issue17386

كتب أحد املتسائلني: ملاذا ال يَحسم السعوديون وضــع اليمن وينهون جماعة الحوثي؟ الحقيقة أنَّــه بـعـد ســنــوات طـويـلـة مــن متابعة هـــذا املـلـف يُمكنُني القول إن قضية الحوثي تشبه «جحر األرنــب»؛ كلَّما ظننت أنَّك وصلت إلى حقيقتِها اكتشفت طبقة أخرى من أنفاق العالقات والتَّحالفات القبلية واإلقليمية. االسـتـنـتـاج األولــــي يـبـدو بسيطًا، لـكـنَّــه واقــعــيٌّ، الـحـوثـي حــالــة مـؤقـتـة. فـهـي جـمـاعـة قـبـلـيَّــة صغيرة مسلحة ومؤدلجة متطرفة، وكـل الـحَــاالت التاريخية املماثلة تقول إنَّــهـا ال تصمد فـي األخـيـر. هـم أقــل من سبعة في املائة من سكَّان اليمن، مع ذلك نجحُوا في نـسـج تـحـالـفـات مـحـلـيـة واســـعـــة، والـتـحـالـفـات نقطة ضعف الجماعة كمَا كانت نقطة قوَّتِها. وال يصح تشبيه الحوثي اليمني (أنصار الله)، باللبناني «حـزب الله»، األكبر عـددًا ونسبة سكانية، ويعيش فـي حاضنتِه الشيعية واالجتماعية داخــل لــبــنـــان ولـــيـــس بــعــيــدًا عـنـهـا كــالــحــوثــي فـــي صـنـعـاء. الحوثي أقلية تسلَّلت من صعدة إلى صنعاء مستغلة اضـطـرابـات الـربـيـع الـعـربـي واحتلتْها بـقـوّة الـسّــ ح والتحالفات، وأعـادت إحياء الحكم اإلمامي. الحوثي ليس «حزب الله» له مستقبل سياسي ألنَّه يستند إلى كثافة سكانية. هناك أيضًا «الحوثي الشوكة». ال يهدّد استقرار السعودية فحسب، بل يهدّد اليمن أوالً. وقد استطاع الــحــوثــي الـصـغـيـر أن يـجـعـل نـفـسَــه العــبــ يــــوازي في خطره إيران، فقد كانت له األسبقية في تهديد التّجارة الدولية في «مضيق باب املندب» واملالحة عمومًا في البحر األحمر، وقد حاولت الجماعة املسلحة أيضًا أن تلعب دورًا عابرًا للحدود واملـيـاه إلـى شـرق أفريقيا. لكن الحوثي يظل فرقة صغيرة تــزداد هشاشة كلَّما كبر حجمُها ووسعت نشاطاتِها العدوانية. في املقارنات الجيوسياسية، قد يشبه الحوثي مـــع الــسّــعــوديــة مــثــل كــوبــا لـــلـــواليـــات املـــتـــحـــدة. كـوبـا تبدو نقطة صغيرة في جـوار أميركا. ظلَّت الجزيرة الشيوعية شوكة في خاصرة واشنطن لعقود بحكم ارتباطِها بموسكو. اآلن كوبا الكاستروية في الفصل األخير وستعود قريبًا للحضن األميركي. أمَّا كيف عاشت ونجت هذه النَّملة بجوار الفيل األمـــيـــركـــيّ؟ فـقـد كــــان ذلـــك مـــن بـــ تــفــاهــمــات الـحـرب الباردة. الواليات املتحدة قرَّرت غزو الجزيرة الكوبية حليفة موسكو. ومع أنَّها حاولت مرة وأخفقت، إال أن السوفيات اقتنعوا بأن األميركيني لن يتوقَّفوا، لهذا عـــرض خـروتـشـوف أن يـسـحـب الــصــواريــخ مـقـابـل أن يتعهَّد كينيدي بعدم غــزو الـجـزيـرة التي لـن تصبح مـصـدر تـهـديـد، وأن تـسـحـب أمـيـركـا صـواريـخَــهـا من تـركـيـا، خــط املـواجـهـة األمـيـركـي ضـد مـوسـكـو. وافــق الـــطـــرفـــان واســـتـــمـــرّت كــوبــا دولـــــة شــيــوعــيــة مــهــادنــة، وتركيا الحليف الغربي الذي ال يهدّد موسكو. الــــــحــــــوثــــــي و«حــــــــــــــزب الـــــــلـــــــه» وكــــــــيــــــــ ن إليـــــــــران تستخدمُهما ضـمـن استراتيجيتها لـفـرض نفوذها عـلـى دول املـنـطـقـة، تـحـت عــنــاويــن دعــائــيــة مـعـروفـة. ال نعلم بـعـد كـيـف سـتـصـوغ طــهــران استراتيجيتَها اإلقليمية نتيجة الحرب الحالية مع الواليات املتحدة وإسرائيل. وإذا لم يُحسم ملف الوكالء تفاوضيًّا، فمن املــرجّــح أن هـــذه املـنـاطـق املـتــأزمــة قــد تشهد صـــوالت الحقة. فـــي املـــقـــابـــل، الــيــمــنــيــون قــــــــادرون عــلــى مـشـاغـلـة الحوثي وإنهاكه، وفي األخير القضاء على مشروعه. حاليًّا ال يسيطر سوى على ثلث األراضـي التي كانت تــحــتَــه فـــي ذروة انـــتـــشـــاره. مـــطـــارُه مــغــلــقٌ، ومــوانــئُــه تـــحـــت الـــحـــصـــار، وقــــيــــادتُــــه مـخـتـبـئـة تـــحـــت األرض. كمَا أن الحوثي، من منظور إيـرانـي، وكيل أقــل قيمة اسـتـراتـيـجـيـة مــن ميليشيات الـــعـــراق و«حــــزب الـلـه»، وسيكون أرخص ورقة على الطاولة لو قرَّر املقايضة في صفقات إقليمية. لهذا أرى أنَّه حالة مؤقتة. غير أن التَّحدي يكمن فـي أن الحوثي لـم يُعرف عـنـه املـــرونـــة الـسـيـاسـيـة، بــخــ ف «حــــزب الـــلــه» الـــذي سبق ووقَّع اتفاقات مع إسرائيل، واستجاب لدعوات خصومه اللبنانيني في أزمات ماضية. ويـبـقـى الـــسُّـــؤال: هــل يـوجـد مــخــرج ألنــصــار الله من هذه الحفرة التي يعيشون فيها، وكانت قصرًا ثم أصبحت سجنًا لـهـم؟ ال يـــزال الـحـل الـسـيـاسـي؛ وهو التشارك السياسي على الطاولة الذي يمكن أن ينقذَه من الدمار. فالحوثي يبقى مكونًا يمنيًّا، له أن يكون شريكًا في الحكم ال أن يهيمن عليه. وقد عُرضت عليه املشاركة مـراتٍ، وال يزال يكابر ويرفض طمعًا في كل السُّلطة حتى يأتيَه يوم يفقد فيه كل شيء. ثمة تـطـوّرات تنذر بالخطر في غرب املحيط الهادئ، والواليات املتحدة غير مستعدة لها. في وقت سابق من هذا الشهر، يواصل خفر سفن فـي املـيـاه الدولية 3 الـسـواحـل الصيني مـع قــــرب الــســاحــل الــشــرقــي لـــتـــايـــوان، مـطـالـبـ إيــاهــا بــاإلفــصــاح عـــن مـنـافـذ انـطـ قـهـا ووجــهــاتــهــا. لم تُوقف الصني هذه السفن، لكنَّها كانت تؤكد حقّها فـي مـراقـبـة الـحـركـة البحرية قــرب تــايــوان، وربما تُلقي بظالل على أزمة كبرى قد ال تبعد سوى عام أو عامني. ويساور كثيرًا من املراقبني املتخصصني في الــشــأن الصيني قـلـق مــن انــــدالع أزمـــة تــايــوان في العام املقبل. فوفق ما رصدته أجهزة االستخبارات األميركية، أصدر الرئيس الصيني شي جينبينغ أوامره للجيش الشعبي الصيني بأن يكون جاهزًا . غير أن اللحظة 2027 للتحرك تجاه تـايـوان عـام ،2028 ) الفارقة قد تكون في يناير (كانون الثاني مـوعـد االنـتـخـابـات الـرئـاسـيـة الـتـايـوانـيـة املقبلة، حني قد يقرر شي حينها حسم األمر. صحيح أن املشهد يـبـدو هـادئـ فـي الظاهر. فآخر أزمة كبرى تتعلق بتايوان وقعت قبل نحو سنوات، حني زارت رئيسة مجلس النواب آنذاك 4 نانسي بيلوسي الجزيرة. والعالقات األميركية - الصينية تبدو في هدنة مؤقتة؛ إذ التزم الرئيسان شي وترمب «االستقرار االستراتيجي البنّاء» في لقائهما الذي جمعهما في مايو (أيار) املاضي في بكني. لكن ال يخدعكم الهدوء الظاهر. تواصل الصني حشد القوة العسكرية الالزمة إلخــــضــــاع تــــايــــوان وإجــــبــــارهــــا عـــلـــى الــــوحــــدة مـع الـــصـــ ، مـــع تـصـعـيـد مــتــواصــل لـلـضـغـط الـيـومـي من خـ ل أعمال تقع دون عتبة الحرب املباشرة. فـــــتـــــايـــــوان مــــحــــاطــــة بــــاســــتــــمــــرار بـــســـفـــن بـــحـــريـــة صينية، وتُجري مناورات مفاجئة تحاكي الغزو أو الـــحـــصـــار. وتــقــصــف بــكــ تـــايـــوان بـــ هــــوادة بهجمات إلكترونية وحـمـ ت تضليل وعمليات تجسس. وال يبدو املشهد هادئًا إال ألن شي نجح في تطبيع هذه الحرب النفسية متعددة الجبهات. هـــدف الــصــ هـــو االنــتــصــار دون قـــتـــال، مع إبقاء املطرقة العسكرية مرفوعة إذا اقتضى األمر. وتصف الدعاية الصينية رئيس تايوان الي تشينغ تي بأنه متطرف يسعى إلى االستقالل. ولن يقف شي مكتوف األيدي إذا حرّك ألي قاعدة حزبه «الديمقراطي التقدمي» بتصريحات قوية حول الـسـيـادة الـتـايـوانـيـة. وقــد يلجأ شـي إلــى التأثير في مسار االنتخابات عبر إجــراءات إكراهية أكثر حدة، كاختبارات الصواريخ واملناورات العسكرية الكبرى املثيرة للذعر، فـي رسـالـة مفادها أن فوز سنوات إضافية من الخطر. 4 الي سيجلب ، دفع هذا الضغط الناخبني 2016 غير أنه منذ التايوانيني بعيدًا عـن املرشحني الـذيـن تفضّلهم بكني. ومن ثَم تبرز احتمالية ثانية، وهي أن يُسيء شي االستجابة لنتيجة انتخابية ال تروق له. واملـرشـحـة املـفـضّــلـة لـــدى شــي هــي تشنغ لي وون، رئــيــســة حــــزب «الــكــومــيــنــتــانــغ» املـــعـــارض، والتي توجّهت إلى بكني في ربيع هذا العام سعيًا إلـــى تـعـزيـز الــعــ قــات مــع الــبــر الـرئـيـسـي. بـيـد أن تشنغ نالت منصبها فـي تصويت مغلق اقتصر على أعضاء الحزب. وقد تُنفّر سياسات تشنغ الناخبني املعتدلني الذين يكنّون أصال عدم ثقة بحزب «الكومينتانغ» فــي املـلـفـات األمــنــيــة. والي - رغـــم تــدنــي شعبيته وإن كانت في تحسّن تدريجي - قد ينجح بفارق ضـيّــق فـي الـفـوز بـواليـة ثانية. أو ربـمـا يستطيع «الـــكـــومـــيـــنـــتـــانـــغ» الـــــفـــــوز بـــالـــتـــخـــلّـــي عـــــن تـشـنـغ لـصـالـح مـرشـح أكـثـر رصــانــة ووعــيــ مــن الناحية االستراتيجية. في كلتا الحالتني، ستكون لتايوان حكومة لن تسير في مسار الوحدة، بنفس القدر أو السرعة التي يريدها شي. وقد يؤدي اإلحباط الناجم عن ذلك إلى رفع مستوى الضغوط بشكل أكبر. وهــذا لـن يستلزم بـالـضـرورة غــزوًا عسكريًا. فـبـنـاء عـلـى الــتــحــركــات األخـــيـــرة لـخـفـر الـسـواحـل الــصــيــنــي، قـــد يــفــرض شـــي بــــدال مـــن ذلــــك «حــجــرًا جـمـركـيـ». وقــد تلجأ بكني إلــى مضايقة الحركة الـــجـــويـــة والـــبـــحـــريـــة مــــن وإلــــــى تـــــايـــــوان بـــصـــورة انـتـقـائـيـة، وتــشــتــرط عـلـى الـسـفـن املـتـجـهـة إليها املرور أوال عبر الجمارك في البر الرئيسي. والهدف من ذلك كله هو صدم املنظومة التايوانية بالكشف عن مـدى سهولة خنق الجزيرة بالنسبة للصني، وصعوبة تصدّي الواليات املتحدة لذلك. كـــســـر هـــــذا الـــحـــصـــار ســـيـــكـــون أمــــــرًا عـسـيـرًا فــي أي ظـــرف؛ إذ يستلزم مــن الـــواليـــات املتحدة ممارسة ضغط مضاد على بكني - ربما يجمع بـــ عـــقـــوبـــات تـــجـــاريـــة ومـــالـــيـــة وتــكــنــولــوجــيــة، وإدانــــة دبلوماسية دولــيــة، واســتــعــدادات لكسر الــحــصــار بــالــقــوة الـعـسـكـريـة إذا اقــتــضــى األمـــر - دون أن تُــفـضـي إلـــى تـصـعـيـد غـيـر مـحـسـوب. واألســـــــوأ مـــن ذلـــــك، أن تـــراجـــع تـــرمـــب فـــي حــرب التعريفات الجمركية التي أشعل فتيلها العام املـاضـي أوحـــى لبكني بـــأن واشـنـطـن لـن تـجـازف بخوض معركة إكراه. وقــــد أشـــــار تـــرمـــب فـــعـــ إلــــى أنــــه ال يمتلك رغبة تُذكر لخوض أزمـة تايوانية، وهو يُماطل في إتمام صفقات األسلحة تجنّبًا إلفساد لقائه املرتقب مع شي، املقرر في سبتمبر (أيلول). كما أن تركيز البنتاغون ينصب على تهديد الغزو أكــثــر مـــن انـشـغـالـه بـسـيـنـاريـو الــحــصــار وغـيـره مـن الـسـيـنـاريـوهـات غير الـحـاسـمـة. وفــي مطلع ، ستكون الـواليـات املتحدة مستغرقة 2028 عـام في صراعها االنتخابي الخاص. وقد يُقدم شي على الضغط بشدة أمال في تركيع تايوان، بينما انتباه واشنطن منصرف في اتجاه آخر. وثـــمـــة خـــطـــوات يـنـبـغـي لـــلـــواليـــات املـتـحـدة اتـخـاذهـا اسـتـعـدادًا لـهـذا االحـتـمـال. على ترمب إتـمـام صفقة األسلحة املخططة لتايبيه بقيمة مـــلـــيـــار دوالر، إلظــــهــــار أنـــــه لــــن يــســتــرضــي 14 شــي عـلـى حـسـاب أمـــن تـــايـــوان. وعـلـى الــواليــات املتحدة صياغة خيارات للضغط على نقاط األلم االقتصادية الصينية، كتشديد قيود حصولها على مكونات محركات الطائرات النفاثة وأشباه املـــــوصـــــ ت املـــــتـــــطـــــورة. ويـــنـــبـــغـــي لـــهـــا تـكـثـيـف التحضيرات مع اليابان وسائر الشركاء إلسناد تايوان في أي أزمة محتملة. ويُحسب إلدارة ترمب توسيع هذا التعاون العسكري عبر مــنــاورات متعددة األطـــراف أكثر طموحًا ونشر صواريخ وقدرات متطورة أخرى، ومــــا إلــــى ذلـــــك. وفــــي حـــ تــحــافــظ عــلــى وثــاقــة عالقتها بحكومة الي، ينبغي لواشنطن أيضًا أن تثنيها عن التصريحات التحريضية في خضم الحملة االنتخابية. فـــالـــردع الـــحـــازم والــدبــلــومــاســيــة الـرصـيـنـة كــــ هــــمــــا ضــــــــــــروري إذا تــــــحــــــوّل «االســــــتــــــقــــــرار االستراتيجي الـبـنّــاء» إلــى أزمــة تـايـوان الكبرى .2028 التالية مع حلول * باالتفاق مع «بلومبرغ» الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani األمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 13 Issue 17386 - العدد Sunday - 2026/7/5 األحد العالقات األميركية - الصينية تبدو في هدنة مؤقتة إذ التزم شي وترمب «االستقرار االستراتيجي البنّاء» *هال براندز عبد الرحمن الراشد هل يوجد مخرج ألنصار هللا من هذه الحفرة التي يعيشون فيها وكانت قصرا ثم أصبحت سجنا لهم؟ أزمة تايوان في األفق الصيني واألميركي الحوثي في حفرة األرنب

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==