issue17395

الثقافة CULTURE 18 Issue 17395 - العدد Tuesday - 2026/7/14 الثلاثاء ‏ لم يخبرْنا أحد أن هناك موجة حر ظـهـرت فــي وســائــل الـتـواصـل الــعــام فــي بريطانيا طـفـلـة تتشكى من موجة الحر التي اجتاحت الكل وقلبت مزاج اليوم الإنجليزي في كافة مناحيه والأشـــد كانت مـــدارس الأطــفــال. وظـهـرت رسـالـة الطفلة لــوصــف الــحــال عـبـر احـــمـــرار وجـــه الـبـنـت والـــعـــرق الــــذي يـتـامـع فـوق جبينها حيث أطلقت كلمتها الاحتجاجية: «لم يخبرنا أحد أن هناك موجة حــر»، وهـي كلمة تكتنز بتوتر المعاني في عقلية طفلة بريئة لم تجرب مواجهة الحياة منفردة إلا في تلك اللحظة التي تواجهت معها دون حيطة أو توقع، وجاءت جملتها فارقة وحارقة. وهي فيها تخاطب الكل مـن أهلها ومدرساتها وتتحدث بصيغة «الـنـحـن»؛ أي أنها تتكلم باسم الأطـفـال كلهم ممن وقـعـوا فـي عجز تـام عـن تفسير الحالة. وبـــدأت هـذه الطفلة شكواها الطريفة بعد يـوم دراســـي حـار، وبين تعرقها ووجهها الذي تحول إلى اللون الأحمر، تركت كل شيء وركــزت على إعطاء نصائح ذهبية للوقاية من الحر الشديد وأشعة الشمس الحارقة. ظهرت لتنصح الناس بالإكثار من شرب الماء، وهذه ثقافة ليست من صميم السلوك الإنجليزي، ومذ عرفت الإنجليز على مدى نصف قــرن لـم أرهــم يلتهمون قـواريـر المــاء كما رأيتهم فـي السنين الأخـيـرة، فجوهم قد أخذ بالتغير منذ بضع سنوات لكن السلوك احتاج وقتا من لسع الحرارة ليتغير سلوكهم مع الماء. ويتبدى هذا الحس حين تولت الطفلة دورا أكبر من سنها ومن أنظمة تفكيرها. وكـلـمـات الطفلة تكشف الـحـيـاة غير الـواقـعـيـة، بما أن الواقعي عندها هو الجو الأقـرب للبرودة، أو في الأقل اعتدال الجو، وهذا هو الطبيعي عندها. وحين يتغير الطبيعي فهي كطفلة تحتاج لمن يبلغها ويعطيها التوصيات، وكيف تتصرف مع التغير الجوي المفاجئ لها ولمـن هم بسنها وحالها، غير أن لا أحـد أبلغها ولـم يـك لها من حيلة غـيـر الـجـهـاز الــــذي بـيـدهـا وأعـلـنـت احـتـجـاجـهـا بـغـضـب هــــادئ وثقة تليق ببراءة الأطفال وصدقهم وصراحتهم، ولكنه هـدوء متفجر من داخله وعلامة ذلك ردود الفعل في وسائل التواصل العامة بإعجابات بأسلوبها الاحـتـجـاجـي وبلاغتها الطفولية الـنـافـذة عبر مفرداتها التوبيخية التي بها تدين مجتمع الكبار وتدين تقصيرهم عن أداء دورهم الثقافي والتربوي. ومــن ثـم تـولـت هـي الـــدور، وشـرعـت تـقـدم النصائح والتوصيات وكأنها تربي الذين لم يحسنوا التربية وتخلوا عن وظيفتهم الأولى في الحياة، تلك الوظيفة التي يفترض أنها تمنح الوصايا حين تلوح الحاجة لها، وهم الذين لا ينفكون عن النصح والتوجيه لغير ما حاجة لهما وغابت توجيهاتهم حين الحاجة. وهنا تكشف الطفلة وظيفة جوهرية هي من أبرز وظائف الثقافة العامة من حيث التطوع التلقائي في النصح والتوجيه. وتلك غريزة ثقافية متجذرة عند جميع البشر وتحفزت عند الطفلة تلقائياً، لأن الظرف يتطلبها. والظرف البشري لا يكفي أن نواجهه فحسب بل لا بد من إعطاء النصح بكيفية التعامل معه. وهذه وظيفة أخلاقية يسرف البشر عادة فـي تمثلها ويـرونـهـا قيمة معنوية وواجـبـا لازمـــا. وحــن قصر فيها الكبار جاءت هذه الطفلة لتحقيق الشرط الثقافي في إعطاء الدروس والتمتع بممارسة هذا النوع من الوصاية الثقافية. والطفلة هذه لما تزل غضة وفطرية تعيش رخاء العائلة الحاضنة وتعتمد عليهم فـي طعامها وسكنها وفـي معلوماتها. وتــرى أن أي معلومة تحتاجها في الحياة هي كنز متاح لدى أمها تنهل منه دون طلب ودور الأم هـو العطاء. وكما تعطي الأم الحليب دون منة فهي أيضا تعطي التعليمات والتوجيهات دون منة. ولكن أمها نسيت هذه المـــرة أن تـقـول لها إن الـجـو حــار وتحتاجين فيه لـشـرب المـــاء وتجنب الشمس، وهي كفتاة بريطانية تحب الشمس وليس من ديدنها شرب الماء كما نفعل نحن في البلدان الحارة. ومـن طبع الإنجليز محبة التشمس، ليس فقط لتزويد الجسد بفيتامين دال، ولا لتسمير بشرتهم فحسب، لكن أيضا لأن لهم علاقة وجـدانـيـة مـع الشمس، وتـعـود هـذه العلاقة الجذرية لزمن بريطانيا العظمى، تلك الإمـبـراطـوريـة الـتـي تعاهدت مـع الشمس كـي لا تغيب عـنـهـا. وكـلـمـا غـابـت الـشـمـس عــن مستعمرة أشــرقــت فــي أخــــرى، فــإذا غابت عن الهند شرقا أشرقت على أميركا غرباً، وعلى مدى الجغرافية الاستعمارية لبريطانيا. ولكن تلك الطفلة الغضة لم تعش زمن العظمى ولم تتمتع بمجد الراية التي لا تغيب عنها الشمس، وهي فقط ورثـت عن أهلها ثقافة التشمس وبهجة أي يوم مشمس، وبما أن أيام الشمس عندهم محدودة فهم يحتفلون بها كلما نشرت أشعتها على الأرض. ولم يخطر ببال الطفلة أن هذه المحبوبة والمطلوبة ستحرق وجهها. وفات أمها وأباها أن يحدثاها عن شمس أخـرى غير شمس الإمبراطورية وغير شمس المتعة، وإنـمـا هـي شمس مختلفة، فهي تلسع وتنشف الـريـق وترفع حــرارة الجسم الغض. وهـذا تغير جـذري فاجأ ثقافة الطفلة ومـن ثم ندبت نفسها لفضح جريرة أهلها حين غفلوا عن تغذيتها بالتعليمات وكيف تتعامل مع شعاع الشمس الحارقة. المهم في قصة هذه الطفلة أن المعنى الأعمق هو باكتشافها للدرس الأهـــم فـي صناعة المـعـرفـة فهي قـد وقـعـت فـي لـب المعنى دون تقصد مـنـهـا، وهـــو أن المـعـرفـة ليست فيما يأتينا مــن نـصـائـح غـيـرنـا، إنما العلم هو ما نتعلمه بعرق تجربتنا وعرق الوجه كما اكتشفت الطفلة وظهرت عليها بصيغة احتجاج ثقافي. وهذه الروح الاحتجاجية هي مـا جعلتها تكتشف بنفسها بــأن الشمس وهــي نعمة ومتعة تحمل أيضا خطرها القاسي. وكــل شــيء نـافـع يضمر ضــررا مــا، ولــن نعرف ذلــك الـــدرس إلا إذا مررنا بـه، فالحكمة والفلسفة لا تعلمان البشر، بل نـار التجربة هي الشرط الأهم للمعرفة، وهي التي تنتج الفلسفة وليس العكس. وهذا ما تعرفت عليه الطفلة وسيكبر معها ويتجذر في وعيها وفي فهمها. عبد الله الغذامي نجوى بركات تبدع فقط في النصف الأول منها «غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف بـــعـــد قــــــــراءة صـــفـــحـــات قــلــيــلــة مـن روايـة الكاتبة اللبنانية نجوى بركات )2025 «غيبة مي» (دار الآداب، بيروت تــدرك أنها روايـــة معنية بالشيخوخة وتــداعــيــاتــهــا. خــصــوصــا الـشـيـخـوخـة المـقـتـرنـة بـــالـــوحـــدة، بـالـعـيـش المـنـفـرد. نـحـن هـنـا فـــي حــضــرة ســيــدة لبنانية ثمانينية تُدعى مـي، تعيش بمفردها فــــي طـــابـــق عـــلـــوي مــــن بـــنـــايـــة سـكـنـيـة مــتــرفــة فـــي بـــيـــروت. تـصـحـبـنـا نـجـوى بركات في جولة طويلة داخل أيام مي وروتينها المـتـكـرر، ليس ذلــك فحسب، إنــــمــــا تــــجــــول بـــنـــا أيــــضــــا فــــي تــافــيــف ذهنها المــتــراوح بـن الصحوة المرهفة وعوارض التآكل تحت وطأة ألزهايمر ومــا يصاحبه مـن المظاهر التدريجية للخرف وفقدان الذاكرة. المائة وخمس وعشرون صفحة الأولى من الرواية، أي نحو نصفها، مكرّسة للرصد المجهري لمعنى أن تكون امرأة عجوزا وحيدة في المرحلة الأخيرة من عمرها، أو بالأحرى في نهاية المرحلة الأخيرة، المرحلة التي يتآكل فيها الجسد ويفقد قدرته على الاستقلال عن الآخرين والاعتماد على الــــــذات، ويــصــبــح مـحـتـاجـا لــلــعــون في أخص الخصوصيات مثل الاستحمام وتجفيف الجسد بعده وقضاء الحاجة وتمشيط الشعر وإعـــداد الطعام.. إلخ إلــــــخ. كــــل مــــا نــــؤديــــه بــغــيــر تــفــكــيــر ولا نتصور أن نشرك فيه أحدا طوال العمر يـصـبـح جــهــدا فـــوق الـــعـــادة ولا تجدي معه المـكـابـرة. لكنه ليس الجسد فقط بـل يفاقم مـن تداعيه التداعي الذهني أيضاً. يصبح العالم كله موضع ريبة. تــســيــطــر عــلــيــنــا الأوهـــــــــام والـــخـــيـــالات والمـــخـــاوف والـــتـــوجُّـــســـات. نـفـقـد الثقة حـــتـــى بـــمـــن نـــحـــن فـــــي أمـــــــس الـــحـــاجـــة لعونهم. صفحة 125 تنفق نـجـوى بــركــات في تصوير هذه المرحلة من الحياة في هذه الحالة الفردية، وتنغمس في أدق التفاصيل، سواء في الوصف الخارجي أو فـــي تـسـجـيـل الـــتـــداعـــيـــات الـذهـنـيـة للشخصية. وما لم يكن القارئ مثابراً، منتبها لمـــا تـــحـــاول الـكـاتـبـة فـعـلـه فقد يدركه السأم وينبذ الكتاب. أما أنا الذي عاين ناسا مروا بهذه المعاناة وعاشوا فيها سنوات قبل أن يوافيهم المخلِّص الأكبر، كما شاهدت العديد من الأفلام السينمائية الممتازة التي تناولت هذه الـظـاهـرة المرضية ورصـــدت تطوراتها فــي تـصـويـر واقــعــي تنفطر لــه القلوب Amour (انـــظـــر مــثــا الـفـيـلـم الـفـرنـسـي لــلــمــخــرج الــنــمــســاوي 2012 ) (الــــحــــب مـايـكـل هـانـيـكـه)، فـقـد كـنـت واعــيــا بما تحاول الكاتبة أن فعله، الذي لا يتحقق إلا بـــالـــقـــذف بــنــا بــــا رحـــمـــة فــــي أتــــون التحلل المتسارع لشخصيتها جسديا وذهــنــيــا، والــــذي لا يتحقق إدراكـــــه إلا بالمكوث الطويل عند تفاصيل الحياة الـيـومـيـة الـتـي لا تستحق عـــادة الـذكـر أو الـــوصـــف إلا لأنــهــا فـــي الشيخوخة المـــريـــضـــة تــصــبــح نـــضـــالا بــطــولــيــا من أجل التمسك بأهداب الوعي والوجود الجسدي معاً. لا أعــرف روايـــة أخــرى فـي العربية تـصـدت لـهـذا المــوضــوع بـهـذه الـكـفـاءة. مـــن هــنــا كــــان إعــجــابــي بــالــنــص يــــزداد كـــلـــمـــا أوغـــــــل فــــي الـــتـــفـــاصـــيـــل بـــإمـــعـــان «نــاتــورالــي» أو طبيعي لا يتحرج من شـــيء ولا يـتـقـزز مــن شـــيء كـمـا عهدنا قديما في أوصاف المدرسة الناتورالية وعَــلَــمــهــا الأكـــبـــر، إمـــيـــل زولا. فـــي هــذا النصف مـن الــروايــة لا يـبـدو أن جنس الشخصية ذو بـــال. هــي امــــرأة اسمها «مـــي» لـكـن كـــان يمكن أن تـكـون رجـــاً. أعــنــي أن الـــوهـــن الـجـسـمـي والانـــحـــال العقلي في الشيخوخة المتقدمة ليسا حـكـرا على جنس دون آخـــر، وعـلـى كل ما بين الجنسين من فـوارق قد تبرز أو تتوارى في مراحل العمر المختلفة، ففي هـــذه المـرحـلـة تـتـاشـى فــــوارق الــذكــورة والأنــــــوثــــــة ويــــتــــوحــــد طــــريــــق الــتــحــلــل نحو النهاية. لكن الكاتبة امــرأة ولعل المشاهدات الحياتية التي استقت منها الكاتبة خبرتها بالتجربة كـانـت ذات مصادر أنثوية، فمن الطبيعي أن يكون تجسيد الـخـبـرة عــن طــريــق شخصية مؤنثة. إلا أن آخــــــر مــــا كـــنـــت أتــــوقــــعــــه أن تتحول الــروايــة فـجـأة «وبــقــدرة قــادر» إلى رواية نسوية، فننسى كل ما سبق لكي تجرّنا الكاتبة على غير إرادتنا في اتجاه آخر تماما في القسم التالي من الكتاب، المعنون «هي»، الذي يستغرق صفحة من الـروايـة. وليست «هي» 65 إلا مـي فـي شبابها، حـن كانت ممثلة وكاتبة مسرحية واعدة. كنا في القسم الأول والأكــبــر مـن الــروايــة نتلقى نتفا فـــي الـــســـرد عـــن طــفــولــة مـــي وعـاقـتـهـا بأبيها وأمها.. إلخ من ضمن تداعيات الأفكار في مونولوغها الداخلي الممتد والمــــتــــأرجــــح بــــن الـــــذكـــــرى والـــنـــســـيـــان واخـــتـــاط المــلــفــات. هـــذا الـقـسـم الـثـانـي صفحة 125 ينسى مي ويقطع الصلة بـ السابقة ويحكي لنا عن «هـي» الشابة وكـــأنـــهـــا شـــخـــص غـــيـــر الـــعـــجـــوز الــتــي عـــاشـــرنـــاهـــا فــيــمــا ســـبـــق مــــن الـــكـــتـــاب. وأعـــــتـــــرف أنــــــي لـــــم أفــــهــــم الـــحـــكـــمـــة مـن هـــذه الـبـنـيـة. إلا أن مــا يثير الحفيظة الــنــقــديــة فـــعـــا هــــو مــــا أســلــفــت مــــن أن الرواية تنقلب فجأة وبدون تمهيد ولا ضـــرورة إلــى روايـــة «نـسـويـة» بالمعنى الآيـديـولـوجـي المـألـوف فهي قصة حب تــعــيــســة بــــن مــــي فــــي شــبــابــهــا ورجــــل تـجـتـمـع فــيــه كـــل مــوبــقــات الـشـخـصـيـة الــــذكــــوريــــة المـــجـــســـدة لآفـــــــات المــجــتــمــع البطريركي المضطهد للنساء عقيديا ومـمـارسـاتـيـا. مـي هـي المـــرأة الموهوبة الـذكـيـة الجميلة المـتـفـوقـة الــتــي لسوء حـظـهـا أو بـفـعـل مـــن عــمــى الـــحـــب تقع فـــي بـــراثـــن رجــــل مــخــاتــل حــســود قليل الموهبة والطموح سكيّر مقامر عنيف مستغل لـهـا ســـارق لمـالـهـا بــل ومقامر بجسدها حــن ينفد مـالـه عـلـى مـائـدة القمار، وإن كان هذا لا يكفي فهو مجبر لها على إجهاض حمل كانت متمسكة به، وإذ ترفض أن يصحبها إلى طبيب لــيــجــهــضــهــا، فـــإنـــه يــتــكــفــل بــالمــطــلــوب بضربها وركلها بوحشية حتى يسقط الجنين وتتعرض حياتها للخطر. هـــذه قـصـة مــعــروفــة ومــتــكــررة بلا حــصــر فـــي الـــــروايـــــات الــنــســويــة وغـيـر الـنـسـويـة وفـــي الأفـــــام المــيــلــودرامــيــة.. إلـــــخ. هـــل كــنــا حــقــا فـــي حـــاجـــة إلــــى أن 65 تُــعــاد عـلـى مـسـامـعـنـا عـلـى امـــتـــداد صـــفـــحـــة وحــــيــــث تُـــــصـــــور الــشــخــصــيــة الـــذكـــوريـــة تــصــويــرا مـسـطـحـا هـــي شر خالص بلا أي درجة من الرمادية، على نحو ما تمليه الآيديولوجية المبسطة التي تعتقد أن لا سبيل لتحرير المـرأة وتـعـريـة الـظـلـم المجتمعي لـهـا ونـشـره على الملأ إلا بتصوير الذكور في صورة شيطانية خالصة. لا أدري كيف وقعت نــجــوى بــركــات فــي هـــذا الــفــخ الــواضــح المكشوف؟ أكـانـت حقا فـي حاجة لتلك الـــكـــتـــابـــة الــنــمــطــيــة الـــســـاذجـــة بـــعـــد أن أبــدعــت فــي الـنـصـف الأول مــن الــروايــة فـي مـوضـوع إنساني عـام قـل مـن كتب عــنــه وصـــــــوَّره ذلــــك الــتــصــويــر الـدقـيـق غـــيـــر المـــــهـــــادن كـــمـــا فــعــلــت هـــــي. ومــمــا يـــزيـــد الـــطـــن بــلــة أنــــه لا صــلــة حـيـويـة بـن الـجـزأيـن بمعنى أن معاناة «مـي» مـــع ذلــــك الـــرجـــل المــتــوحــش لـيـسـت هي ما وصـل بها إلـى الشيخوخة والوهن الجسدي والخرف العقلي، فتلك نهاية نصل إليها جميعا على نحو أو آخر، ســـواء عشنا حـيـاة جميلة أو تعيسة، والحقيقة أن مي كانت تجاوزت تجربة شبابها المؤلمة وتزوجت من رجل طيب يحبها وأنجبت منه توأما وعادت إلى العمل والنجاح المهني. ومن هنا غياب الصلة العضوية بين الكتابة العفوية الإنـسـانـيـة الـكـريـمـة فــي الـنـصـف الأول من الرواية، والانقلاب المؤدلج الساذج فــــي الـــقـــســـم الــــثــــانــــي. تــنــتــهــي الــــروايــــة بمشهد يستدعى إلى الذاكرة عن طريق تناص لا أشك أنه مقصود – يستدعى المـــشـــهـــد الـــخـــتـــامـــي لمــســرحــيــة تـنـيـسـي ويــــلــــيــــامــــز الــــشــــهــــيــــرة «عـــــربـــــة اســـمـــهـــا ) حــيــث يـسـلـم حـــارس 1947( » الـــرغـــبـــة الـــعـــمـــارة مـــي إلــــى الـطـبـيـب ومـعـاونـيـه الـذيـن جـــاءوا ليصحبوا مـي إلــى بيت للمسنين بتعليمات من ابنيها اللذين يعيشان في أميركا. لا تعود مي تعرف الــــحــــارس ومـــثـــل «بـــانـــش ديــــبــــوا» في المـسـرحـيـة تقبل مـسـاعـدتـه قـائـلـة إنها «لـطـالمـا اعـتـمـدت على لطف الـغـربـاء». هكذا تفضي الشيخوخة بنا إلـى حال من «الغربة» عن أنفسنا وعن الآخرين والعالم أجمع. «غــــيــــبــــة مـــــــي» روايــــــــــة أفــــلــــتــــت مــن يــــد الـــكـــاتـــبـــة عـــلـــى نـــحـــو مــــؤســــف. كـــان بـــإمـــكـــانـــهـــا أن تــــكــــون روايـــــــــة أصــيــلــة متميزة فـي موضوعها وفاتحة لباب جـــديـــد فــــي الـــكـــتـــابـــة عــــن الــشــيــخــوخــة، فـــــإذا بــهــا تـنـعـطـف لـغـيـر مـــا ســبــب في «سكة الندامة» التي انتهت بها روايـة نسوية عقيدية ساذجة. من كـان يريد أن يحظى من الـروايـة بأفضل ما فيها فـلـيـتـوقـف عـــن الــــقــــراءة عــنــد الـصـفـحـة ، حيث كـان يجب على الروائية أن 126 تتوقف عن الكتابة. رشيد العناني لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لموضوع الشيخوخة بهذه الكفاءة حيث 126 حتى الصفحة كان يجب أن تتوقف حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام صــــدر حــديــثــا عـــن دار «المـــــحـــــرر»، في الـــقـــاهـــرة، كـــتـــاب «أيـــــام الــغــضــب والـــحـــب»، للروائية المصرية نهى محمود، وهو كتاب سردي لا ينتمي إلى أي من الأنواع الأدبية المعروفة، بل نصوص مفتوحة، تقف على التخوم بين السرد واليوميات والتأمل؛ لذا آثـــرت المـؤلـفـة أن تـضـع عـلـى الــغــاف أسفل العنوان كلمة «نصوص»، تحاشيا لحصر الكتاب في لون أدبي بعينه. يتكون الكتاب من خمسة عشر فصلا قصيراً، تحمل عناوين دالة مثل «الكثير من الـحـزن والإنـــدومـــي»، و«الـــرايـــات الخضراء فــــي قـــلـــبـــي»، و«الـــــحـــــب والـــغـــضـــب مــشــعــا الحرائق الـرائـعـة»، و«عــن الأشـيـاء المحببة البغيضة»، ينفتح فيها السرد على مشاعر مــتــنــاقــضــة، بـــن الـــحـــب والـــغـــضـــب والــفــقــد والأمومة والعزلة، عبر لغة تلامس تخوم الشعرية، دون أن تفقد طاقاتها السردية والحكائية، مع مـراوحـات بين تأمل الـذات وتــأمــل الـعـالـم مــن حـولـهـا، والـــوقـــوف على الـــحـــدود الـفـاصـلـة بــن مـتـنـاقـضـات شتى، كما تشير في أحد العناوين بشكل مباشر «هناك في البين بين». فهذه البينية تنتظم الـــكـــتـــاب كـــلـــه، مــــن حــيــث الـــبـــنـــاء الـجـمـالــي والــشــكــلــي لــلــنــصــوص، وأيـــضـــا مـــن حيث الموضوعات والقضايا المسرود عنها داخل هذه الوحدات السردية. فـي فـصـول الـكـتـاب، تحضر تفاصيل حـــيـــاتـــيـــة مـــثـــل عــــاقــــة الـــكـــاتـــبـــة بــابــنــتــهــا، أو بــأمــهــا، كــمــا أن ثــمــة حـــضـــورا واضــحــا لأفـــــام سـيـنـمـائـيـة مــصــريــة وعـــالمـــيـــة، كما تـبـرز أصـنـاف مـتـعـددة مــن الـطـعـام، وربـط الكاتبة بـن حـالاتـهـا وعـاقـة ذلــك ببعض الأفـــام والأطـعـمـة، فتنتقل مـن الــذاتــي إلى الموضوعي، وينفتح اليومي والعادي على الـوجـودي والنفسي، مثلما تقول في أحد المـــواضـــع «مـــــررت طــــوال الــشــهــور الـسـابـقـة بـحـالـة مــن الـتـجـمـد، ليست مـثـل تـلـك التي تصل لها الأطعمة المجمدة في الفريزر». ونــــهــــى مـــحـــمـــود كـــاتـــبـــة وصـــحـــافـــيـــة مــصــريــة. صــــدرت لــهــا روايــــــات «راكـــوشـــا» و«الـــــــحـــــــكـــــــي فــــــــــوق مـــــكـــــعـــــبـــــات الــــــــرخــــــــام» و«هــــــــاوس» و«ســــيــــرة تــوفــيــق الــشــهــيــر بـ تـــــوتـــــو»، وكـــتـــب ســــرديــــة مــنــهــا «بـــنـــت مـن ورق» و«كــــراكــــيــــب نــــهــــي»، والمــجــمــوعــتــان القصصيتان «الجالسون في الشرفة حتى تــجــيء زيـــنـــب» و«الــســيــر فـــي طـــرق ممتدة وبعيدة». مــــن أجــــــــواء الــــكــــتــــاب نــــقــــرأ: «تـــحـــتـــاج مشاعر غامضة مثل الـحـب والغضب إلى وعـــي جـمـعـي، بـشـر يـكـتـبـون عـنـهـا كـثـيـراً، ويتكلمون في حلقات حميمية أو جلسات علنية تذاع عبر وسائل التواصل وغيرها، ليشعر البشر كيف أن غيرهم أيضا يشعر بما يملأ قلوبهم، وأن الأمر لا يخص واحدا سيئ الـحـظ، وإنـمـا لعنة جماعية تصيب الجميع. أحــــيــــانــــا أو طـــــــوال الـــــوقـــــت، أضـــيّـــع ســـنـــوات مـــن عــــمــــري... أخــبــط رأســــي في الـــــبـــــاب المـــغـــلـــق ذاتـــــــــه، ولا تــــجــــيء عـلـى خاطري أي فكرة أخرى سوى الاستمرار فـــي الـــطـــرق، حـتـى يـمـر عــابــر بـالـصـدفـة، ويشير لي إلى مقبض الباب، أنظر نحو المقبض بدهشة، أديره وأخرج». القاهرة: «الشرق الأوسط»

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky