Issue 17393 - العدد Sunday - 2026/7/12 الأحد OPINION الرأي 14 النقرة الواحدة لا تكفي لكشف الحقيقة بريطانيا... رئيس الوزراء الذي لم يختبره أحد لندن في مواجهة الحمام الأهلي فـــي المـــائـــة مـــن عمليات 60 الـــيـــوم، أصـبـحـت أكــثــر مـــن البحث عبر محرك «غوغل» داخـل الولايات المتحدة تنتهي دون أن ينقر المـسـتـخـدم عـلـى أي رابــــط؛ إذ نكتب الــســؤال، ثـــم نـــقـــرأ مـلـخـصـا لــنــتــائــج الــبــحــث تــــولّــــده تــقــنــيــات الـــذكـــاء الاصطناعي، ونغادر بعد أن نكون قد توصلنا إلى إجابتنا. ولا يقتصر الأمر على «غوغل»؛ إذ ينطبق على برامج أخـــرى مثل «كـــاود» و«تـشـات جـي بـي تـــي»، بـالإضـافـة إلى المنافسين الواعدين مثل «بيربليكسيتي». الملاحظ أن جميع هــذه الـبـرامـج تستقبل الــســؤال، وتُــقــدّم إجـابـة سريعة، مما يختزل رحـلـة التصفح المتشعّبة والطويلة عبر الإنترنت، ويحولها إلى وصول فوري للمبتغى. ونتيجة لذلك، بدأت تتلاشى مرحلة البحث الاستكشافية، القائمة على التنقل بين الـروابـط، والعثور بمحض الصدفة على صفحات غير متوقعة، وتتبع المراجع التي تقود إلى وجهات لم تكن في الحسبان. ويـثـيـر هـــذا الـتـحـول قـلـق كــل مــن ينشر مـحـتـوى على الإنترنت، لأنـه يتسبّب في تراجع تدفق الـــزوار إلـى المواقع الإلكترونية، ويزيد صعوبة حماية الملكية الفكرية والتربح مــنــهــا. ورغـــــم ذلـــــك، قـــد يـعـتـقـد الــبــعــض أن هــــذا يـــصـــب في مصلحة مستخدمي الإنترنت؛ فهل من عيب في الحصول على إجابة موثوقة وبسرعة أكبر؟ فـــي الــــواقــــع، نـــعـــم؛ فــمــن خــــال تـقـلـيـص المـــــدة الـزمـنـيـة الفاصلة بـن طــرح ســـؤال وتلقي الإجــابــة عـنـه، تُسهم هذه الأدوات فـي تقويض فضولنا المعرفي، بـل المفارقة الكبرى أنها تهدّد قدرتنا على فهم العالم من حولنا. من جهتي، كنت أعمل في شركة «غوغل» قبل نحو عقد، وحينها كنا نقيس قيمة المحتوى الرقمي بناء على مؤشرات تـفـاعـل المـسـتـخـدمـن، مـثـل مــعــدلات الـنـقـر وعـمـق التصفح. وتكمن المفارقة في أن تلك الميزة التي كانت «غوغل» تكافئ المواقع عليها -استكشاف الناس للمحتوى- أصبحت اليوم تحديدا هي ما تسعى منتجات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها إلى تقويضه. وقـد غــادرت «غـوغـل» لأتفرغ لـدراسـة علوم الأعصاب، وما وجدته في الأبحاث العلمية يفسّر بوضوح لماذا تشكّل ملخصات الذكاء الاصطناعي خطرا على عملية التعلّم. لقد أثبتت دراسات أن الفضول ليس مجرد رغبة فردية في معرفة حقائق منفصلة، بل سمة حيوية في تركيبنا البيولوجي صُمّمت لمساعدتنا على التعلم بمفهومه الأوسع، الأمر الذي يتطلّب شرطا أساسياً: وجــود فجوة بين ما تريد معرفته وما تتوصل إليه بالفعل. وخـلـص بـاحـثـون إلـــى أن الأشــخــاص الــذيــن يشعرون بالفضول، في أثناء انتظارهم إجابة لسؤال مثير للاهتمام، يــتــذكــرون المــعــلــومــات غـيـر ذات الـصـلـة الــتــي يـصـادفـونـهـا خـــال تـلـك الــفــتــرة، بـشـكـل أفــضــل بكثير مـمـا لــو كــانــوا في حالة طبيعية. وفي الدراسة نفسها، وضع الباحثون هؤلاء الأشخاص على أجهزة تصوير الدماغ. ووجـدوا أن انتظار الإجابة يُنشّط دوائر المكافأة في الدماغ، ويُهيّئ «الحُصين» للمساعدة فـي تكوين ذكــريــات جــديــدة. وقــد أبـلـغ باحثون آخرون عن نتائج مماثلة، في دراسات شملت رُضّعا وأطفالا أكبر سنا وبالغين. بـاخـتـصـار، يـضـع الـفـضـول الـــدمـــاغ بـأكـمـلـه فــي حـالـة من الاستقبال المُتزايد، ليس فقط للشيء المُحدد الذي تُريد معرفته، بل كذلك لكل ما يحيط به. ويفتح الفضول نافذةً، وما دامت النافذة مفتوحة يتعمّق التعلّم في جميع المجالات المتاحة. إلا أن مـا ينبغي الانـتـبـاه إلـيـه هنا أن هــذه الـنـافـذة لا تبقى مـفـتـوحـة، إلا إذا كـــان الــســؤال بـاقـيـا دون إجــابــة. أمـا عندما يُجيب الـذكـاء الاصطناعي عن استفسارك في ثلاث ثـــوانٍ، تُغلق الـنـافـذة قبل أن يتعمّق الـفـضـول. لقد حصلت على ما جئت من أجله، لكنك فقدت في الوقت ذاتــه ما كان سيحول فضولك إلـى عملية تعلّم حقيقية: المقال المجاور، الذي ربما كنت ستقرأه، والمسار الفرعي الناشئ عن بحثك، الــذي ربما كنت ستتبعه، والصلة بين فكرتين لا تربطهما علاقة واضحة. من جهتهم، يُطلق الباحثون على هذه الآلية المرتبطة بالتعلم اســـم الاكـتـشـافـات غـيـر المـتـوقـعـة أو الـعـرضـيـة. في الواقع، نادرا ما تنشأ الإنجازات العلمية، والقفزات الفنية، والابـتـكـارات التكنولوجية من استرجاع فاعل للمعلومات المــعــروفــة، وإنــمــا تـنـشـأ مــن فــتــرات اسـتـكـشـاف غـيـر مـوجـه، عندما يتعمّق الناس في الأسئلة أكثر مما يحتاجون إليه، فيقعون على أشياء لم يتوقعوها. عـلـى سبيل المــثــال، عـنـدمـا اكـتـشـف الـفـيـزيـائـيـان أرنــو بـــنـــزيـــاس وروبـــــــرت ويـــلـــســـون، أزيــــــزا مــســتــمــرا فـــي هــوائــي ، كان بإمكانهما عدّه مجرد 1964 الراديو الخاص بهما عام ضـــوضـــاء فـــي الـــجـــهـــاز؛ لـكـنـهـمـا اســتــمــرا فـــي الـــتـــســـاؤل عن ماهيته، وانتهى بهما الأمـر إلـى اكتشاف الإشعاع المتبقي من «الانفجار العظيم». الحقيقة أن التقنيات المتاحة أصبحت تتعامل، بشكل متزايد، مع المنطقة الواقعة بين السؤال والإجابة، باعتبارها مـسـاحـة مـهـجـورة يـجـب الـتـخـلـص مـنـهـا، فــي حــن أن هـذه المنطقة تحديدا هي المكان الذي يحدث فيه الجزء الأكبر من عملية التعلّم فعلياً. ولا يقتصر الخطر في توقف الناس عن طرح الأسئلة، وإنما يمتد إلى جعل الأسئلة المطروحة غايات نهائية. ومع أن الخسارة قد لا تكون جسيمة في أي حالة منفردة، فإن قلة الانحرافات والاكتشافات غير المتوقعة ستترك بالتأكيد أثرا تراكمياً. مع مرور الوقت، سيصبح الأشخاص، الذين تدربوا بــهــذه الــطــريــقــة، أكــثــر بـــراعـــة فـــي اســتــخــاص اسـتـنـتـاجـات جاهزة من بناء روابط خاصة بهم. بـطـبـيـعـة الـــحـــال، لا أحــــد مُــجــبــر عــلــى اســـتـــخـــدام هــذه الأدوات. ولا يـــزال بـإمـكـان الــنــاس التصفح والاسـتـكـشـاف، ومتابعة سلسلة من الروابط نحو مناطق غير مألوفة، لكن البنية الافتراضية لمنصاتنا الرقمية ستجعل هذا الأمر أقل احتمالاً. وعلى عكس التكاليف الاجتماعية الأخــرى للتصميم الـتـكـنـولـوجـي -عــلــى سـبـيـل المـــثـــال، الـسـلـوكـيـات الإدمــانــيــة الـتـي يُشجعها الـتـمـريـر الـانـهـائـي فــي مـنـصـات الـتـواصـل الاجـتـمـاعـي- فــإن فـقـدان الـفـضـول الـحـر لـن يفضي إلــى رفع دعوى قضائية جماعية ضد شركات التكنولوجيا، أو يدفع الجهات التنظيمية إلى التدخل. وسـيـتـعـن عـلـى شــركــات الــذكــاء الاصـطـنـاعـي الـراغـبـة في خدمة مستخدميها على النحو الأمثل، اتخاذ إجراءات بنفسها. على سبيل المـثـال، بــدلا مـن إخـفـاء المـصـادر خلف إعــــادة الـصـيـاغـة واســتــبــدال ملخص واحـــد بـعـشـرة روابـــط، يُــمـكـنـهـا إقـــــرار خـــيـــارات تـصـمـيـم مـخـتـلـفـة. يُــمـكـنـهـا إبــقــاء المـــصـــادر أكــثــر وضـــوحـــا. ويُــمـكـنـهـا كــذلــك عـــرض تفسيرات مـــتـــعـــارضـــة، بـــــدلا مـــن ضـغـطـهـا فـــي فـــقـــرة واحــــــدة مُــنـسـقـة. وبـــإمـــكـــانـــهـــا تـــوفـــيـــر أنــــمــــاط بـــحـــث بـــديـــلـــة تـــولـــي الأولــــويــــة للاستكشاف، وليس السرعة. آمل أن يأخذ زملائي سابقا في «غوغل»، والمهندسون المـعـنـيـون بـتـطـويـر أدوات مُــشـابـهـة فــي أمــاكــن أخــــرى، هـذه الاقـــتـــراحـــات عـلـى مـحـمـل الــجــد، وأن يُـــطـــوّر الــقــطــاع أفضل المـــمـــارســـات الــتــي تـحـمـي الــفــضــول، بــــدلا مـــن الـتـعـامـل معه بوصفه أمرا ثانوياً. المؤكد أن المساحة الفاصلة بين السؤال والجواب قيمة للغاية، ولا ينبغي إهدارها. والواقع يؤكد أنه غالبا ما تكون أهم الاكتشافات ليست تلك التي نسعى خلفها. وإذا بنينا عالما لا يُلبي إلا ما نطلبه منه فسنفقد الـقـدرة على اكتشاف ما نجهله، ونجهل أننا نجهله. * خدمة «نيويورك تايمز» أنـــدي بـيـرنـهـام لـيـس سياسيا مـجـهـولا فــي بـريـطـانـيـا؛ فـقـد شغل مناصب وزاريـــة مهمة، بينها الصحة والثقافة، وخــاض سباق قيادة حزب «العمال» من قبل، ثم أمضى سنوات عمدة لمانشستر الكبرى، حتى أصبح من أبرز السياسيين خارج وستمنستر. لــكــن مــعــرفــة الـــرجـــل تـخـتـلـف عـــن مــعــرفــة رئــيــس الـــــــوزراء الــــذي قد يصبحه. نـــائـــبـــا مــــن نــــــواب «الــــعــــمــــال» فـي 322 فـــمـــع حـــصـــولـــه عـــلـــى تـــأيـــيـــد وستمنستر، يبدو الطريق إلــى رئـاسـة الحكومة مفتوحا أمـامـه، وفقا لـلـتـقـالـيـد الــدســتــوريــة الـبـريـطـانـيـة الــتــي تـجـعـل زعــيــم الـــحـــزب صـاحـب الأغلبية البرلمانية رئيسا للوزراء، من دون الحاجة إلى انتخابات عامة جديدة. ولا يثير ذلك أي إشكال دستوري. لكن الديمقراطية البرلمانية لا تقوم على النصوص الدستورية وحدها؛ بل على الاختبار السياسي العلني أيضاً. ففي الظروف الطبيعية، تتحول انتخابات قيادة الحزب إلى ما يشبه امتحانا عاما أمام الرأي العام، فالمرشح لا يكتفي بإقناع نـواب حزبه؛ بل يخوض مناظرات، ويشارك في لقاءات مع قواعد الحزب والنقابات المرتبطة به، ويواجه أسئلة الصحافيين، ويشرح مواقفه في الاقتصاد والهجرة والدفاع والسياسة الخارجية، قبل داونينغ ستريت». 10« أن يدخل وهذه المرة، يكاد هذا الامتحان يغيب بالكامل. ولعل المفارقة أن هذا الاختبار ليس مجرد طقس سياسي أو حملة انتخابية؛ بل يـؤدي وظيفة ديمقراطية مهمة؛ فهو يسمح للناخبين، ولــأســواق المـالـيـة، ولحلفاء بريطانيا فـي الــخــارج، بــأن يتعرفوا إلى أسلوب الرجل الذي يستعد لقيادة الحكومة، وكيف يفكر عندما يواجه الأسئلة الصعبة، لا عندما يقرأ خطابا أعده مستشاروه. وفــــي كـثـيـر مـــن الأحــــيــــان، تـكـشـف هــــذه المــرحــلــة مـــا لا تكشفه الخطب السياسية. وقـد شهدت بريطانيا خـال العقود الأخـيـرة انتقالات عـديـدة في رئاسة الحكومة من داخل الحزب الحاكم، من جون ميجور بعد مارغريت ثاتشر، إلـى غــوردون بــراون بعد توني بلير، ثم تيريزا مـاي، وبوريس جونسون، وليز تراس، وريشي سوناك. واختلفت نتائج تلك التجارب، لكن جميعها مر بدرجات متفاوتة من المناظرات، والمقابلات الصحافية، والأسئلة الصعبة التي أتاحت للناخبين تكوين صورة أوضح عن الرجل أو المرأة قبل دخول «داونينغ ستريت». قـــــد يـــضـــطـــر المـــــرشـــــح إلــــــى تـــوضـــيـــح مــــواقــــفــــه، أو تـــعـــديـــل بـعـض تصريحاته، أو شـرح كيفية تنفيذ وعــوده عندما يواجه أسئلة دقيقة حــول الاقـتـصـاد أو الأمـــن أو الـعـاقـات الـدولـيـة. ولــهــذا، ينظر كثير من المراقبين في وستمنستر إلى سباقات القيادة بوصفها اختبارا عاما قبل تولي السلطة، لا مجرد منافسة داخل الحزب. أما في حالة بيرنهام، فقد حسمت الكتلة البرلمانية للحزب النتيجة بسرعة غير مسبوقة تقريباً، وهو ما وفر له دعما سياسيا قويا داخل الحزب، لكنه حرم الرأي العام من مرحلة التدقيق والاختبار التي اعتاد البريطانيون رؤيتها مع كل انتقال كبير للسلطة. ولا تقتصر الأسئلة المعلقة على الاقتصاد أو السياسة الاجتماعية؛ بــل تـمـتـد إلـــى الـسـيـاسـة الــخــارجــيــة، وهـــي مــن أهـــم المــلــفــات الــتــي يملك فيها رئيس الــوزراء البريطاني تأثيرا مباشراً. فما موقفه من مستقبل العلاقات مع الولايات المتحدة؟ وكيف سينظر إلى التزامات بريطانيا داخل حلف شمال الأطلسي في ظل الحرب الأوكرانية؟ وما رؤيته للحرب فــي غـــزة، ولـلـعـاقـات البريطانية مــع إسـرائـيـل ودول الخليج وإيــــران؟ وحتى الآن، لم تُتَح للرأي العام فرصة سماع إجاباته المباشرة عن هذه القضايا في مقابلات مطولة أو مناظرات مفتوحة. ولا يقتصر الاهتمام بهذه الأسئلة على الناخب البريطاني وحده؛ بــل تتابعها أيـضـا واشــنــطــن، وعـــواصـــم حـلـف شـمـال الأطــلــســي، ودول الخليج، لأنها تريد أن تعرف ما إذا كانت السياسة البريطانية ستستمر على نهجها الحالي، أم أن الحكومة الجديدة ستتبنى أولويات مختلفة. وعادة ما تقدم المناظرات والحوارات الإعلامية بعض الإجابات المبكرة، أما هذه المرة فما زال معظم الأسئلة بلا إجابة. وخلال الأيام الأخيرة، تحدث عدد من أنصار بيرنهام إلى وسائل الإعلام، وقدموا تصوراتهم لما قد تكون عليه سياساته. لكن أنصار أي زعيم لا يصنعون برنامج حكومته، ولا يمكن أن يحلوا محل إجاباته الشخصية أمام الرأي العام، أو أمام شركاء بريطانيا في الخارج. وتـــــزداد غــرابــة هـــذه المـرحـلـة الانـتـقـالـيـة لأن كـيـر ســتــارمــر، مــا زال يـمـارس كامل صلاحياته، ويمثل بريطانيا فـي اجتماعاتها الدولية، بينما تتجه أنظار وستمنستر إلـى الرجل المتوقع أن يخلفه، من دون أن يكون قد مر بالاختبار السياسي والإعلامي المعتاد الذي يسبق عادة دخول أي رئيس وزراء جديد إلى «داونينغ ستريت». فـالـسـؤال الحقيقي لـيـس: مـن هـو أنـــدي بـيـرنـهـام؟ فالبريطانيون يعرفون الرجل. لكن في الديمقراطية البرلمانية، لا تُقاس شرعية رئيس الوزراء بعدد النواب الذين أيدوه فحسب؛ بل تمتد أيضا إلى قدرته على الإجابة عن أسئلة الرأي العام قبل أن يتولى السلطة. مــــا الــــفــــرق بــــن الـــصـــقـــور و«الــــــدرونــــــز»؟ الحمام فـي ملاعب التنس بـ«ويمبلدون» لا يخاف من «الــدرونــز» لكنه يجفل إذا ما قدم صقر! الـــصـــقـــور والــــحــــمــــام لا يـــحـــتـــاجـــان إلـــى توضيح، أمـا «الـدرونـز» فقد أصبحت اليوم اســمــا مــألــوفــا لــلــطــائــرات المــســيّــرة بـأنـواعـهـا وأحجامها المختلفة، التي تبدأ بحجم عقلة إصـــبـــع، وتـنـتـهـي بـحـجـم طـــائـــرة، وقـــد بـاتـت عـامـة عـلـى عـصـرنـا تُــسـتـخـدم فــي الأغـــراض السلمية والحربية على حد سواء. علاقة العاصمة البريطانية لندن بطيور الـــحـــمـــام قـــديـــمـــة، لـــكـــن عـــاقـــتـــهـــا بــالــصــقــور تُعد حديثة بالمقارنة. كـان الحمام جــزءا من مفردات معجم «مدينة الضباب»، فحين تُذكر المــديــنــة تـنـبـثـق فـــي ذاكـــرتـــنـــا أســــرابــــه، وهــي تـحـط أو تطير فــي مــيــدان الــطــرف الأغــــر. إلا أن تـلـك الـعـاقـة كــانــت، مـنـذ ســنــوات مضت، ضحية مواجهة عنيفة مـع سلطات المدينة، أفضت إلى هزيمة الحمام وتخليه عن الميدان التاريخي، تاركا في غيابه فراغا عاطفيا في قلوب السائحين. ، شهدت لندن أول انتخابات 2000 في عام شعبية لاخـتـيـار أول عـمـدة للمدينة. ورغــم أن حـزب العمال اخـتـار مرشحا رسمياً، قرر السياسي المشاغب كين ليفنغستون خوض المــعــركــة مـسـتـقـاً، لـيـفـوز بـالمـنـصـب ويـدخـل التاريخ كأول عمدة منتخب للمدينة. بـــــدأ لــيــفــنــغــســتــون ولايــــتــــه بـــشـــن حـــرب شرسة على الحمام في ميدان الطرف الأغر، بعد أن تبي له أن تنظيف الميدان من فضلاته وأوساخه كان يلتهم جزءا كبيرا من ميزانية المدينة. خـال حملته تلك، كـان العُمدة يكرر في تصريحاته لوسائل الإعــام على وصف الـحـمـام بــــ«جـــرذان بـأجـنـحـة» يـجـب الـقـضـاء عليها. ولأنـهـا حـرب مختلفة، احتاجت إلى اســتــراتــيــجــيــة تــتــســق وإمـــكـــانـــات «الــــعــــدو»، فلجأ العمدة إلى الاستنجاد بخصم تاريخي للحمام، ووجد ضالته في شركة متخصصة في تأجير الصقور. كان دخـول الصقور إلى ذلـــك المـــيـــدان يــــؤرخ لــبــدايــة عـاقـتـهـا بـلـنـدن. وحــن أُحــضــرت ودخـلـت مــن الـبـاب الرسمي وفـــي أكـبـر مـعـلـم، هـــج الـحـمـام خـائـفـا فــي كل الاتـــجـــاهـــات طـلـبـا لــلــنــجــاة. نـجـحـت الـخـطـة تـمـامـا، وتمكنت الـصـقـور مـن أداء وظيفتها على أفضل وجه، ولم يعد الحمام إلى ميدان الطرف الأغر. تلك السابقة اللندنية وجدت لها صدى بــعــد ســـنـــوات فـــي مـــكـــان آخــــر مـــن الـعـاصـمـة نــفــســهــا، حــــن واجــــــه مــنــظــمــو إحــــــدى أعــــرق بــــطــــولات كـــــرة الـــتـــنـــس الأرضــــيــــة فــــي الــعــالــم المــعــضــلــة ذاتــــهــــا. فـــخـــال دورة الــتــنــس هــذا الـصـيـف قـــرأت فــي وســائــل الإعــــام خـبـرا عن لـجـوء المـسـؤولـن فـي بطولة ويمبلدون إلى اســـتـــخـــدام «الــــــدرونــــــز» لإبــــعــــاد الـــحـــمـــام عـن الملاعب. خـــــال الــــســــنــــوات المــــاضــــيــــة، لـــجـــأ نـفـس المـسـؤولـن إلــى استنساخ استراتيجية أول عــمــدة لـلـنـدن كــن لـيـفـنـغـسـتـون، باستئجار صـقـر شـهـيـر يُـــدعـــى «روفــــــو»، وأوكـــلـــوا إلـيـه مـــهـــمـــة إجـــــــاء الـــحـــمـــام عــــن مــــاعــــب الــتــنــس فنفذها بمهنية لا تختلف عن مهنية صقور ميدان الطرف الأغر. الـــخـــبـــر المــــنــــشــــور فـــــي وســـــائـــــل الإعــــــام البريطانية يتحدث عن لجوء المسؤولين في دورة ويمبلدون إلى الاستعانة بـ«الدرونز»، وهو أمر قد يفهم منه الاستغناء عن خدمات الصقر «روفـو». لكن المسؤولين، في ردودهم عــلــى أســئــلــة وســـائـــل الإعــــــام، اعـــتـــرفـــوا بــأن الـــلـــجـــوء إلــــى تـكـنـولـوجـيـا الــــدرونــــز لـــم يـــأت نتيجة فشل الصقر في مهمته، أو الاستغناء عن خدماته، بل يأتي كجزء مكمّل للعملية، مـوضـحـن أن الـــدرونـــز تستخدم أســاســا في مـراقـبـة محيط المــاعــب مــن الـجـو ورصـــد أي إخلال بالأمن أو حركة غير معتادة قد تربك سير البطولة، وهي مهام استطلاعية بحتة لا علاقة لها بترهيب الطيور. وطـــــمـــــأن المـــــســـــؤولـــــون فـــــي ويـــمـــبـــلـــدون المتسائلين بأن «روفو» باق في منصبه وأداء مهمته، ما استمرت البطولة التاريخية. لأن «الـدرونـز» الإلكترونية قـادرة على أداء مهام عديدة ومتقدمة في الاستطلاع والبحث، لكن الحمام ببساطة... لا يخافها! مــهــمــة الــتــخــويــف الـــشـــاقّـــة بـطـبـيـعـتـهـا، تُركت للصقر «روفــو». فالدرونز المستخدمة فـــي المــــاعــــب، عــلــى كـــل مـــا تـمـلـكـه مـــن تـطـور وذكاء، لم تُتقن بعد لغة الرعب التي يفهمها الحمام منذ فجر الخليقة مجسّدة في مخالب صقر حقيقي. حين أُحضرت الصقور ودخلت ميدان الطرف الأغر هج الحمام خائفا في كل الاتجاهات طلبا للنجاة عندما اكتشف الفيزيائيان بنزياس وويلسون أزيزا مستمرا في هوائي 1964 الراديو الخاص بهما عام توصَّلا إلى اكتشاف الإشعاع المتبقي من «الانفجار العظيم» شهدت بريطانيا خلال العقود الأخيرة انتقالات عديدة في رئاسة الحكومة من داخل الحزب الحاكم جمعة بوكليب *آن لور لو كنف عادل درويش
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky