issue17393

حين يكون كيليان مبابي في أفضل حالاته، يصبح كل ما يفعله داخل الملعب مشبعا بإحساس يصعب مقاومته، وكأن النتيجة كُتبت سلفاً. هـذا مـا حـدث أمـام ؛2026 المغرب في ربع نهائي كأس العالم إذ لم يحتج المهاجم الفرنسي سوى نظرة واحـــدة إلــى المـدافـع عيسى ديـــوب قبل أن يـرسـل الـكـرة بـانـحـنـاءة مثالية استقرت بـــــن الــــقــــائــــم الـــبـــعـــيـــد وأطـــــــــــراف أصـــابـــع الحارس ياسين بونو. هدف مبكر لم يختصر طريق فرنسا نـحـو نـصـف الـنـهـائـي فـحـسـب، بـــل أعـــاد أيـــضـــا إشـــعـــال مــعــركــة الــــحــــذاء الــذهــبــي؛ أغلى جـائـزة فردفونتية للمهاجمين في كــأس الـعـالـم، والـتـي انتزعها مبابي من بـــن يــــدي لـيـونـيـل مـيـسـي بــعــد الـنـهـائـي الأسطوري في الدوحة قبل أربعة أعوام. لكن ما تشهده النسخة الحالية بحسب صــحـــيـــفـــة «الــــتــــلــــيــــغــــراف» الـــبـــريـــطـــانـــيـــة، يتجاوز مجرد منافسة على لقب الهداف. فالبطولة تقدم سباقا غير مسبوق يجمع أربعة من أعظم مهاجمي العصر الحديث فـــي وقـــت واحـــــد. يــدخــل مـبـابـي وميسي الـــــــدور نـــصـــف الـــنـــهـــائـــي مـــتـــســـاويـــن فـي الصدارة بعدما سجل كل منهما ثمانية أهـــــــــداف، فــــي حــــن يــــواصــــل الـــنـــرويـــجـــي إرلـيـنـغ هـالانـد المــطــاردة بسبعة أهـــداف، ويــــأتــــي الإنـــجـــلـــيـــزي هــــــاري كــــن خـلـفـهـم بستة أهـــداف، ويمتلك الفرنسي عثمان ديـــمـــبـــيـــلـــي خـــمـــســـة أهـــــــــــداف، ويـــتـــقـــاســـم الإنجليزي جــود بيلينغهام والإسباني مـيـكـل أويــــارزابــــال المــركــز الـتـالـي بـأربـعـة أهداف لكل منهما. هـــذه الأســـمـــاء وحــدهــا كـافـيـة لرسم لــوحــة تــاريــخــيــة، لـكـنـهـا لـيـسـت أكــثــر ما يلفت الانتباه. فالأرقام نفسها تكشف أن يسير في اتجاه مختلف 2026 مونديال تماما عن جميع النسخ السابقة. فمن غير المعتاد أن يصل لاعبان إلى ثمانية أهداف قـبـل أن تـبـلـغ الـبـطـولـة نـصـف الـنـهـائـي، وهو ما يجعل احتمالية تحطيم الأرقـام التاريخية أمرا واقعيا لا مجرد أمنية. ولـــســـنـــوات طـــويـــلـــة ظــــل الــــرقــــم سـتـة يمثل الحد الفاصل بـن الهدافين وبقية المهاجمين. ففي عشر نسخ من آخر اثنتي عشرة بطولة لكأس العالم، كان تسجيل سـتـة أهــــداف فـقـط كـافـيـا لـلـفـوز بـالـحـذاء الذهبي. فمنذ أن تُــوج الإنجليزي غاري 1986 لينيكر هدافا لمونديال المكسيك عام بستة أهداف، حتى الإنجليزي هاري كين بالرصيد ذاته، بقي هذا 2018 في روسيا الــرقــم أشــبــه بـالـقـانـون غـيـر المــكــتــوب في البطولة. وعند العودة إلى سجل هدافي كأس ، تتضح الـصـورة 1978 الـعـالـم مـنـذ عـــام أكــــثــــر. فـــقـــد أحـــــــرز الأرجـــنـــتـــيـــنـــي مـــاريـــو ، ثم 1978 كيمبس ستة أهداف في نسخة كرر الإيطالي باولو روسي الرقم نفسه في ،1986 ، وتبعه لينيكر في 1982 مونديال ثم الإيطالي سالفاتوري سكيلاتشي في . وفي الولايات المتحدة عام 1990 إيطاليا تـقـاسـم الـــروســـي أولــيــغ سالينكو 1994 والــــبــــلــــغــــاري خـــريـــســـتـــو ســتــويــتــشــكــوف صدارة الهدافين بستة أهداف لكل منهما. الاسـتـثـنـاء الحقيقي جـــاء بـعـد ذلـك بثمانية أعــــوام، عندما انـفـرد البرازيلي رونــالــدو فـي مـونـديـال كـوريـا الجنوبية بتسجيل ثمانية أهـداف، 2002 واليابان وهــــو الـــرقـــم الـــــذي بــقــي صـــامـــدا لـعـقـديـن كاملين. بعدها عاد الهدافون إلى معدلات أقل؛ إذ اكتفى الألماني ميروسلاف كلوزه ، ثم سجل 2006 بخمسة أهداف في ألمانيا مـــواطـــنـــه تـــومـــاس مـــولـــر خــمــســة أهــــداف ، قبل أن 2010 أيـضـا فـي جـنـوب أفريقيا يعود الرقم ستة مع الكولومبي خاميس ، ثـــم مع 2014 رودريـــغـــيـــز فـــي الـــبـــرازيـــل ،2018 الإنجليزي هــاري كـن فـي روسـيـا عندما 2022 وصـــولا إلــى مـونـديـال قطر أعاد مبابي رفع السقف بتسجيله ثمانية أهداف. مختلفة 2026 ولـــهـــذا تــبــدو نـسـخـة جذرياً. فبعد انتهاء الـدور ربع النهائي، يقف مبابي وميسي بالفعل عند الرقم الـــذي منح رونــالــدو الــحــذاء الـذهـبـي عام ، مـــــع بــــقــــاء مــــبــــاراتــــن 2002 محتملتين لكل منهما. ولم يــعــد الــــســــؤال مـــا إذا كــان أحدهما سيفوز بالحذاء الذهبي، بل ما إذا كان أي منهما سينجح في بلوغ عشرة أهداف أو أكثر، وهو إنجاز ظل لـعـقـود طـويـلـة يبدو بعيد المنال. ولا يـــــمـــــكـــــن فــــــــــــــــصــــــــــــــــل هــــــــــــــــذا الــــــــــتــــــــــحــــــــــول عـــــن طـبـيـعـة الـبـطـولـة الجديدة. فزيادة عـــدد المنتخبات، واتـــــــــــــــــــــــــســـــــــــــــــــــــــاع عــــدد المــــبــــاريــــات، والانـــتـــشـــار الــجــغــرافــي للمنافسات عبر ثـاث دول؛ كلها عوامل رفـعـت سقف الأرقــــام الـفـرديـة، حتى بات الـــــوصـــــول إلـــــى حــصــيــلــة تــهــديــفــيــة غـيـر مـسـبـوقـة احــتــمــالا حقيقياً. وإذا استمر مـــبـــابـــي ومـــيـــســـي بــــالمــــعــــدل نـــفـــســـه، فـــإن قــــد لا يــكــتــفــي بـــإنـــتـــاج 2026 مــــونــــديــــال بطل جديد، بل قد يعيد كتابة أحـد أكثر الـسـجـات الـتـاريـخـيـة رســوخــا فــي كـأس العالم، وهو سجل هداف البطولة. إذا كان الوصول إلى ثمانية أهداف فــي كـــأس الـعـالـم يُــعـد إنــجــازا نــــادراً، فـإن الـــحـــاجـــز الـــتـــالـــي أكـــثـــر صـــعـــوبــة بـكـثـيـر. ، لـم 1930 فــمــنــذ انــــطــــاق الـــبـــطـــولـــة عـــــام يـــنـــجـــح ســـــــوى ثــــاثــــة لاعــــبــــن فــــقــــط فــي تــســجــيــل عـــشـــرة أهــــــــداف أو أكـــثـــر خـــال نسخة واحـــدة. البداية كانت مـع المجري هدفاً 11 شاندور كوتشيتش الـذي أحـرز ، ثم الفرنسي جوست 1954 في مونديال فـــونـــتـــن الــــــذي لا يــــــزال يــحــتــفــظ بــالــرقــم هدفاً 13 القياسي التاريخي بعدما سجل ، قـبـل أن ينضم إليهما 1958 فــي نسخة 10 الألماني الغربي غيرد مولر بتسجيله .1970 أهداف في كأس العالم ولمدة قاربت سبعة عقود، بدا إنجاز فونتين عصيا على الاقتراب، لا سيما أن هدفا تعادل تقريبا 13 حصيلته البالغة نــصــف مـــا سـجـلـتـه الأرجـــنـــتـــن بـالـكـامـل فـي طريقها إلــى إحـــراز لقب كــأس العالم هدفا ً. 23 ، عندما أنـهـت البطولة بــــ 2022 أعــــادت فـتـح الـبـاب 2026 غـيـر أن نـسـخـة أمام احتمال كان يبدو مستحيلاً، بعدما وصل مبابي وميسي إلى ثمانية أهداف قــبــل خــــوض نــصــف الــنــهــائــي، مـــع تبقي مباراتين محتملتين لكل منهما. ويعتقد كثيرون أن السر لا يكمن في تطور الأرقام فقط، بل في طبيعة المنافسة نفسها. فحين يـدفـع أفـضـل الـاعـبـن في الـــعـــالـــم بـعـضـهـم إلــــى مــســتــويــات أعــلــى، تـصـبـح الـــحـــدود الـقـديـمـة قـابـلـة للكسر. مـــبـــابـــي يــــدخــــل هــــــذه الـــبـــطـــولـــة مـــدفـــوعـــا بـرغـبـة واضــحــة فــي مـحـو مــــرارة خـسـارة بـركـات الترجيح، فـي حين 2022 نهائي يواصل ميسي تحدي الزمن في مشاركته السادسة بكأس العالم وهو في التاسعة والثلاثين مـن عـمـره، فـي واحـــدة مـن أكثر القصص الرياضية استثنائية. وخــال مواجهة المـغـرب، ســاد القلق للحظات داخـل المعسكر الفرنسي عندما شوهد مبابي يضع كيسا من الثلج على كاحله بعد خروجه في الدقيقة السابعة والـــســـبـــعـــن، لــيــحــل مـــكـــانـــه جـــــان فـيـلـيـب ماتيتا، إلا أن المشهد الذي جمعه بالمدرب ديـــديـــيـــه ديـــشـــان بــعــد صـــافـــرة الــنــهــايــة، حيث تبادلا العناق والابتسامات، أوحى بــــأن الاســـتـــبـــدال كــــان احـــتـــرازيـــا أكــثــر من كونه نتيجة إصابة مقلقة، وهو ما منح الفرنسيين قدرا كبيرا من الاطمئنان قبل نصف النهائي. ويبدو مبابي في هذه البطولة وكأنه يــلــعــب بـــدافـــع شــخــصــي يـــتـــجـــاوز مـجـرد المـنـافـسـة عـلـى الــلــقــب. فـبـعـد الانــتــقــادات التي تعرض لها عقب مواجهة باراغواي في ثمن النهائي، وما رافقها من إساءات عـنـصـريـة صــــدرت بـحـقـه مـــن الـسـيـاسـيـة الباراغوانية سيليستي أماريا، رد داخل المـلـعـب بـالـطـريـقـة الـتـي يـجـيـدهـا، مـؤكـدا مــــرة أخــــرى أن كــــأس الــعــالــم هـــي المــســرح الذي يقدم عليه أفضل نسخة من نفسه. ورغـــــــم أنــــــه أهـــــــدر ركــــلــــة جـــــــزاء أمــــام المغرب، فإن تأثيره في المباراة كان كبيرا إلـــــى درجــــــة دفـــعـــت المـــهـــاجـــم الإنــجــلــيــزي الـسـابـق بيتر كــراوتــش، الـــذي كــان يعلق عــلــى الـــلـــقـــاء عــبــر شــبــكــة «فــــوكــــس»، إلــى وصفه بأنه أعظم لاعــب فـي تـاريـخ كأس العالم. ويـرى التقرير أن هـذا الحكم ينطوي عـلـى قـــدر كبير مــن المـبـالـغـة؛ إذ إن وضـع مبابي في قمة القائمة التاريخية لا يزال سـابـقـا لأوانـــــه، خـصـوصـا فـــي ظـــل وجـــود أسماء صنعت إرثا استثنائيا مثل بيليه؛ الــاعــب الـوحـيـد الــــذي أحــــرز كـــأس الـعـالـم ثـــاث مـــــرات، إلـــى جــانــب لـيـونـيـل ميسي، والبرازيلي رونالدو، والأرجنتيني دييغو مارادونا، والألماني فرانتس بيكنباور. ومع ذلك، فإن الأرقـام التي يحققها المهاجم الفرنسي تفرض نفسها بقوة. فقد أصبح في وقت سابق ثاني مراهق فــــي الـــتـــاريـــخ يــســجــل فــــي نـــهـــائـــي كـــأس العالم بعد بيليه، كما أصبح ثاني لاعب فقط يحرز ثلاثية فـي المـبـاراة النهائية بـعـد الإنـجـلـيـزي جـيـف هـيـرسـت. والآن يقف على أعـتـاب إنـجـاز آخـر قـد يجعله أول لاعــــب فـــي الـــتـــاريـــخ يـــفـــوز بــالــحــذاء الذهبي في نسختين مختلفتين من كأس العالم. وتــــــزداد هــــذه الأرقــــــام إبـــهـــارا إذا ما نُــظـر إلـيـهـا فــي سـيـاق مسيرته الـدولـيـة. فمبابي، وهو في السابعة والعشرين من هدفاً، وصنع 64 عمره، سجل حتى الآن هدفا مع المنتخب الفرنسي، ليصبح 38 أكــثــر الــاعــبــن الـفـرنـسـيـن مـسـاهـمـة في التسجيل تهديفا وصناعة. والأكثر إثارة 20 أنــه رفــع رصـيـده فـي كــأس العالم إلــى مــبــاراة فـقـط، وهـــو معدل 20 هـدفـا خــال تهديفي يكاد يكون مثاليا في أكبر بطولة كروية على مستوى المنتخبات. ومـــــــع وصـــــــــول فــــرنــــســــا إلـــــــى نــصــف الـنـهـائـي لـلـمـرة الـثـالـثـة تــوالــيــا، يـواصـل مـبـابـي كـتـابـة فـصـل جــديــد فـــي مسيرته الــــدولــــيــــة، فــــي حــــن يـــقـــتـــرب مــــن رقـــــم لـم ينجح أحد في الاقتراب منه منذ عشرات الـسـنـن. وربــمــا يـكـون الــســؤال الحقيقي الآن ليس إن كان سيحرز الحذاء الذهبي مرة أخرى، بل إلى أي مدى يستطيع دفع حدود الممكن، وما إذا كانت الأيام القليلة المقبلة ستشهد سقوط أحـد أكثر الأرقـام التاريخية صمودا في كأس العالم، وهو الــــرقــــم الــــــذي ظــــل اســـــم جـــوســـت فــونــتــن .1958 مرتبطا به منذ عام يدخل مبابي وميسي الدور نصف النهائي متساويين في الصدارة بعدما سجل كل منهما ثمانية أهداف SPORTS 20 Issue 17393 - العدد Sunday - 2026/7/12 الأحد 2026 مونديال 1958 رقم الفرنسي جوست فونتين القياسي لا يزال صامدا منذ مونديال مبابي يقترب من كتابة التاريخ... وسباق «الحذاء الذهبي» يبلغ ذروته مبابي قد يسجل أكثر في نصف النهائي (أ.ف.ب) أتلانتا (الولايات المتحدة): «الشرق الأوسط» مبابي يحتفل أمام عقب تسجيله هدفا ضد المغرب (د.ب.أ) ديشان يعتمد على مبابي بشكل كبير (أ.ف.ب) سباق الهدافين يشتعل والضحية حراس المرمى (أ.ف.ب) مبابي وضع على قدمه ثلجا ليخفف وطأة الإصابة (أ.ف.ب)

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky