Issue 17394 - العدد Monday - 2026/7/13 الاثنين الإعلام 17 MEDIA د. ياسر عبد العزيز بيئة «ريديت»، بما تنطوي عليه من مجتمعات دقيقة التخصّص، تتيح الوصول إلى المستخدم المهتم فعلا بالموضوع، لا إلى جمهور عام ترند قبل أن يُقوِّض الذكاء الاصطناعي عالم الصحافة يبدو المشهد الصحافي اليوم في سباق مختلف تماما عما عرفته الأجيال السابقة من الصحافيين؛ فبعدما كانت المـنـافـسـة الـحـقـيـقـيـة تــــدور حـــول مَـــن يـسـبـق الآخــــر فـــي نشر الخبر، صارت الرهانات اليوم أعمق وأخطر: أن يجد القارئ سببا وجيها لزيارة موقع صحيفة بعينها أصلاً. فقد تكفلت أدوات الــذكــاء الاصـطـنـاعـي، ومُــلـخـصـات مـحـركـات البحث، بمنح المستخدم إجابته الكاملة قبل أن يغادر صفحة النتائج، فيغلق المُتصفح مرتاحا دون أن يطأ عتبة أي موقع إخباري. هـذا التحوُّل ليس رأيـا عابرا ولا مجرد تخوُّف؛ بل هو واقـع توثِّقه نتائج دراســات موثوقة؛ فقد وجـد مركز «بيو» للبحوث -عبر تتبع آلاف من عمليات البحث- أن نسبة النقر في المائة حين يظهر 8 على الروابط التقليدية تهبط إلى نحو في المائة في 15 مُلخص ذكاء اصطناعي أعلى النتائج، مقابل غيابه. أما تقرير «معهد رويترز لدراسة الصحافة» الأخير، فقد كشف أن حركة الـزيـارات القادمة من بحث «غوغل» إلى في المائة خلال 33 المواقع الصحافية تراجعت عالميا بمعدل في 38 عام واحد، وبلغ التراجع في الولايات المتحدة وحدها المائة. ولم تسلم المؤسسات الكبرى من هذا التراجع؛ فصحيفة «نيويورك تايمز» تقول إن حصة البحث من إجمالي زوارها في المائة بحلول 37 إلى 2022 في المائة عام 44 تقلصت من العام الماضي، بينما اضطرت مؤسسة «بيزنس إنسايدر»، 20 بعد تراجع حـاد في حركتها البحثية، إلـى تسريح نحو في المائة من موظفيها. الـخـطـورة هنا لا تكمن فـي مجرد تـبـدُّل الأرقــــام؛ بـل في انقلاب المعادلة الاقتصادية التي قـام عليها الإعــام الرقمي منذ ولادته: مقايضة المحتوى بالزيارة، والزيارة بالإعلان أو الاشتراك. فحين تحصل الأدوات الذكية على المعرفة من رحم المحتوى الصحافي ثم تقدِّمها للجمهور مجانا ودون إحالة، يتحول العمل الصحافي إلى مادة خام تُستهلك قيمتها في الخفاء، بينما تجف مصادر تمويله في العلن. من 7 وقد بلغت هذه الظاهرة من الاتساع أن ما يقارب عمليات بحث باتت تنتهي دون أي نقرة على الإطلاق، 10 كل وفق تقديرات متعددة لشركات تحليل حركة «الويب». بَيد أن الاستسلام لهذا الواقع ليس قدرا محتوماً، فثمة مسارات عملية آخذة في التبلور لدى المؤسسات الأكثر يقظة. أولـهـا الاستثمار فيما لا يستطيع الـذكـاء الاصطناعي اخــتــزالــه بـسـهـولـة، أي: الـتـحـلـيـل الـعـمـيـق، والــــــرأي المُــسـنـد، والتحقيقات الأصيلة الـتـي تحمل بصمة كاتبها وسلطته المعرفية، بدل الاكتفاء بسرد وقائع قابلة للتلخيص الآلي. وثانيها بناء علاقة مباشرة مع الجمهور، عبر النشرات البريدية والتطبيقات والعضويات، بما يقلل الاتـكـال على محركات البحث كبوابة وحيدة للوصول. وثالثها تنويع الأشـكـال نحو الفيديو و«البودكاست» والمحتوى التفاعلي، الذي يستدعي بطبيعته زيارة فعلية لا مجرد قراءة عابرة لمُلخص. ورابــعــهــا الـــدفـــع نـحـو أطـــر تنظيمية وتــعــاقــديــة، تُــلـزم شركات الذكاء الاصطناعي بترخيص المحتوى أو مشاركة الــعــائــد، عـلـى غــــرار مـــا بــــدأت تـطـالـب بـــه تـحـالـفـات نـاشـريـن أوروبية وأميركية أمام الجهات التنظيمية. وخـــامـــســـهـــا -وربــــمــــا أهـــمـــهـــا- تـــرســـيـــخ الـــثـــقـــة والـــهـــويـــة التحريرية كقيمة تـجـاريـة بحد ذاتــهــا، بحيث يصبح اسم المـؤسـسـة سببا كافيا لـلـزيـارة؛ لا وسيلة مـــرور عـابـرة نحو إجابة جاهزة. إن مــا يــجــري فــي هـــذا الإطــــار لـيـس مــجــرد أزمــــة تقنية عـابـرة؛ بـل هـو اختبار وجـــودي لمعنى الصحافة ذاتـهـا، في عصر تُــخـتـزل فيه المـعـرفـة فـي إجـابـة فـوريـة بـا مـصـدر ولا سياق ولا مساءلة. وحين يغيب المصدر، يغيب معه الضامن الأول لصدقية المعلومة ودقتها. فالتوازن المنشود لا يكمن في مقاومة الذكاء الاصطناعي ولا في مجاراته بلا تبصُّر؛ بـــل فـــي صــــون مــســاحــة مـسـتـقـلـة لـلـمـعـرفـة الأصـــيـــلـــة، تمنح الجمهور سببا يستحق الــزيــارة، وتمنح الصحافة فرصة البقاء حارسة أولى للحقيقة، لا هامشا ثانويا في هوامش الخوارزميات. والــشــاهــد أن صـنـاعـة الـصـحـافـة الـــيـــوم تـــواجـــه واحـــدة مـــن أخــطــر المـــفـــارقـــات فـــي تـــاريـــخ الإعـــــام الــحــديــث. فـالـذكـاء الاصــطــنــاعــي الــــذي يــبــدو وكـــأنـــه يـفـتـح أبـــــواب المــعــرفــة على مـصـاريـعـهـا، قـــد يــكــون فـــي الـــوقـــت نـفـسـه أكــثــر مـــن يُضعف المؤسسات الصحافية التي تُنتج تلك المعرفة من الأساس. والأخــــطــــر مـــن ذلــــك أن الــــذكــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي لا يكتفي بمنافسة الصحافة على الجمهور؛ بل ينافسها باستعمال المـــادة التي أنتجتها هـي. فهو يعيش على نظام معرفي لم يُسهم في تمويله بالقدر الكافي. إنه يستهلك أكثر مما ينتج، ويستفيد أكثر مما يستثمر. وهـذه معادلة قد تبدو مربحة في المدى القصير؛ لكنها تحمل في داخلها بذور أزمة عميقة. فلا يمكن لأي منظومة أن تستمر في استنزاف مصدر غذائها دون أن يضعف ذلك المصدر أو يضمر. ولـــــهـــــذا، فــــــإن الـــقـــضـــيـــة لـــيـــســـت دفــــاعــــا رومـــانـــســـيـــا عـن الصحافة، ولا هجوما على تغوُّل الذكاء الاصطناعي، بقدر ًما هي دفاع عن استدامة النظام المعرفي كله. مليار مستخدم شهريا 1.1 تخطّت المنصة الأميركية 2025 مع مطلع «ريديت»... صعود ظاهرة راهن الجميع على تجاهلها حـــن كــــان يـــذكـــر الــفــرنــســيــون شـبـكـاتـهـم الاجـــتـــمـــاعـــيـــة، نــــــادرا مـــا كــــان اســــم «ريـــديـــت» يقفز إلى الألسنة. إذ ظلّت المنصة الأميركية، لــــســــنــــوات طـــويـــلـــة، حــبــيــســة صـــــــورة نـمـطـيـة أســــهــــمــــت فـــــي تـــهـــمـــيـــشـــهـــا، كـــمـــلـــجـــأ لـــعـــشّـــاق الـبـرمـجـة والألـــعـــاب مـــن الــشــبــاب المـهـووسـن بالتقنية فقط. أمــــا الـــيـــوم، فــقــد انـقـلـبـت الـــصـــورة رأســـا على عـقـب، وصـــارت المنصة الـتـي وُلـــدت على الـهـامـش مـن أكـثـر المـنـصّــات الرقمية حيوية. وتـــحـــوّلـــت مــــن فـــضـــاء يــمــثــل «ثـــقـــافـــة فـرعـيـة هامشية» يُنظر إليها بعين الريبة، إلى فضاء إعــامــي مـحـتـرَم تقصده الـعـامـات التجارية وتــراقــبــه غـــرف الـتـحـريـر. وبـالـفـعـل، تختصر هذا الانقلاب أرقــام متصاعدة، وموجة إقبال فرنسية استثنائية تستحق التوقّف عندها. من الظل إلى الواجهة ، حين أطلق شابّان 2005 بدأت القصّة عام أميركيان من خرّيجي جامعة فيرجينيا، هما ستيف هفمان وأليكسيس أوهـانـيـان - الـذي هو بالمناسبة زوج نجمة كرة المضرب العالمية فانيسا ولـيـامـز -، مـوقـعـا مـتـواضـعـا لتبادل الـروابـط والنقاشات التقنية برعاية حاضنة «واي كومبيناتور». مـن تلك الـبـذرة نشأت شبكة واسـعـة من المــجــتــمــعــات المـــصـــغّـــرة المـــعـــروفـــة بــــ«الـــســـاب- ريــــــديــــــت»، لــــكــــل مـــنـــهـــا مــــوضــــوعــــه وقــــواعــــده الــخــاصــة، ويــتــولّــى إدارتـــهـــا مــتــطــوّعــون. أمـا تـرتـيـب ظــهــور المـــشـــاركـــات، فـهـو يــجــري وفـق نـظـام تـصـويـت يـرفـع الـجـيّــد ويطمر الـــرديء. وحـتـى الـيـوم ظـل نـشـاط المنصة يعتمد على عـــمـــل آلاف المــــشــــرفــــن المــــتــــطــــوّعــــن؛ وهــــــؤلاء يـراجـعـون التعليقات ويـحـرصـون على مناخ الثقة داخــل مجتمعاتهم، في نـمـوذج يستند إلــى المـشـاركـة لا إلــى رقــابـة مـركـزيـة تـُـمـلَــى من فوق. هــــــذه الـــبـــنـــيـــة الــــتــــي لـــطـــالمـــا عُــــــــدَّت عـبـئـا يبطئ انتشار الموقع بين عامّة الـنـاس، باتت الـيـوم ســر قــوّتــه. وبـعـد ســنــوات أرهـقـت فيها المنصّات الكبرى مستخدميها بخوارزمياتها ومحتواها المصقول حتى فقد عفويته، عاد الناس يبحثون عمّا افتقدوه: أي مكان للحوار المـتـأنّــي، ولطلب النصيحة، ومقارنة تجارب حقيقية نـابـعـة مــن أفــــراد صـادقــن بـعـيـدا عن المـــنـــصّـــات الأخـــــرى ومـنـطـقـهـا الـــربـــحـــي. وفــي هـــذا المــفــتــرق وجـــد مــوقــع «ريـــديـــت» موضعه الطبيعي، بعدما كانت عزلته النسبية تُحسب عليه لا له. الأرقام المذهلة لتطور «ريديت» لأخـــذ فـكـرة عــن هـــذا الــنــجــاح، نشير إلـى تـــخـــطّـــت مـــنـــصّـــة مــوقــع 2025 أنـــــه مــــع مــطــلــع «ريديت» عتبة المليار ومائة مليون مستخدم شهرياً، ونحو مائة وثمانية ملايين مستخدم يومياً، حتى باتت - حسب منصّة «سيمراش» لتحليل المـــواقـــع ســـادس أكـثـر مــواقــع العالم زيارة، سابقة موقع «ويكيبيديا» نفسه. وتــــــؤكّــــــد أرقــــــــــام الــــشــــركــــة هـــــــذا الـــنـــضـــج بوضوح. فقد دخلت بورصة «وول ستريت» قبل سنتين وحقّقت أرباحها الأولى. ثم جاءت لتؤكّد قوّتها؛ إذ 2026 نتائج الربع الأول من 69 مليون دولار، بزيادة 663 بلغت إيراداتها مليوناً 625 في المائة عن السنة السابقة، منها من الإعلانات وحدها. 204 كذلك حقّق الموقع ربحا صافيا بلغ مـــايـــن دولار بـــعـــد ســــنــــوات مــــن الــخــســائــر. ولـــم يـكـن هـــذا نـجـاحـا عــابــراً، بــل كـــان امــتــدادا لـسـبـعـة فـــصـــول مـتـتـالـيـة تـــجـــاوز فـيـهـا نـمـوّه فـي المـائـة. وهـنـا، يلخّص ستيف هفمان، 60 المـــؤسّـــس والــرئــيــس الـتـنـفـيـذي لـلـمـوقـع، هـذه المـفـارقـة بـقـولـه: «لا وجـــود لــذكــاء اصطناعي من دون ذكاء حقيقي؛ فالمعرفة لا بد أن تأتي من مكان ما، و(ريديت) أحد أهم مصادرها». ومــن ثــم، وصــف هفمان منصّة موقعه بأنّها «المكان الأكثر إنسانية على الإنترنت»، مشددا على أن ما يمنحها قيمتها في زمن المحتوى المصطنع هو بالضبط كونها فضاء «يتحدّث فيه الناس إلى الناس عمّا يعنيهم حقّاً». رسالة يقرأها المعلنون خلف هذه الأرقـام، بلا شك، تكمن رسالة يـــقـــرأهـــا المـــعـــلـــنـــون جــــيــــداً. فــبــيــئــة «ريــــديــــت»، بـــمـــا تـــنـــطـــوي عـــلـــيـــه مــــن مـــجـــتـــمـــعـــات دقــيــقــة الــتــخــصّــص، تـتـيـح الـــوصـــول إلــــى المـسـتـخـدم المـهـتـم فـعـا بـالمـوضـوع، لا إلــى جـمـهـور عـام. ذلك أن الشركات ما عادت تبحث عن الانتشار الـــواســـع وحـــــده، بـــل أيــضــا عـــن أمــاكـــن يندمج فيها الإعـــان مـع الــحــوار، فـا يـبـدو غريبا أو مُقحماً. بـل وذهـبـت «ريــديــت» أبـعـد مـن ذلـك، فـصـارت تبيع أرشيفها الـنـصّــي الـهـائـل عبر عـــقـــود تـــرخـــيـــص تُــــغــــذّي بــهـــا أنــظــمــة الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي، وفــي طليعة زبائنها «غـوغـل» و«أوبن إيه آي». صعود لافت في فرنسا إلا أن المشهد الفرنسي يبقى أشد الفصول إثارة. فبيانات مؤسّسة «ميدياميتري» تضع «ريديت»، لأول مرّة، ضمن أكبر عشر منصّات مليون 12.8 ، بـ 2025 اجتماعية في البلاد خلال زائر شهرياً، ونمو نسبته اثنين وسبعين في المائة في اثني عشر شهراً، وجمهور تضاعف خمس مـــرّات خـال خمس سـنـوات. وبالفعل، صـــارت «ريــديــت» فرنسا سـاحـة عـامـة تُطرح فــيــهــا شــــــؤون الـــســـيـــاســـة والمـــجـــتـــمـــع والــعــمــل والــســكــن والمــــــال، تــغــذّيــهــا مـجـتـمـعـات قـائـمـة على تبادل النقاش وعرض التجارب اليومية بصراحة قل نظيرها في المواقع الأخرى. وراء هذا الصعود المتميز ثلاثة أسباب: السبب الأول خطوة تقنية ذكية، وهي إطلاق ترجمة آلية فورية تنقل محتوى الموقع كاملا إلــــى الــفــرنــســيــة بــاســتــخــدام أدوات الـتـرجـمـة الـحـديـثـة، فـبـاتـت نـقـاشـاتـه تظهر فــي نتائج «غوغل» بالفرنسية. وهكذا صار كثيرون من المستخدمين يصلون إلــى المـوقـع مـن دون أن ينتبهوا إلى أنّهم يتصفّحون «ريديت». وثـــــانـــــي ســـبـــب هـــــو الـــحـــمـــلـــة الـــدعـــائـــيـــة الواسعة والجريئة التي قامت بها المنصة في شوارع أكبر المدن الفرنسية كباريس، وليون، ومرسيليا وليل، وكان شعارها «بين الغرباء، نستطيع أن نـتـبـادل أطـــراف الـحـديـث». ولقد لفتت هذه الحملة الواسعة انتباه الفرنسيين إلى هذه المنصّة التي لطالما تجاهلوها. أمّـــا الـسـبـب الـثـالـث، ولـعـلّــه الأعـمـق أثـــراً، فيعود إلــى تـراجـع منافس عـريـق هـو منصّة «إكـس»، التي فقدت نحو ستة عشر في المائة من زوّارها في فرنسا خلال سنة واحدة، وهذا بعد استحواذ إيلون ماسك عليها. إذ بلغت .2017 أدنى مستوياتها منذ بدء القياس عام وفي الفراغ الذي خلّفه هذا الانحسار تسلّلت «ريـديـت» ملتقطة حصّة من جمهور النقاش العام وتبادل الأخبار. ولكن، بجانب ما سبق ذكره، يعزو فنسان دوبوا، المسؤول عن «ريديت» في فرنسا، هذا النجاح إلى طبيعة الفرنسيين أنفسهم، قائلاً: «يـعـشـق الـفـرنـسـيـون الــنــقــاش بـشـغـف؛ وهـو مــا ينعكس فــي الشعبية المـتـنـامـيـة للموقع. وهـدفـنـا أن نــرعــى مـجـتـمـعـات يـتـحـاور فيها الناس حـول ما يهمّهم، ويطلبون النصيحة مـــن غــيــرهــم، ويــتــعــلّــمــون مـــهـــارة جـــديـــدة، أو يجدون فسحة للترفيه فحسب». مصدر غني بالمعلومات والـــواقـــع أن مــا يـزيـد مــن قيمة «ريــديــت» أنّــه غــدا، في نظر الإعلاميين، أكثر من مجرّد ظـــاهـــرة عـــابـــرة فـــي نـــمـــوّ؛ بـــل صــــار أداة عـمـل حقيقية. فهو من جهة مصدر غني بالمعلومات بفضل النقاشات والـشـهـادات التي أصبحت مــــــــادّة خـــامـــا قـــويـــة لـــلـــمـــقـــالات والــتــحــقــيــقــات والتحليلات. ومن جهة أخرى، مقياس لنبض الـــواقـــع؛ إذ يـكـشـف عـمـا تــتــداولــه مجتمعاته ومــا تتعرّض لـه مـن هـواجـس وانـشـغـالات قد تتأخّر وسائل الإعلام التقليدية في التقاطها. ولـكـن، لعل أهــم عناصر قــوة «ريــديــت» اليوم «الصدقية» التي يتمتع بها، ذلـك أن الظهور فـــي المـــوقـــع لا تـحـكـمـه الـــخـــوارزمـــيـــة وحـــدهـــا، بل عبر تقييم وتصويت المستخدمين، حيث تكتسب المشاركة قيمتها بجدارة لا بواسطة الدفع أو الدعاية. زمن الثقة... لا الصخب خـــتـــامـــا، لـــم يــبــلــغ مـــوقـــع «ريــــديــــت» هــذه المــكــانــة بـتـقـلـيـده الإعـــــام الـتـقـلـيـدي، بـــل لأنّـــه لبّى حاجة دفينة لدى جمهور سئم الشبكات الصاخبة، التي تـــروّج للاصطناع والتكلّف. فـــهـــو يـــمـــنـــح المـــعـــلـــنـــن وعـــــــدا عــــزيــــز المـــــنـــــال... هــو مـخـاطـبـة جــمــاعــات مـتـفـاعـلـة مــن غـيـر أن تبتلعها ضوضاء العالم الافتراضي. وأيضاً، يعيد إلى المستخدمين شيئا من متعة الحوار المتمهّل المتخصّص، الذي يكون أصدق أحيانا مـــن ثـــرثـــرة المـــنـــصّـــات المــهــيــمــنــة، حــيــث تُــــوزن الكلمة بجودتها لا بسرعة رواجها. ستيف هفمان (غيتي) باريس: أنيسة مخالدي شعار «ريديت» (آ.ف.ب) هل تحقّق إعادة هيكلة متاجر التطبيقات مكاسب للناشرين؟ يـبـدو أن الـنـاشـريـن سيتمكنون قـريـبـا من تحقيق عـوائـد مالية مباشرة عبر تطبيقاتهم، وكـــذلـــك الاحـــتـــفـــاظ بــبــيــانــات المـــشـــتـــركـــن، وذلـــك بموجب قواعد جديدة وضعتها «هيئة المنافسة )» بـــدءا مـن مطلع CMA( والأســــواق البريطانية يوليو (تموز) الجاري. وتتضمن القواعد إعادة هــيــكــلــة مـــتـــاجـــر الــتــطــبــيــقــات بـــهـــدف «الـــســـمـــاح للمؤسسات بتحصيل عـوائـد الاشـتـراكـات دون وسيط». قبل القرارات الجديدة، وعلى الرغم من قدرة الناشرين على بيع الاشتراكات عبر منصتي «آي » أو «أنـدرويـد»؛ فإن سياسات «أبل» iOS أو إس و«غوغل» كانت تفرض عرض المنتجات الرقمية عـبـر أنـظـمـة الــدفــع الـخـاصـة بالتطبيقات، وهـو فـي المائة 30 مـا قـد يتضمن عـمـولات تصل إلــى لصالح الشركة المالكة للمنصّة. وأيـــضـــا، قــيّــدت «أبــــل» الـطـريـقـة الــتــي يتاح لـــلـــنـــاشـــريـــن مــــن خـــالـــهـــا تـــوجـــيـــه المــســتــخــدمــن للاشتراك خارج التطبيق، وهذه قيود قد تجعل تـحـويـل مستخدمي الـتـطـبـيـقـات إلـــى مشتركين أكثر صعوبة، وتزيد من الاعتماد القسري على أنظمة الدفع التابعة للمنصات. تــأتــي قـــــرارات «هـيـئـة المـنـافـسـة والأســـــواق» عـــقـــب تــصــنــيــف مـــتـــاجـــر الـــتـــطـــبـــيـــقـــات الــتــابــعــة لـشـركـتـي «أبــــل» و«غـــوغـــل» فــي أكـتـوبـر (تشرين الأول) المـــاضـــي، ضـمـن الــشــركــات «ذات الـوضـع الاستراتيجي في السوق»، وفقا لقانون الأسواق الرقمية والمنافسة والمستهلكين، وهـو ما يعني «إمـــكـــانـــيـــة إجـــبـــار الــشــركــتــن مـــن قِـــبـــل الــجــهــات التنظيمية عـلـى الــتــوقــف عــن إســــاءة اسـتـخـدام هيمنتهما السوقية». الـتـدابـيـر الــتــي طـرحـتـهـا «هـيـئـة المـنـافـسـة» تــهــدف، فــي الـــواقـــع، إلـــى إزالــــة الـقـيـود المـفـروضـة على التوجيه، مما سيسمح للناشرين بتوجيه العملاء نحو خيارات دفع خارج منصات «أبل» و«غـــــوغـــــل»، وتــــجــــاوز الــــرســــوم الإلــــزامــــيــــة الــتــي تحددها هذه المنصات. ولـــقـــد وصـــفـــت «هــيــئــة» الــشــركــتــن بـأنـهـمـا في 90 «تـديـران احتكارا ثنائيا فعلياً، إذ تعمل المائة على الأقل من أجهزة المحمول في بريطانيا على منصاتهما». الـدكـتـور فـــادي عــمــروش، الـبـاحـث المـصـري المـــتـــخـــصـــص فـــــي الـــــتـــــحـــــوّل الــــرقــــمــــي والـــــذكـــــاء الاصطناعي التوليدي، رأى في لقاء مع «الشرق الأوســـط» أن النقطة الأهــم في هـذه الـقـرارات هي «تبني المؤسسات علاقة مباشرة مع جمهورها، وهــــي الــعــاقــة الــتــي تـفـتـقـر إلــيــهــا الـــيـــوم بسبب الاعتماد على التطبيقات». وأردف أن المستخدم حاليا يتجه إلــى التطبيق لتحميله والاشـتـراك من خلاله، بينما تُدار عملية الدفع بالكامل داخل التطبيق المقيد مـن الـشـركـتـن، بـل يمكنه إلغاء الاشتراك في أي وقت، من دون أن تعلم المؤسسة بذلك إلا في وقت لاحق. ثم أضاف: «لذلك ينبغي عــلــى المـــؤســـســـات أن تـسـتـثـمـر فـــي بـــنـــاء قــنــوات تــواصــل مـبـاشـرة مــع جـمـهـورهـا، مـثـل الـنـشـرات الــبــريــديــة، وأنــظــمــة إدارة عـــاقـــات الــعــمــاء، كي تتمكن مـن التعرف على المشتركين الأكـثـر ولاءً، وتقديم عروض ومزايا مخصصة لهم». عـــمـــروش أوضــــح أيــضــا أنـــه مـــن خـــال هـذه الــقــرارات «تنتقل العلاقة مـع العميل إلــى خـارج متجر التطبيقات، وتصبح المؤسسة قادرة على إدارة الــتــجــربــة المــشــتــركــة مــعــه بـــصـــورة أفــضــل، وزيـــــادة مــعــدلات الاحــتــفــاظ بـــه، ورفـــع الإيـــــرادات من خلال العروض الشخصية. كما يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يحلل بيانات العملاء باستمرار، ويقترح أفضل العروض لكل مستخدم، وهو ما كـــان يـصـعـب تحقيقه عـنـدمـا كــانــت الـعـاقـة مع المشترك محصورة داخل التطبيقات فقط». وتــابــع عـــمـــروش: «أعــتــقــد أن إعــــادة هيكلة مــتــاجــر الــتــطــبــيــقــات يُــمــكــن أن تــحــقــق مـكـاسـب حـقـيـقـيـة لــلــنــاشــريــن؛ لــكــن بـــشـــرط مـــهـــم، هـــو ألا تبقى الإجــــــراءات شكلية عـنـد مـسـتـوى تحسين الشفافية، بل تصل إلى كسر سيطرة المتجر على الدفع (الاشتراك)، وأن تكون العلاقة مباشرة مع القارئ». يُــذكــر أن «أبــــل» كـانـت قــد حــدّثــت إرشــــادات ) الخاص بها في App Store( » «متجر التطبيقات بهدف 2025 ) الولايات المتحدة خلال مايو (أيـار السماح للمطوّرين بتوجيه المستخدمين خارج المــنــصــة، اسـتـجـابـة لأمـــر قــضــائــي، وهــــذا بعدما رفعت شركة «إيـبـك غيمز» دعــوى قضائية ضد إثـر إزالــة لعبة «فورتنايت» من 2020 «أبــل» عـام المتجر، وتقديم خيار دفع مباشر يتجاوز عمولة الشراء داخل التطبيق. القاهرة: إيمان مبروك النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky