issue17386

استنادًا إلـى إحـصـاءات رسمية، تولّى رئاسة الحكومة 18 البريطانية منذ نهاية الـحـرب العاملية الثانية إلـى الـيـوم رئيس حكومة. ومـن املتوقع أن يزيد الرقم واحــدًا في القريب العاجل بعد االستقالة املدوّية للسير كير ستارمر مؤخرًا. ستة من رؤساء الحكومات الثمانية عشر كانوا في السنوات العشر األخيرة، والسابع قادم في الطريق. أربعة منهم لم يصلوا إلى الحكم عبر صناديق االنتخابات العامة، والخامس قـادم في الطريق أيضًا. بعض منهم تولّى الحكم لفترتَني، واثنان منهم -مارغريت ثاتشر وتوني بلير- لثالث فترات. وتُعد ليز تراس األقصر مدّة في الحكم، إذ لم تتجاوز مدتها خمسني يومًا. في فترة الخمسينات والستينات، قضى أنطوني إيدن وإلــيــك دوغــــ س هــيــوم، مــن حـــزب املـحـافـظـ ، أقــصــر مـــدة في )، والثاني ملدة عام واحد 1957-1955( الحكم؛ األول ملدة عامني ). األطـــول فـتـرة فـي الحكم كـانـت الـسـيـدة ثاتشر 1964-1963( عامًا، يليها توني بلير من حزب 11 من حزب املحافظني، ملدة أعـــــوام. وكـــل رئــيــس حـكـومـة تــوفــر لــه الـــدولـــة بعد 10 الــعــمــال ألف 115 مغادرته الحكم حراسة دائمة، وراتبًا سنويًا بقيمة 11 جنيه إسترليني، يـتـسـاوى فـي ذلــك مـن قضى فـي الحكم عامًا أو من قضى أقل من شهرين. لنتخيل كم ستزيد امليزانية السنوية للدولة لـو تـواصـل تعيني وخلع رؤســـاء الحكومات على هذا النحو الذي شاهدناه في السنوات األخيرة! استقالة رئيس الحكومة العمالية، السير كير ستارمر، هذه األيام بعد نحو عامني فقط في الحكم (رغم أغلبيته املريحة )، وتوقع اختيار الحزب بديال له في الفترة 2024 في انتخابات القريبة املقبلة من دون انتخابات عامة، أثـارت نقاشًا واسعًا في وسائل اإلعــ م تمحور حـول املسألة الديمقراطية - املبدأ واآللـيـات. تتجسد اإلشكالية في تعرضهما للتجاهل مؤخرًا من خالل تهميش دور الناخب في اختيار من يحكمه، وتعرّض تلك اآللية للسرقة أو االختطاف من قِبل الحزبَني الرئيسيَّني (العمال واملحافظني)، باللجوء إلى استبدال رؤساء حكومات غير منتخبني بآخرين منتخبني عبر الصناديق العامة. أمـــران جــديــران باملالحظة واالهــتــمــام. األول أن العملية الديمقراطية، إذا استمر الحال على هذا املنوال والسرعة، ربما تكون في طريقها قريبًا للتغير أو التحوّل إلى ما يشبه الزينة أو الفولكلور؛ كما هو الحال مثال مع شجرة عيد امليالد املسيحي، حيث يتم إحضارها إلى البيت وقت اللزوم وتزيينها، وبعدها يتم التخلص منها لـدى انقضاء الحاجة إليها. األمـر الثاني يتمثّل في ثقة املواطن بنظامه السياسي وآلياته الديمقراطية؛ إذ يبدو واضحًا انحسار تلك الثقة بسرعة مـؤخـرًا. فهو -أي الـنـاخـب- بــات يـعـرف أن صـوتـه االنـتـخـابـي أصـبـح بـ معنى أو فـــائـــدة؛ ألن الـزعـيـم الـــذي يـخـتـاره ويـمـنـحـه صـوتـه ويـفـوز باالنتخابات لن يدوم طويال في املنصب، وينتهي الحال بنواب أو كوادر حزبه إلحالله محل آخر. املشكلة أن من يأتون للحكم على هـذا النحو ال يمرون باآللية االنتخابية العامة نفسها، فهم في أغلب األحيان يتم اختيارهم من خالل أعضاء ونواب الـحـزب عبر منافسة داخـلـيـة، أو «تـتـويـج». قـد يـقـول قـائـل إن النظام البريطاني قائم أصال على انتخاب الحزب ال الشخص، وهـذا ليس استثناء طارئًا بل مبدأ دستوري راســخ. الناخب يصوّت للبرنامج الحزبي، وتغيير الزعيم داخل الحزب ليس بالضرورة خيانة لإلرادة الشعبية. وهو قول صحيح، املشكلة، استنادًا إلى رئيس وزراء سابق ريشي سوناك، أن كل رئيس حكومة جديد يأتي للحكم تتغير األولويات الحكومية، األمر الذي يحول دون االستقرار االقتصادي. أفضل مثال على ذلك يتجسّد في ليز تراس التي اختارها أعضاء حزب املحافظني، وجاءت ببرنامج سياسي واقتصادي مختلف تـسـبـب فــي كــارثــة سـيـاسـيـة واقــتــصــاديــة. لــذلــك، في عملية حاسمة وعاجلة للتقليل من حجم الكارثة ووقفها، قام نواب الحزب بإسقاطها واختيار ريشي سوناك بديال لها، من دون اللجوء حتى إلى األعضاء. اآلن، ووفـــــق مـــا يُــنــشــر مـــن تـــقـــاريـــر فـــي وســـائـــل اإلعــــ م البريطانية عقب تنحي ستارمر، هناك احتمال كبير أن يلجأ نـــواب حــزب الـعـمـال إلــى الـتـدخـل فـي االخـتـيـار بـإقـنـاع اللجنة التنفيذية للحزب بتفادي فتح باب التنافس، وتتويج مرشح واحـــد؛ تـفـاديـ لتضييع الــوقــت، وتجنبًا لقيام حــرب أجنحة داخـــلـــيـــة. وقـــــد يـــتـــم عـــــرض الـــشـــخـــص املُـــــتـــــوّج عـــلـــى األعـــضـــاء لالستفتاء عليه، أو ال يتم. تبقى اإلشــارة مهمة إلـى أن املرشح األبــرز لهذا التتويج هو النائب آندي بيرنهام (عمدة مانشستر السابق). وتتويجه السريع يفوّت على األعضاء في الحزب والناخبني البريطانيني عــمــومــ فــرصــة الــتــعــرف عـلـيـه مـــن خــــ ل تـمـحـيـص بـرنـامـجـه السياسي واالقتصادي، والكيفية التي يقترحها إلنقاذ البالد من أزماتها الحالية، وكيف سيتعامل مع ضغط تيارات اليمني الصاعد وأزمة املهاجرين غير القانونيني؛ األمر الذي يتعارض جوهريًا مـع املـبـدأ الديمقراطي واآللـيـة الديمقراطية فـي بلد يفتخر بكونه أول بلد في العالم يتبنّى الديمقراطية البرملانية، وأسس أول برملان ديمقراطي. ليست أخطر املجتمعات تلك التي يكثر فيها اللصوص، فالجريمة رافـقـت اإلنــســان منذ فجر الـتـاريـخ ولــم تخل منها حضارة أو دولة، إنّما يبدأ الخطر الحقيقي حني تتبدّل نظرة املجتمع إلــى الـسَّــرقـة نفسها؛ فـ تـعـود فـعـ مشينًا يالحق صـاحـبـه بــالــعــار، بـــل تــتــحــوّل تـدريـجـيـ إلـــى ســـلـــوك يُـــبـــرَّر أو يُتغاضى عنه، أو يُعجَب بمن يمارسه إذا أوصله إلى الثروة والـنـفـوذ، عـنـدئـذ تـخـرج الـسـرقـة مـن دائـــرة الـقـضـاء الجنائي لتدخل نسيج الثقافة االجتماعية، فتعيد إنتاج نفسها جيال بعد جيل، والثقافات ال تُقاس بما تنص عليه القوانني، بل بما يكافئه املجتمع وما يعاقب عليه أخالقيًا؛ فإذا صار اإلنسان يُقاس بما يملك ال بكيفية حصوله عليه، واختفى السؤال عن مصدر الثروة، بدأت منظومة القيم تتآكل بصمت، وحني تُقدَّم الغنيمة على النزاهة ويصير الثراء السريع معيارًا للنجاح، تـكـون الـسـرقـة قــد تــجــاوزت حـــدود الـجـريـمـة لتصبح معيارًا جديدًا للتفوّق االجتماعي. ومن هنا تتّسع دائرة السرقة إلى ما هو أبعد من املال؛ فهناك من يسرق املال العام، ومن يسرق الوظيفة باملحسوبية، ومــــن يـــســـرق الـــفـــرص بـــالـــواســـطـــة، ومــــن يــــــزوّر الـــشـــهـــادات أو ينتحل جهد غيره، ومن يبدّد ما خُصِّص للمشاريع العامة، أو يشتري الذمم ويزيّف الحقائق، بل إن تضليل الـرأي العام ليس إال سرقة لوعي املجتمع، وهي أخطر من سرقة الخزائن؛ ألنها تسلب الناس القدرة على التمييز بني الحقيقة والوهم. لكن الخطأ األكبر أن يُختزل الفساد في الحكومات وحدها، فالسلطة قد تفتح أبواب الفساد أو تُوصدها، لكنها ال تصنع وحدها ثقافة تتسامح معه؛ إذ يصبح املجتمع شريكًا حني يحتفي بـمـن جـمـع ثــروتــه بــطــرق مـشـبـوهـة ويـمـنـحـه املـكـانـة واالحــــتــــرام، وحـــ يـغـفـر لـلـفـاسـد ألنـــه مــن عـشـيـرتـه أو حزبه أو طائفته أو قوميته، بينما يُدين الفعل نفسه إذا صـدر عن خصمه، عندها ال يعود معيار الحكم هو الجريمة بل هويّة مرتكبها، وتفقد العدالة معناها، ويـغـدو االنتماء أقــوى من الضمير. وحـ يبلغ التطبيع مع السرقة هـذا الـحـدّ، تتبدّل طبيعة الدولة نفسها؛ فتتحوّل من إطار إلدارة املوارد وتحقيق العدالة إلى ساحة يتنافس فيها الجميع على اقتسام الغنيمة، ويولد ما يمكن تسميته اقتصاد الوالء، حيث ال تُوزَّع املناصب والعقود واملكاسب وفق الكفاءة واالستحقاق، بل وفق القرب مـن مـراكـز النفوذ، وفـي مثل هـذه البيئة يصير الفساد بنية ال حـادثـة، ونظامًا لتوزيع املغانم ال خلال عـابـرًا فـي اإلدارة؛ فيتراجع املنتِج أمام الوسيط، والعالِم أمام صاحب الحظوة، ويهاجر أصحاب الكفاءة أو ينسحبون في صمت؛ ألن السوق األخالقية أفلست قبل أن تُفلس الخزينة، وكلّما اتّسعت رقعة الغنيمة ضاقت رقعة الدولة، حتى تصير املؤسسات واجهة شكلية لــتــوازنــات املـصـالـح، ويــحــل الــــوالء للجماعة الضيقة محل الـوالء للوطن، فتغدو الدولة هشّة من الداخل، مكشوفة أمام كل من يريد شراء والءاتها أو استثمار انقساماتها. وهـنـا تكمن املــأســاة األعــمــق؛ فاملجتمع ال يعيد إنتاج الفساد في مؤسساته فحسب، بل في وعي أفراده، فالطفل الذي يــرى الفاسد مُــكـرَّمـ والـلـص وجيهًا وصـاحـب النفوذ بمنأى عن املساءلة، لن يتعلّم أن األمانة طريق النجاح، بل سيتعلّم أن النجاح هو القدرة على اإلفـ ت من العقاب، وهكذا تنتقل السرقة من جيل إلى آخر، ال عبر الحاجة والفقر وحدهما، بل عبر القبول االجتماعي والتطبيع األخالقي معها، ولهذا تفشل كثير من حمالت مكافحة الفساد، ألنها تالحق اللصوص وال تقترب من البيئة التي صنعتهم؛ فالقوانني ضرورية، لكنها تعالج النتائج أكثر مما تعالج األسباب، أما املعركة الحقيقية فتبدأ حـ يصير املــال غير املـشـروع مصدر خجل ال مصدر فخر، وحني يستعيد العمل الشريف مكانته، وتصبح النزاهة معيارًا للتقدير ال سذاجة يُسخر منها. لقد أثبتت تجارب األمم أن الفساد حني يتحوّل إلى ثقافة ال يُقهر بأداة واحدة، بل بمعركة متزامنة على جبهتني: جبهة القانون التي ال تنجح إال إذا طُبِّقت بال انتقائية، ألن العدالة االنتقائية نفسها درس يومي في أن الهويّة أقوى من الجريمة؛ وجبهة الثقافة التي تُعيد وصم الثراء املشبوه بالعار، وتُعيد االعتبار للكفاءة واالستحقاق، فاملؤسسات القوية ال تُبنى بالقوانني وحدها، بل بمنظومة أخالقية تحميها؛ فالقاضي ال يحل محل الضمير، ورجل األمن ال يراقب كل معاملة، وهيئات النزاهة لن تنجح إذا كانت الثقافة السائدة تمنح الفساد غطاء اجتماعيًا؛ ولهذا تبدأ مكافحة السرقة من األســرة واملدرسة والجامعة واإلعالم والخطاب الديني والثقافي قبل أن تبدأ في املحاكم، ومن قـدوة في القمة تُقنع الناس بـأن النزاهة ليست ترفًا يخص الضعفاء وحدهم. وألن أخطر ما تسرقه السرقة ليس املال بل الثقة، فإنَّها تــســرق ثـقـة املـــواطـــن بــدولــتــه، وثــقــة اإلنـــســـان بـــجـــدوى العمل واالجــتــهــاد، وثـقـة األجـــيـــال بـــأن املستقبل يُــبـنـى بـالـكـفـاءة ال باملحسوبية، وحـ تضيع هـذه الثقة يصبح الفساد قاعدة والـــنـــزاهـــة اســتــثــنــاء، ويــتــعــلّــم الــجــيــل الــجــديــد أن يـبـحـث عن الـطـريـق القصير ال الـطـريـق الـشـريـف، فتُستنزف طـاقـة األمـة في التحايل بدل اإلنتاج، وتغدو الدولة أضعف من أن تواجه أزمة أو تكسب رهانًا؛ ألن من يقتسمون غنائمها ال يملكون ما يدافعون عنه سوى مصالحهم. إن األمـــم ال تنهار حـ يكثر فيها الـلـصـوص، بـل حني يــتــوقّــف الـــنـــاس عـــن الــشــعــور بـالـخـجـل مـنـهـم، وحـــ يصبح الـــســـارق قـــــدوة ويُــنــظــر إلــــى الــشــريــف بــوصــفــه ســـاذجـــ ، ألنــه رفــــض أن يـبـيـع ضــمــيــره، عــنــدهــا ال تـــكـــون الــســرقــة قـــد غــزت خـزائـن الـدولـة فحسب، بـل غـزت الضمير الجمعي، وتحوّلت مـن جريمة يعاقب عليها الـقـانـون إلــى ثقافة تـهـدّد مستقبل األوطان. واألمم التي تريد أن تنهض مطالَبة أوال بأن تستعيد خجلها املفقود، فذلك وحده ما يعيد للسرقة اسمها، وللنزاهة قيمتها، وللدولة معناها. هــــنــــاك أفـــــعـــــال تـــفـــد إلـــيـــنـــا مـــــن خـــــارج املـجـتـمـعـات اإلنـسـانـيّــة لـكـنّــهـا تُنبئنا بــأن شيئًا سيّئًا سوف يطرأ. فقد تـردّد مثال أن فِيَلَة في سريالنكا وتايالند نزحت، قبيل ضرب تسونامي املحيط الهنديّ، إلى جبال الــبــلــديــن ومــرتــفــعــاتــهــمــا. وقـــيـــل إن الـفـيـلـة تسمع املوجات الصوتيّة منخفضة التردّد أو تشعر بـاهـتـزازات األرض قبل أن يشعر البشر. ويشار إلى حاالت مشابهة كاختباء القطط قبل وقوع الـزالزل، أو مغادرة طيور أعشاشَها عشيّة انفجار البراكني... وفـــي لـبـنـان إشـــــارات مــن هـــذا الصنف وإن كـــــان مـــصـــدرهـــا املــجــتــمــع اإلنـــســـانـــيّ، ال عـــالـــم الـــحـــيـــوان. فــهــنــاك «أحــــــزاب وقـــوى وشـخـصـيّــات» ال يـنـم اإلكــثــار مــن ظهورها في اإلعالم، أو إفراطها في إصدار البيانات والتصريحات وعقد املؤتمرات الصحافيّة، إ عن اقتراب كارثة سوف تحصل أو يُراد لها أن تحصل. ووفــــق تـــجـــارب سـابـقـة كـثـيـرة يـصـدح صـوت تلك الجماعات حني يكون البلد في ظرف عصيب، فيما يريد البعض التعاطي مــــعــــه مـــــن خــــــــارج املـــــؤسّـــــســـــات املـــنـــتـــخـــبـــة، وإيـكـال أمـــره إمّـــا إلــى قــوى غير لبنانيّة أو إلـــى قـــوى لـبـنـانـيّــة مــتــمــرّدة عـلـى الـشـرعـيّــة ومؤسّساتها. وهذا ما يستدعي بالضرورة شــتــم الــــدولــــة ووصـــــم رمــــوزهــــا بـالـخـيـانـة، وقراراتها بالعار، وأحيانًا التهديد الصريح بالحرب األهليّة. هـــكـــذا، وعــلــى عــجــل، يــتــم إيـــقـــاظ هــذه «األحـــــــــــزاب والـــــقـــــوى والــــشــــخــــصــــيّــــات» مـن سُباتها، فتدلي بـدلـوهـا إصــــدارًا لبيان أو إبـــداء ملـوقـف، بما يصب زيتًا على أوضـاع مـلـتـهـبـة، قــبــل أن تــغــط مـــجـــدّدًا فـــي نـومـهـا العميق. والــحــال أنّــهــا جـمـاعـات تـمـيّــزهـا، أقـلّــه ، بـــضـــع صــــفــــات يــفــسّــر 1975 مـــنـــذ حــــــرب بعضُها اآلخر ويكمّله: فـهـي مــــذّاك تلتحق بـقـوى أكـبـر منها، كمنظّمة الـتـحـريـر الفلسطينيّة والبعثني الـــســـوري والـــعـــراقـــي وأخـــيـــرًا «حــــزب الــلــه». والـقـوى هــذه، التي تــزوّدهــا بـاملـدد تمويال وتــســلــيــحــ ومــــكــــاتــــب وخــــــدمــــــاتٍ، فـتـسـمـح لـهـا بـالـبـقـاء عـلـى قـيـد الـحـيـاة، ال يجمعها بتلك الجماعات «العقائديّة» إ القليل من العقائد. أمّــا رغبة القوى املتبوعة بنفخ الـروح في الجماعات التابعة فمردّها أن األخيرة تمتلك اســمــ مـعـروفـ ومــألــوفــ، أو وضعًا قانونيًّا، أو ما قد يُعتبر شرعيّة تاريخيّة فـي بيئة ضيّقة مـا. بيد أن التابعني مـا إن يُــبــدوا إشــــارة تُــفـهـم عـلـى أنّــهــا اعــتــراض أو تمايز، حتّى يضطهدهم املتبوع وقد يقتل أفــرادًا بـارزيـن في صفوفهم، دون أن يجرؤ أهل القتيل على تسمية القاتل. لـــكـــنّـــهـــا أيــــضــــ جــــمــــاعــــات دُفـــــعـــــت، أو انـدفـعـت، إلـــى خـــارج أسـئـلـة الــزمــن. فأغلب قواعدها الشعبيّة هجرها وانحاز إلى كتله األهـلـيّــة والـطـائـفـيّــة، فيما رُعـاتـهـا الـكـبـار، خصوصًا النظام السوري السابق و«حزب الله»، وجّهوا لها ضربات مُميتة متتالية. واألهـــــم أنّــهــا أصـيـبـت، أو أصــابــت نفسها، بــفــصــام يــشــق أفـــكـــارهـــا ويـفـصـلـهـا عـــن كــل واقع. فبني هذه الجماعات كثيرًا ما يتحدّث الشيوعيّون، وأصولهم تعود إلى عشرينات القرن املاضي، كما لو أنّهم ليسوا على بيّنة من سقوط الكتلة السوفياتيّة، ويفوتهم أن عمّال العالم ما عادوا يستخدمون املطارق، وأن فــ ّحــيــه كــفّــوا عــن اســتــخــدام املـنـاجـل. أمّــــا «الـــســـوريّـــون الــقــومــيّــون»، وهـــم نـشـأوا ، فيثير الشفقة، أمـس قبل اليوم، 1932 في رهـانـهـم على الجماجم املفلطحة وانتماء قـــبـــرص إلــــى «األمّــــــــة» بــوصــفــه طــريــقــ إلــى الـفَــ ح. وهـذا ناهيك عن الصليب املعقوف والـزعـامـة والـزعـيـم الـــذي قــال لهم إن فيهم قــوّة لو فعلت لغيّرت وجـه التاريخ، لكنّها مــــذّاك لــم تفعل إ االغــتــيــاالت واملـــحـــاوالت االنــــقــــ بــــيّــــة الــــهــــزلــــيّــــة. وإلـــــــى هـــــــؤالء ثـــمّـــة ثـــفـــاالت نـــاصـــريّـــة تـنـتـظـر هــزيــمــة الـــعـــدوان الثالثيّ، وبعثيّة تلوّح بأم املعارك أو ببطل التشرينني... وهــــــــؤالء جــمــيــعــ نــــــــادرًا جـــــــدًّا مــــا فـــاز أحــدهــم بمقعد انـتـخـابـيّ، ومَـــن كـــان منهم يــفــوز كـــان يــمــن عـلـيـه بـاملـقـعـد أحـــد الــرعــاة األقوياء. وبـدورهـا فالجماعات هـذه ليست من الصنف الذي يراجع أو يعدّل ويغيّر تيمّنًا بـــأحـــزاب اشــتــراكــيّــة غـربـيّــة تـبـنّــت اقـتـصـاد السوق، أو بأحزاب محافظة غربيّة اعتمدت أجـنـدات اجتماعيّة ليبراليّة. فمَتْحفيّتها تزداد ويزداد في موازاتها التمسّك بالبقاء على قيد الحياة، ألن غريزة بقائها تقتات عـــلـــى وجــــــــود الـــــقـــــادة واملــــكــــاتــــب واملـــــــــوارد والرموز الحزبيّة، فضال عن اسم التنظيم. هكذا يصبح استمرار الـوجـود هدفًا بذاته حتّى لـو اضمحلّت عِــلّــة الـوجـود األصليّة. وفـــي الـحـسـاب األخــيــر فـعِــلّــة الــوجــود التي يُــعــتــد بـهـا لـيـسـت ســـوى االســـتـــحـــواذ على الـحـقـيـقـة املـطـلـقـة اســـتـــحـــواذًا ال تـــؤثّـــر فيه الوقائع وال تعوزه البراهني. أمّا التضاؤل هذا فيضاعف حاجة تلك الجماعات إلى االستظالل، رعاية وحماية، بالقوى األكبر التي تؤمّن لتابعيها شروط املضي في معاندة األزمنة والوقائع. لكن الخرق الـذي يتراءى أنّــه رُقّــع هنا يـنـفـتـق هـــنـــاك، فــــإذا بـاالنـشـقـاقـات تعصف بتلك الـجـمـاعـات وتـصـدّعـهـا، على مـا نرى الـيـوم، وال يبقى جامع يجمعها إ العداء للبنان الـــذي أتـــاح لها قـــدرًا مـن الـحـرّيّــة لم تعهده في أي من البلدان التي وُجدت فيها. فـــهـــي تـــشـــكّـــلـــت وتــــبــــلــــورت عـــلـــى حـــب التدخّل والتوجيه والقوّة والعسكرة، وهذه قيم تنفر من الحرّيّة وترى فيها ما يهدّدها. واملــــدهــــش هـــنـــا أن تـــلـــك الـــجـــمـــاعـــات الــتــي درجــــت عـلـى تـقـديـم نـفـسـهـا، مــتــأثّــرة بتلك القيم، مصدرًا لـدول بديلة، باتت تُستخدَم مـسـامـيـر فــي آالت تـقـويـض الــــدول القائمة وإشاعة السيبة املطلقة. OPINION الرأي 12 Issue 17386 - العدد Sunday - 2026/7/5 األحد حين تتحوَّل السَّرقة إلى ثقافة ماذا يحدث للديمقراطية البريطانية؟ «أحزاب وقوى وشخصيّات» بوصفها نُذر الخراب المُعمّم وكيل التوزيع وكيل االشتراكات الوكيل اإلعالني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] املركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 املركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى اإلمارات: شركة االمارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 املدينة املنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب األولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية املوجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها املسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة ملحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي باملعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة كفاح محمود جمعة بوكليب

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==