issue17386

مــنــذ أكـــثـــر مـــن أســـبـــوع أعـــلـــن رئـــيـــس الــــــوزراء البريطاني السير كير ستارمر، عزمه التنحي عن زعامة حزب األغلبية، بالتالي رئاسة الوزارة. لكنَّه ما زال يقود الحكومة، ويتخذ قرارات استراتيجية كبرى، ويستعد لتمثيل بـاده األسبوع املقبل في قـمـة حـلـف شــمــال األطـلـسـي (الـــنـــاتـــو). وهــنــا يبرز سؤال قد يبدو غريبًا للقارئ: من يحكم بريطانيا فعليًا خلل هذه املرحلة االنتقالية؟ اإلجـــابـــة الــدســتــوريــة تــبــدو بـسـيـطـة. الـنـظـام البريطاني يقضي بأن يظل رئيس الوزراء يمارس كـــامـــل صــاحــيــاتــه حــتــى يـــقـــدم اســتــقــالــتــه رسـمـيـ لــلــمــلــك. وحـــتـــى يُـــعـــن رئـــيـــس جـــديـــد لـلـحـكـومـة ال يتوقف عمل مؤسسات الدولة، وال تدخل البلد في فراغ دستوري. لـــكـــن الــــــواقــــــع الـــســـيـــاســـي أكــــثــــر تـــعـــقـــيـــدًا مـن النصوص الدستورية، إذ تعيش بريطانيا مرحلة انتقال سياسي يتابعها الحلفاء واألسـواق املالية ومؤسسات الدولة باهتمام. ففي وستمنستر، كما فـي األســــواق املالية والعواصم الغربية، بدأ االهتمام يتجه تدريجيًا إلـــى الـــرجـــل املــتــوقــع أن يـخـلـف ســتــارمــر، عـمـدة مانشستر آنـــدي بــرنــهــام. وهــكــذا تنشأ ظـاهـرة مألوفة في الحياة السياسية البريطانية، وهي أن السلطة السياسية تبدأ فـي االنـتـقـال قبل أن تنتقل السلطة الدستورية رسميًا. وتــبــرز هـنـا خـصـوصـيـة الــنــظــام الـبـريـطـانـي. فـــالـــوزراء ورئـيــس الـحـكـومـة شخصيات سياسية تتغير بـتـبـدل الـحـكـومـة، أمـــا مـوظـفـو الـــدولـــة، من كبار املسؤولي إلى املوظفي اإلداريي، فهم أعضاء فــي الـخـدمـة املـدنـيـة الــدائــمــة، ويـعـمـلـون فــي خدمة الـــتـــاج، أي الـــدولـــة الـبـريـطـانـيـة، ولــيــس فــي خدمة الــحــزب الـحـاكـم أو رئـيـس الـــــوزراء. ولــذلــك تستمر مؤسسات الدولة في أداء أعمالها اليومية... ظهر ذلــك فـي منصب سكرتير مجلس الــــوزراء ورئيس الخدمة املدنية، وهو أعلى موظف دائم في الدولة، ويشغله حاليًا السير سايمون كيس، الذي عمل مع أربعة رؤساء وزراء، وقد يعمل مع خامس إذا تولى برنهام رئاسة الحكومة. فاملنصب ال يتغير بتغير الــحــكــومــة، بـيـنـمـا يـتـغـيـر الــــــوزراء ومـسـتـشـاروهـم السياسيون. غير أن املرحلة الحالية تختلف عن كثير من عمليات انتقال السلطة السابقة. فالحكومة الحالية ال تكتفي بإدارة األعمال اليومية، بل تتخذ قــرارات استراتيجية بعيدة املـــــدى، فـــي مـقـدمـتـهـا زيـــــادة اإلنـــفـــاق الــدفــاعــي، استعدادًا لقمة حلف شمال األطلسي (الناتو) األســـبـــوع املــقــبــل، وهـــي قـــــرارات سـتـظـل آثــارهــا املـــالـــيـــة والــســيــاســيــة قــائــمــة لـــســـنـــوات، وربــمــا تتجاوز عمر الحكومة الحالية نفسها. وهــنــا بــــدأ صـحـافـيـو وسـتـمـنـسـتـر يـطـرحـون سؤاال بسيطًا، لكنه بالغ األهمية: هل جرت مناقشة هــــذه االلـــتـــزامـــات مـــع آنــــدي بـــرنـــهـــام، الــــذي يـتـوقـع كثيرون أن يتولى رئاسة الحكومة خلل أسابيع؟ ففي جلسة مـسـاءلـة رئـيـس الـــــوزراء، كما في اإلحــــاطــــات الــصــحــافــيــة الــيــومــيــة فـــي مــقــر رئــاســة الحكومة، تجنب ستارمر ومتحدثه الرسمي تأكيد أو نفي مـا إذا كانت هــذه الــقــرارات قـد نوقشت مع الزعيم املرجح أن يتولى رئاسة الحكومة. وال يعني ذلك وجود أزمة دستورية، فالقانون ال يـلـزم رئـيـس الــــوزراء بـإطـاع خلفه املتوقع على قراراته أو التشاور معه. لكن السؤال هنا سياسي أكــثــر مـــن كــونــه قــانــونــيــ ، ألن الــحــلــفــاء واألســـــواق املالية وكبار موظفي الدولة يريدون أن يعرفوا ما إذا كانت االلـتـزامـات التي تعلنها الحكومة اليوم ستبقى هي نفسها بعد انتقال السلطة. ولهذا ظل السؤال في وستمنستر ما إذا كانت الــقــرارات الـتـي تتخذها الحكومة الحالية تعكس بالفعل التوجه الذي ستسير عليه الحكومة املقبلة. وبعد أيــام مـن التكهنات، خـرج آنــدي برنهام عن صمته مع إذاعة «إل بي سي»، وهي أول مقابلة يجيب فيها عـن أسئلة مباشرة منذ إعـانـه عزمه الـتـرشـح لـقـيـادة حـــزب الـعـمـال. فـفـي خـطـابـه األول الذي أعلن فيه تحديه لستارمر، اكتفى بإلقاء كلمته وغــادر من دون عقد مؤتمر صحافي أو الــرد على أسئلة الصحافيي. وألن الـخـطـب الـسـيـاسـيـة تسمح لـلـزعـيـم بـأن يقول ما يريد، فإن املقابلت الصحافية تجبره على اإلجابة عن األسئلة التي يطرحها اآلخرون. ففي مقابلة «إل بي سـي» أكـد برنهام التزامه اإلطار العام لبرنامج حزب العمال االنتخابي لعام ، وبـالـتـزامـات بريطانيا الدفاعية والدولية، 2024 كـمـا شـــدد عـلـى أهـمـيـة االنــضــبــاط املـــالـــي. غـيـر أن هذه التصريحات، على أهميتها، لم تحسم الجدل الـدائـر في وستمنستر، ألنها لم تجب عن السؤال األســـاســـي: هــل أصـبـحـت الـــقـــرارات االسـتـراتـيـجـيـة الـتـي تتخذها الـحـكـومـة الـحـالـيـة تعبر أيـضـ عن سياسة الحكومة التي يتوقع أن يخلفها؟ ويــبــقــى ســـــؤال آخـــــر: هـــل تــكــفــي اإلحــــالــــة إلــى ؟2024 بـــرنـــامـــج حـــــزب الـــعـــمـــال االنـــتـــخـــابـــي لـــعـــام فالبرنامج وضــع قبل أشـهـر فـي ظـــروف سياسية مختلفة، وجـــاء عـامـ أكـثـر مـنـه تفصيليًا، بينما أصبحت ملفات مثل الـدفــاع والـهـجـرة والـعـاقـات مـــع الــــواليــــات املــتــحــدة أكـــثـــر إلـــحـــاحـــ . ولـــذلـــك فــإن التمسك بـه، على أهميته، ال يكفي وحـده لإلجابة عن األسئلة التي تطرحها األسـواق املالية وحلفاء بريطانيا ودوائر صنع القرار في لندن. Issue 17386 - العدد Sunday - 2026/7/5 األحد لم تكن الرياضة تاريخيًا طوْرًا طارئًا في حقب تطوّر اإلنسان؛ وإنما نما معها ونمت معه، فهي جزء من التكوّن األصلي، إذ الرياضة أشمل من املسابقة، فهي شرط أساسي لتهيئة اإلنـــســـان لــخــوض الـــحـــروب واالســـتـــعـــداد لـلـصـراع والـنـزال، ومـن هـذا التسلسل يتمثّل لنا املفهوم الرياضي بشكله األعم كشرط للنتصار على األعداء، ومن دونه فإن ثمة ما يهدد الوجود والبقاء. مــن هـنـا تـداخـلـت الـريـاضـة مــع الـسـيـاسـة، فـكـل مـــران على رياضة يختلط بأفكار حرب معيّنة؛ صحيح أنها اآلن هُذّبت وقننت غير أن التمرين العسكري ال يمكنه أن يكون مكتمل من دون املران الجسدي والتدريب الرياضي. إن الـــتـــقـــنـــن لـــألـــعـــاب الـــريـــاضـــيـــة ال يــعـــنـــي انـــتـــهـــاء الخلفيات التاريخية والسياسية داخل املسابقة، وآية ذلك أنـــه فــي بـعـض املــبــاريــات بــن منتخبي سـبـق أن تطاحنا في حروب قديمة أو حديثة سرعان ما تطفو على السطح أثـنـاء اللعبة كثير مـن اإلشــــارات والـعـامـات وكــل الـذاكـرة التاريخية املضمرة مهما كان مستوى التحضّر الذي تقاد به املسابقة بدليل بعض مباريات «املونديال الحالي». وحول هذا ما كتبَه األستاذ عبد السلم بنعبدالعالي يونيو (حـزيـران) املاضي بمجلة «املجلة» وعنوان 23 في مقالته: «ما تقوى عليه األجساد» -ومعلوم أن بنعبدالعالي كتب كثيرًا عـن الـتـاقـي الفلسفي والـسـيـاسـي والـريـاضـي عبر كتبه املـفـيـدة- إذ ذكــر فـي املـقـال مجموعة مـن األفـكـار الـــضـــروريـــة الـــتـــي يــمــكــن الــتــعــلــيــق عــلــيــهــا، ومــنــهــا قــولــه: «يضرب دولــوز مثل على ذلـك بما عرفته لعبته املفضلة، فيرى أن العـب التنس ال يضرب الكرة فقط، وإنما يبتكر فـضـاء. فكل ضربة تعيد تـوزيـع امللعب، وكـل حركة تعيد رســم الـعـاقـات بـن الـنـقـاط. معنى هــذا أن املــبــاراة ليست مجرد تبادل للكرات، وإنما هي بناء متواصل للفضاء». ويضيف: «اللعب الكبير فنان يبتكر حركات لم تكن معهودة، وهو يخلق إمكانات جديدة للجسد، كما يخلق الــرســام إمـكـانـات جـديــدة لـلـرؤيـة، وكـمـا يخلق املوسيقي إمــكــانــات جـــديـــدة لـلـسـمـع. ذلـــك أن الـجـسـد يـفـكـر ويــبــدع، والــفــكــر لــيــس نــشـــاط الـــدمـــاغ وحـــــده. صـحـيـح أن الـجـسـد ال يفكر عـبـر املـفـاهـيـم، إال أنـــه يفكر عـبـر الــحــركــات، وعبر اإليقاعات، وعبر العلقات التي يبتكرها مع العالم. ليس غريبًا إذن إعجاب الفيلسوف الفرنسي الشديد بالفيلسوف سبينوزا الــذي طـرح الـسـؤال الــذي ظـل يـرافـق دولـــوز مدى حـيـاتـه: (مــا الـــذي يـقـوى عليه الـجـسـد؟). على هــذا النحو فــإن صاحب (األبـجـديـة) ال يـرى أن الرياضي مجرد منفذ ملهارات معروفة، وتكتيكات تملى عليه. إنه مبتكر يكتشف استعماالت جديدة للجسد، تمامًا كما يكتشف الفيلسوف إمــكــانــات جـــديـــدة لـلـفـكـر، ولـــهـــذا تـصـبـح بـعـض الـحـركـات الرياضية أحداثًا حقيقية، أحداثًا تغير اللعبة نفسها». وأعلّق على ذلك بأن هذا قول مهمّ، فإن ما يجمع بي الرياضة والحرب عناصر ثلثة: أولـــهـــا: الــســيــاســة، ويــمــثّــلــهـا املــــــدرّب حــيــث الـتـكـتـيـك وتــوزيــع األدوار وضـبـط الـاعـبـن (الــجــنــود) واالنـضـبـاط داخل «املعسكر»، الحظ أن مفردة املعسكر ما زالت تستخدم حتى اآلن. املعسكر أسـاسـي قبيل كـل بطولة، وذلــك بغية تحقيق االنتصار املنشود، ومـن دون إكمال كافة البرامج املــطــلــوبــة لـــاعـــب داخـــلـــه وتــجــهــيــزه وتـهـيـئـتـه واخـــتـــبـــاره وتدريبه لن يكون من املفيد إشراكه في املباراة أي «الحرب»، هنا عنصر تلق أساسي بي الرياضة والحرب، إن املدرب في امللعب يقوم بعمل سياسي بامتياز، ال مجال للخطأ داخــــل ســاحــة الـــحـــرب، إنـــه مـثـل قــائــد الــحــرب الــقــديــم حي يضع خطّته على ورقــة ويـــوزّع زوايـــا االنقضاض ويضع خطة للتدرّج في الحرب أو االنسحاب، وهـذا معروف في سياسات الحروب. ثانيها: مفهوم االنتصار، فاملسابقة الرياضية هدفها االنتصار الحاسم وبقوّة من أجل إتمام الوظيفة املنوط بها كل العب. ثمة خطبة تلقى على اللعبي قبل املباراة تضخ بها الكثير مـن املفاهيم الوطنية؛ أفـكـار وذكــريــات وربما مواقف يذكّر بها الفريق بغية ضخ ذاكرتهم بما يمكّنهم من تجاوز أي خوف من الخصم، وهذا مستوى يدلل على استدامة التلقي بي الحرب والرياضة والسياسة، وبناء على هذا الحشد من التذكير يستبسل اللعب كما املحارب ليستنفد كل ما لديه من طاقة وحركة، ولطاملا رأينا حارس مرمى يستمر باللعب وقد كُسرت يده، أو أن يضع املصاب على فتق في وجهه الصقات طبيّة ثم يكمل اللعب، هذه هي ثقافة االنتصار. ثالثها: الــدفــاع، فهو ركـيـزة أسـاسـيـة كما فـي الـنـزال العسكري، ثمة من يحرس ومـن يدافع ومـن يصنع اللعب واملقاتل األبــرز هو املهاجم، هـذا جـزء من سياسة املباراة ومن أدبيات الحرب. من دون الدفاع لن يثمر الهجوم، هذا التكامل الرياضي ذو بعد حربي خالص. الـــخـــاصـــة؛ أن الـــريـــاضـــة بــنُــظُــمِــهــا اســـتـــفـــادت كـثـيـرًا مـــن مــفــاهــيــم الــســيــاســة والــــحــــرب، ومــــن املـــهـــم درْس هــذا املوضوع بغية فهم أعمق للرياضة يتجاوز النمط العادي االستهلكي واليومي، لقد نجحت الرياضة في التخفيف مـــن الـــكـــراهـــيـــة وفــــي تــعــزيــز ســبــل الـــســـام ودمـــــج األعـــــراق والشعوب هذا صحيح، ولكن حي نتحدث عنها بطريقة تحليلية فإنها بمعنى مـا تشبه «الـحـرب النظيفة» التي تجمع كثيرًا وتفرّق قليلً. كنت في املقال ما قبل السَّابق تعرَّضت بالنَّقد لقول أنيس فريحة في بحثه «الفكر العربي: مشكلته»، املنشور في مجلة «األبحاث» عام ، إن روح املسيحية اإلنجيلية (يعني بها البروتستانتية) من 1950 األركـــان الثلثة التي قامت بها عليها الحضارة الغربية. وسأكمل اآلن النقد الذي كنت بدأته في ذلك املقال. يــقــول فـــي خـاتـمـة حـديـثـه عـــن هـــذا األمــــر املـــزعـــوم: «وهـــــذه هي املسيحية في نظر العربي هجومًا اقتصاديًا واستعمارًا، وأسلوبًا في الحكم يخالف النظرة الثيوقراطية التي يأخذ بها؛ ولـذا أشاح ببصره عنها ولم ير ضرورة في تفهمها. ولكن الحقيقة الثابتة التي ال يسهل إنكارُها هي أن الحضارة الغربية تقوم على الرُّوح املسيحية اإلنجيلية التي تشيع في مجتمعهم، والتي يظهر أثرُها في حياتهم، وفي علقاتهم، وفي معاملتهم، وفي مقاييسهم الخلقية». هذا البحث مع أبحاث أخرى له جمعها أنيس فريحة في كتاب . وأعاد 1980 عنوانه «دراسات في التاريخ»، صادر عن «النهار» عام .1991 طبعه في «منشورات جروس برس» بطرابلس - لبنان عام في الكتاب أسقط من خاتمة حديثه الجملة التي قال فيها: «ال يسهل إنكارها هي أن الحضارة الغربية تقوم على الروح املسيحية اإلنـجـيـلـيـة»! فـيـحـار الــقــارئ مــع هـــذا الـسـقـط، ســائــا نـفـسـه: مــا هي الحقيقة الـثـابـتـة الـتـي تشيع عـنـد الــعــرب، والــتــي يظهر أثــرهــا في حياتهم، وفي علقاتهم، وفي معاملتهم، وفي مقاييسهم الخلقية؟ أيعني أنيس فريحة بها املسيحية؟! وبعد أن أعدنا الجملة املسقطة إلى موضعها يسعنا أن نقول إن الروح املسيحية اإلنجيلية تشيع في املجتمعات البروتستانتية، ويظهر أثـرهـا فـي حيواتها، وفـي علقاتها، وفـي معاملتها، وفي مقاييسها الخلقية، سواء أكانت هذه املجتمعات في العالم العربي، أو في أوروبا، أو في الواليات املتحدة، أو في أي مكان آخر من العالم، وال يتعدى أثر هذه الروح وتأثيرها إلى سواهم من أبناء الطوائف املسيحية األخرى، شرقًا وغربًا. ما قاله أنيس هو تحوير ضيق - أمـاه عليه تعصبه لطائفته البروتستانتية - لقول غربي، وهو أن من بي ما تقوم عليه الحضارة الغربية التراث األخلقي اليهودي - املسيحي. هذا القول الغربي ذاع بعد الحرب العاملية الثانية، وذلك أثناء الحرب الباردة. وقد رُوّج له في هذه األثناء لحماية دول الكتلة الغربية من التمدد الشيوعي. وربَّما أن هذا القول استند إلى قول قديم، وهو القول بـ«القيم اليهودية - املسيحية املشتركة». وهذا القول نشأ نشأة الهوتية في بداية القرن التاسع عشر. وقد نشأ هذا القول إثر نقاش بي مفكرين بروتستانت أثير بعد ملحظة اعتناق مجموعات من اليهود الديانة املسيحية؛ املسيحية البروتستانتية تحديدًا. وقد كان هذا االعتناق يحصل بتدرج وعلى مراحل. وكـان مـدار هـذا النقاش: هل ثمة قيم أخلقية مشتركة بي اليهودية واملسيحية، دفعت بيهود إلى اعتناق الديانة املسيحية؟ واتـفـقـوا على أن هناك روابـــط أخلقية مشتركة تجمع مـا بي هاتي الديانتي وأهل هاتي الديانتي. اتفقوا على هذا األمر مع أن عملية التحول الديني كانت تأخذ اتجاهًا واحـدًا، وهو التحول من اليهودية إلـى املسيحية، وال يُسمح بتحول آخـر، وهـو التحول من املسيحية إلى اليهودية. وأغفلوا أن اعتناق يهود للديانة املسيحية لم يكن اختيارًا دينيًا حرًّا، بل هو لدواع نفعية شبه إكراهية. منها: التخلص من قيد معاداة السامية، واالندماج في املجتمع األوروبي (واألميركي)، وفتح املجال أمامهم للشتغال بأعمال محظور عليهم مزاولتها، والحصول على االعتراف بهم كمواطني. وفـــي الـجـهـة األخــــرى يعتبر املـسـيـحـي املـتـحـول إلـــى الـيـهـوديـة مرتدًا، وهو معرَّض لعقوبات مغلّظة حدّها األعلى اإلعدام. في أواخــر القرن التاسع عشر ظهر فكر مضاد للقول بـ«القيم اليهودية - املسيحية املشتركة»، وكان أبرز ممثليه نيتشه في كتابه «املسيح الدجال»، والذي شن فيه نقدًا جذريًا للقول بـ«القيم اليهودية - املسيحية املشتركة». ولعل أول استخدام سياسي لهذا القول الذي نشأ نشأة الهوتية كان في ثلثينيات القرن املاضي، وذلك حي استخدمه البروتستانت املتحررون ومعهم اليهود املتحررون في الواليات املتحدة، ملقاومة صــعــود الــنــازيــة الــتــي مـثّــلـت أحــلــك مـرحـلـة فـــي مـــعـــاداة الــيــهــود في التاريخ األوروبي. واستخدمه الرئيس األميركي أيزنهاور الذي اتكأ في حربه على الشيوعية في خطاباته على مفهوم القيم اليهودية - املسيحية، التي تعيش أميركا نعيمها. وكان الغرض من إشاعة هذا املفهوم في الواليات املتحدة خلق جبهة ديمقراطية مــوحــدة، وهـويـة وطنية دينية ضـد «الشيوعية الكافرة». هذان القوالن - كما نرى - متشابهان وبينهما تداخل وتشابك. وهما يقومان على منظور ديني هش ومصطنع. إن القائلي بهذين القولي من املسيحيي واليهود يتجاهلون نحو ألفَي عـام من اضطهاد املسيحيي لليهود في أوروبـــا. فلماذا حصل ما حصل رغم وجود التراث األخلقي املشترك؟! ويتجاهلون أن الحضارة الغربية قبل القرون الحديثة تُدعى بالحضارة املسيحية، وال أحد يسميها الحضارة املسيحية - اليهودية. تُدعى بهذا االسم؛ ألن القاسم املشترك بي املمالك واإلمـارات والـدول األوروبية، هو أن كل شؤونها تسير وتسيّر وفق التعاليم الدينية املسيحية. إن الـحـضـارة الغربية - مكونًا وخـصـائـص - هـي نـتـاج حــراك تـاريـخـي تـجـسَّــد فــي عـصـر الـنـهـضـة والــتــنــويــر، وعــبَّــر عـنـهـا الفكر الـعـلـمـانـي، وقـــد قـامـت عـلـى الفلسفة الـيـونـانـيـة الـعـقـانـيـة، واألطـــر املدنية والقانونية الرومانية. وال شــأن للتوراة واإلنجيل بها، بل هي كانت تحررًا من مرجعيتهما الفوقية، وخروجًا على تصورهما لإلنسان والطبيعة والكون. وللحديث بقية. نجحت الرياضة في تعزيز سبل السالم ودمج األعراق والشعوب فهد سليمان الشقيران علي العميم عادل درويش OPINION الرأي 14 تقديم الحضارة الغربية في إهاب يهودي ــ مسيحي المكوّن السياسي للفضاء الرياضي من يحكم بريطانيا خالل المرحلة االنتقالية؟ تعيش بريطانيا مرحلة انتقال سياسي يتابعها الحلفاء واألسواق المالية في أواخر القرن التاسع عشر ظهر فكر مضاد للقول بـ«القيم اليهودية ــ المسيحية المشتركة»

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==