issue17394

الثقافة CULTURE 18 Issue 17394 - العدد Monday - 2026/7/13 الاثنين كمية القراءة وطبيعتها هل لا تزال الناس تقرأ؟ يـــــــكـــــــاد يـــــــكـــــــون هـــــــــــذا أكـــــثـــــر الأســــئــــلــــة تـــــكـــــرارا كـــلـــمـــا اشــتــكــى أحـد من هيمنة الهاتف المحمول أو وســـــــــــائـــــــــــل الـــــتـــــواصـــــل الاجــــتــــمــــاعــــي: هــــــل مــــــا زالــــــت الـــــــنـــــــاس تـــــقـــــرأ؟ ويــــــأتــــــي الـــــجـــــواب عـــــــــادة حـــــاســـــمـــــا: لــم يــعــد أحــــد يـــقـــرأ. لكن هذه الإجابة العجلى، عـــلـــى شـــيـــوعـــهـــا، تـخـفـي مــــفــــارقــــة تـــســـتـــحـــق الـــتـــأمـــل. فربما لم يقرأ الإنسان في تاريخه كما يقرأ اليوم كثرة. نحن نستيقظ على الكلمات، ونعمل بالكلمات، ونتواصل بالكلمات، وننام والكلمات لا تزال تلاحقنا على شاشات الهواتف. الأخبار، والرسائل، والتعليقات، والإعـــانـــات، والـتـعـلـيـمـات، والإشـــعـــارات، كلها تجعل الـــقـــراءة النشاط الأكثر حضورا في حياتنا اليومية. لذلك؛ فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ما زالت الناس تقرأ؟ بل: ماذا تقرأ؟ وكيف تقرأ؟ لقد تغيرت الـقـراءة أكثر مما تراجعت. ففي المـاضـي كانت الـقـراءة حدثا استثنائياً، يختار الإنسان كتاباً، ويجلس إليه ساعات، ويمنحه انتباهه الكامل. أمـا الـيـوم، فقد أصبحت الـقـراءة تـيـارا متصلا لا يكاد ينقطع. غير أن هذا التيار لا يمنح القارئ دائما فرصة التوقف أو التأمل. إنه يدفعه إلى الانتقال المستمر من نص إلى آخر، ومن فكرة إلى أخرى، حتى أصبحت السرعة إحدى خصائص القراءة الحديثة. ومن هنا ينبغي التمييز بين كمية القراءة وطبيعتها. فكمية القراءة تشير إلى عدد الكلمات التي يمر بها الإنسان في كل يوم، أما طبيعتها فتتعلق بالعلاقة التي يقيمها مع النص ومدى حميميتها. قد يقرأ المرء آلاف الكلمات في يوم واحد، لكنه لا يتوقف عند فكرة واحدة توقفا كافيا يسمح لها بأن تعيد تشكيل نظرته إلى العالم وللحياة. ليست المشكلة إذن في نقص المعلومات، فنحن نعيش أكثر العصور امتلاء بها. المشكلة أن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة كثرة الفهم أو عمقه. فالمعرفة ليست حصيلة ما نجمعه من بيانات، وإنما هي القدرة على إقامة العلاقات بينها، واكتشاف المعنى الذي يجمعها. ولهذا؛ كان الكتاب، في أفضل صــوره، لا يقدم أجوبة جاهزة بقدر ما يعلّم القارئ كيف يطرح أسئلة أفضل. لقد غيرت الوسائط الرقمية مفهوم القراءة نفسه. ففي الكتاب الورقي كانت البداية والنهاية واضحتين يمكن تحسسهما باليد، وكانت العلاقة بالكتاب علاقة حميمية حقاً، وكان القارئ يسير في طريق واحد رسمه المؤلف. أما على الشاشة، فإن كل صفحة تقود إلى عشرات الصفحات، وكل فكرة تستدعي إشعارا جديدا أو رابطا آخر، وقد تقاطعك الإعلانات أثناء ذلك. وهكذا أصبحت القراءة أشبه بالتجوال في مدينة لا تنتهي شوارعها. ولا ينبغي أن يكون تصورنا لهذه القضية مأساوياً؛ فهذه الحرية الهائلة فـي الـوصـول إلــى النصوص هـي إحــدى أعظم منجزات العصر، لكنها فـي الـوقـت نفسه جعلت المحافظة على الانـتـبـاه تحديا ثقافيا غير مسبوق. ولهذا؛ فإن أخطر ما يهدد القراءة ليس قلة الكتب، ولا عزوف الناس عنها، بل تآكل القدرة على المكوث مع فكرة واحدة حتى تبلغ مداها. هذا هو مربط الفرس. فالقراءة العميقة تحتاج إلى الصبر، والصبر أصبح لا يطاق في زمن الإيقاع المتسارع، وفي زمن الكم الهائل من النصوص الذي يريد أن يقتحم وعينا في كل لحظة. وحين يعتاد العقل القفز السريع بين النصوص، فإنه يربح اتساعا في الاطــاع، لكنه قد يخسر القدرة على التعمق والخروج من دائرة الفهم السطحي. وهنا لا تنقص كمية القراءة، بل يتغير شكلها ووظيفتها. ولعل أهـم ما تمنحه الـقـراءة العميقة أنها تعيد إلـى الإنسان ملكة الانتباه. والانتباه ليس مجرد تثبيت النظر على الكلمات، بل هو القدرة على الإقامة مع فكرة واحـدة حتى تستنفد ما تقوله. فالإنسان لا يفهم النصوص لأنه يقرأها بسرعة، وإنما لأنه يمنحها الزمن الذي يسمح لها بأن تكشف عن طبقاتها الخفية. وربما كانت الأزمـة الثقافية اليوم أقل ارتباطا بندرة الكتب منها بندرة الانتباه. فنحن نعيش في اقتصاد جديد تتنافس فيه التطبيقات والمنصات ووســائــل الإعـــام على الاسـتـحـواذ على أعيننا وعـقـولـنـا، حتى أصبح الانـتـبـاه نفسه مـــوردا نــــادراً. ولـهـذا تـغـدو الــقــراءة، فـي أعـمـق معانيها، مقاومة لهذا التشظي، فهي ليست مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة، بل تـدريـب يـومـي على اسـتـعـادة الـسـيـادة على الــذهــن، وعـلـى تـحـريـره من الإيقاع الذي تفرضه وفرة المعلومات. ولعل هـذا يفسر ظـاهـرة لافتة فـي حياتنا الثقافية. فنحن نتداول اليوم اقتباسات أكثر من أي وقت مضى، لكننا نناقش أفكارا كبرى أقل من ذي قبل. أصبحت الجملة القصيرة أكثر انتشارا من الحجة الطويلة، والـــعـــنـــوان أكــثــر تــأثــيــرا مـــن الــكــتــاب، والمــلــخــص أكــثــر رواجـــــا مـــن الـنـص الكامل. وليس في ذلك ما يدعو إلى الحنين للماضي بقدر ما يدعو إلى إعادة التفكير في معنى القراءة نفسها. فالقراءة ليست مجرد استقبال للمعلومات، وإنـمـا هـي تـدريـب على الإصــغــاء، وعـلـى تحمّل التعقيد، وعلى مقاومة الإغراء الدائم بالانتقال إلى الشيء التالي. ولـهـذا؛ فـإن مستقبل الـقـراءة لن يتحدد بعدد الكتب المطبوعة، ولا بعدد الساعات التي نقضيها أمام الشاشات، بل بقدرتنا على استعادة القراءة بوصفها فعلا من أفعال الانتباه. فالثقافة لا تُقاس بما نستهلكه مـن كلمات، وإنـمـا بما تتركه تلك الكلمات فينا مـن أثــر. قـد نقرأ كثيرا ولا يتغير فينا شيء، وقد نقرأ صفحة واحدة فتغيّر طريقة نظرنا إلى العالم بأسره. لذلك؛ فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: هل ما زالت الناس تقرأ؟ بل: هل ما زالت تقرأ بالكيفية التي تجعل القراءة تجربة تُعيد بناء الإنسان، لا مجرد عادة يستهلك بها الكلمات والوقت؟ فبين كثرة القراءة وجودتها، وبين وفرة النصوص وعمق التلقي، تتحدد ملامح الثقافة في عصرنا، ويتحدد معها نوع الإنسان الذي نصنعه بقراءاتنا. * كاتب سعودي *خالد الغنامي حنان سليمان تستكشف البوسنة عبر «أدب الرحلة» ثقافة ذاكرة الحرب كـثـيـرا مـــا تــبــدأ كــتــابــات أدب الـرحـلـة مــــن لـــحـــظـــات الـــســـفـــر الأولـــــــــى، أمــــــا كــتــاب «رحـلـة فـي ذاكـــرة الــحــرب» فـــإن صاحبته، الـكـاتـبـة المــصــريــة حــنــان سـلـيـمـان، تـبـدأه منذ كـانـت طفلة فـي التاسعة مـن عمرها تــجــلــس أمـــــام شـــاشـــة الـــتـــلـــفـــزيـــون، تـتـابـع أخـبـار حــرب لا تعرف عنها شيئاً، لكنها تشعر بأنَّها تخصها على نحو ما، تقول: «هناك، في البوسنة، شاهدت أولى مآسي العالم تتسلل إلـى طفولتي عبر الشاشة. وجوههم لم تُشبه وجوهنا؛ بشرة وعيون أفتح، وألسنة لا نفهمها إلا عبر الترجمة. كـــان الـبـعـد مـضـاعـفـا: جـغـرافـيـا، ولـغـويـا، وشعوريا ً». تــحــمــل الـــكـــاتـــبـــة تـــلـــك الــــحــــرب مـعـهـا فـــي جـعـبـة طـفـولـتـهـا، لـيـتـصـاعـد شغفها باستكشاف تلك الآصـرة بعد أن أصبحت صــحــافــيــة وروائـــــيـــــة، لــتــبــدو الـــرحـــلـــة إلــى «البوسنة» وكأنها امتداد طبيعي لفضول مبكر قـادهـا لإعـــداد حقيبتها للانضمام إلـــــى جــامــعـــة ســريــبــريــنــيــتــســا الـصـيـفـيـة، التي تأخذها في رحلة مكثَّفة عبر تاريخ الـــبـــوســـنـــة وحــــاضــــرهــــا، وتــــضــــم جــــولات ميدانية في المواقع التاريخية والمتاحف، ولقاءات مع نشطاء وأهالٍ. ما بعد الإبادة يــــبــــدو الــــكــــتــــاب، الـــــصـــــادر عـــــن دار «كـتـوبـيـا» للنشر بـالـقـاهـرة، قـــــراءة في آثــــــار الــــحــــرب، ومـــــا أنــتــجــتــه مــــن ثـقـافـة تحفظ الـــذاكـــرة عـبـر المـتـاحـف، والــرمــوز والــطــقــوس، والأدب. تـصـل الـكـاتـبـة إلـى سـريـبـريـنـيـتـسـا بــعــد عـــقـــود مـــن ذكـــرى الإبــــــــــــادة الـــجـــمـــاعـــيـــة الــــتــــي شـــهـــدتـــهـــا. وترصد، عبر محطات سيرها وتجوالها الـــيـــومـــي، ومــشــاهـــداتــهــا ومـاحـظـاتـهـا الـبـسـيـطـة، مــا يــربــط الــحــاضــر بماضي الـحـرب، بينما تصنع مفارقات واسعة بـــــن طـــبـــيـــعـــة المـــــكـــــان الـــجـــمـــالـــيـــة، وبـــن المــــجــــزرة الـــتـــي شـــهـــدتـــهـــا: «عـــلـــى أرض الـــبـــوســـنـــة شــــواطــــئ وشــــــــالات وجـــبـــال وأنــهــار وألــــوان مـن الـجـمـال شتى تأسر الــــعــــن، ويــــقــــوم عــلــيــهــا قـــطـــاع تـرفـيـهـي وسياحي نشط. هي أيضا مقصد عالمي لهواة التزلج. لكن يظل المعلم السياحي الأول الراسخ لها في الأذهـان هو ذاكرة الحرب، أو بالأحرى ذاكرة الإبادة». تظل حساسية الملاحظة إحدى أدوات الكاتبة لتسجيل آثار حرب البوسنة على حاضرها، وهـي الـحـرب التي اندلعت مع تـفـكـك يـوغـوسـافـيـا، وخـلّــفـت واحــــدة من أبشع مآسي أوروبا الحديثة، بما شهدته من سياسات التطهير العرقي، و«مجزرة سريبرينيتسا» التي أصبحت لاحقا رمزا للإبادة الجماعية في القارة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية. تتوقف الكاتبة عند تجربة الجامعة الصيفية الـتـي التحقت بـهـا، كـانـت توفِّر فـــي ســنــواتــهــا الأولــــــى الإقــــامــــة والـــرعـــايـــة الكاملة للدارسين من أنحاء العالم، أخذت تــفــقــد تـــدريـــجـــيـــا دعـــــم المــــانــــحــــن، خــاصــة بــعــد جــائــحــة «كـــــورونـــــا»، حــتــى تقلصت إمـكـانـاتـهـا بــصــورة لافــتــة، ولا يــبــدو هـذا التفصيل عابرا في الكتاب، بل يتحوَّل إلى سؤال عن مصير المؤسسات الثقافية التي تحفظ الذاكرة. فــا يقتصر دور تـلـك الـجـامـعـة على تــــدريــــس تــــاريــــخ الـــبـــوســـنـــة، إنـــمـــا تــــؤدي دورا ســنــويــا فـــي إحـــيـــاء ذكـــــرى «مـــجـــزرة ســريــبــريــنــيــتــســا»، إذ تــخــتــتــم بــرامــجــهــا بالمشاركة في مسيرة السلام، التي يسير خلالها المشاركون على خطى آلاف الفارين ، الأمــــر الــــذي يجعل 1995 مـــن المــــوت عــــام تــراجــع دعـمـهـا خـــســـارة تـتـجـاوز التعليم والمعرفة إلى الذاكرة التاريخية نفسها. رموز بصرية لـعـل أحـــد أبـــرز مـامـح الـكـتـاب أنَّـــه لا يقف عند توثيق الحرب، بل ينصرف إلى ما فعلته البوسنة بذاكرتها بعد الحرب، فــبــدلا مــن إزالــــة آثـــار المـــأســـاة، اخــتــارت أن تجعلها جزءا من حياتها اليومية، فترصد الكاتبة مثلا «زهور سراييفو»؛ تلك الحفر التي خلفتها القذائف في الشوارع، لتبدو كأنَّها زهور نبتت في قلب الإسفلت. تـنـظـر الـكـاتـبـة إلـيـهـا بـوصـفـهـا فلسفة كاملة في مقاومة النسيان؛ فالمدينة لم تُخف جراحها، إنما أبقتها مرئيةً، لتتحوَّل الشوارع نفسها إلى سجل تاريخي مفتوح، ومن الفكرة نـفـسـهـا تـنـتـقـل إلـــى «وردة سـريـبـريـنـيـتـسـا» التي نسجتها أمهات الضحايا لتصبح أحد بتلة تشير 11 ؛ أشهر رموز الإبادة الجماعية من يوليو (تـمـوز)، واللون الأبيض 11 إلـى الـــ يرمز إلـى بــراءة الضحايا، بينما يتوسَّطها قلب أخضر يستدعي استمرار الحياة، ليلفت الكتاب الانتباه إلى قدرة الثقافة على تحويل الحداد إلـى رمـز، والرمز إلـى ذاكــرة جماعية، بما يجعل الفن نفسه امتدادا لفعل المقاومة. لا تكتفي سليمان بتأمل تلك الرموز البصرية، التي شملت التماثيل والجداريات والمتاحف، بـــل أيـــضـــا الــبــنــيــة الــســيــاســيــة والاجــتــمــاعــيــة لـــلـــدولـــة، مــتــأمــلــة فــلــســفــة الانـــتـــمـــاء نـفـسـهـا، فـتـقـول: «تـتـسـع الأرض لـلـجـمـيـع، ولا يُمنح الانـــتـــمـــاء لـــهـــا بـــســـهـــولـــة»، وذلــــــك فــــي ســيــاق حـديـثـهـا عــن قــانــون الـجـنـسـيـة فــي البوسنة والـــهـــرســـك، الـــــذي لا يـمـنـح الـجـنـسـيـة لمـجـرد المـــيـــاد عــلــى أرض الـــبـــاد، إنـــمـــا يــشــتــرط أن يكون أحد الأبوين مواطنا بوسنياً. ومـــن خـــال هـــذا التفصيل الـقـانـونـي تفتح الكاتبة بابا للتأمل فـي مجتمع ما زال يسعى، بعد الحرب، إلى حماية توازنه الديموغرافي والديني شديد الحساسية، حــــيــــث تـــــتـــــجـــــاور الـــــهـــــويـــــات الإســــامــــيــــة والمسيحية واليهودية داخل دولة لا تزال آثار الصراع ماثلة في بنيتها السياسية، وهــــــو مـــفـــتـــاح لـــفـــهـــم عــــاقــــة الـــبـــوســـنـــيِّـــن بـــــالأرض، وبـالـهـويـة، وبــالــذاكــرة الـتـي ما زالت تحدد كثيرا من اختياراتهم. تقتفي الكاتبة أيضا ذاكرة الإبادة في الأدب، لذلك تحرص على اقتناء الروايات الــبــوســنــيــة، وتــســجــيــل مـاحـظـتـهـا حــول قــلــة تـرجـمـتـهـا إلــــى الإنــجــلــيــزيــة، وأيــضــا حضورها الضعيف في الثقافة العربية، وتُــخــصِّــص مــســاحــة لمــقــاربــات أدبـــيـــة بين تلك الأعمال، وبين أعمال أخرى مثل رواية «حـــطـــب ســـرايـــيـــفـــو» لـــلـــروائـــي الـــجـــزائـــري سعيد خـطـيـبـي، الـتـي تـسـتـدعـي بـدورهـا ذاكـــرة الـحـرب فـي الـبـلـقـان، وتكشف كيف يمكن للرواية أن تعبر الحدود الجغرافية لتلتقي الذاكرة الإنسانية نفسها. من خلال هذه القراءات يعزِّز الكتاب فـكـرة أن الأدب لا يقل أهمية عـن الوثيقة التاريخية فـي فهم المجتمعات الخارجة مــن الـــحـــروب؛ فـــإذا كـانـت المـتـاحـف تحفظ الوقائع، فـإن الروايات تحفظ ما هو أكثر هــشــاشـــة؛ الــــخــــوف، والـــحـــنـــن، والــخـيـبـة، والأسئلة التي يتركها العنف في النفوس، ومـــن هـنـا تــبــدو قــــــراءات الـكـاتـبـة الأدبــيــة جــــــزءا أصــــيــــا مــــن الــــرحــــلــــة، لا اســـتـــراحـــة بـيـنـهـا، وكـــأنَّـــهـــا تــؤمــن بــــأن الــطــريــق إلــى البوسنة يمر أيضا عبر الكتب. ومن ثم، تطرح الكاتبة تساؤلات عن غــيــاب الاســتــثــمــار الــعــربــي فـــي المـــبـــادرات الثقافية التي تحفظ ذاكـرة الإبــادة، ودعم المؤسسات المعنية بها، التي تعاني اليوم مـــن تـــراجـــع الــتــمــويــل. ويـــأتـــي هـــذا الـطـرح متناغما مع الفكرة المركزية للكتاب؛ وهي مقاومة البوسنيِّين للنسيان، عبر تحويل آثار مأساتهم التاريخية إلى لغة بصرية وأدبية وإنسانية حيّة. القاهرة: منى أبو النصر الأدب لا يقل أهمية عن الوثيقة التاريخية في فهم المجتمعات الخارجة من الحروب «ساق تحدق»... الذاكرة تقاوم الخراب عن منشورات «الاتحاد العام للأدباء ، صدرت للكاتب 2026 ، والكتاب» في العراق جمال العتابي مجموعة قصصية بعنوان 27 » صفحة، تضم 127« «ساق تحدق» في قصة قصيرة، تنعكس فيها خبرة العتابي الإبــــداعــــيــــة الـــتـــي تــمــتــد لأكـــثـــر مــــن نـصـف قـــــرن، زاوج فــيــهــا بـــن الــنــقــد الـتـشـكـيـلـي، والمــــوســــيــــقــــى، والــــــســــــرد، وهــــــو مـــــا يـفـسـر الكثافة والعمق البصري في قصصه. فـــي قــصــص الــعــتــابــي هـــــذه، تـتـحـول الذاكرة إلى وسيلة للمقاومة، حيث يوزع الكاتب الأحـــداث على شكل شـــذرات دافعا بالقارئ إلـى إعـــادة تركيبها. يتجلّى هذا في قصة «دليل الهاتف»؛ حيث يعثر البطل «كامل» على دفتر هاتف قديم يتحوّل إلى بوابة لاستعادة تاريخ من الـخـراب. يقول السارد: «حدق في السجل الذي ظل يبحث عـنـه طــــوال تـلـك المــــدة الــتــي شــهــدت مـوجـة مــن الــعــنــف... اضـطـر بسببها إلـــى الـهـرب .)5 والإفلات من الجحيم» (المجموعة تـتـحـول الأرقـــــام الـــبـــاردة إلـــى شـواهـد على حيوات تلاشت. ففي إحدى القصص، يـتـصـل كــامــل بـصـديـقـه «نـــــزار»، فيكتشف أنه أصيب بالشلل وفقد النطق، ومع ذلك يقول نزار: «تحولت إلى نصف رجل الآن... .)10 لكن ذاكرتي ما تزال حية» (المجموعة وتـخـتـصـر هـــذه الـلـحـظـة فــكــرة المـجـمـوعـة: «قد ينهار الجسد، لكن الذاكرة تبقى المعقل الأخير لمقاومة الخراب». وتستمر هذه المقاومة في قصة «بائع الــشــاي الأخـــيـــر»، حـيـث يلتقي الصديقان «حــســن وكـــريـــم» بــعــد ســـنـــوات مـــن الــفــراق والــقــمــع، ليكشف كــريــم أن الــخــوف جعله ينكر اسمه طويلاً: «كنت أخشى حتى من اســمــي يـــا حــســن، صــــار ظــلــي يـاحـقـنـي». ثــم يختم الـلـقـاء بـعـبـارة تفيض بـالـوجـع: «حسن... لو جئت لي غداً، وقلت لي مرحبا كريم مرة، أعدك سأرد... لكن لا تتأخر، فأنا .)32 بدأت أنسى شكل الحلم» (ص لا يــــتــــنــــاول الــــعــــتــــابــــي الـــــحـــــرب عــبــر الــبــيــانــات الـعـسـكـريـة، بـــل بـوصـفـهـا حـالـة وجودية تتغلغل في حيوات البسطاء. في قـصـة «ذات صـــبـــاح»، نـعـيـش حـلـم الـشـاب «خالد السلمان» الـذي جـاء إلـى العاصمة لـــــيـــــدرس، وكــــــــان يــــــــردد بـــــخـــــوف: «أخــــــاف كثيراً... أخاف أموت قبل ما (أوفي) بوعدي لأمي...». لكن حلمه يتبدد بانفجار سيارة مـــفـــخـــخـــة، وتـــــأتـــــي الــــصــــدمــــة مـــــن الــــبــــرود الإعلامي الذي نقل الكارثة بعبارة: «انتهى .)19 الخبر» (ص وفي قصتي «خط النار»، يرفع الكاتب الـقـنـاع عــن الــشــعــارات الـسـيـاسـيـة الكبرى الـتـي تـحـول الــحــروب إلـــى مـقـبـرة للفقراء، بينما يجلس صناع القرار خلف مكاتبهم الفارهة، واصفا أجساد الجنود البسطاء بــأنــهــا «تــتــنــاثــر مــثــل الـــطـــيـــور الــذبــيــحــة» ). وفي «فرصة العمر»، تواجه 43 (العتابي السلطة الأب بـسـؤال مـخـادع: «كيف تقبل تحرم الولد من فرصة العمر في المشاركة .)45 لمواجهة العدو؟» (العتابي وتـكـتـمـل المـــأســـاة فــي «إجـــــازة تأجيل المـــوت»، حيث يقدم الجندي سالم خروفا رشوة لضابطه ليشتري أياما إضافية من الحياة. ويبلغ المشهد ذروته عندما يكتب اسـمـه بـالـلـون الأحـمـر على ظهر الـخـروف )، فـيـغـدو الــخــروف مــعــادلا رمـزيـا 53 (ص لـلـجـنـدي؛ فـكـاهـمـا يُــســاق إلـــى الــذبــح بلا إرادة، ويــصــبــح الاســـــم المــكــتــوب مـحـاولـة أخـيـرة لإثـبـات الــوجــود فـي مـواجـهـة مـوت يـــقـــتـــرب. وفـــــي قـــصـــة «بــــابــــا نــــائــــم»، تـبـلـغ المــــفــــارقــــة ذروتـــــهـــــا عـــنـــدمـــا تــســحــب طـفـلـة الغطاء عن جثمان أبيها قائلة: «بابا نائم» ). وفـــــي «مــــــوت جـــمـــيـــل»، يـفـضـح 93 (ص الكاتب تجميل القتل بسخرية ســوداء؛ إذ تـوصـف الـرصـاصـة بأنها «مغلفة بطبقة .)89 ناعمة من مركب زهري» ص ومن جهة أخـرى، تحضر المدينة في المجموعة كائنا حيا يتألم ويشيخ بفعل الحصار؛ إذ تظهر بغداد في «بائع الشاي الأخير»، وهي ترزح تحت وطأة الاغتراب، ويصف الكاتب شارع المتنبي بقوله: «كان شارع المتنبي يتنفس بصعوبة ينوء بثقل الحصار... كانت الكتب كالأشلاء تئن من الجوع معروضة على أرصفة الشارع» (ص ). إن تـشـبـيـه الـكـتـب بـــالأشـــاء يـوضـح 29 عمق الانهيار الثقافي والاقتصادي. وفي قصة «أمـل في ســروال»، يتناول الـــكـــاتـــب الـــتـــحـــولات الــطــبــقــيــة عـــبـــر ســـوق المـــابـــس المـسـتـعـمـلـة (الـــبـــالـــة)، حــيــث «كــل ) صاحبها 48 قطعة تحمل قصة» (العتابي الأول. فيجد المشتري الفقير نفسه مجبرا على ارتـــداء تـاريـخ شخص مجهول. وفي مقابل هذا الخراب، يلتفت الكاتب في قصة «فـــقـــدان سـلـسـلـة» إلـــى دفء الــريــف ممثلا بــنــهــر الــــغــــراف ومـــدرســـتـــه الـــقـــديـــمـــة الــتــي «لـيـسـت بـنـايـة مـــن حــجــر، إنــمــا روح حية تنبض وسط الطبيعة، على ضفاف نهر لا .)100 يعرف التوقف» (ص يبلغ جـمـال الـعـتـابـي ذروة اشتغاله الـــفـــنـــي حــــن يـــمـــنـــح الأشـــــيـــــاء والأعــــضــــاء المــــبــــتــــورة الــــــقــــــدرة عـــلـــى الــــــكــــــام، فــتــغــدو شخصيات فاعلة تكشف ما عجز الإنسان عــــن قــــولــــه. فـــفـــي قـــصـــة «ســــــاق تــــحــــدق» لا تبقى الساق المبتورة مجرد عضو مفقود، بــل تـتـحـول إلـــى شــاهــد حــي عـلـى الــخــراب العراقي؛ إذ تخاطب الطبيب بقولها: «هذا وطني يتناثر في أبهاء الريح ما بين قتيل .)118 فـــي الـــســـاحـــات وبــــن جـــريـــح» (ص بهذا الخطاب تنتقل الساق من أنَّها جزء مـن الجسد إلـى ضمير جمعي يستحضر الــــوطــــن الــــجــــريــــح، ثــــم تــســتــعــيــد ذكــــريــــات الــــركــــض وصــــعــــود الـــجـــبـــال لـــتـــغـــدو عـيـنـا ســاهــرة تـحـدق فــي بـشـاعـة الــحــرب وتـديـن صُنّاعها. * كاتب عراقي *د. جاسم حسين الخالدي النص الكامل على الموقع الإكتروني

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky