issue17393

الثقافة CULTURE 17 Issue 17393 - العدد Sunday - 2026/7/12 الأحد أحمد عبد المعطي حجازي هذا الانطباع في حاجة لاختبار فـي هــذه الأيـــام الـتـي وجـــدت فيها نفسي أكـتـب عـن علاقتنا الثقافية، نحن المـشـارقـة بأشقائنا المـغـاربـة وعــن معرفتهم بـنـا، وأقـــرأ مـا لــدي مـن أعـمـال أدبية وتاريخية تدور حول هذه العلاقة - وأبحث عما لا أملكه من أعمال أقرأ عنها فيما لدي - في هذه الأيـام أكتشف أن ما كنت أعرفه عن المغرب العربي وثقافته قليل جداً، فضلا عن أنه لم يكن حصيلة جهد مبذول وتمييز بين المهم والأهم، وأن خلف القليل الشائع عندنا في المشرق تراثا مغربيا ثريا كمّا وكيفاً. وفي ظني أنني لست المشرقي الوحيد الذي لم يقدر له أن يعرف هذا التراث، وإنما أنا واحد ممن لا يعرفونه، وهم ليسوا قليلين. وهذا انطباع قلت في المقالة السابقة إنه خطأ وطالبت بتصحيحه. لكنني أرى أننا نحتاج قبل الحكم عليه لاخـتـبـار صحته ومـعـرفـة مـــداه إلـــى مـعـلـومـات دقـيـقـة نـرجـع فيها لـــدور النشر، والمكتبات، والمناهج الدراسية، والدراسات الأكاديمية، والبرامج الإذاعية. وهذا ما نفتقر له، لأن أحدا لم يقم به حتى المؤسسات المختصة وأولاها المنظمة العربية للتربية والثقافة التابعة للجامعة العربية. وغـيـاب هــذه المعلومات سبب من الأسباب التي تدعو لإساءة الظن بالإنتاج الثقافي في المغرب ولغيابه في المشرق. هذا الغياب ليس جديداً، وإنما هو كما ذكرت في المقالة السابقة غياب مزمن، لأننا ننظر في التراث العربي القديم والحديث فنرى أن إسهامات المغاربة لا تلقى في المشرق ما تستحقه من الحفاوة التي تلقاها إسهامات المشرق في المغرب. وأنا هنا لا أطلب معاملة بالمثل، لأن الذي يقدمه هؤلاء وهؤلاء إسهامات مشتركة في ثقافة قومية واحدة، فإذا كان هناك تفسير للواقع الذي أتحدث عنه فهو أن المشرق بالنسبة للمغاربة هو المنبع الذي جاءت منه الثقافة العربية الإسلامية ودخلت أقطار المغرب والأندلس وانتشرت فيها وأصبحت تراثا للمغاربة كما هي تراث للمشارقة. لكن هذا التصور يحتاج لشيء من المراجعة؛ لأن الذي حدث في المغرب حدث في المشرق الذي تعرّب وأسلم هو والمغرب في وقت واحد تقريبا على أيدي الفاتحين العرب الذين بدأوا مسيرتهم حاملين لغتهم وعقيدتهم في ثلاثينات القرن السابع الميلادي فلم يمض أكثر من سبعين عاما على خروجهم من الجزيرة العربية حتى فتحوا ما بين الخليج والمحيط. غير أن ارتـبـاط الثقافة العربية بـالإسـام الذي اعتنقه المغاربة بسرعة، فضلا عن السلطة التي بدأت مع الراشدين في الجزيرة، ثم انتقلت مع الأمويين إلى الشام، وبعدهم مع العباسيين إلى العراق، هذا التاريخ يعطي المشرق مكانه الذي يحج إليه المغاربة وينتظرون ما يصل إليهم من فقهه وأدبه وعلمه. وقد رأيتم في المقالة السابقة ما ذكره الشاعر والكاتب الأندلسي ابن عبد ربه عن تراث المشرق في كتابه «العقد الفريد». وشبيه به ما قاله ابن خلدون الذي قرأت له هو أيضا رأيا في المغاربة والأندلسيين يقول فيه إن البداوة كانت غالبة على أهل المغرب والأندلس، ولم يكونوا يعانون الحضارة التي لأهل العراق! *** ولا شـك فـي أن إسـهـامـات المـشـارقـة لها مكانها المـعـلـوم ودورهــــا الـبـنـاء في الثقافة العربية فـي المـاضـي والـحـاضـر. لكن هــذا لا يـبـرر أن ننسى الإسـهـامـات المغربية التي لم تكن مجرد إضافات كمية، وإنما كانت إلى جانب هذا إضافات كيفية أبدعها الأندلسيون والمغاربة، واحتضنها المشارقة الذين كانوا في كثير من الأحيان يبدأون فلا تكاد أعمالهم تصل إلى المغرب والأندلس حتى تجد من ينتظرونها بشوق، ويواصلون العمل فيها، ويضيفون لها ما يغنيها كمّا وكيفاً. الشعر الـعـربـي بــدأ كما نـعـرف فـي الـجـزيـرة الـعـربـيـة، ووصـــل إلــى مـا وصل إليه مـن غنى وانتشار على أيــدي الأخـطـل، وبـشـار، وأبــي نـــواس، وابــن الـرومـي، والبحتري، والمتنبي، وأبي العلاء، فإذا لم نجد في المغرب والأندلس من يضارع هـــؤلاء فـسـوف نـجـد شـعـرا آخـــر لــه مـامـحـه الــخــاصــة، وعــالمــه المـتـمـيـز، وصـــوره، وموسيقاه. وهو مع ذلك شعر عربي أصيل نقرأه في دواوين ابن هانئ، وابن عبد ربه، وابن زيدون، وابن حمديس الصقلي، والحُصْري صاحب القصيدة الشهيرة التي يقول في مطلعها: يا ليلُ، الصب متى غده؟ أقيام الساعة موعده! وقـد عـارض هـذه القصيدة أو نظم على منوالها أمير شعراء العصر أحمد شوقي قصيدته التي لحنها وغناها محمد عبد الوهاب: مضناك جفاه مرقده وبكاه ورحَّم عُوَّده. والمجال لا يتسع للحديث عن بقية شعراء القيروان الذين يعدون بالعشرات، ومنهم الحُصْريّ، وابن رشيق، وابن شرف الذين نقرأ شعرهم فنجد فيه ما نجده في شعر الأندلسيين؛ عذوبة، وأناقة، وموسيقى هزت المتنبي حين استمع لشعر ابن عبد ربه فأرسل إليه في الأندلس من يحدثه عن إعجابه به. والمعروف أن شعراء فرنسا في العصور الوسطى، خاصة شعراء التروبادور في الجنوب المتاخم لإسبانيا، تأثروا بالشعر الأندلسي ونقلوا عنه القافية التي لم تكن موجودة في الشعر الفرنسي من قبل. والذي نقوله عن الشعر نقوله عن الفلسفة العربية التي بدأت في المشرق مع الكندي، والفارابي، وابن سينا، ثم انتقلت إلى الأندلس حيث وصلت إلى القمة فيما قدمه ابن رشد. والذي رأيناه في الشعر والفلسفة نراه في الموسيقى العربية التي حملها زرياب إلى الأندلس فتطورت وعرفت أشكالا لم تعرفها في المشرق، وظلت حية مسموعة إلى اليوم تقدمها في المغرب والجزائر فرق خاصة وتسمى هناك «الآلة». *** وكــمــا أن المــشــارقــة يـــبـــدأون والمـــغـــاربـــة يـــواصـــلـــون، فــالمــغــاربــة كــذلــك يــبــدأون والمشارقة يواصلون. المــوشــح الأنــدلــســي كـمـا نــعــرف جميعا وكــمــا يـعـلـن بـاسـمـه عــن أصــلــه ظهر للوجود في الأندلس، والفضل كما يعتقد مؤرخو الأدب لشاعر ضرير عاش في القرن التاسع الميلادي وهو محمد بن حمود القبري. لكنه وصل إلى تمام نضجه على يد الشاعر عبادة بن مـاء السماء الـذي عـاش في العقود الأخـيـرة من القرن العاشر والأولى من القرن الحادي عشر، وأصبح محتاجا لمن يكشف عن أوزانه، لأن الحرية التي نظم بها بعض الشعراء موشحاتهم أعفتهم من الالتزام ببحور الشعر المـعـروفـة، ومـن هنا احـتـاج المـوشـح لمـن يحدد أشكاله ويستنبط قواعده ليهتدي بها الشعراء والنقاد إذا نظموا الموشح أو تحدثوا عنه. وهذا هو الدور الذي نهض به الشاعر المصري ابن سناء الملك في كتابه الذي سماه «دار الطراز في عمل الموشحات». وسوف نواصل هذا الحديث. خمس حكايات نسائية فــــي روايــــتــــهــــا الأولــــــــى «قــــطــــة الـــســـيـــدة نفيسة»، تشتبك الكاتبة الصحافية سها الـسـمـان مـع الـقـاهـرة الـتـاريـخـيـة، بوصفها فـــــضـــــاء مـــشـــبـــعـــا بــــالــــروحــــانــــيــــة والــــــذاكــــــرة الشعبية والـقـصـص الإنـسـانـيـة، مــن خـال ســيــرة الـشـخـصـيـة الـرئـيـسـيـة «فـــــرح» الـتـي يـــتـــقـــاطـــع مـــصـــيـــرهـــا مـــــع خـــمـــس حـــكـــايـــات نسائية لخمس شخصيات تتعرف عليهن في رحاب مسجد السيدة نفيسة. تـمـر الـبـطـلـة بـتـجـربـة خــاصــة مـربـكـة، وروايـــة متعثرة تـحـاول أن تجد لها فكرة، وورطــــة تـرتـبـط بـاتـفـاق غــريــب مــع صديقة والـــدتـــهـــا، ولـكـنـهـا ســـرعـــان مـــا تـكـتـشـف أن المــــكــــان يـــفـــتـــح أمـــامـــهـــا أبـــــوابـــــا إلـــــى وجــــوه وحكايات لم تكن في الحسبان؛ إذ تتبدى لـــهـــا مـــشـــكـــات الآخـــــريـــــن بـــوصـــفـــهـــا مـــرايـــا تكشف هشاشتها وأسئلتها المؤجلة. يـحـمـل عــنــوان الـــروايـــة دلالــــة مـركـزيـة، فـالـقـطـة لـيـسـت مــجــرد تفصيلة عـــابـــرة في فضاء المكان، وإنما هي رمز لكائن صامت يــــراقــــب ويـــتـــحـــرك بــــن الــــنــــاس ويــلــتــقــط مـا يـخـفـونـه. ومـــن هـــذه الـــزاويـــة تــبــدو البطلة شبيهة بـالـقـطـة: تـقـتـرب مــن الشخصيات، تنصت إلــى اعـتـرافـاتـهـم، وتتعرف على ما وراء الأقنعة اليومية، كما تبدو في بحثها عن روايتها، كأنها تبحث في الوقت نفسه عـــن لــغــة جـــديـــدة لـفـهـم حـيـاتـهـا ومــواجــهــة مخاوفها. وعبر رصد تنوع الطبقات الاجتماعية والــهــمــوم الـصـغـيـرة والأســئــلــة الــوجــوديــة، تــــقــــتــــرب الــــــــروايــــــــة مــــــن مـــــعـــــانـــــاة الــــنــــســــاء وضغوطهن الخفية، عبر الحاجة الإنسانية الدائمة إلـى من يسمع ويمنح الأمــل، وهي بـــذلـــك تـــقـــدم حــكــايــة عـــن الـــخـــاص المــمــكــن، بـعـيـدا عــن المـعـجـزات الــجــاهــزة، ومـــن خـال الإنـــصـــات بـصـدق لـصـوت الــــذات والـتـمـاس المباشر والحميم مع أرواح الآخرين. ومن أجواء الرواية نقرأ: «سامح كان الحياة بالنسبة لي، كنت لا أتوقف لحظة عن تمجيده والاستماع إلى كـل مـا يطلبه مني وأنــفــذه، فهو لا يخطئ أبــــــداً. حـبـيـبـي وصـــديـــقـــي وســـيـــكـــون قـريـبـا زوجي. كانت مشاكله كلها مع أسرته. كان والــــده نـمـوذجـا للشخصية الــشــريــرة التي يـمـكـن أن نـــراهـــا فـــي الــســيــنــمــا. شــخــص لا يتوقف لحظة عن إهانة والدتهم وضربها كلما أتيحت له الفرصة ولأتفه الأسباب، مع السخرية والتقليل من أولادهم. لا يتذكر سـامـح -وهـــو الابـــن الأصـغـر- أن والـــده قـد احتضن أبـنـاءه الثلاثة يوماً، أو فرح بنجاحهم، كانت أمهم السيدة التي تــتــعــرض لـــإهـــانـــة والــــخــــوف لـــيـــا ونـــهـــارا نـــمـــوذجـــا لــلــشــخــص المـــغـــلـــوب عـــلـــى أمـــــره. تتحمل مسؤوليتهم بكل طاقتها، ولا تسمع كـلـمـة شــكــر واحــــــدة أو تــقــديــر لمــجــهــودهــا، فــي حــن يــذكِّــرهــا والـــدهـــم فــي كــل مناسبة بـــأنـــه يـجـعـلـهـم يـعـيـشـون أفـــضـــل حـــيـــاة في فيلا ضخمة وكل طلباتها مجابة، يأكلون جيدا وفي وضع اجتماعي يحسدهم عليه الجميع. ولكن سامح كان يجد أن هؤلاء الخدم لم يكونوا يسمعون سـوى إهانات والدهم له ولإخوته وأمـه، وكيف يمن عليهم طوال الوقت بأنه يجعلهم يعيشون أفضل حياة بأمواله، ولكن الخبر الجيد -تبعا لوصف سامح- أن والدهم أصيب منذ عدة سنوات بجلطة تسببت في النهاية بجعله يعاني مـن شلل نصفي، وبـالـتـالـي صـــارت الأمــور أكثر هـــدوءاً؛ خاصة أنهم الثلاثة أصبحوا يتولون إدارة الشركة بأنفسهم. لم تكن مرحلة الإعلان عن كل ما يتعلق بــــوضــــع أســــرتــــي مـــســـألـــة ســـهـــلـــة بـالـنـسـبـة لـسـامـح أو أســـرتـــه، فــإخــوانــه الـــذيـــن كـانـوا يعرفونني من خلال التدريب في شركتهم، وكانوا على علم بارتباطي بأخيهم، وكانوا شـــديـــدي الــلــطــف مـــعـــي، تـــحـــولـــوا لـكـائـنـات سخيفة عديمة الـذوق في كل ما يتعلق بي وبأمي وأختي». القاهرة: «الشرق الأوسط» خلف قضية مبابي جدل فرنسي قديم ــ جديد حول الهوية من يملك حق تمثيل فرنسا؟ فـــي الــلــيــلــة الـــتـــي أقـــصـــت فــيــهــا فـرنـسـا بهدف نظيف، 2026 باراغواي من مونديال لـــم يـكـن الـخـبـر الأبـــــرز مـــا جـــرى فـــي المـلـعـب، بـل مـا كُــتـب بـعـده على منصّة «إكــــس». فقد انهالت السيناتورة الباراغوانية سيليستي أماريّا، عضوة الحزب الليبرالي الراديكالي، على قائد المنتخب الفرنسي كيليان مبابي بـــوابـــل مـــن الـشـتـائـم الـعـنـصـريـة الـفـاضـحـة: وصفته بأنّه «كاميروني خاضع للاستعمار يتظاهر بـأنّــه فـرنـسـي»، و«أحــمــق لـم يتعلّم حــتــى الـــكـــتـــابـــة»، بـــل بــلــغــت حــــد الـــقـــول إنّـــه «رضع جوز الهند بدل حليب أمّه، وإن أكثر مـا سمعه ثقافة كــان أصـــوات الشمبانزي». وقـــد يـبـدو الأمـــر مــجــرّد انـفـعـال فــــردي عابر صــدر عـن سياسية مـعـروفـة بــإثــارة الـجـدل. غير أن قراءة أعمق تكشف عن أن ما التقطته السيناتورة من الخارج ليس اختراعا جديداً، بـل صــدى لـخـطـاب ظــل يـاحـق المنتخب من الداخل منذ عقود: خطاب يُنكر على لاعبين مــن أصــــول أفـريـقـيـة أو مـغـاربـيـة حـقّــهـم في تمثيل الأمــة، رغـم أنّهم يحملون جنسيّتها ويــرتــدون قميصها. وليست حـادثـة مبابي إلا الحلقة الأحدث في سلسلة جعلت من كرة الـقـدم مـــرآة مـكـبّــرة لـجـدل فـرنـسـي لا ينتهي حول الانتماء. من الملعب إلى المختبر السياسي لـــفـــهـــم هـــــــذا الــــــجــــــدل؛ يـــنـــبـــغـــي تــــجــــاوز الـــريـــاضـــة. فـالمـنـتـخـب الــوطــنــي لــيــس فـريـقـا فحسب؛ إنّه تمثيل رمزي للأمة على شاشة العالم؛ ما يجعل تركيبته البشرية موضوعا سياسيا بامتياز. وقـد بيّنت دراســـات لعلم الاجـــتـــمـــاع الـــريـــاضـــي أن تـشـجـيـع المـنـتـخـب فعل سياسي صامت يعبّر فيه الجمهور عن تصوّره لمن يمثّله ولشكل الأمة التي يريدها. وفي هذا الاتّجاه، ذهب عالم الأنثروبولوجيا الـــفـــرنـــســـي كـــريـــســـتـــيـــان بــــرومــــبــــرجــــيــــه، فـي دراســـاتـــه الـــرائـــدة عـــن «شــغــف الـجـمـاهـيـر»، إلـى أن كـرة القدم «واقـعـة اجتماعية كاملة» ومــرآة تعكس انتماءات المجتمع وتوتّراته؛ فالجمهور حـن يهتف للفريق إنّــمـا يهتف لــــصــــورة عـــن ذاتـــــه الــجــمــاعــيــة، ويــعــلــن عبر الـلـعـبـة عــمّــن يَـــعُـــدّه منتميا إلـــى «الـــنـحـن». ويــــــؤكّــــــد الــــكــــتــــاب الــــجــــمــــاعــــي «كــــــــرة الــــقــــدم والــهــويّــات»، بـإشـراف الباحث جــان ميشيل دو ويل، هذا المعنى حين يبي أن المنتخبات أصبحت أدوات لصياغة الهوية الوطنية أو للتنازع حولها. فمن يقف على أرض الملعب ومـن يغيب، وكيف يُقرأ حضوره أو غيابه، هـــي أســئــلــة تــتــحــوّل سـريـعـا مــــــادّة لـلـصـراع حول تعريف «الفرنسي الحقيقي» في مقابل «الفرنسي المشكوك في فرنسيّته». هــــذا الـــصـــراع لــيــس ولـــيـــد الـــيـــوم. فمنذ ثمانينات القرن الماضي، رصد المـؤرّخ جيرار نـــواريـــيـــل وعـــالـــم الاجـــتـــمـــاع ســتــيــفــان بـــو ما ســـمّـــيـــاه «أَعــــرقــــة الـــخـــطـــاب الاجـــتـــمـــاعـــي» في فرنسا؛ أي ذلك التحوّل الذي جعل السياسيين والإعـامـيـن والمثقفين يحبسون الأفــــراد في هــويــة عـرقـيـة جــامــدة، عـلـى حـسـاب هويتهم الاجـتـمـاعـيـة والـطـبـقـيـة. وحـــن انـفـجـرت عـام «قضية الحصص» في مراكز التكوين، 2011 إثـــر كـشـف مــوقــع «مــيــديــابــارت» عــن مــشــروع لتحديد نسبة اللاعبين مزدوجي الجنسية، خلص الـبـاحـثـان فـي «لـيـبـيـراسـيـون» إلــى أن مــســؤولــي الاتـــحـــاد لـــم يــبــتــكــروا هــــذا المـعـجـم العنصري، بل ورثـوه بعد عقود من السجّال حول الهجرة. وفي السياق ذاته، وصف عالم الاجــتــمــاع إيــريــك فــاســان المــفــارقــة الفرنسية بأنّها «عنصرية بلا عنصريين»؛ أي أنها بنية تُنتج التمييز في صمت، دون أن يعترف أحد بأنّه عنصريّ. ليس اليمين المتطرف وحده والـافـت، أن الطعن في انتماء اللاعبين لــــم يــــبــــق حـــبـــيـــس خــــطــــاب الـــيـــمـــن المـــتـــطـــرّف وحـــده، بـل تبنّاه أحيانا مثقّفون مرموقون. ، فـــي حــــــوار مـــع صحيفة 2005 فــفــي خـــريـــف «هــــآرتــــس» الإســـرائـــيـــلـــيـــة، ذهــــب الـفـيـلـسـوف آلان فينكلكروت إلــى أن «الـنـاس يقولون إن منتخب كرة القدم محبوب لأنّه أسود- أبيض -عـربـي، لكنّه فـي الحقيقة صــار الـيـوم أسـود -أسـود -أســود؛ وهو ما يجعله أضحوكة في عيون أوروبــا كلّها». عبارة صادمة لأنّها لم تــصــدر عــن ســيــاســي مــتــطــرّف، بــل عــن مـفـكّــر محسوب طـويـا على اليسار، وهـي العبارة الـــتـــي حـــوّلـــت لــــون بـــشـــرة الـــاعـــبـــن مـقـيـاسـا لـ«فرنسية» الفريق. على أن هذا الخطاب أقدم من ذلك. فمنذ ، كان جان ماري لوبن الزعيم التاريخي 1996 لـلـيـمـن المـــتـــطـــرف قـــد فــتــح الـــبـــاب حـــن اتـهـم لاعبي المنتخب بأنّهم «أجانب جُنّسوا لغرض واحد هو اللعب في الفريق»، مستدل على ذلك بأنّهم «لا يعرفون النشيد الوطني، وببساطة لا يـحـفـظـونـه». ومـنـذ ذلـــك الــوقــت، صـــار أداء «المــارســيــيــز» أو الـنـشـيـد الــوطــنــي الـفـرنـسـي مـــن عـــدمـــه اخـــتـــبـــارا عـلـنـيـا لـوطـنـيـة الـــاعـــب، تُصنَّف على أساسه الوجوه بين «الصالحين» و«المتمرّدين» غير جديرين بارتداء القميص الأزرق. وقد بلغ هذا المنطق ذروته الرمزية في ، حين قُوطع 2001 مباراة فرنسا والجزائر عام النشيد الفرنسي بـأصـوات صفير الجمهور فـــي مـلـعـب بــاريــســي، فــصــار الـــحـــدث ذخــيــرة دائــمــة فــي يــد كـــل مــن أراد التشكيك فــي ولاء الفرنسيين من أصول مهاجرة. باريس: أنيسة مخالدي صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب) عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كريستيان برومبرجيه: كرة القدم «واقعة اجتماعية كاملة» ومرآة تعكس انتماءات المجتمع وتوتّراته سيليستي اماريا آلان فينكلكروت النص الكامل على الموقع الإلكتروني

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky