issue17384

عــاد الحديث عـن العالقة بـن «الجيش الــــوطــــنــــي» الـــلـــيـــبـــي بـــقـــيـــادة املـــشـــيـــر خـلـيـفـة حفتر، و«قـــوات الـدعـم الـسـريـع» السودانية، إلى الواجهة مجددًا، بعد «اتهامات جديدة» تـــحـــدثـــت عــــن «وجــــــــود مـــعـــســـكـــرات تـــدريـــب» لـعـنـاصـر «الـــدعـــم الـــســـريـــع» داخــــل األراضــــي الـلـيـبـيـة، وهــــي اتـــهـــامـــات رفـضـتـهـا الــقــيــادة الـعـامـة لـلـجـيـش، وعَــدّتــهــا «جــــزءًا مــن حملة تستهدف تشويه صورتها». ونــــفــــى مــــصــــدر عـــســـكـــري لـــيـــبـــي رفـــيـــع، أمــس، صحة تقارير إعالمية أجنبية بشأن وجـــــود مــعــســكــرات تـــدريـــب تــابــعــة لــــ«قـــوات الدعم السريع» داخــل ليبيا، وقــال لـ«الشرق األوســــط» إن هــذه «االدعـــــاءات ال أســـاس لها من الصحة». وقـــال املــصــدر، الـــذي طـلـب عـــدم الكشف عـــن هــويــتــه لـحـسـاسـيـة مــوقــعــه، إن مـــا ورد فـي التقرير «يـأتـي فـي إطــار التشويش على مـا تحقق مـن استقرار أمني فـي شـرق ليبيا وجــــنــــوبــــهــــا... هـــــذه دعــــايــــة كــــاذبــــة اعـــتـــادت القيادة العامة على مواجهتها منذ سنوات، وال سيما منذ اندالع الحرب في السودان». وتأكيدًا على ذلــك، قـال النائب الليبي، عـــلـــي الــــصــــول، عـــضـــو لــجــنــة األمــــــن الــقــومــي بــــالــــبــــرملــــان، إن مـــــا يُــــــتــــــداول بــــشــــأن وجـــــود معسكرات لـ«الدعم السريع» داخـل األراضـي الليبية «ال يـعـدو كـونـه أكـــاذيـــب إعـ مـيـة ال تستند إلى أي حقائق على األرض». وأكـــــد الـــصـــول لــــ«الـــشـــرق األوســـــــط» أن «ليبيا ال تتدخل في الشؤون الداخلية للدول املجاورة، ولم ولن تغذّي أي صراعات فيها»، مشددًا على أنه «ال وجـود ألي قـوات أجنبية مـن دول الـجـوار الـتـي تشهد نــزاعــات، وعلى وجـــه الـخـصـوص الـــســـودان، داخـــل األراضـــي الـلـيـبـيـة»، عـــــادًّا أن بــــ ده «ال تـتـدخـل سـوى بـــمـــســـاع حـــمـــيـــدة لــلــتــهــدئــة وحـــمـــايـــة أمـنـهـا القومي». وذهـــــب الـــنـــائـــب الــلــيــبــي إلــــى الـــقـــول إن «الجيش الوطني» الليبي «يقوم بواجبه في حماية سيادة البالد وحدودها ومقدراتها، ويــــحــــارب عـــصـــابـــات الــتــهــريــب بــاإلمــكــانــات املـــتـــاحـــة، ويـــلـــتـــزم بـــاحـــتـــرام ســــيــــادة الـــــدول األخـــــرى وعــــدم االنـــخـــراط فـــي دعـــم أي طـرف على حساب آخر». وتـحـدثـت تـقـاريـر أخــيــرًا عــن أن جنوب لـيـبـيـا وشـــرقـــهـــا يــضــمــان مـــركـــزًا لـوجـسـتـيـا لـتـدريـب عناصر «الــدعــم الـسـريـع»، وحــددت وجود أربعة معسكرات تدريب داخل مناطق خـاضـعـة لـسـيـطـرة «الــجــيــش الـــوطـــنـــي»، من » قــــرب بـــنـــغـــازي، حيث 17 بـيـنـهـا «املــعــســكــر يــتــلــقــى مـــقـــاتـــلـــون تــــدريــــبــــات عـــلـــى تـشـغـيـل الـطـائـرات املـسـيّــرة واألسـلـحـة الثقيلة، وفق تـحـلـيـل صــــور األقـــمـــار الـصـنـاعـيـة ومـقـاطـع مصورة مفتوحة املصدر. واســـتـــنـــدت تــلــك الــتــقــاريــر إلــــى تحقيق أجــــرتــــه مــنــظــمــة «اليــــتــــهــــاوس ريـــبـــورتـــس» الــهــولــنــديــة، بــالــتــعــاون مـــع «مـــرصـــد الـحـرب الـــســـودانـــيـــة» ومــنــظــمــة «إيـــفـــيـــدنـــت مــيــديــا» املتخصصة في التحقيقات البصرية. وينظر مقربون من «الجيش الوطني» إلــى هــذه االتـهـامـات مـن زاويـــة أخـــرى تتصل بـــالـــوضـــع الـــســـيـــاســـي فــــي الــــبــــ د والــــحــــراك الدولي النشط الرامي إلى حل األزمة الليبية، في ظل االنقسام السياسي والعسكري الذي تشهده البالد منذ أكثر من عقد. وبحسب املحلل السياسي الليبي، أيوب األوجــلــي، فــإن توقيت إثـــارة هــذه االتـهـامـات «ليس بريئا». وقال لـ«الشرق األوسـط» إنها «تتزامن مع املبادرة األميركية التي يقودها مستشار الرئيس األمـيـركـي، مسعد بولس، بشأن امللف الليبي»، وهو ما يرجح، بحسب تــقــديــره، وجــــود مـــحـــاوالت لـــ«خــلــط األوراق الـسـيـاسـيـة والـتـأثـيـر فــي مــســار الـتـفـاهـمـات الجارية». وينشغل املشهد الليبي راهنا بمبادرة منسوبة إلى بولس، تتحدث عن تولي نائب قائد «الجيش الوطني»، صدام حفتر، رئاسة املـجـلـس الـــرئـــاســـي، مـــع اإلبـــقـــاء عـلـى رئـيـس حــكــومــة «الــــوحــــدة الــوطــنــيــة» املـــؤقـــتـــة، عبد الحميد الدبيبة، في موقع قيادي على رأس حكومة موحدة. ولم يستبعد األوجلي «وجود مساع من بعض األطــراف الدولية املنخرطة في األزمـة الليبية لتوظيف مثل هذه االتهامات من أجل تحقيق مكاسب سياسية أو إعـــادة تشكيل املــشــهــد بــمــا يـــخـــدم مــصــالــحــهــا، فـــي ظـــل ما قطعته مبادرة بولس من خطوات متقدمة»، متوقعا ظهور «اتهامات ومحاوالت جديدة» الستخدام مختلف أوراق األزمة خالل املرحلة املقبلة. ويتمسك «الجيش الوطني» بنفي «أي انخراط» له في الصراع السوداني، مؤكدًا أن مهمته تقتصر على حماية الحدود الجنوبية ومنع أي تهديدات تمس األمن الليبي. وهـــو مــا سـبـق أن أكــــده رئــيــس األركــــان الــــعــــامــــة الــــفــــريــــق خـــــالـــــد حــــفــــتــــر، فــــــي لـــقـــاء تلفزيوني، بقوله: «الصراع في السودان شأن داخـلـي ال نتدخل فيه، ودورنـــا يقتصر على تأمي الـحـدود الليبية مع الــدول املـجـاورة». كــمــا ســبــق أن أكـــدتـــه الــحــكــومــة املــكــلــفــة من البرملان ومجلس النواب الليبي. وكـــــان مـــنـــدوب الــــســــودان لــــدى مجلس األمـــــن، الـــحـــارث إدريــــــس، قـــد اتــهــم «الـجـيـش الـــوطـــنـــي» الـلـيـبـي بـتـقـديـم دعــــم لوجيستي لـ«قوات الدعم السريع»، وقال في إحاطة أمام مجلس األمن الشهر املاضي إن «كتيبة سبل الـــســـ م» املـتـمـركـزة فــي مـديـنـة الــكــفــرة تنقل 106 ذخائر ومدافع هـاون من مخازن اللواء إلى «قوات الدعم السريع». وفـــي ديسمبر (كــانــون األول) املـاضـي، تحدث تقرير لوكالة «رويترز» عن استخدام مـهـبـط لـلـطـائـرات فــي مــطــار الــكــفــرة، جنوب شـــــرقـــــي لـــيـــبـــيـــا، مـــنـــصـــة لـــوجـــســـتـــيـــة لـــدعـــم العمليات العسكرية املرتبطة بمدينة الفاشر، وهو ما نفاه «الجيش الوطني». 8 السودان NEWS Issue 17384 - العدد Friday - 2026/7/3 اجلمعة يتمسك «الجيش الوطني» بأن مهمته تقتصر على حماية الحدود الجنوبية لليبيا ASHARQ AL-AWSAT السودانيون يعانون الفاقة تحت وطأة الحرب لم يعد السؤال الذي يشغل كثيرًا من السودانيي: متى تنتهي الحرب؟ بل كيف يمكنهم تجاوز يوم جديد في ظل الغالء املــتــصــاعــد وانـــهـــيـــار الــــقــــدرة عــلــى تـأمـن أبسط متطلبات الحياة؟ فمع كل صباح، ترتفع أسعار السلع األساسية، بينما تتآكل الدخول وتتراجع فـــرص الـعـمـل، لتجد آالف األســـر نفسها أمــام خـيـارات قاسية بـن الـغـذاء والـــدواء والتعليم. وفي األسـواق، ال تعكس حركة الـبـيـع والـــشـــراء مــجــرد أزمــــة اقـتـصـاديـة، بل تحكي قصة حـرب امتدت آثـارهـا إلى مـوائـد الـنـاس، وحـولـت املعيشة اليومية إلى معركة صامتة يخوضها املاليي من أجل البقاء. ألـــقـــى االرتــــفــــاع املـــتـــســـارع فـــي سعر الـــــصـــــرف بـــظـــ لـــه الـــثـــقـــيـــلـــة عـــلـــى حـــركـــة األسـواق، حيث اضطر بعض التجار إلى تعليق عمليات البيع مؤقتا فـي انتظار إعــــادة تسعير بـضـائـعـهـم بـمـا يتماشى مع التغيرات املستمرة في األسعار. وفي املـــقـــابـــل، أدت أزمـــــة الــســيــولــة إلــــى مـزيـد مـن الضغوط على املـواطـنـن، مـا زاد من صـــعـــوبـــة الـــحـــصـــول عـــلـــى االحـــتـــيـــاجـــات األسـاسـيـة فـي ظـل الــظــروف االقتصادية الراهنة. وقـــــد تــــجــــاوز ســـعـــر صـــــرف الــــــدوالر آالف 5 األمـــيـــركـــي فــــي الــــســــوق املـــــوازيـــــة جنيه 4200 جنيه سوداني، مقارنة بنحو 20 قبل أسابيع، مسجال ارتفاعا يـقـارب فــي املــائــة، حـسـب متعاملي فــي الـسـوق. ويـــعـــكـــس هـــــذا االرتـــــفـــــاع الـــســـريـــع حــالــة التذبذب الحاد في سوق الصرف، في ظل استمرار الضغوط االقتصادية وتراجع االستقرار النقدي. تراجع القدرة الشرائية يـــقـــول الـــتـــاجـــر مــحــمــد الـــرفـــاعـــي إن األســـــــــواق تـــشـــهـــد حــــالــــة ركـــــــود واضـــحـــة نتيجة تراجع القدرة الشرائية، بالتزامن مع االرتـفـاع املستمر في األسـعـار بسبب التضخم وصـعـود سعر صــرف الـــدوالر. ويضيف لــ«الـشـرق األوســـط» أن «ضعف الدخل اليومي للتجار، إلى جانب الرسوم والـــــضـــــرائـــــب املــــفــــروضــــة عـــلـــيـــهـــم، جـعـ استمرار النشاط التجاري أكثر صعوبة وأقل جدوى». ويصف التاجر أبو عاقلة فضل الله الوضع االقتصادي بأنه بالغ الصعوبة، مـشـيـرًا إلـــى أن أســعــار الـسـلـع األسـاسـيـة ارتــفــعــت إلــــى مــســتــويــات غــيــر مـسـبـوقـة، حتى أصبح الحصول على االحتياجات الـيـومـيـة يشكل عبئا كـبـيـرًا عـلـى األســـر. ويـــقـــول لــــ«الـــشـــرق األوســـــــط» إن «دخــلــه لــم يـعـد يكفي لتغطية متطلبات أسـرتـه وتــعــلــيــم أبـــنـــائـــه»، وإنـــــه يــقــضــي أحــيــانــا يوما كامال في السوق من دون أن يحقق أي مــبــيــعــات، مـــؤكـــدًا أن الـــبـــ د بـحـاجـة إلـى سياسات اقتصادية فعالة تستفيد مـــن مـــواردهـــا الــكــبــيــرة، وتـخـفـف مـعـانـاة املواطني. أمــــا بـــائـــع الــــخــــضــــراوات الـتـيـجـانـي محمود فيؤكد أن ضعف القوة الشرائية لــــلــــمــــواطــــنــــن انــــعــــكــــس مـــــبـــــاشـــــرة عــلــى حـــركـــة الـــبـــيـــع، مــوضــحــا أن تـكـلـفـة جلب الــــخــــضــــراوات ارتـــفـــعـــت بـــصـــورة كــبــيــرة، إضافة إلى أعباء اإليجارات واملصروفات التشغيلية. ويشير في حديثه لـ«الشرق األوسط» إلى أن بعض التجار يضطرون لـلـبـيـع بـــخـــســـارة لــتــصــريــف بـضـائـعـهـم، مطالبا بإجراءات تعالج االختالالت التي تشهدها السوق. ممارسات غير منضبطة يـــــرى الـــخـــبـــيـــر االقــــتــــصــــادي، هـيـثـم مـحـمـد فــتــحــي، أن ارتـــفـــاع أســـعـــار املــــواد الخام الداخلة في عمليات اإلنتاج، نتيجة صـعـود أســعــار الــصــرف محليا وارتــفــاع تــكــالــيــف الــــوقــــود عـــاملـــيـــا، أســـهـــم بـشـكـل مباشر في زيادة أسعار السلع النهائية. ويوضح فتحي في حديثه لـ«الشرق األوسط» أن توقف عدد كبير من املصانع بسبب الـحـرب ومـا لحق بها مـن أضــرار، أدى إلـــــى تــقــلــص حـــجـــم الــــعــــرض مـقـابـل زيادة الطلب، وهو ما انعكس في ارتفاع األسـعـار داخــل أســواق التجزئة وانتشار السوق غير الرسمية. وقال إن «ارتفاع أجور الشحن عامليا، إلــى جـانـب زيـــادة فـتـرات الـنـقـل، وازديـــاد تكاليف النقل الـداخـلـي، وتـعـدد الـرسـوم والــجــبــايــات بــن الـــواليـــات، كـلـهـا عـوامـل إضافية ضاعفت من تكلفة السلع». ويــشــيــر إلــــى أن بــعــض املـــمـــارســـات الــتــجــاريــة غـيـر املـنـضـبـطـة، بـمـا فـــي ذلـك رفــــع األســــعــــار بـشـكـل مــبــالــغ فــيــه بـهـدف تعظيم األرباح، أسهمت في تفاقم معاناة املستهلكي. ويـــــحـــــذّر الـــخـــبـــيـــر االقــــتــــصــــادي مـن أن اسـتـمـرار اضــطــرابــات قـطـاعـي الطاقة والنقل والـتـجـارة قـد ينعكس سلبا على األمن الغذائي، ويزيد من احتماالت نقص بـعـض الـسـلـع أو تـــذبـــذب تــوفــرهــا، الفـتـا إلــى أن الـقـطـاع الــزراعــي قـد يتأثر بــدوره إذا استمرت تكاليف اإلنتاج في االرتفاع دون تقديم دعم كاف للزراعة. إجراءات حكومية الحــتــواء األزمــــة االقـتـصـاديـة كثّفت الحكومة الـسـودانـيـة اجتماعاتها خالل األيـام املاضية، على املستويي السيادي والـــــوزاري، لبحث تـداعـيـات ارتـفـاع سعر الـــصـــرف وأزمــــــة الــســيــولــة املــتــفــاقــمــة في البالد. وأكــــــد مــجــلــس الـــســـيـــادة أن الـــدولـــة تـعـمـل عـلـى تنفيذ حــزمــة مــن اإلجـــــراءات الهادفة إلى استقرار سوق النقد األجنبي، والحد من آثـار تراجع قيمة الجنيه على األوضــــاع املعيشية، إلــى جـانـب معالجة االختالالت التي تشهدها السوق. وعـــقـــد مـجـلـس الـــســـيـــادة اجـتـمـاعـا بـــرئـــاســـة رئــيــســه عــبــد الـــفـــتـــاح الـــبـــرهـــان، تــنــاول إجـــــراءات اسـتـقـرار ســـوق الـصـرف والــــــحــــــد مــــــن الـــــضـــــغـــــوط االقــــتــــصــــاديــــة، بالتزامن مـع تسجيل تحسن طفيف في قيمة الجنيه خالل الفترة األخيرة. وأوضـــــــــح املــــجــــلــــس، فـــــي بـــــيـــــان، أن االجــــتــــمــــاع نــــاقــــش عــــــــددًا مـــــن الـــقـــضـــايـــا الـوطـنـيـة ذات األولــــويــــة، وفـــي مقدمتها امللفات االقتصادية واألمنية والخدمية، فــي ظــل الـــظـــروف الــراهــنــة الــتــي تـمـر بها البالد. تحديات يومية تــــقــــول املــــواطــــنــــة ســـمـــيـــة حـــســـن إن ارتفاع أسعار املواد الغذائية أصبح يفوق قــدرتــهــا عــلــى الــــشــــراء، مـــا يـضـعـهـا أمـــام تــحــديــات يـومـيـة فــي تـوفـيـر احـتـيـاجـات أطفالها األسـاسـيـة. وتضيف لــ«الـشـرق األوســـــــط» أن اســـتـــمـــرار الـــحـــرب وغــيــاب فـــــرص الـعــمــل زادا مــــن قـــســـوة الـــظـــروف املعيشية، وأثقال كاهل آالف األسر. وتوضح املواطنة فاطمة حسي أن مـوجـة الــغــ ء أثـــرت بشكل مـبـاشـر على حياة أسـرتـهـا، مـؤكـدة أن أسـعـار السلع األســــاســــيــــة تـــــجـــــاوزت إمــــكــــانــــات مـعـظـم املواطني. وتشير في حديثها لـ«الشرق األوسـط» إلى أنها وصلت إلى أم درمان بعد رحلة نزوح طويلة، وال تزال تواجه صـــعـــوبـــة كـــبـــيـــرة فــــي تـــأمـــن مـتـطـلـبـات املعيشة، مطالبة بخطوات عاجلة للحد من ارتفاع األسعار. وتــــقــــول املـــواطـــنـــة مـــيـــســـون عــبــاس إنها فوجئت باالرتفاع الكبير في أسعار الــبــهــارات واملــــواد الـغـذائـيـة، الـتـي باتت تـفـوق مـسـتـويـات مــا قـبـل الــحــرب بنحو فـي املـائـة حسب تقديرها. وتضيف 70 أن األســـر أصبحت مضطرة لالستغناء عـــن كــثــيــر مـــن االحـــتـــيـــاجـــات األســاســيــة لتتمكن مــن تـدبـيـر نـفـقـات املـعـيـشـة، في ظل استمرار حالة القلق وعدم االستقرار التي فرضتها الحرب. في السودان، لم تعد الحرب تُقاس فقط بـعـدد الضحايا أو حجم الـدمـار، بل بما تركته من أثر عميق على موائد األســر وسبل عيشها. وبينما يواصل املــواطــنــون والــتــجــار الـتـكـيـف مــع واقــع اقتصادي بالغ القسوة، تتسع الفجوة بــن الــدخــل وتـكـالـيـف الــحــيــاة، وتـــزداد الـــحـــاجـــة إلــــى ســـيـــاســـات عــاجــلــة تعيد االســـتـــقـــرار لـــأســـواق وتــحــمــي الـفـئـات األكــــثــــر هـــشـــاشـــة. فـــمـــن دون مـعـالـجـة حـقـيـقـيـة لـــجـــذور األزمـــــة االقــتــصــاديــة، ســـيـــظـــل الـــــغـــــ ء وجــــهــــا آخــــــر لـــلـــحـــرب، وسـتـبـقـى مـعـانـاة مـ يـن الـسـودانـيـن مستمرة حتى بعد أن تصمت أصـوات السالح. الخرطوم: بهرام عبد المنعم ًخسارة مئات آالف األبقار الهجينة وتعطل إنتاج األلبان حرب السودان تتسبب في ضياع إرث الماشية المحسَّنة وراثيا بينما الـسـودانـيـون منشغلون بحصر الدمار الذي طال البنية التحتية جراء الحرب، اكـــتـــشـــفـــوا خــــســــارة فــــادحــــة أخـــــــرى تــشــكَّــلــت بصمت داخــل املـــزارع والحظائر؛ فقد فقدوا مـئـات اآلالف مــن «األبـــقـــار الـهـجـن املحسنة 50 وراثـــيـــا» الــتــي اســتــغــرق تـطـويـرهـا نـحـو عـــامـــا، وتـــعـــرضـــت واحــــــدة مـــن أهــــم الـــثـــروات اإلنتاجية لضربة قد يصعب تعويضها في املستقبل القريب. ووفقا لخبراء وشهود، تسبَّبت الحرب التي تخطَّت عامها الرابع في خسائر واسعة بقطاع الـثـروة الحيوانية، وفــي فـقـدان نحو ألــف رأس مـن األبـقـار الهجي فـي واليـة 320 في املائة من 80 الخرطوم وحدها، تمثل نحو إجمالي القطيع الهجي البالغ حجمه أكثر ألف رأس في العاصمة؛ إما بالنهب 400 من والسرقة، وإمـا بانعدام الخدمات البيطرية. كما فقدت والية الجزيرة بوسط البالد نحو ألف رأس أخرى. 100 ويـقـول خـبـراء إن هــذه األبـقـار املحسَّنة التي خسرها السودان جاءت بعملية تطوير امتدت لنحو خمسة عقود؛ ما يجعل فقدها ال يقف عند حدودها كماشية، بل الخسارة األفــــــــدح هــــي «ضــــيــــاع إرث وراثــــــــي يـصـعـب تعويضه في املستقبل القريب»، ال سيما بعد الـدمـار الــذي لحق بمراكز البحوث واإلنتاج الحيواني خالل الحرب. تعويض يحتاج إلى عقود وقــــال وكــيــل وزارة الـــثـــروة الـحـيـوانـيـة، عمار الشيخ إدريـس، لـ«الشرق األوسـط»، إن بعض املــربّــن تمكنوا مـن نقل أبـقـارهـم إلى 80 واليــات لم تصل إليها الـحـرب، لكن نحو فــي املــائــة مــن األبـــقـــار الـهـجـن املـــوجـــودة في الخرطوم قبل اندالع القتال تعرَّضت للسرقة، متهما «قـــوات الـدعـم السريع» بالضلوع في األمـــــر. وأوضــــح أن املــربــن تــكــبــدوا خسائر مالية ضخمة؛ إذ يبلغ متوسط سعر البقرة 3000 مليون جنيه (نـحـو 15 الــواحــدة نحو دوالر). وأضـاف: «ليست األبقار وحدها، بل املاعز املحسنة وراثيا تعرَّضت أيضا للسرقة والنهب». وكــــشــــف عـــــن خــــطــــة جـــــديـــــدة لــتــحــســن ســـ الت األبــقــار شـرعـت وزارتــــه فـي تبنّيها، ويُنتظر أن يبدأ تنفيذها خالل الفترة املقبلة بالتنسيق مـع الجامعات ومـراكـز البحوث، إلعــــــــادة بــــنــــاء الـــقـــطـــيـــع وتـــحـــســـن تـركـيـبـتـه الـــوراثـــيـــة. وقـــال أســتــاذ الـطـب الـبـيـطـري في الـجـامـعـات الـسـودانـيـة، فيصل عمر الزبير، لـ«الشرق األوســـط»: «استعادة القطيع الذي فـقـده الــســودان تحتاج إلــى سـنـوات طويلة، وإمـــكـــانـــات مــالــيــة كــبــيــرة، إلــــى جــانــب إرادة رســـمـــيـــة ودعــــــم مــــن الـــجـــهـــات املــخــتــصــة فـي وزارتــي الثروة الحيوانية االتحادية ووالية الخرطوم». فـــي املــائــة 90 وأشــــــار إلــــى أن أكـــثـــر مـــن مـــــــن أبـــــــقـــــــار واليـــــــــــة الــــــخــــــرطــــــوم كــــــانــــــت مـــن الـــــســـــ الت الـــهـــجـــن عـــالـــيـــة اإلنــــتــــاجــــيــــة فـي األلبان، ونتجت عن عملية تطوير استمرَّت خـــ ل خـمـسـة عــقــود، عـبـر بــرامــج االنـتـخـاب والتلقيح االصـطـنـاعـي، باستخدام سـ الت «الهولشتاين فريزيان» األوروبـيـة الحلوب، بهدف تحسي التركيبة الوراثية للقطيع. واتـــهـــم بـــــدوره «قـــــوات الـــدعـــم الــســريــع» بـنـهـب جـــزء مـــن األبـــقـــار، لـكـنـه أكـــد أن هـنـاك أخــــــرى نــفــقــت لـــغـــيـــاب الــــرعــــايــــة والـــخـــدمـــات البيطرية. ولفت إلـى أن آالف األبـقـار سُلبت أيضا في مناطق شمال الجزيرة،. وأضـــــــــــــاف: «الــــــــســــــــ الت الـــــتـــــي فـــقـــدهـــا السودان كانت قد تأقلمت مع البيئة املحلية واكتسبت مناعة طبيعية، ولـم تعد تحتاج إلى حظائر باملواصفات التي تتطلبها الدول التي استُورِدَت منها في األصل». برامج التحسين الوراثي وخـــــــ ل فــــتــــرة ســـيـــطـــرة «قــــــــوات الـــدعـــم الـسـريـع» على الـخـرطـوم، تـــداول مستخدمو مـواقـع الـتـواصـل االجـتـمـاعـي مقاطع فيديو أظـهـرت خـــروج أعـــداد كبيرة مـن املـاشـيـة من العاصمة، من بينها أبقار هجي. وتسببت الحرب كذلك في توقف برامج التحسي الوراثي للبقار والخراف واملاعز، التي كانت تعتمد على التلقيح االصطناعي إلنتاج سالالت محسَّنة من األلبان واللحوم، بـــعـــد تــــعــــرّض املــــراكــــز املــتــخــصــصــة ألضـــــرار كبيرة، من بينها «مركز التلقيح االصطناعي السوداني التركي» بمدينة املناقل في والية الجزيرة. وكان السودان قد بدأ، منذ منتصف ســبــعــيــنــات الــــقــــرن املــــاضــــي، تــنــفــيــذ بـــرامـــج لتحسي السالالت املحلية باستخدام أبقار «الفريزيان»، لرفع اإلنتاجية وتحسي األداء الـتـنـاسـلـي وزيـــــادة إنـــتـــاج األلـــبـــان والـلـحـوم املخصصة للتصدير. ويــشــيــر مـــســـؤولـــون فـــي قـــطـــاع الـــثـــروة الـحـيـوانـيـة إلـــى أن شــركــة «زادنــــــا الـعـاملـيـة» كانت من أبرز الجهات العاملة في استجالب األبقار املحسَّنة وراثيا، وتمتلك مزارع كبيرة في مناطق مختلفة بوالية الخرطوم، ضمن برامج تطوير التركيبة الوراثية للقطيع. ولــــم تـقـتـصـر آثـــــار الـــحـــرب عــلــى فــقــدان األبقار، بل امتدت إلى املربي أنفسهم، الذين تحدثوا عن خسائر كبيرة وانعدام األمل في تعويض مـا فــقــدوه، مطالبي وزارة الـثـروة الحيوانية بدعمهم وخفض أسعار األعالف التي ارتفعت ارتـفـاعـا كبيرًا، حتى يتمكنوا من املحافظة على ما تبقى من قطعانهم. وقال مربي األبقار علي محمد لـ«الشرق األوســـط» إنـه كـان يمتلك، قبل الـحـرب، نحو بـــقـــرة هــجــن فـــي مــــــزارع شـــمـــال مـديـنـة 600 70 بـــحـــري، لـكـن لـــم يـعـد يـتـبـقـى لــديــه ســـوى بقرة. قطاع األلبان وصادرات اللحوم قال رئيس غرفة األلبان بوالية الخرطوم، مـحـمـديـن الـــعـــوض، لـــ«الــشــرق األوســـــط»، إن قطاع األلبان تأثر بشدة نتيجة فقدان األبقار الـهـجـن، مضيفا: «مــــزارع وحـظـائـر التربية تــحــولــت إلــــى خـــــراب، سُـــرقـــت مـنـهـا مـــولـــدات الكهرباء وخزانات املياه وغيرها من املعدات، كما ارتفعت معدالت البطالة وسط العاملي في القطاع، وغالبيتهم من الشباب». وفيما يتعلق بالثروة الحيوانية على املـســتـوى الــقــومــي، قـــال وكــيــل وزارة الــثــروة الـحـيـوانـيـة إن اإلحـــصـــاءات الـرسـمـيـة تشير ماليي رأس 107 إلى أن السودان يمتلك نحو مــن املــاشــيــة، بينما تُـــقـــدَّر أعـــدادهـــا الفعلية بنحو ضعف هذا الرقم. وأضاف إن حكومته تمنع بشكل قاطع تصدير األصول الحيوانية (إنـــاث اإلبــل واملـاشـيـة): «لكن ظــروف الحرب فتحت الــبــاب لعمليات تـهـريـب واســعــة إلـى بعض دول الــجــوار». وأضــــاف: «كـذلـك أثَّــرت الحرب تأثيرًا مباشرًا على الثروة الحيوانية فـــي إقـلـيـمَــي كـــردفـــان ودارفـــــــور؛ مـــا أدى إلـى تراجع اإلمدادات الواردة منهما». الخرطوم: وجدان طلحة اتهامات متجددة تواجه «الجيش الوطني» بقيادة حفتر ما حقيقة معسكرات «الدعم السريع» في ليبيا ؟ آليات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي في الجنوب مارس الماضي (رئاسة األركان) القاهرة: عالء حمودة

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==