فـي الأســطــورة الإغـريـقـيـة، عـاقـبـت الآلـهـة شابّا جميل الصُّورة عازفا عن محبَّة الآخرين؛ بأن جعلته يرَى صورتَه على صفحة الماء فيقع في غرامها. جدير بالانتباه أن نرسيس كان جميل الصورة حقاً، ووقع في غرام ذاته. وهذا يختلف عن اضطراب الشَّخصية النَّرجسية الموصوف في بعض مدارس علم النفس، حيث المـريـض يحمل في الأســاس ذاتا هــشــة مـــهـــزومـــة تـشـعـر بــالــخــجــل مـــن حـــالـــهـــا، لـكـنَّــه يغطيها بـــــذات مـتـغـطـرسـة تــقــدم نـفـسَــهـا بـإعـجـاب زائف. أي أنَّه يستعير شخصية الأسطورة لتغطية شخصيته الحقيقية، وهـي آلية يمكن أن تطورَها المـــجـــتـــمـــعـــات أيـــضـــا لإخــــفــــاء شـــعـــورهـــا بــالــهــزيــمــة والفشل. أمَّـــــــا مــــا يـــتـــشـــابـــه فـــيـــه اضـــــطـــــراب الــشــخــصــيــة النرجسية مع الأسطورة، فهو العزوف عن الإعجاب بالآخرين، والقصور عن تقديرهم بما يستحقون. يتشابهان أيضا في «الثغرة الدرامية الإغريقية»؛ حــيــث تــتــطــور ثـــغـــرة تـــبـــدو بـسـيـطـة فـــي شخصية البطل، وتتعاظم لتصنع مصيرَه. والتشجيع الـكـروي مـجـال شـيّــق لملاحظة هذه الـــظـــاهـــرة فـــي حـالـتـهـا المـجـتـمـعـيـة، وذلــــك لأســبــاب تجعله مـثـالـيّــا لــهــذا الـــغـــرض. فـهـو يـتـمـتَّــع بحرية الــتــعــبــيــر، حــتــى فـــي أكـــثـــر المــجــتــمــعــات اســـتـــبـــداداً. وبالتالي يعبر بلا رقابة عن طريقة تفكير الجماعة. كـمـا أن مـجـتـمـع الـتـشـجـيـع الـــكـــروي يـصـنـع ما يشبه طائفة تتشارك الأفراح والأحزان والطموحات، وتتبادل تحليلات الإخـفـاق وتتجادل حولها. فما ينتج عنه يدل على تفاعل شعوري وعقلي أيضاً. وهـــــو عــيــنــة واســـــعـــــة. فـــيـــه جـــمـــهـــور ولاعـــبـــون وإداريون وقادة، كلّهم اختاروه بطريقة حرة، ولكل منهم دور وتأثير وإسهام في المحصلة. أمَّـــا أهـــم مــا يجعل مجتمع التشجيع الـكـروي مــثــالــيّــا لـفـهـم ذهــنــيــة الـــجـــمـــاعـــات، فـــهـــو أن نـتـائـج الـفـريـق حــاضــرة، عيانا بـيـانـا؛ مـا يجعل منجزاته وإخفاقاته ممكنة القياس، ومطلوب منه التفاعل معها في مختلف أحوالها. إن استطاعت الجماعة أن تصطنع حيلا لتبرير الإخفاق وادعاء الأحقية في مجال التشجيع الكروي، لا سيما إن تحوّل هذا إلى سلوك متكرر لصيق بها، فلك أن تتخيَّل ما يمكن أن تـفـعـلَــه فــي مـجـال جـدلـي كـالـسـيـاسـة أو الإنـتـاج الثقافي والحضاري. مـن أبـــرز ظـواهـر مجتمعات التشجيع الـكـروي ما يمكن أن نسميَه «نرجسية المركز الثاني». لدينا هنا كيان دخل منافسة، ولم يكن الفوز بعيدا عنه، لكنَّه لم ينله. وبدل أن ينظر في الأسباب الموضوعية ويــــطــــمــــح إلــــــى تـــحـــســـن فـــــرصـــــه، يــــســــوق المـــــبـــــررات الـتـآمـريـة، ويلعب دور الضحية. يـعـزف عـن تقدير الـبـطـل، ويــصــر عـلـى سـرقـة الأضــــواء مـنـه وتحويل نفسه إلى محور الحدث. قد يحدث هـذا السلوك كــرد فعل دفاعي طارئ للتعامل مع الصدمة. لكن إن لم يتجاوزه فسيقلل فرص فوزه المرة المقبلة. فإن كرَّر السلوك نفسَه دخل بقدميه إلـــى «الـثـغـرة الــدرامــيــة الإغـريـقـيـة»، وصــار هـذا السّلوك اللعنة الداخلية التي تصنع مصيرَه. يتحوَّل من مجرد رد فعل لحظي إلـى ذات ظاهرية » يُخفي بها تراجع الثقة بالنفس وتراجع persona« الثقة في القدرة على الإنجاز. نــرجــســيــة المـــركـــز الـــثـــانـــي تـخـتـلـف عـــن غـيـرهـا مـــن دفـــاعـــات المـــهـــزوم. كـاهـمـا قـــد يــطــور شخصية تــدمــيــريــة هـــدامـــة. لــكــن الـــفـــارق أن نـرجـسـيـة المــركــز الثاني لا تريد هــدم المنظومة بكاملها، وإن ادعـت ذلـــــك؛ فــهــي جـــــزء مــنــهــا. بـــل تـــريـــد أن تــضــغــط على المنظومة لتدمير المتفوق أو تقليص قـدراتـه. ترفع شــعــارات مختلفة فـي السياسة وفــي التعليم وفي الرياضة، تتَّفق جميعُها في أنَّها لا تسعى إلى رفع مستوى الأضـعـف، بـل إلــى شــد المتفوق إلــى أسفل، وإعادة كتابة الشروط، والرغبة في البدء من الصفر، مرة بعد مرة بعد مرة. ونــرجــســيــة المـــركـــز الـــثـــانـــي تــبــالــغ فـــي تـصـديـر الإحباط، لكنَّها في الواقع حاضرة الأمل، لأن الجائزة لا تزال في مرمى عينيها. ما يجعلها مغناطيسا لفئة واسعة من الطامحين غير المتحققين، أو المحبطين، الذين يعيشون في أسطورتها أسطورتهم. من مصلحة أي كيان أن يجد في نفسه القدرة على الإعجاب بالآخرين وتقدير ما يفعلونه. إن لم يجد فليوجد. إن لـم يكن طبعَه فليتطبع. قبل أن تتملَّكَه صـورتُــه كما فعلت مع نرسيس أو تسلب روحَـــــــه كـــمـــا فــعــلــت مــــع دوريــــــــان غــــــراي فــــي خــيــال أوسكار وايلد. أسابيع على مذكرة التفاهم الأميركية 3 ُ مضى نحو - الإيـرانـيـة مـن دون أن يشي مـسـار المـفـاوضـات الجارية بإمكان التوصل إلى اتفاق نهائي؛ الأمـر الـذي يعيد إلى الـواجـهـة مصير هــذا المـسـار، بعد انقضاء مهلة الستين يـومـا الـتـي حـددتـهـا المــذكــرة للتفاوض على اتــفــاق. فـإذا كانت المهلة قابلة للتمديد إلى أجل غير معلوم، وكانت تكلفة الانسحاب من المفاوضات تعني عمليا العودة إلى الحرب، فهل تتحول مذكرة التفاهم -بحكم الأمر الواقع- إلى الاتفاق نفسه؟ مثل هـذا الاحتمال من شأنه أن يعمِّق حالة القلق؛ لا سيما لدى الشركاء الإقليميين، وإن ظل بعضهم يعوِّل على أن تعيد واشنطن النظر فـي بعض تنازلاتها، بما يخفف من تلك المخاوف. هـنـاك دفــع بـاتـجـاه مـزيـد مـن الاهـتـمـام نحو تعزيز الدفاعات الإقليمية، وتنويع الممرات التجارية بعيدا عن نقاط الاختناق التقليدية، لا سيما مضيق هرمز وباب المـــنـــدب. ومـــن شـــأن ذلـــك أن يــرفــع -عــلــى الأرجـــــح- وتـيـرة الاستثمار في التسلُّح وتطوير البنية التحتية. إن تـداعـيـات تمديد المـهـل التفاوضية مـن دون أفق زمني تتجاوز مسار التفاوض نفسه، لتطول جملة من الملفات الأكثر حساسية. تنص المذكرة على إبقاء مضيق هرمز مفتوحا لمدة ستين يوماً، مع ضمان حرية مرور السفن من دون رسوم عـبـور. وبـعـد انـقـضـاء هــذه المـهـلـة، تـبـدأ إيـــران مناقشات مـــع سـلـطـنـة عُـــمـــان ودول الـخـلـيـج بــشــأن إدارة المضيق و«الخدمات البحرية». ومن شأن هذا الترتيب أن يكرس دورا غير مسبوق لطهران في إدارة هذا الممر، بما يفتح الـبـاب أمـــام إعـــادة تعريف آلـيـات إدارة المــمــرات البحرية الـدولـيـة وفــق مـوازيـن الـقـوى الإقليمية؛ لا وفــق القواعد الدولية الناظمة للملاحة، ما يشكل سابقة خطرة. إلى ذلك، لا تنص مذكرة التفاهم على التخلص من مخزون إيــران الحالي من اليورانيوم عالي التخصيب؛ بل تكتفي بالإشارة إلى احتمال خفض نسبة تخصيبه داخل إيـران، على أن تتولى مراقبة هذه العملية جهة أو جهات لم تُحدد بعد. ولـــــــم تــــتــــطــــرق المــــــذكــــــرة إلـــــــى بــــرنــــامــــج الــــصــــواريــــخ الباليستية، وهو الملف الذي تؤكد إيران أنه غير مطروح للتفاوض أصلاً. كما أن أنشطة وكلاء إيران في المنطقة لم تبق خارج جدول المفاوضات فحسب؛ بل إن البند الأول منها ربط معالجة الملفات الواردة فيها بوقف إطلاق النار في لبنان، وانسحاب إسرائيل غير المشروط من أراضيه، بما يوفر حماية لـ«حزب الله». إن قبول واشنطن ربط مسار التفاوض حول مضيق هرمز والملفات الأخــرى بلبنان يمثل خطأ استراتيجياً. فالأولوية لطهران ليست حماية لبنان؛ بل إنقاذ «حزب الـــلـــه». وإذا كـــان المــســؤولــون الأمــيــركــيــون يـــريـــدون فعلا حــمــايــة الــحــكــومــة الـلـبـنـانـيـة والإبــــقــــاء عــلــى أي أمــــل في استعادة سيادة الدولة، فعليهم ألا يستجيبوا للمطلب الإيراني الذي يجعل معالجة القضايا الواردة في مذكرة التفاهم مـشـروطـة بالحفاظ على وقــف إطـــاق الـنـار في لبنان. فهذا الشرط - وفق المقاربة الإيرانية - يعني وقف الـحـرب، بما يمنح «الــحــزب» فـرصـة لإعـــادة بـنـاء قـدراتـه بـــدلا مــن نــزع سـاحـه، بـالـتـوازي مـع الضغط لانسحاب إسرائيل. لــتــجــنــب كــــل هـــــذه الـــســـيـــنـــاريـــوهـــات، ســـيـــكـــون عـلـى الولايات المتحدة استخدام أدوات الضغط التي أكد كل من الرئيس دونالد ترمب ونائبه جي دي فانس مــرارا أنها لا تـزال في متناول واشنطن. غير أن ترمب نفسه يبعث من خلال تصريحاته المتكررة رسائل معاكسة، تضعف صدقية استخدام هذه الأدوات. ويــبــدو أن مـقـاربـة إدارة تـرمـب تـقـوم عـلـى افـتـراض أن رغـــبـــة إيـــــران فـــي الانــــدمــــاج الاقـــتـــصـــادي قـــد تجعلها دولـــة مختلفة. غـيـر أن هـــذا الافـــتـــراض يـتـجـاهـل رســوخ آيديولوجية النظام وصــورتــه. ففي حـن يــرى كثير من المراقبين أن تخفيف العقوبات لصالح الشعب الإيراني، يبقى الاحتمال الأرجح أن تكون هذه المكاسب محدودة؛ لأن جزءا كبيرا من الأموال سيُوجَّه إلى أولويات يحددها النظام، لا سيما بعد أن خرج من الحرب أكثر تشددا وثقة. أمــــا داخـــلـــيـــا، فــيــرفــض المـــتـــشـــددون مـــذكـــرة الـتـفـاهـم رفــضــا قــاطــعــا، بـيـنـمـا يـعـتـبـر بــعــض الإصـــاحـــيـــن أنـهـا تمثل انتصارا على أميركا. في المقابل، يشعر الإيرانيون المعارضون للنظام بـأن المـذكـرة خذلتهم وأنهم الخاسر الأكبر. في المحصلة، قد لا تقود مذكرة التفاهم إلـى اتفاق نـهـائـي، ولكنها قـد تـتـحـول إلــى الاتــفــاق نـفـسـه، لترسِّخ واقعا دائما يعيد رسـم مـوازيـن القوى بالمنطقة لصالح طهران، من دون تسوية حقيقية. ويــبــقــى صــاعــق الـتـفـجـيـر هـــو إســـرائـــيـــل واســتــمــرار عملياتها فــي لـبـنـان، بـعـدمـا حــــذَّرت طــهــران مــن أن ذلـك سيُعَد انتهاكا لوقف النار، قد يؤدي إلى جولة جديدة من الضربات الصاروخية المتبادلة. فـــي الـــقـــرن الـــتـــاســـع عــشــر أطـلـق الأوروبـــيـــون على الـدولـة العثمانية وصـــف «رجــــل أوروبـــــا المـــريـــض». لم يـــكـــن الــــوصــــف إهــــانــــة بـــقـــدر مـــا كــان تـوصـيـفـا لـحـال إمــبــراطــوريــة تتآكل مـــن الــــداخــــل وتــفــقــد الــســيــطــرة على أطـــــرافـــــهـــــا. كــــانــــت المـــشـــكـــلـــة مـــرضـــا سياسيا يمكن فهم أسبابه وتحليل أعـراضـه. أمـا الجنون فحالة أخـرى؛ فالمريض قد يضعف لكنه يظل قابلا للفهم، بينما يصبح المجنون خارج حــدود التوقع والمعايير التي تنظّم السلوك الإنساني. إذا كان لا بد من وصف سياسي لإسرائيل بعد حرب الإبـادة في غزة وما رافقها من عمليات عسكرية في لـبـنـان وســـوريـــا وإيـــــران أيــضــا، فــإن الــوصــف الأقــــرب هـــو: «رجــــل الـشـرق المجنون». ليس هذا حكما أخلاقياً، بــل مـحـاولـة لـفـهـم ظــاهــرة سياسية استثنائية. فالدول لا تُعرَّف بقوتها أو ضعفها فقط، بل بمدى خضوعها للقواعد التي يخضع لها الآخرون. مـنـذ تــومــاس هـوبـز إلـــى ماكس فيبر، ارتبط تعريف الدولة باحتكار العنف المشروع. لكن كلمة «المشروع» هـــــي جــــوهــــر المـــــســـــألـــــة. فـــالـــعـــنـــف لا يصبح شرعيا لمجرد امتلاك الدولة للقوة، بل لارتباطه بقواعد وقوانين وآلـيـات مساءلة تضبط استخدامه داخل الحدود وخارجها. وهنا يبرز السؤال: هل خضعت 1948 إســــرائــــيــــل مـــنـــذ قــيــامــهــا عـــــام لمستوى المساءلة ذاتـه الـذي تخضع له الــدول الأخــرى؟ إذا كانت الإجابة بـالـنـفـي، فـنـحـن أمــــام دولــــة تـحـررت تـــدريـــجـــيـــا مــــن الـــقـــيـــود الــســيــاســيــة والــــقــــانــــونــــيــــة الــــتــــي تــــنــــظّــــم ســـلـــوك الدول، وانتقلت إلى ما يسميه الفكر السياسي «حالة الاستثناء». فــــــــي المـــــــفـــــــهـــــــوم الـــــكـــــاســـــيـــــكـــــي، الاســـــتـــــثـــــنـــــاء وضــــــــع مـــــؤقـــــت تــلــجــأ إلـــــيـــــه الــــــــــدول فـــــي أوقــــــــــات الأزمـــــــــات الـكـبـرى، ثـم تـعـود بعد انتهائه إلى الـحـالـة الطبيعية. أمــا حـن يتحول الاستثناء إلـى قـاعـدة دائـمـة، فنحن أمــــام ظـــاهـــرة مـخـتـلـفـة. وهــنــا تكمن فرادة الحالة الإسرائيلية. فإسرائيل تبدو وكأنها تعيش داخـــــــل دائــــــــرة اســـتـــثـــنـــاء مــســتــمــرة. تستطيع أن تخوض حروبا متعددة الــجــبــهــات، بـيـنـمـا يــتــحــول الـنـقـاش فـي كثير مـن الـعـواصـم الغربية من ســـــؤال: مــــاذا فـعـلـت؟ إلـــى ســـــؤال: ما الــــذي دفـعـهـا إلـــى ذلــــك؟ والـــفـــرق بين الــســؤالــن جـــوهـــري. الأول مـسـاءلـة للفاعل، والـثـانـي بحث عـن مـبـررات لفعلته. في الحالة الأولــى يُسأل الفاعل عن أفعاله، وفي الثانية يُسأل العالم عن دوافعه. وهذا ما يجعل إسرائيل حالة استثنائية في النظام الدولي. في كتابه «الجنون والحضارة»، لاحظ ميشيل فوكو أن الجنون ليس مـــجـــرد فــــقــــدان الـــعـــقـــل، بــــل الـــخـــروج مـــن مــنــظــومــة الـــقـــواعـــد الـــتـــي تحكم الآخرين. والمفارقة أن إسرائيل ليست معزولة كما كـان يُــعـزل المجنون في المـاضـي، بـل محمية. لكنها تُعامل، سياسياً، داخـــل فـضـاء مختلف عن ذلك الذي تُعامل فيه بقية الدول. عــنــدمــا غــــزت روســـيـــا أوكـــرانـــيـــا أصـــبـــح الـــقـــانـــون الــــدولــــي المـرجـعـيـة الأســــــاســــــيــــــة لـــــلـــــنـــــقـــــاش. وعــــنــــدمــــا يتصاعد التوتر حول تايوان يعود الحديث عن النظام الدولي وقواعده. أما في الحالة الإسرائيلية، فيتراجع الـــقـــانـــون الـــدولـــي لــصــالــح ســرديــات الـــــدفـــــاع عــــن الـــنـــفـــس أو المــظــلــومــيــة الـــــتـــــاريـــــخـــــيـــــة. وتـــــصـــــبـــــح الـــــنـــــوايـــــا المفترضة أهــم مـن الـوقـائـع القائمة، والمــخــاوف المحتملة أهــم مـن نتائج الأفعال الجارية. ســـيـــاســـيـــا، أنــــتــــج هــــــذا الـــوضـــع مــــــا يــــمــــكــــن تـــســـمـــيـــتـــه «الــــحــــصــــانــــة الاســتــراتــيــجــيــة»؛ أي الاعــتــقــاد بـــأن الــدعــم الــغــربــي لإســرائــيــل لا يرتبط بما تفعله بقدر ارتباطه بما تمثله. وهنا يكمن الخطر. فعندما تقتنع دولـــة بـــأن تكلفة الفعل أقــل مـن تكلفة الامـتـنـاع عنه، تصبح أكثر ميلا للمغامرة. وعندما تـــتـــيـــقـــن أن حــــلــــفــــاءهــــا ســــيــــبــــررون أفـــعـــالـــهـــا مـــســـبـــقـــا، تـــتـــراجـــع أهــمــيــة الـحـسـابـات التقليدية الـتـي تضبط سلوك الدول. التاريخ يعلمنا أن القوى الكبرى لا تتعثر بسبب الضعف وحــده، بل بسبب اقتناعها بأن القواعد لم تعد تـنـطـبـق عــلــيــهــا. رومـــــا وصـــلـــت إلــى تـلـك الـلـحـظـة، وفـرنـسـا النابليونية عـرفـتـهـا، وكــذلــك ألمـانـيـا فــي مـراحـل مختلفة من تاريخها. كـل قــوة تـبـدأ فـي التعثر عندما تخلط بين التفوق والحصانة. لـذلـك فــإن وصــف إسـرائـيـل بأنَّها «رجــــــل الــــشــــرق المــــجــــنــــون» لا يـتـعـلـق بـعـقـل الإســرائــيــلــيــن أو ثـقـافـتـهـم أو مجتمعهم، بل بوضع سياسي فريد: دولة قوية تتصرف كما لو أنها خارج دائــــــــرة المــــســــاءلــــة الــــتــــي يـــخـــضـــع لـهـا الآخرون. كـــــــان «رجـــــــــل أوروبــــــــــــا المـــــريـــــض» مـشـكـلـة لأنــــه كــــان يـــنـــهـــار. أمــــا «رجـــل الشرق المجنون» فتكمن مشكلته في اعــتــقــاده أن حــــدود الـــقـــوة هـــي حـــدود العالم نفسه. ومــــا بـــن المـــــرض والـــجـــنـــون فــرق كــبــيــر. فــالمــريــض يــحــتــاج إلــــى عـــاج، أمــــا مـــن اعـــتـــاد الإفــــــات مـــن المــســاءلــة فيحتاج أولا إلى من يذكّره بأن العالم لا يـقـوم على الـقـوة وحــدهــا، بـل على القواعد التي تجعل التعايش ممكناً. OPINION الرأي 12 Issue 17387 - العدد Monday - 2026/7/6 الاثنين هل تتحوَّل مذكرة التفاهم إلى الاتفاق النهائي نفسه؟ نرجسية المركز الثاني رجل الشرق المجنون وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مأمون فندي سام منسى خالد البري
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky