issue17383

OPINION الرأي 12 Issue 17383 - العدد Thursday - 2026/7/2 اخلميس وكيل التوزيع وكيل االشتراكات الوكيل اإلعالني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] املركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 املركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى اإلمارات: شركة االمارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 املدينة املنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب األولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية املوجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها املسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة ملحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي باملعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com هل تستطيع إسرائيل االستغناء عن أميركا؟ سياسة قطرة تحفر صخرة هل تعمل أجيرا عند غيرك؟ قبل أيــام، أطلق رئيس الـــوزراء اإلسرائيلي بنيامني نتنياهو تصريحًا بدا غير مألوف حتى داخـل املؤسسة األمنية اإلسرائيلية، عندما أعلن أن بالده يجب أن تعتمد على نفسها في مجال التسليح، وأن تتحرر تدريجيًا من االعتماد على الواليات املتحدة، في إشارة إلى املساعدات مـلـيـار دوالر 3.8 الـعـسـكـريـة األمـيـركـيـة الـتـي تبلغ نـحـو سنويًا، وقال: «اآلن نحن نقف أمام إيران ووكالئها... لقد وجهنا ضربة إليهم واألمر لم ينته لكن هذا يعتمد على عامًا؟ هذا يعتمد على قوتنا، 30 قوتنا... أين سنكون بعد ولـذلـك فــإن مـا نـقـوم بـه فـي الـوقـت الـحـالـي هـو بـنـاء قوة متزايدة... أنا أريـد استقالال في التسلح... نحن بحاجة إلى منظمة خاصة بنا لنتحرر من التبعية». التصريح جــاء فـي توقيت حـسـاس، وســط خالفات سياسية متصاعدة بني إدارة الرئيس ترمب ونتنياهو بشأن الحرب ضد طهران والقضاء على البرنامج النووي اإليراني، لكنه طرح سؤاال أكبر من هذا الخالف السياسي وهــــــو: هــــل تــســتــطــيــع إســـرائـــيـــل فـــعـــ أن تــعــيــش أمـنـيـ وعسكريًا من دون الواليات املتحدة؟ هـــذا الـــســـؤال لـيـس بــجــديــد، بـــل طُــــرح أكــثــر مـــن مـرة 2017 مـن إسرائيليني، وسبق أن خرجت دراســـة فـي عـام وأصـبـحـت مـرجـعـ فـي دوائــــر األمـــن الـقـومـي اإلسـرائـيـلـي وحـــمـــلـــت عــــنــــوان: «هـــــل تــســتــطــيــع إســـرائـــيـــل الـــبـــقـــاء مـن دون أمـــيـــركـــا؟»، وكـتـبـهـا نــائــب مـسـتـشـار األمــــن الـقـومـي اإلسرائيلي السابق تشارلز فريليخ، وذكــر أن املطالبني باستقالل إسرائيل عن واشنطن ينبغي أن يكونوا حذرين مـمـا يـتـمـنـونـه. ويــــرى فـريـلـيـخ أن املــســاعــدات األمـيـركـيـة ليست سوى الجزء الظاهر من العالقة، فالقيمة الحقيقية تكمن في شبكة الدعم االستراتيجي التي بنتها واشنطن إلسرائيل طوال عقود، بدءًا من ضمان تفوقها العسكري الـنـوعـي، مـــرورًا بالتعاون االستخباراتي، ووصـــوال إلى الحماية السياسية والدبلوماسية في املؤسسات الدولية. مـــن الــنــاحــيــة املـــالـــيـــة، تـــبـــدو املـــســـاعـــدات األمــيــركــيــة العسكرية، رغـم ضخامتها، قابلة للتعويض نظريًا إذا قـــررت إسـرائـيـل زيـــادة إنفاقها الـدفـاعـي، لكن املشكلة ال تبدأ عند املـال، بل عند التكنولوجيا، فأغلب املنظومات الـــجـــويـــة اإلســـرائـــيـــلـــيـــة تـعـتـمـد بــــدرجــــات مــتــفــاوتــة على » إضـــافـــة إلــى 35-F« مــكــونــات أمــيــركــيــة، مــثــل مــقــاتــ ت الـذخـائـر الذكية واملـحـركـات وأنظمة االتــصــاالت، وحتى الصناعات العسكرية اإلسرائيلية الـتـي تعد مـن األكثر تطورًا في العالم، نمت تاريخيًا داخل شراكة تكنولوجية وصناعية مع الواليات املتحدة، وليس بمعزل عنها. أما على املستوى السياسي، فإن العالقة تبدو أكثر حساسية، فمنذ عقود استخدمت واشنطن حق النقض في عشرات املــرات لحماية إسرائيل من قـــرارات كانت قد تـفـرض عليها عـزلـة أو عـقـوبـات دولـــيـــة، كـمـا وفَّــــرت لها مظلة سياسية يصعب على أي دولــة أخــرى تعويضها، ويذهب فريليخ إلى أبعد من ذلك عندما يرى أن الواليات املتحدة ليست مجرد حليف إلسرائيل، بل عنصر أساسي في منظومة الردع اإلسرائيلية نفسها، فخصوم إسرائيل ال يـحـسـبـون قــدراتــهــا الـعـسـكـريـة فــقــط، بــل يـضـعـون في حساباتهم أيضًا احتماالت التدخل األميركي سياسيًا أو عسكريًا إذا تعرضت إسرائيل لتهديد وجودي. من هنا تبدو تصريحات نتنياهو أقـرب إلى رسالة سـيـاسـيـة مـنـهـا إلـــى خـطـة اسـتـراتـيـجـيـة قـابـلـة للتنفيذ، صحيح أن إسرائيل قطعت خالل السنوات األخيرة شوطًا كبيرًا فـي تـوطـ صناعاتها العسكرية، وأصـبـحـت من أكبر مصدِّري السالح والتقنيات الدفاعية في العالم، كما أن الـحـروب األخـيـرة التي خاضتها دفعتها إلـى تسريع إنــتــاج الــذخــائــر محليًا لتقليل االعــتــمــاد عـلـى املــورديــن الخارجيني، لكن الوصول إلـى استقالل كامل يظل هدفًا بعيد املــنــال، لـيـس بسبب ضـعـف الـــقـــدرات اإلسـرائـيـلـيـة، وإنما ألن طبيعة الصناعة العسكرية الحديثة تقوم على سالسل إمداد وتحالفات دولية معقدة، حتى بالنسبة إلى القوى الكبرى. ولـــذلـــك فـــإن الــحــديــث عـــن االنــفــصــال اإلســرائــيــلــي عن الــواليــات املـتـحـدة يـبـدو أقـــرب إلــى إعـــادة صياغة العالقة وليس إنهاءها، فقد تسعى إسرائيل إلـى توسيع هامش استقالل قرارها العسكري، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن االستغناء عن واشنطن يعني خسارة شبكة كاملة من الدعم العسكري والتكنولوجي واالستخباراتي والدبلوماسي، وهــــي شـبـكـة اســتــغــرق بــنــاؤهــا عـــقـــودًا مـــن الــســنــ ، وفــي السياسة قد تُستخدم التصريحات لرفع سقف التفاوض أو مخاطبة الداخل، لكن حقائق األمـن القومي أقل قابلية للشعارات. ولهذا، تبقى تصريحات نتنياهو تحت املقبول وال يفرح البقية ممن يتوهمون أن العالقة بـ واشنطن وتل أبيب في طريقها لالنفكاك، ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسرائيل ترغب في االستغناء عن أميركا، بل ما إذا كانت إسرائيل قادرة على تحمل تكلفة ذلك، وهذا في املنظور القريب لن يحدث. إذا أنــهــكــتــك قـــســـوة األخــــبــــار وأحـــبـــبـــت الــــخــــروج من االكتئاب، فستجد في التلفزيون الصيني الناطق بالعربية فضاء آخـر. كل شـيء هـادئ هناك، من صـوت املذيعة إلى إلقائها، وحتى األحـداث نفسها فيها من األمـل والتعاون الحث على التكافل الدولي، ما يجعلك تسأل إن كنا نعيش على كوكب واحد. األسبوع املاضي، بينما انشغل العالم بكوارثه، كانت العناوين األولى لنشرات األخبار الصينية ترينا الرئيس الـصـيـنـي شــي جينبينغ يجلس فــي كــل مـــرة فــي الصالة الرسمية ذاتها في القصر الحكومي، على طاولة ضخمة على شكل حدوة حصان، حوله مساعدوه، ومقابله ضيف رسمي من بلد جديد، يتلو أمامه الرئيس الصيني خطابًا عن حسن العالقات، ومستقبل االستثمارات، حتى لتظن أن الخطاب نفسه هو الذي يتكرر. بـاملـتـابـعـة تـفـهـم أن هـــذه الــلــقــاءات شـبـه الـروتـيـنـيـة، أسـبـوعـ بعد أســبــوع، واتـفـاقـيـة بعد أخـــرى، هـي تطبيق حثيث الستراتيجية طويلة النفس، تمهد الطرقات، تراكم االتفاقيات، وتفتح املمرات (وما أدراك ما املمرات). األســبــوع املـاضـي مـثـ ً، زار رئـيـس مجلس الشيوخ الكمبودي هون سني، بكني التي عقدت معه اتفاق شراكة أمنية وفتحت ممرين اقتصاديني يحمالن اسمني ظريفني هـمـا: «مـمـر التنمية الصناعية» و«مـمـر السمك واألرز». يـــربـــطـــان الــبــنــيــة الـتـحـتـيـة الــكــمــبــوديــة بـشـبـكـة املـصـالـح الصينية لـعـقـود مقبلة، وبـــدأ تــعــاون أمـنـي بــ البلدين ملكافحة شبكات االحتيال الهاتفي. بفارق يوم واحد، حط رئيس وزراء بنغالديش، طارق رحمان، وخرج بثالث عشرة مذكرة تفاهم تغطي مختلف املجاالت، منها التجارة والطاقة. هذا مهم ألن الصني تولي اهتمامًا كبيرًا ملوانئ بنغالديش وقفزاتها الصناعية. باتت هذه الزيارات حركة يومية، حيث ال استراحة وال تقاعس. كل الضيوف يرحب بهم بالحفاوة التي استقبل بها الـرئـيـس الصيني قـــادة الـــدول الـدائـمـة العضوية في مجلس األمن. من مسؤولي سيول إلى دبلن، ومن هلسنكي إلى طشقند ونوم بنه ودكا وآستانا. جميعهم يجلسون على الطاولة نفسها، ويستمعون إلى الكالم اللطيف إياه، عن فائدة التنمية املشتركة، من دون طلبات أو اشتراطات. جل ما تريده الصني منهم أن يشرعوا أبوابهم ويمهدوا مـمـراتـهـم، ويـحـسـنـوا تـعـاونـهـم. كــل يستحق احـتـرامـهـا، ويهمها أن يلعب دوره في تحقيق ازدهارها. عــلــى تــلــك الـــطـــاولـــة الــرســمــيــة الـــرصـــيـــنـــة، ال إحــــراج لـلـضـيـوف وال طــلــبــات تــفــوق احــتــمــالــهــم. كـــل مـــا يتمناه الرئيس مصالح متبادلة، بنية تحتية لتسهيل التجارة، استثمار يعود بالنفع على الطرفني، وعدم تدخل في الشأن الداخلي. لهذا بمقدور أي كان أن يتعاون مع الصني حتى بنغالديش التي ال تستظرف الشيوعية أو فيتنام التي ال يرى سكانها بعني التعاطف لهذا النوع من األنظمة. قـبـل كـمـبـوديـا وبــنــغــ ديــش، كـبـيـر مـسـؤولـي هونغ رجل أعمال على رأس بعثة تجارية 75 كونغ جاء بصحبة مـــن كــازاخــســتــان وأوزبـــكـــســـتـــان، وخـــرجـــوا بــســت وسـتـ مـــذكـــرة تــفــاهــم واتـــفـــاقـــيـــة فـــي آســـيـــا الـــوســـطـــى. قــبــل ذلــك بأسابيع، كــان وزيـــر الخارجية الصيني فـي أوتــــاوا، في زيـــارة هـي األولـــى لـوزيـر خارجية صيني لكندا منذ عقد كامل. إرث كامل خلف السلوك الصيني الذي يحير كثيرين، يـتـسـاءلـون: أيــن الـصـ مـن كـل مـا يصيب الـعـالـم؟ أليس لهم مـن حـلـفـاء؟ مـصـالـح؟ مـا ســر هــذا الـخـفـوت؟ اإلجـابـة في كتاب «فن الحرب»، في الفلسفة الكونفوشيوسية، في اعتبار االستعجال ضعفًا واالندفاع عيبًا، وفي إنجازات الخطوة خطوة. مثل صيني يقول: «قطرة تحفر صخرة»، في إحالة إلـــى قـــوة فـعـل الـــزمـــن. الـصـيـنـيـون عـنـدهـم ثـقـافـة الــجَــلَــد، بنفس طويل. أما العجلة فمذمومة، وإن بدا لآلخرين أنهم يطيرون من السرعة. هم يعتبرون أنهم يسيرون بخطى بطيئة للغاية. حكاياتهم عن مساوئ التسرع كثيرة. ثمة قصة يعلمونها ألطفالهم في الكتب املدرسية، عن مزارع أرز، نـظـر ذات مـــرة إلـــى حـقـلـه فــوجــد أن نـبـتـاتـه ال تنمو بسرعة، فقرر مساعدتها، وصار يمسك بكل واحدة منها ويـشـدهـا بـلـطـف صـــوب األعــلــى لـتـتـطـاول. حــ عـــاد إلـى البيت سعيدًا، وأخـبـر أوالده بأنه مـد يـد الـعـون لشتالت األرز، هـــرعـــوا بــاتــجــاه الــحــقــل فـــوجـــدوهـــا ذابـــلـــة، ألنــــه لم يحسن التعامل مع طبيعتها، وعاكس بسلوكه سجيتها. وحــــكــــايــــة الـــصـــيـــنـــي الـــــــذي رأى فـــــراشـــــة تــــخــــرج مـن شرنقتها بصعوبة، وأحب مساعدتها، تتكرر أيضًا. فتح الــرجــل الـشـرنـقـة ليسهل خــروجــهــا، فـكـانـت صـدمـتـه بـأن الفراشة فشلت في الطيران. بعض املساعدات فيها ضرر، ألن الفراشة وهـي تصارع الشرنقة تــدرب أجنحتها على الطيران، ومن دون هذه املرحلة تعجز عن إكمال دورتها. خطة الـصـ الوطنية، يفترض أن يكتمل تنفيذها ، وإلــى حينه، ربما يــدرك العالم أنـه أمــام ثقافة 2049 عـام مختلفة تحترف فن االنتظار وتمارسه بفاعلية، وليست على عجلة من أمرها. تشو إن الي، رئيس وزراء الصني في عهد ماوتسي تونغ، كانت له لقاءات مع هنري كيسنجر. وهـذا األخير عـنـده كـتـاب عـن الـصـ ، وهــو مـن مهد الطريق ألول لقاء تـــاريـــخـــي أمـــيـــركـــي - صـــيـــنـــي، بــــ ريــــتــــشــــارد نــيــكــســون وماوتسي تونغ. سأل كيسنجر في معرض حديث له مع تشو إن الي، عن رأيه في الثورة الفرنسية. أجاب تشو إن الي بمنتهى الجدية: «ال يزال الوقت مبكرًا إلعطاء رأينا». أبـــدأ مـن مـقـال الصديق سلمان الـــجـــشـــي يـــــوم الـــســـبـــت املـــــاضـــــي، ال ســيــمــا تـــأكـــيـــده أن تـــطـــويـــر الـبـيـئـة االستثمارية للبالد رهــن بوضوح الــــــرؤيــــــة املـــســـتـــقـــبـــلـــيـــة لـــ قـــتـــصـــاد، واســــتــــقــــرار الـــســـيـــاســـات، وقــابــلــيــة الـــتـــنـــبـــؤ بــــالــــتــــحــــوالت الـــقـــانـــونـــيـــة واالقــــتــــصــــاديــــة. ومــــوضــــع اهــتــمــام الـجـشـي هــو االســتــثــمــارات الكبيرة الـــتـــي تــعــد فــــرس الــــرهــــان لتحسني األداء االقتصادي وتوليد الوظائف. ال أظن أحـدًا يخالف هذا الـرأي، لــكــنــنــي أريــــــد وضـــــع إصـــبـــعـــي عـلـى مكان آخر، هو االستثمار الصغير، ومــــنــــه مـــــا يُـــســـمـــى «ســـــتـــــارت أب». ويـــهـــمـــنـــي الـــتـــأكـــيـــد أنــــنــــي ال أنــظــر لـــلـــمـــشـــروعـــات املـــبـــهـــرجـــة وفــخــمــة األســــــمــــــاء. فـــاالســـتـــثـــمـــار الــصــغــيــر يـــشـــمـــل كـــــل عــــمــــل يـــــكـــــون صـــاحـــبـــه هــــو الـــعـــامـــل الـــرئـــيـــســـي فـــيـــه، وهـــو مــــصــــدر رزقـــــــه األول. وبــــهــــذا فـهـو يـضـم أبـسـط األعـــمـــال، مــن السباكة وبيع الخضار ونقل الركاب، مرورًا بــاملــقــاوالت الـصـغـيـرة، وصــــوال إلـى املــشــروعــات األكــثــر تـعـقـيـدًا. فــي كل هذه الحاالت، يبدأ املشروع بموظف واحد أو اثنني، ثم يتسع بالتدريج. لـــيـــس مــهــمــ عـــــدد املـــوظـــفـــ الـــذيـــن يستقطبهم املـــشـــروع، بــل الـتـدريـب اليومي الذي يتاح لصاحبه في كل معاملة. قـــبـــل بـــضـــع ســـــنـــــوات، تــحــدثــت الصحافة املحلية عن شباب يعملون فـــي أســــــواق الـــخـــضـــار واملـــطـــاعـــم أو يـبـيـعـون الـــشـــاي والـــقـــهـــوة، وأمــثــال هذه الوظائف التي لم تعد محبوبة مـــنـــذ الـــــثـــــورة الـــنـــفـــطـــيـــة فـــــي الـــربـــع األخير من القرن املاضي. وملناسبة الحديث عـن البطالة، قـرأنـا لبعض املتحدثني كالمًا يحث الشباب على األخـــذ بتلك املـهـن، إن لـم يـجـدوا ما هو أفضل. وعاب هؤالء املتحدثون عـلـى شـــاب يـنـفـق يــومــه جـالـسـ في البيت، ألنـه لم يحصل على وظيفة عالية. لـــكـــن عــــامــــة الــــــنــــــاس، ال سـيـمـا الـــشـــبـــاب، المــــوا أولـــئـــك املـتـحـدثـ ، واتهموهم بتفضيل العامل الوافد عـلـى املـــواطـــن، وأمـــثـــال هـــذا الــكــ م. ولــــــو طــــرحــــت الـــــيـــــوم رأيـــــــ مـــمـــاثـــ فسوف تـواجـه تلك الـــردود نفسها، مـــــع أن الـــــوضـــــع قـــــد تـــغـــيّـــر بـشـكـل مـلـمـوس، ولــلــه الـحـمـد؛ حـيـث نجد آالفـ من الشباب يعملون اليوم في أمثال هذه الوظائف، بعضهم مالك لها، وبعضهم عامل فيها، ما يشير إلــى أن املجتمع يتجاوز بالتدريج الثقافة القديمة التي تحتقر العمل أو تُــمــيــز بـــ املـــواطـــن والــــوافــــد في نـــوعـــيـــة الــــوظــــائــــف الــــتــــي تـسـتـحـق االعتبار. - حـــســـنـــ ... مـــا الـــــذي يــدعــونــي لتشجيع الشباب على هذه املهن؟ الــــواقــــع أن مــــا يــشــغــلــنــي لـيـس مــقــدار الــدخــل املـتـحـصـل مـنـهـا، وال األعــــراف االجـتـمـاعـيـة الـتـي تصنف األعــــمــــال إلــــى رفـــيـــع ومــــتــــدنٍّ. الـــذي يـــشـــغـــلـــنـــي هــــــو الـــــنـــــاتـــــج الـــــروحـــــي والثقافي التساع شريحة «العاملني .»)self-employed( ألنــــفــــســــهــــم ومعروف في علم االجتماع أن نسبة «الـعـامـلـ ألنـفـسـهـم» إلـــى مجموع قـــــوة الـــعـــمـــل مـــؤشـــر عـــلـــى الـــكـــفـــاءة االقــــتــــصــــاديــــة لـــلـــمـــجـــتـــمـــع، وعـــمـــق تجربته الحياتية. من حيث املساهمة االقتصادية، خــــذ الـــــواليـــــات املـــتـــحـــدة األمــيــركــيــة مـثـاالً، ففيها شركات توظف مئات اآلالف، وتــــنــــافــــس دوال بــأكــمــلــهــا فـــي حـجـم األعـــمـــال، مـثـل «أكـــســـون» و«فــــــورد» و«جـــنـــرال إلــكــتــريــك». مع هـذا فهي ال تستغني عـن الشركات الصغيرة؛ حيث يقدر أن فيها نحو مـلـيـون مـنـشـأة بـمـوظـف واحـــد، 30 في املائة من الناتج 6.4 تسهم بنحو القومي اإلجمالي للبالد. لـــكـــن األهـــــــم فـــــي رأيـــــــــي، هـــــو أن اتساع شريحة «العاملني ألنفسهم»، أو الـــعـــامـــلـــ لــحــســابــهــم الـــخـــاص، كما تسمى أيضًا، يشير إلـى توجه املجتمع نحو إدارة نفسه، وتطور الــــخــــبــــرات الــعــمــلــيــة ألفــــــــــراده. ومـــع الوقت، سوف يتأهل لالستغناء عن استيراد الخبرات اإلدارية والتقنية. ونـعـلـم أن املجتمعات املـتـقـدمـة في العلوم والصناعة بدأت طريقها مع املــغــامــرات الــفــرديــة، لـشـبـاب أرادوا فـــعـــل شــــــيء مـــخـــتـــلـــف، ثــــم تـــطـــورت طموحاتهم فأصبحوا كبارًا جدًا. إن أردنـــا تنمية حقيقية لـرأس املال البشري، فلنضع أمامنا دائمًا سؤالني محوريني: األول: هــــــل نـــســـتـــطـــيـــع إعـــــــادة تـوجـيـه نظامنا التعليمي، ليكون هدفه الدائم هو تطوير كفاءة شباب يــقــيــمــون أعـــمـــالـــهـــم الـــخـــاصـــة، بـــدل العمل بوصفه إجراء لدى آخرين؟ الـثـانـي: هــل نستطيع إزالــــة كل األنظمة واإلجــراءات وقواعد العمل والكلف التي تبطئ تحرك الشباب نحو إنشاء أعمالهم الخاصة؟ بــــلــــوغ هــــــذه الــــغــــايــــة مـــهـــم جـــدًا لــــتــــولــــيــــد الــــــوظــــــائــــــف، لــــكــــن األهــــــم مـــســـاهـــمـــتـــهـــا فـــــي نــــضــــج املــجــتــمــع وارتقاء خبراته. توفيق السيف زيد بن كمي سوسن األبطح

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==