issue17382

اقتصاد 17 Issue 17382 - العدد Wednesday - 2026/7/1 الأربعاء ECONOMY عاماً... والتدخل الحكومي لم يعد يخيف المضاربين 40 العملة بأدنى مستوى منذ هل حرَّكت اليابان «الخط الأحمر» للين... أم تكبلها «تكلفة الإنقاذ»؟ خـــــال الــــســــاعــــات الأخـــــيـــــرة، لــــم يـعـد الــــســــؤال فـــي أســــــواق المـــــال الـــعــالمـــيـــة: متى ســتــتــدخــل الـــيـــابـــان لإنــــقــــاذ عــمــلــتــهــا؟ بـل أصــــبــــح: هــــل مــــا زال الـــتـــدخـــل قـــــــادرا عـلـى تغيير مسار الين؟ فعندما اخترق الدولار يــــنــــا لــــلــــمــــرة الأولــــــــــى مــنــذ 162 مــــســــتــــوى ، لـــم يـتـغـيـر خـــطـــاب الـحـكـومـة 1986 عــــام اليابانية. وكررت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما العبارة نفسها التي استخدمتها طوكيو خــال الأشـهـر المـاضـيـة: «سنكون مستعدين لاتخاذ الإجـراءات المناسبة في أي وقـــت». لكن الأســــواق لـم تـبـد مقتنعة، تـريـلـيـون 11.7 فـبـعـد إنـــفـــاق قـيـاسـي بـلـغ مــلــيــار 72 يــــــن، أي مــــا يــــعــــادل أكــــثــــر مــــن دولار، في تدخلات جرت بين أواخر أبريل (نيسان) وبداية مايو (أيار)، عاد الين إلى مــســتــويــات أضـــعـــف مـــن تــلــك الـــتـــي دفـعـت الـحـكـومـة إلـــى الـتـدخـل أصــــاً. وهـنـا يبرز سؤال أكثر أهمية من سعر الصرف نفسه: «هل رفعت طوكيو بالفعل سقف تحملها لضعف الين، أم أن الأسواق هي التي رفعت تكلفة الدفاع عنه؟». من «الخط الأحمر» إلى «المنطقة الرمادية» لـــســـنـــوات طـــويـــلـــة اعــــتــــادت الأســــــواق البحث عـن «الـخـط الأحـمـر» الـــذي تتحرك ،2022 عنده السلطات اليابانية. في عـام تــدخــلــت طــوكــيــو عــنــدمــا تـــجـــاوز الـــــدولار يــــنــــا. وبــــعــــد ذلــــــك بــعــامــن 152 مـــســـتـــوى تـــقـــريـــبـــا، عــــــادت لــلــتــدخــل عـــنـــدمـــا اقـــتـــرب يـنـا، فــي واحــــدة مــن أكبر 160 الـسـعـر مــن عمليات شراء الين في تاريخ البلاد... أما الـيـوم، وبعد وصـول الـــدولار إلـى أكثر من يناً، فلم يتغير شـيء سـوى استمرار 162 التحذيرات اللفظية. هـــذا الــتــطــور دفـــع الــعــديــد مـــن بـيـوت الاســـتـــثـــمـــار الـــعـــالمـــيـــة إلـــــى الاعـــتـــقـــاد بـــأن الحكومة ربما لم تعد تنظر إلـى مستوى باعتباره الحد الذي يستوجب التدخل 160 الـــفـــوري، بـــل أصـبـحـت تـــراقـــب مـسـتـويـات أو حتى 163 أعـــلـــى قـــد تـمـتـد إلــــى نـــطـــاق يـنـا لـــلـــدولار، إذا اسـتـمـرت الضغوط 165 الـــحـــالـــيـــة. ولا يـعـنــي ذلــــك بـــالـــضـــرورة أن طـوكـيـو أصـبـحـت تـفـضـل ضـعـف العملة، وإنما ربما باتت أكثر حذرا في استخدام سلاح التدخل، بعدما اكتشفت أن فاعليته أصبحت محدودة مقارنة بما كانت عليه في الماضي. لماذا لم يعد التدخل يخيف الأسواق؟ في السابق، كان مجرد تلميح وزارة المالية اليابانية إلى إمكانية التدخل كفيلا بإجبار المضاربين على تقليص رهاناتهم ضــد الــــن. فـالـتـدخـل الـحـكـومـي مــن شأنه أن يـكـبـدهـم خــســائــر فـــادحـــة مـــع الـهـبـوط المفاجئ لسعر الــن مقابل الــــدولار... لكن اليوم تغير المشهد؛ فالمتعاملون يعلمون أن الحكومة تستطيع إبطاء هبوط العملة، لكنها لا تستطيع تغيير الاتجاه الأساسي للسوق إذا بقيت العوامل الاقتصادية على حالها. وتكمن المشكلة في أن قيمة العملات لا تـــحـــددهـــا الـــحـــكـــومـــات وحــــدهــــا، وإنــمــا تـــحـــددهـــا أيــــضــــا فـــــــروق أســــعــــار الـــفـــائـــدة وتدفقات رؤوس الأموال العالمية. ورغم أن بنك اليابان رفع أسعار الفائدة هذا الشهر، فـــإن الــفــائــدة الـيـابـانـيـة لا تـــزال منخفضة لــلــغــايــة مـــقـــارنـــة بــنــظــيــرتــهــا الأمـــيـــركـــيـــة، وهــــــو مـــــا يـــبـــقـــي الــــــــــدولار أكــــثــــر جـــاذبـــيـــة للمستثمرين. وبـالـتـالـي، فـــإن أي ارتـفـاع مؤقت للين نتيجة تدخل حكومي يتحول سـريـعـا إلـــى فـرصـة جــديــدة للمستثمرين لشراء الـــدولار بأسعار أقــل، بما يعني أن الحكومة هي التي ستتكبد خسائر فادحة لــصــالــح المـسـتـثـمـريـن فـــي هــــذه الـــحـــالـــة... وهو ما يفسر سرعة تبخر أثر التدخلات الأخيرة. تجارة بمليارات الدولارات ضد الين والسبب الأكـبـر لاسـتـمـرار الضغوط عـــــلـــــى الــــعــــمــــلــــة الـــــيـــــابـــــانـــــيـــــة لا يـــرتـــبـــط بالمضاربة التقليدية فقط، بل بما يعرف أو تجارة Carry Trade في الأسواق باسم الـفـائـدة. وتـقـوم هـذه الاستراتيجية على اقــتــراض الأمــــوال بـالـن، نـظـرا لانخفاض تكلفة الاقتراض في اليابان، ثم تحويلها إلــــــى الــــــــــدولار أو عــــمــــات أخـــــــرى تـحـقـق عــــوائــــد أعــــلــــى. وتُــــعــــد هـــــذه الـــتـــجـــارة مـن أكـثـر الاستراتيجيات ربحية فـي أســواق الـعـمـات، مــا دام بـقـي الــفــارق فــي أسـعـار الــفــائــدة بــن الــيــابــان والـــولايـــات المـتـحـدة واسعاً. لذلك، لا يرى كثير من المستثمرين في تدخل الحكومة اليابانية سوى عقبة مــؤقــتــة، ســـرعـــان مـــا تــــزول بـمـجـرد عـــودة الـــعـــوامـــل الأســـاســـيـــة إلــــى فــــرض نـفـسـهـا عـلــى الـــســـوق. ولـــهـــذا الــسـبــب أيـــضـــا، فــإن كــــل تـــدخـــل حـــكـــومـــي جـــديـــد يـــحـــتـــاج إلـــى مبالغ أكبر لتحقيق التأثير نفسه، بينما تتراجع مدة هذا التأثير تدريجياً. مليار 72 وأنــفــقــت الــيــابــان أكــثــر مـــن دولار خلال أسابيع قليلة هذا العام للدفاع عن عملتها، وهو رقم غير مسبوق تقريبا في تاريخ تدخلاتها بسوق الصرف. لكن المـفـارقـة أن هــذه الأمـــوال لـم تمنع الــن من العودة إلى مستويات أضعف. وهنا تظهر معضلة جديدة أمام صناع القرار؛ فإذا كان التدخل السابق قد كلف هذا المبلغ الضخم ولم يغير الاتجاه إلا لفترة قصيرة، فإن أي تـدخـل جـديـد سيحتاج عـلـى الأرجــــح إلـى مــوارد أكبر لتحقيق النتيجة نفسها. بل إن بعض الاقتصاديين يرون أن التدخلات المتكررة قد تمنح المضاربين فرصة أفضل؛ لأنها توفر لهم نقاط دخول جديدة لشراء الــــدولار بأسعر أقـــل، مـا يجعل الحكومة، مـــن حـيـث لا تـــريـــد، تــوفــر لـلـسـوق سيولة إضافية لاستكمال الاتجاه نفسه. هل رفعت الحكومة سقف التدخل فعلاً؟ ورغـــــم تــكــهــنــات الأســــــــواق، لا يـوجـد حتى الآن أي تصريح رسمي يشير إلى أن الحكومة اليابانية رفـعـت المستوى الـذي تعدُّه مقلقا لسعر صرف الين؛ فالسلطات لا تعلن عادة عن «خطوط حمراء» محددة، بل تؤكد باستمرار أن معيارها الأساسي هــو ســرعــة تـحـركـات الــســوق وطبيعتها، وليس رقما معينا لسعر الصرف. لكن في 162 المقابل، فإن بقاء الدولار فوق مستوى ينا من دون تدخل مباشر، رغم أنه تجاوز المستويات التي دفعت طوكيو للتحرك في الـسـابـق، عـــزز الاعـتـقـاد لـــدى المستثمرين بـأن السلطات أصبحت أكثر تسامحا مع ضعف العملة، أو على الأقل أكثر حذرا في استخدام احتياطياتها للدفاع عنها. ويـرى محللون أن الحكومة لا ترغب فـــــي تـــــكـــــرار ســـيـــنـــاريـــو أبـــــريـــــل (نـــيـــســـان) الماضي، عندما أنفقت مليارات الـدولارات لــتــنــجــح فــــي إبــــطــــاء هـــبـــوط الـــــن لـبـضـعـة أســـابـــيـــع فـــقـــط، قــبــل أن تــســتــأنــف الـعـمـلـة مسارها النزولي. وتـكـمـن المشكلة فــي أن وزارة المالية الـــيـــابـــانـــيـــة تــســتــطــيــع شـــــــراء الــــــن وبـــيـــع الـــدولار، لكنها لا تستطيع تغيير العامل الأسـاسـي الــذي يقود الـسـوق؛ فالمستثمر في 1 الـــذي يقترض بـالـن بـفـائـدة تـقـارب المـــائـــة، ثـــم يستثمر فـــي ســـنـــدات أمـيـركـيـة فــــي المــــائــــة، لــــن يـغــيّــر 4 بـــعـــائـــد يـــتـــجـــاوز اسـتـراتـيـجـيـتـه بـسـبـب تـــدخـــل مـــؤقـــت في ســــــوق الــــــصــــــرف. وهــــنــــا تـــظـــهـــر مـعـضـلـة السياسة الاقتصادية اليابانية. فبحسب الخبراء، إذا أرادت الحكومة وقـف هبوط الين بشكل دائم، فإن الطريق الأكثر فاعلية يـتـمـثـل فـــي رفــــع أســـعـــار الـــفـــائـــدة بــصــورة أكـــــبـــــر، بـــمـــا يـــقـــلـــص فــــجــــوة الــــعــــوائــــد مـع الولايات المتحدة... لكن هذا الخيار يحمل تكلفة باهظة. لماذا لا يرفع بنك اليابان الفائدة بقوة؟ عــــلــــى عــــكــــس مــــعــــظــــم الاقـــــتـــــصـــــادات الكبرى، لا تـزال اليابان تعيش إرث ثلاثة عــقــود مـــن الــنــمــو الـضـعـيـف والانـــكـــمـــاش، كـــمـــا أنــــهــــا تـــمـــتـــلـــك أعــــلــــى ديــــــن عــــــام بــن في 240 الاقتصادات المتقدمة؛ إذ يتجاوز المــائــة مــن الـنـاتـج المـحـلـي الإجــمــالــي. وأي ارتـــفـــاع ســريــع فـــي أســـعـــار الــفــائــدة يعني زيادة مباشرة في تكلفة خدمة هذا الدين. وبـــعـــبـــارة أخـــــرى، فــــإن الــســيــاســة الـنـقـديـة اليابانية تبدو مقيدة باعتبارات داخلية، في وقت تتحرك فيه أسواق العملات وفق اعتبارات عالمية. المضاربون يختبرون «عتبة الألم» فــــي كــــل مـــــرة تـــؤجـــل فــيــهــا الــحـكـومــة الـــتـــدخـــل، تـــــزداد قــنــاعــة المـسـتـثـمـريـن بــأن بــإمــكــانــهــم دفـــــع الــــــــدولار إلـــــى مــســتــويــات أعــــلــــى. وهــــــذا مــــا يــصــفــه بـــعـــض المـحـلـلـن بـ«اختبار عتبة الألـم»؛ أي محاولة معرفة الــنــقــطــة الـــتـــي تــصــبــح عــنــدهـــا الـسـلـطــات مـــســـتـــعـــدة لـــتـــحـــمـــل الـــتـــكـــلـــفـــة الــســيــاســيــة والمــالــيــة لـلـتـدخـل. ولا يـتـعـلـق الأمــــر فقط يناً، بل أيضا بسرعة 163 أو 162 بمستوى الـتـراجـع وحـجـم الـتـقـلـبـات الـيـومـيـة. فــإذا جـــــاء ضـــعـــف الـــــن تـــدريـــجـــيـــا، قــــد تـفــضّــل الحكومة الانتظار. أما إذا شهدت السوق تـحـركـات حــــادة ومــضــاربــات عـنـيـفـة، فقد يكون التدخل أكثر ترجيحاً، حتى لو كان السعر أقل من مستويات تاريخية. دروس من الماضي منذ تسعينات القرن الماضي، شهدت اليابان تدخلات عديدة في سوق الصرف، لـــكـــن الــــتــــجــــارب الـــســـابـــقـــة تــكــشــف عــــن أن نجاحها كان دائما مرتبطا بوجود عوامل ، ساعدت 1998 اقتصادية داعمة. ففي عام التدخلات على استقرار الين؛ لأنها تزامنت مع تغيرات في السياسة النقدية العالمية. ، جاء التدخل بشكل منسق مع 2011 وفي مـجـمـوعـة الـسـبـع بـعـد زلــــزال وتـسـونـامـي فوكوشيما، ما عزز تأثيره. أما التدخلات 2024 و 2022 الأحـــــاديـــــة، كـــمـــا حـــــدث فــــي ، فــقــد نـجـحـت فـــي تــهــدئــة الــســوق 2026 و مؤقتاً، لكنها لم تتمكن من تغيير الاتجاه الأساسي للعملة. ويؤكد ذلك أن التدخل، مهما بلغ حجمه، يظل أداة لكسب الوقت أكثر منه وسيلة لعكس المسار. إلى أين يتجه الين؟ يــــربــــط مـــعـــظـــم المـــحـــلـــلـــن الاتــــجــــاه المقبل للعملة اليابانية بـعـدة عـوامـل؛ أبـــرزهـــا بــيــانــات الاقــتــصــاد الأمــيــركــي، ومسار أسعار الفائدة لدى الاحتياطي الـــفـــيـــدرالـــي، وأي إشــــــارات جـــديـــدة من بـنـك الــيــابــان بــشــأن تـشـديـد الـسـيـاسـة النقدية. وفــي حــال بقيت الفجوة الكبيرة في العوائد بين الدولار والين، فمن المرجح أن تستمر الضغوط على العملة اليابانية، حتى لو شهدت السوق تدخلات متقطعة مـــــن الــــســــلــــطــــات. أمــــــا إذا بـــــــدأت الـــفـــائـــدة الأمـــيـــركـــيـــة فــــي الــــتــــراجــــع، أو اتـــجـــه بـنـك اليابان إلى خطوات أكثر جرأة، فقد تتغير المـعـادلـة تـدريـجـيـا. ولـــم تـعـد المـعـركـة عند رقــم مـحـدد لسعر الــن مقابل الــــدولار؛ بل عند المصداقية. فـالـتـحـدي الأكــبــر يـكـمـن فــي الـحـفـاظ عـلـى مـصـداقـيـة سـيـاسـة الــتــدخــل، بعدما أثبتت التجارب الأخيرة أن الأسواق قادرة عـلـى امــتــصــاص أثــــر مــلــيــارات الــــــدولارات خلال أسابيع قليلة. ولـــهـــذا، لــم يـعـد الـــســـؤال المـــطـــروح في غـــــرف الـــــتـــــداول: هــــل ســتــتــدخــل طــوكــيــو؟ بـل أصـبـح: هـل مـا زال تدخلها قـــادرا على تغيير اتجاه السوق، أم أنه أصبح مجرد استراحة قصيرة فـي مسار يـحـدده فـارق الـــفـــائـــدة أكـــثـــر مــمــا تـــحـــدده احــتــيــاطــيــات النقد؟ وهـــنـــا ربـــمـــا تــكــمــن المـــفـــارقـــة الأكـــبـــر؛ فـكـلـمـا ارتـــفـــعـــت تـكـلـفـة الــــدفــــاع عـــن الـــن، أصبح اتخاذ قـرار التدخل أكثر صعوبة، فيما تـــزداد جــرأة المضاربين على اختبار حــــــدود قــــــدرة الـــحـــكـــومـــة الـــيـــابـــانـــيـــة عـلـى مواصلة هذه المعركة. شاشات تُظهر حركة الين مقابل الدولار في طوكيو (أ.ف.ب) ... وفي الإطار وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما (إ.ب.أ) القاهرة: لمياء نبيل السبب الأكبر لاستمرار الضغوط على العملة اليابانية يرتبط بتجارة الفائدة

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky