issue17390

قـــبـــل ســــنــــوات، حــمــلــت صـــانـــعـــة الأفـــــام الـــســـعـــوديـــة ســـــــارة بــالــغــنــيــم حــقــائــبــهــا إلـــى نـــيـــويـــورك لــــدراســــة صــنــاعــة الأفـــــــام، وهــنــاك لم تكتف بتعلّم أدوات الإخـــراج، بل اكتشفت طريقة مختلفة للنظر إلى البشر. فالحكايات، بـــالـــنـــســـبـــة لــــهــــا، تــــبــــدأ مـــــن المــــاحــــظــــة؛ ومـــن التفاصيل الصغيرة التي تمر أمــام الجميع، ثــــم تـــتـــحـــول عـــلـــى الـــشـــاشـــة إلـــــى شـخـصـيـات تحمل تناقضاتها كاملة، من دون أن تبحث عن تبريرها أو إدانتها. هــــذا الـــتـــصـــوّر قـــادهـــا إلــــى بـــنـــاء تـجـربـة لفتت انتباه عدد من المهرجانات السينمائية خــال الـسـنـوات الأخــيــرة، عبر أفـــام قصيرة؛ أحدثها «ارتــــزاز» الــذي تنقّل بـن مهرجانات مثل شيكاغو، وسـان دييغو، وأسـن، إضافة إلــى مـهـرجـان البحر الأحــمــر، قبل أن يُعرض الأســــــبــــــوع المـــــاضـــــي ضــــمــــن مــــهــــرجــــان أفـــــام الـسـعـوديـة. ويستمد الفيلم اسـمـه مـن الفعل الدارج في اللهجة السعودية «تـرزز»، ويعني اسـتـعـراض النفس أو إظـهـارهـا للفت انتباه الآخرين. عزاء يتحول إلى مسرح للمفارقات وخــــــال ربـــــع ســـاعـــة فـــقـــط، يــنــجــح فـيـلـم «ارتـــزاز» في تحويل مجلس عـزاء إلـى مسرح لــكــومــيــديــا ســــــــوداء، دون أن يــــغــــادر الـــواقـــع الاجـتـمـاعـي الـــذي يستلهمه، فــي قـصـة تــدور حــــول الأم (ريـــــم الــحــبــيــب) وابــنــتــهــا جـوجـو (رنـد القصيبي)، داخـل عـزاء للنساء في فيلا سيدة هي أم العريس المثالي، حيث تتنافس الفتيات على لفت نظرها ونيل رضاها. ورغم أن الفيلم ينحو إلى المبالغة، فإنه يستند إلى طقس اجتماعي دارج، حين تتحول المناسبات أحيانا إلــى مساحة للتعارف ومـحـاولـة لفت انـتـبـاه والـــدة الـعـريـس، إلا أن ســـارة بالغنيم اخــــتــــارت نــقــل هــــذه المـــفـــارقـــة إلــــى مـــكـــان أقــل تـوقـعـا؛ مجلس عــــزاء، لتمنح الحكاية بُعدا أكثر سخرية وعبثاً. وفـــــــــي حــــديــــثــــهــــا لــــــ«الـــــشـــــرق الأوســــــــــــــط»، تـــخـــتـــصـــر بــالــغــنــيــم رؤيـــــتـــــهـــــا لـــلـــســـيـــنـــمـــا بـــوصـــفـــهـــا مـــــســـــاحـــــة لــــفــــهــــم الإنــــــــســــــــان قـــبـــل أي شــــــــيء آخــــــــــر، حــــيــــث تــــــــرى أن الـشـخـصـيـات تـسـبـق الأفـــكـــار، وأن الحكاية تقود الرسالة، بينما يصل المشاهد إلى استنتاجاته بنفسه. عـــــن فــيــلــمــهــا «ارتــــــــــــــزاز»، تــــقــــول ســــــارة: «القصة بسيطة؛ شابة ووالدتها تذهبان إلى عــــزاء، وهــنــاك تشعر الـفـتـاة بضغط يدفعها إلـــــى اســـتـــعـــراض نــفــســهــا بـــغـــرض الـــــــــزواج... جاءتني الفكرة بعد عودتي من الـدراسـة في الــولايــات المـتـحـدة، وبـعـد فـتـرة ابـتـعـدت فيها عـن المجتمع والـــعـــادات، فأصبحت أنـظـر إلى سـنـوات العشرينات التي عشتها، مثل كثير مــــن الـــفـــتـــيـــات، وأتــــذكــــر حــجــم الــضــغــط الــــذي كـان يدفع الفتاة إلـى الظهور بصورة معينة حتى تــتــزوج». وتـضـيـف: «الـفـكـرة الأساسية بالنسبة لـي كـانـت أن أحـكـي قصة عـن شابة ووالدتها. هذه العلاقة المهمة نـادرا ما نراها فـــي الأفــــــام والمـــســـلـــســـات بــوصــفــهــا الــعــاقــة الــرئــيــســيــة فـــي الـــحـــكـــايـــة، رغــــم قـــدرتـــهـــا على تشكيل جزء كبير من مستقبل الفتاة. وكنت مهتمة تحديدا بسرد حكاية أم ترى أن قيمتها الاجتماعية مرتبطة بزواج ابنتها، وشابة تـــصـــل إلـــــى قـــنـــاعـــة بـــــأن كـــثـــيـــرا مــــن هـــذه الطقوس والعادات مفتعلة». الفكاهة تولد من تفاصيل الحياة ربما يخرج المشاهد من «ارتزاز» وهـــو يبتسم مــن مـشـاهـد عــــدة، لكن تـــلـــك الابــــتــــســــامــــة لا تــــأتــــي نـتـيـجـة نــكــتــة مـــكـــتـــوبـــة بـــعـــنـــايـــة، بـــقـــدر مـا تـولـد مــن المــفــارقــات الـتـي تصنعها الشخصيات نفسها. وهـذا ما تراه بالغنيم جوهر الكوميديا؛ فهي لا تُضاف إلى المـشـهـد، بــل تنشأ داخــلــه عـنـدمـا يُــقــدَّم الـواقـع كما هو. وتوضح أن هذا السؤال يتكرر عليها بـــاســـتـــمـــرار، حـــتـــى أصـــبـــح مــــن أكـــثـــر الأســئــلــة حـــضـــورا فـــي ورش كــتــابــة الأفــــــام الـقـصـيـرة التي تقدمها. وتضيف: «الفكاهة عــادة تنبع مــن المـاحـظـة أو مــن المـــأســـاة، أكـثـر مــن كونها مـحـاولـة لإضـحـاك الـجـمـهـور... كثير مـن هذه المواقف عبثية بطبيعتها إذا قُدمت كما هي، لــذلــك أتــــرك الـفـكـاهـة والمــشــاعــر تــتــجــاوران في المساحة نفسها، لأن هذا ما يحدث في الحياة». تؤمن ســارة بـأن الإنـسـان يحمل مشاعر مــتــنــاقــضــة فــــي الـــلـــحـــظـــة الــــــواحــــــدة، وهـــــو مـا تــحــرص عـلـى نـقـلـه إلـــى الــشــاشــة. قــائــلــة: «قـد يعيش الـنـاس حـالـة حـــزن، وفــي الـوقـت نفسه يـــتـــنـــافـــســـون، أو يـــشـــعـــرون بـــعـــدم الأمــــــــان، أو يحاولون الظهور بـصـورة معينة... وأحيانا يـــحـــدث كـــل ذلــــك فـــي الــلــحــظــة نــفــســهــا». ومــن هنا، تـرى أن قـوة المشهد لا تأتي مـن المبالغة فــــي الـــكـــومـــيـــديـــا، ولا مــــن إثـــقـــالـــه بـــالمـــشـــاعـــر، وإنــــمــــا مــــن الإيــــمــــان بــالــشــخــصــيــات نـفـسـهـا، وتتابع: «الجانب العاطفي يأتي من التعامل مــع الـشـخـصـيـات بـجـديـة، حـتـى عـنـدمـا يبدو سلوكها مضحكا أو سخيفاً. أحاول أن أفهمهم أكـثـر مما أحـــاول السخرية منهم. فـــإذا ركـزت كثيرا على النكتة أصبح العمل مسطحاً، وإذا اختفت الفكاهة فقد المشهد جزءا من صدقه». وتــخــتــصــر فـلـسـفـتـهـا فــــي بـــنـــاء المـشـهـد بـــــالـــــقـــــول: «الأمــــــــــر لا يـــتـــعـــلـــق بـــــالمـــــوازنـــــة بــن الـكـومـيـديـا والــــدرامــــا، بــقــدر مـــا يـتـعـلـق بـتـرك المشهد صادقاً، والثقة بأن الفكاهة ستظهر من تلقاء نفسها... وغالبا بطريقة تترك شيئا من عـدم الارتــيــاح». ثم تضيف بحماسة: «عندما ينجح هــذا الأســلــوب، يـكـون جــزء مـن نجاحه مـحـض صـــدفـــة... وعـنـدمـا لا يـنـجـح، أتـظـاهـر ًبأنه كان سخرية مقصودة». الشخصيات أولاً... والتصنيفات لاحقا يحضر العنصر النسائي بقوة في أفلام بـالـغـنـيـم، وبـسـؤالـهـا عــن ذلـــك كـشـفـت أنــهــا لا تنظر إلـــى الأمـــر بـوصـفـه مـشـروعـا لتقديم ما يُعرف بـ«سينما المـــرأة»، بقدر ما تـراه نتيجة طبيعية للحكايات التي تود سردها. وعن ذلك تقول: «لا أفكر بهذه التصنيفات عندما أكتب أو أخرج، لكن يبدو أن المهرجانات والجمهور يــضــعــنــي ضـــمـــن هـــــذه الـــفـــئـــة، خـــصـــوصـــا فـي منطقتنا». وتـرى أن هـذه التصنيفات لم تعد تعبر عن المرحلة التي وصلت إليها السينما، مضيفة: «أعتقد أننا بحاجة إلى التخلص من هذه التصنيفات، لأنها تذكر الناس باستمرار بــأن المـــرأة أقـلـيـة، بينما أرى أنـنـا بحاجة إلى تجاوز هـذه الفكرة». كما تبدو بالغنيم أكثر اهـتـمـامـا بـبـنـاء شـخـصـيـات قــــادرة عـلـى حمل الفكرة بنفسها، وهـو ما يفسر تركيزها على العلاقات الإنسانية قبل أي قضية أخرى. كما تؤكد أن أكثر ما يشغلها أثناء الكتابة هو فهم دوافــع الشخصيات، لأن الشخصية الصادقة قــــادرة عـلـى حـمـل أكـثـر الـقـضـايـا تـعـقـيـدا دون خطابة أو شعارات. لغة تتشكل... ولا تتوقف ورغــــــــم وضــــــــوح مــــامــــح أســــلــــوبــــهــــا فــي أفلامها الأخيرة، فإن بالغنيم تنظر إلى اللغة السينمائية بوصفها مشروعا مفتوحا على الـــتـــطـــور، وتــــرى أن الــتــجــريــب يـــرافـــق المــخــرج طوال رحلته. بالسؤال عن ذلك، تقول: «صنّاع الأفــــــام يـــواصـــلـــون الاســتــكــشــاف والــتــجــريــب دائــــمــــا، حـــتـــى بـــعـــد أن يـــعـــثـــروا عـــلـــى لـغـتـهـم السينمائية أو أسلوبهم الـخـاص... بالنسبة لــــي، أرغـــــب فـــي خــــوض تـــجـــارب مـخـتـلـفـة، بل أطــمــح أيــضــا إلـــى الـعـمـل فـــي وســـائـــط أخـــرى، مثل أفلام التحريك وغيرها، لذلك أعتقد أنني سأبقى دائما في حالة تجريب». بسؤال سـارة عن المخرجين أو التجارب الــســيــنــمــائــيــة الـــتـــي تـــركـــت أثــــــرا واضــــحــــا فـي رؤيتها، تجيب: «هناك كثير من صناع الأفلام الذين أثروا فيّ. عندما بدأت أهتم بالحكاية، شـــاهـــدت الــفــيــلــم الإيــــرانــــي (بــرســيــبــولــيــس)، وأحـــبـــبـــتـــه كـــثـــيـــراً. لـــكـــن مــــع مــــــرور الـــســـنـــوات تطورت ذائقتي كثيراً، وما زالت تتطور حتى الآن. وفي هذه المرحلة أشاهد كثيرا من الأفلام العبثية لأنها تلهمني». نيويورك... حين اتسعت العدسة لم تكن دراسة صناعة الأفلام في جامعة نيويورك بالنسبة إلى سارة محطة أكاديمية فـــحـــســـب، بــــل تـــجـــربـــة غــــيّــــرت الـــطـــريـــقـــة الــتــي تـنـظـر فـيـهـا إلـــى الـسـيـنـمـا وإلــــى الــعــالــم مـعـا. فالحياة اليومية داخـل مدينة تعج بالفنون، والاحتكاك المستمر بمخرجين وكتاب وفنانين من ثقافات متعددة، شكّلت جزءا من تكوينها وبقدر ما فعلته قاعات الدراسة. وبـالـسـؤال عـن تأثير ذلــك على نظرتها الــســيــنــمــائــيــة، تـــقـــول: «وجـــــــودي فـــي جـامـعـة نــــيــــويــــورك، وفـــــي مـــديـــنـــة نـــيـــويـــورك نـفـسـهـا، وإحـاطـتـي بمجموعة مــن المـخـرجـن الشباب الموهوبين وأعضاء هيئة التدريس، وسّع بلا شك رؤيتي للسينما وللعالم. وأنا ممتنة جدا لـهـذه الـتـجـربـة». وتـضـيـف: «أعـتـقـد أن دوري الـــيـــوم هـــو نــقــل مـــا تـعـلـمـتـه، ســــواء مـــن خــال أعمالي الإبداعية أو عبر رد الجميل للمجتمع من خلال ورش العمل التي أقدمها». وتستعيد جانبا من الحياة اليومية في نيويورك، بالقول: «نيويورك تجمع مبدعين من تخصصات دقيقة ومتنوعة. كنت أجلس في مقهى وأتـحـدث مع شخص سيغادر بعد قليل ليقدم عرضا على مسرح بـرودواي. هذا التبادل المستمر للأفكار والخبرات أثر كثيرا في ممارستي الإبداعية». وتضيف: «وجودي فـــي مــديــنــة تـــقـــدم مـــعـــارض فــنــيــة، وتــصــويــرا فوتوغرافياً، وموسيقى، وسينما بهذا الزخم، جعلني أرى أهمية العمل للوصول إلى بيئة مشابهة هنا في السعودية، كما جعلني أدرك حجم الإمكانات التي نمتلكها». السينما... صناعة تتسع للجميع ومــــع الـــتـــســـارع الـــــذي تــشــهــده الـسـيـنـمـا الــســعــوديــة خــــال الـــســـنـــوات الأخــــيــــرة، تنظر بالغنيم إلى المنافسة بوصفها مؤشرا صحيا على نمو الـصـنـاعـة، لا سببا للقلق. وتـقـول: «المـــنـــافـــســـة أمـــــر صــــحــــي. نـــحـــن بـــحـــاجـــة إلـــى مزيد مـن صناع الأفـــام والمـبـدعـن. إذا غابت المنافسة، بقيت الصناعة في مكانها، وتوقف تطورها الإبداعي». يوميات الشرق تختصر بالغنيم رؤيتها للسينما بوصفها مساحة لفهم الإنسان، حيث ترى أن الشخصيات تسبق الأفكار، وأن الحكاية تقود الرسالة ASHARQ DAILY 22 Issue 17390 - العدد Thursday - 2026/7/9 الخميس قرية جنوبية 20 الفنانة التشكيلية رنا بستاني تكرم في معرضها «اللون يتحدّى الصمت»... ولادة الأمل من ذاكرة لبنان زيــــــارة غــيــر مــتــوقَّــعــة إلــــى قــــرى الـشـريـط الحدودي تنسجها رنا بستاني في معرضها «الـلـون يتحدى الـصـمـت». ففي غاليري «آرت ديـسـتـريـكـت» بمنطقة الــجــمّــيــزة فــي بــيــروت، لا يــنــقــص ســــوى عـــبـــارة «ابــــتــــســــم... أنــــت في الجنوب» ليصبح الحلم واقعا والوهم حقيقة. ومــــن خــــال مــجــمــوعــة لـــوحـــات تـــزهـــو بـــألـــوان مُبهجة، يصحب المعرض زائـره في جولة إلى تلك البقعة اللبنانية. وتنظر بستاني بعين مـتـفـائـلـة تـــؤمـــن بـــقـــدرة الـــجـــمـــال عــلــى مـــــداواة الذاكرة، لذا اختارت أن تواجه الجراح والدمار بلغتها التشكيلية المُشبَّعة بالرجاء. فوسّعت حـضـور الــزهــري والأحــمــر والأخــضــر والأزرق والذهبي، لتتحوّل هذه الألوان مفردات بصرية تعكس رؤيـتـهـا، وتستحضر جـنـوبـا ينهض بالحياة رغم كل ما أصابه. قـريـة 20 تـشـمـل هــــذه الــرحــلــة الــبــصــريــة ومـــديـــنـــة مـــن الـــشـــريـــط الــــحــــدودي، مـــن بينها يـــارون، وتبنين، ومـركـبـا، وصُـــور، والنبطية، ومـــارون الـــراس، وأرنــــون... وغـيـرهـا. وفــي كل محطة، تـحـاول رنــا بستاني أن تبعث نبض الحياة في مكان أنهكته الحروب، فتنسج عالما بصريا يستلهم الــذاكــرة والــتــراث، مُستعيدة خصوصية كـل بلدة وتاريخها. وتستحضر فـــــي لـــوحـــاتـــهـــا المــــعــــالــــم الأثـــــريـــــة والـــيـــنـــابـــيـــع والـــســـاحـــات والأزقّــــــــة، لــتــرســم جــنــوبــا نـابـضـا بـــالـــحـــيـــاة، كـــمـــا تــحــفــظــه الـــــذاكـــــرة ويـسـتـحـقـه المستقبل، لا كما شوَّهته الحروب وآثار الدمار. تـقـول رنـــا بستاني لـــ«الــشــرق الأوســــط»: «رغـــبـــت فـــي تــكــريــم الـــجـــنـــوب، مـــدنـــه وبــلــداتــه وقـــــــراه، بـلـغـتـي الـــخـــاصـــة؛ لــغــة الــــلــــون. فـهـذه المنطقة يطالعنا وجـهـهـا الــيــوم مـشـوَّهـا عبر الـــشـــاشـــات ووســــائــــل الـــتـــواصـــل الاجــتــمــاعــي، بينما تختزن في حقيقتها جمالا استثنائياً. لذلك قرّرت أن أعيد إليها حقّها في الظهور كما هـي؛ بأرضها وجبالها وسهولها وملامحها الآســـــرة. حـــاولـــت فــي لـوحـاتـي أن أبـــرز الـوجـه الحقيقي للجنوب؛ لإيماني بأن الدمار والركام ينبغي ألا ينتصرا على ذاكـرتـنـا أو يسيطرا على صورتنا عنه». اســتــمــدّت رنـــا بـسـتـانـي صـــور لـوحـاتـهـا مـن مَشاهد طبيعية علقت فـي ذاكرتها خلال زيارات سابقة إلى الجنوب. كما راحت تبحث عــــن مـــعـــالـــم وخـــصـــائـــص أخــــــرى لــــم تـــتـــح لـهـا فرصة اكتشافها من قرب. لكنها لم تنقل هذه المواقع والآثـار بحرفيتها، بل أعادت تفكيكها وتـــركـــيـــبـــهـــا ضـــمـــن رؤيـــتـــهـــا الـــفـــنـــيـــة، فــنــثــرت عناصرها على مساحات لوحاتها لتولد منها مَشاهد جديدة تنبض بالحياة. وتـــــــوضـــــــح: «فــــــــي لـــــوحـــــة صُــــــــــور مــــثــــاً، استحضرت جزءا من القلعة ليشكّل خلفيتها الأسـاسـيـة، ثـم أضـفـت إليها الشمس والبحر والــــجــــامــــع والـــكـــنـــيـــســـة، فــــضــــا عـــــن الـــبـــيـــوت المــتــراصــة فـــي أزقــتــهــا الـضـيـقـة. لــهــذه المـديـنـة رونـــقـــهـــا الــــخــــاص، وشــــوارعــــهــــا، كــمــا أهــلــهــا، مطبوعة بالبساطة والفرح. ولا يمكن أن نغفل (شــــارع الألـــــوان) فـيـهـا، الــــذي اسـتـوحـيـت منه كثيرا من ملامح هذه اللوحة». ومن صُور، تنتقل بستاني إلى الناقورة، حـيـث تصبغ صـخـورهـا بـالـزهـري والـذهـبـي، فـــيـــمـــا تـــكـــســـو تــــالــــهــــا تـــــــدرّجـــــــات الأخـــــضـــــر. واعــــتــــمــــدت فــــي تــنــفــيــذ هــــــذه الــــلــــوحــــة تـقـنـيـة الأكريليك بطبقات متراكمة، ممّا يضفي عليها ملمسا مخمليا آسراً. أما مرجعيون؛ البلدة الجنوبية المتربِّعة على كتف جبل، فترسمها بألوان دافئة يطغى عــلــيــهــا الأحــــمــــر والأخـــــضـــــر، تـــــاركـــــة فــــي أحـــد ممراتها الضيّقة رجــا يقود دراجـــة هوائية. وتـــوضـــح: «تــبــدو جميع هـــذه الــبــلــدات خالية من الحركة. فهي اليوم شبه مهجورة، وبالكاد تعبرها السيارات. لذلك أردت مرور هذا الرجل على دراجـتـه ليكون إشــارة إلـى أن مرجعيون لا تزال تحتفظ بنبض الحياة، ولو بخجل». وتــــطــــول الــــجــــولــــة بــــن بــــلــــدات الـــشـــريـــط الـــحـــدودي، وصــــولا إلـــى مــــارون الــــراس، حيث تصبغ السماء بالأحمر. وتقول: «إنها من أشد الــبــلــدات الـجـنـوبـيـة الـتـي عـانـت ودفــعــت ثمنا باهظاً، لذلك اخترت الأحمر ليغطّي سماءها تكريما لشهدائها». وفي لوحة الصرفند، يلفت النظر مشهد الزوارق وسط بحر هائج، فيما يسود الصمت لـــوحـــة قـــريـــة مـــعـــركـــة، الـــتـــي يـــتـــوسّـــط إحــــدى طرقاتها هــر شـــارد، فـي مشهد يختصر آثـار الغياب. أمـا مركبا وديـر سريان وكفرتبنيت، فتغلب عليها مـسـاحـات الأخــضــر، فـي إشــارة إلــى الأرض الـزراعـيـة التي تُشكل مصدر رزق لأهـلـهـا. وتــشــرح: «أضــفــت الـلـون الـذهـبـي إلى بعض الأحــجــار، تعبيرا عـن إيماني بــأن هذه الأراضـــــي سـتـعـود إلـــى أصـحـابـهـا، لتستعيد دورها مصدرا للرزق والحياة». وتستوقف الزائر لوحة بعنوان: «ممالك صــامــتــة تـــتـــحـــدّث بـــــالألـــــوان»، مــســتــوحــاة من مدينة صيدا. وتقول عنها: «لها مكانة خاصة في قلبي، فهي تعيدني إلى جزء من طفولتي؛ لأنـنـي أنتمي إلــى بـلـدة الـجـيّــة القريبة منها. رسمت أزقّتها وطرقاتها ومعالمها التي لا تزال محفورة في ذاكرتي. أما المرأة التي تسير على الـطـريـق الــرمــاديــة وهـــي تـحـمـل ســــالا ثقيلة، فتجسّد قــوة نـسـاء صـيـدا وصـابـتـهـن. ورغـم ثقل الأعـبـاء، فإنهن يواصلن الطريق بثبات، فيتحوَّلن رمزا لتمكين المرأة، التي لا يستطيع الـــنـــزوح ولا الـــدمـــار أن يـثـنـيـاهـا عــن مـواصـلـة تحقيق أهدافها». والـــلـــوحـــة الـــتـــي تـخـتـتـم بــهــا مـعـرضـهـا، «الرقص خارج الصمت»، تحمل رسائل كثيرة عن الجنوب الصامد، وتستعيد فيها بستاني مـخـتـلـف عــنــاصــر الـــحـــيـــاة والــــفــــرح. فـنُــشـاهـد مجموعة من الشباب يؤدّون الدبكة اللبنانية، وخلفهم بيوت قرميديّة تنتمي إلــى العمارة اللبنانية التراثية، فيما تحضر شجرة الزيتون فـي الجهة الـيـسـرى مـن الـلـوحـة رمـــزا للجذور والاستمرارية. وتشرح بستاني: «إنها إشارة إلى استمرارية العيش في الجنوب مهما بلغت التضحيات، وأن هذا المكان سيستعيد عافيته ويشهد غدا أنصع إشراقاً». بيروت: فيفيان حداد مدينة صيدا بريشة رنا بستاني (الشرق الأوسط) رنا بستاني تُكرّم بلدات الجنوب في معرض «اللون يتحدّى الصمت» سارة مع فريق الفيلم خلف الكواليس (الشرق الأوسط) عن رحلتها مع السينما وفيلمها الأخير «ارتزاز» المخرجة السعودية تحدثت لـ سارة بالغنيم: في أفلامي... الكوميديا تُولد من عبث الواقع الدمام: إيمان الخطاف سارة بالغنيم (الشرق الأوسط)

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky