، ونوبات اكتئاب. ولم يعرف السعادة في الحب، ولا هو تــزوج. وكانت في حياته قصة حب بلا أمل للو أندرياس سالومي، وهي شابة روسية لامعة مهتمة بالفلسفة وعلم النفس والأدب كانت (مثل مي زيادة) أنثى فريدة انجذب إليها كثير من مفكري العصر وأدبـائـه. لقد كان نيتشه نموذجا للمفكر المـنـعـزل (عـــاش فــي إيـطـالـيـا بــن ثـلـوج جبال الألـــــب، ووصــــف الـفـلـسـفـة بـأنـهـا طـريـقـة لـلـعـيـش بين «الجليد والجبال العالية»). وزاده انـعـزالا أن أفكاره الجريئة كانت صادمة لمعاصريه، وموضع هجوم من أغلب المشتغلين بالفلسفة. وفلسفة نيتشه فـي الـقـوة رد فعل إزاء معاناته الشخصية؛ فهو من ناحية يؤكد الجانب التراجيدي في الوجود. ومن ناحية أخرى يبذل محاولة بطولية لتجاوز المعاناة وارتقاء قمم فكرية ووجدانية عالية رغـــم أوجــــاع الــبــدن والــنــفــس. ومـــن أقـــوالـــه: «إن مــا لا يقتلني يقويني». بــلــغ مـــن نــبــوغ نـيـتـشـه أنــــه تــعــلَّــم أبــجــديــة الـلـغـة الــيــونــانــيــة الــقــديــمــة والـــعـــزف عــلــى الــبــيــانــو فـــي سن الثالثة. وفي سنوات دراسته أُولِع بالأدب ونظم شعرا وانجذب إلى موسيقى موزار وبيتهوفن. كان أدباؤه المفضلون هم شعراء المـأسـاة الإغريقية، إسخيلوس وسـوفـوكـلـيـس ويــوربــيــديــز، وشـــعـــراؤه الأثـــيـــرون هم بايرون وهولدرلين. وكان قارئا نهما يقضي الليل كله في القراءة، وقد غمس قدميه في دلو مليء بماء مثلّج كي يظل صاحياً! تـــنـــاول نـيـتـشـه فـــي كــتــابــاتــه قــضــايــا جــوهــريــة، مـثـل مـعـنـى الــحــيــاة والــحــريــة الــفــرديــة والمــواضــعــات الاجـــتـــمـــاعـــيـــة. وأشــــــــاد بـــمـــا دعـــــــاه الإنـــــســـــان الأعـــلـــى (السوبرمان) قائلا إنه سيعلو على الإنسان الحالي، كــمــا عـــا الإنــــســــان الـــحـــالـــي عــلــى الــــقــــردة. وفـلـسـفـتـه إيـجـابـيـة تــقــدس الــقــوة والـغـلـبـة ولا تـخـلـو مــن تـعـال ذكـــوري على المـــرأة (لــه فـي ذلــك أقـــوال سيئة السمعة مثل: «أذاهـــب أنـت إلـى المـــرأة؟ لا تنس إذن سـوطـك»). وهو لا يقدم إجابات جاهزة قدر ما يطرح أسئلة تحث على التفكير. ولا يملك المـرء إلا أن يشعر بالأسى؛ إذ يرى هذا الـــذهـــن الــجــبــار يـنـحـدر فـــي أواخـــــر أيـــامـــه إلـــى هـاويـة الجنون. ومن مظاهره شعور مفرط بالعظمة يجعل نيتشه يكتب أشياء من قبيل: «لمـاذا كنت حكيما إلى هذا الحد؟»، و«لماذا كانت كتبي جيدة هكذا؟». ويـــــوقـــــع رســــائــــلــــه بــــاســــم «دويـــــــــو نــــــيــــــزوس» أو «المصلوب» (متقمِّصا شخصية المسيح). ويرى بعض الباحثين أنه كان مصابا بالزهري، مما أدى إلى شلل تدريجي وتدهور للنسيج المخي. لكن التراث الذي خلفه يبقى من بعده. لقد تلقف منه الناقد والفيلسوف الدنماركي جورج براندز فكرة الإنسان الأعلى. واهتم به الكاتب المسرحي السويدي ســـتـــرنـــدبـــرغ. ورســـــم المــــصــــوِّر إدوارد مـــونـــج لـوحـتـه المسماة «الصرخة» من وحي كتاباته. وعــلــى الـصـعـيـد الــفــكــري، ألــقــى هـايـدغـر سلسلة مـحـاضـرات عـن نيتشه فـي جامعة فـرايـبـورغ. وأعــاد الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في كتبه عن تاريخ الـجـنـس ومــؤســســات الـسـجـن والمـــدرســـة والمستشفى أفكار نيتشه عن إرادة القوة والتنافس على السيطرة والــعــقــوبــة. أمـــا الـفـاسـفـة الـــوجـــوديـــون (مــثــل سـارتـر وكـــامـــو)، فـقـد طــــوروا أفــكــار نيتشه ومــضــوا بـهـا إلـى آفاق أبعد. ونــظــريــات فــرويــد عــن الــاشــعــور تــديــن بالكثير لـنـيـتـشـه، وكـــذلـــك الـــشـــأن مـــع يــونــغ الــــذي اقـتـبـس من كتاب «هكذا تكلم زرادشـــت» مفهوم الفردية والتميُّز ومجاوزة الذات. وامـتـد تأثيره إلـى مفكري مـا بعد الـحـداثـة، مثل جـــاك دريــــدا وجــــول ديـــلـــوز، وذلــــك فــي نـظـريـاتـهـم عن الصدق والتفسيرات وديناميات المعرفة. ومـــــن الأدبــــــــاء الــــذيــــن اهـــتـــمـــوا بــنــيــتــشــه جــويــس وكـــافـــكـــا وهــــرمــــان هـــســـه، وتــــومــــاس مــــان فـــي روايـــتـــه «الــــجــــبــــل الـــــســـــحـــــري»، ود. ه. لـــــورنـــــس فـــــي «نـــســـاء عـاشـقـات»، وويـلـيـام فوكنر فـي «الصخب والعنف»، وصمويل بكيت في «في انتظار غــودو»، ونابوكوف في «لوليتا». هكذا يظل فكر نيتشه المثير للخلاف ولا يخلو من متناقضات قوة حيوية في الفكر المعاصر واستكشافا راديـكـالـيـا لقضايا الأخـــاق والــديــن والـثـقـافـة والـفـن، ومنصة وثب نقفز منها (سـواء وافقناه أو خالفناه) إلـى فهم أعمق لمعنى وجـودنـا ولدوافعنا ومحركات السلوك لدى الآخرين. د. ماهر شفيق فريد امتد تأثير نيتشه إلى مفكري ما بعد الحداثة مثل جاك دريدا وجول ديلوز وذلك في نظرياتهم عن الصدق والتفسيرات وديناميات المعرفة
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky