الثقافة CULTURE 18 Issue 17382 - العدد Wednesday - 2026/7/1 الأربعاء يشق لبنان من شرقه إلى جنوبه ويصوغ هويته ويترع أرضه بالخصوبة الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء لم تكن الأنهار على امتداد العصور مجرد تفصيل عابر في حياة البشر، ولا كانت مجاريها مجرد ناقل للمياه، من مساقطها الأم إلى مصباتها البحرية، بل لطالما أسهمت من خلال دورها المحوري فـــي إخـــصـــاب الأرض ورفـــدهـــا بـأسـبـاب النماء، وسد غائلة الجوع والعطش عن كائناتها المختلفة، وفـــي جـعـل الكوكب الأرضــــــي مــكــانــا صــالــحــا لــلــعــيــش، وفــي رســم خـرائـط الـهـجـرات الـتـي رسـمـت من خلالها حدود الدول. وإذا كـانـت الأنــهــار، وفــق مـا أظهره الــــتــــاريــــخ وأكـــــدتـــــه الأدلــــــــة المـــحـــســـوســـة، قـــــد هــــيــــأت الــــــظــــــروف المــــائــــمــــة لــنــشــوء الحضارات الكبرى، وبُنيت على ضفافها كبريات المدن والعواصم، فلا بد أن تكون تبعا لذلك محل احتفاء الشعوب القديمة في اليونان ومصر وبلاد الرافدين، وفي شـــرق الـعـالـم وغــربــه، وأن تـكـون منجما للأساطير وآلهة الخصب، وأن تقام لها الاحتفالات والأعياد والأضحيات من كل نـوع. ولأن حضور المـاء مقترن بحضور الحياة، وغيابه مقترن بغيابها، فقد كان من الطبيعي أن تشكل الأنهار ومجاري المــيــاه وأحـــواضـــهـــا، أحـــد أكــثــر مسببات الحروب، والنزاعات الدموية بين البشر. وكــــمــــا أن عــــلــــى الــــثــــلــــج أن يــخــســر هــويــتــه ومـــادتـــه الــصــلــبــة، لــيــرفــد بــالمــاء الـــــازم مـــجـــاري الأنـــهـــار، فـــإن مـــا يـحـدث للأنهار هـو الـشـيء نفسه، ولــو بصورة أخــرى، حين تكتشف أن حلمها الدهري بـعـنـاق الـبـحـر والاتـــحـــاد فــيــه، لا سبيل إلى تحقيقه إلا عبر فنائها بالذات. وقد أسهمت الأنهار في تغذية قرائح الشعراء والمبدعين بما يلزمها مـن الاسـتـعـارات، لا بفعل تكوينها اللولبي، المـتـراوح بين الظهور والخفاء، وهندستها الجمالية الــتــلــقــائــيــة، ولا بـسـبـب غــضــب شـتـائـهـا الـــطـــوفـــانـــي، أو نـــعـــاس صــيــفــهــا المـقـمـر فحسب، بل بسبب قدرتها الفائقة على المـاءمـة بين حاجة الجماعة إلـى تاريخ مـــشـــتـــرك، وحــــاجــــة الأفـــــــــراد إلـــــى تــأهــيــل ذاكرتهم بالأسرار. ولــهــذه الأســبــاب وغـيـرهـا، تمكنت الأنــــهــــار بـمـخـتـلـف أحـــجـــامـــهـــا، مـــن رفــد الأذهــــــــــان ورفـــــــــوف المــــكــــتــــبــــات، بـــأعـــمـــال وســــرديــــات شـــديـــدة الــــفــــرادة، مـــن بينها «الـــــدون الـــهـــادئ» لــشــولــوخــوف، و«قـلـب الـظـام» لـكـونـراد، و«ثــرثــرة فــوق النيل» لنجيب محفوظ، و«ثلاثمائة فرسخ على الأمازون» لجول فيرن، و«هناك أنهار في السماء» لأليف شافاك. وإذا كان الليطاني لا يَثبت بمعايير الـــطـــول والــــغــــزارة والاتـــســـاع أمــــام أنـهـار الــــعــــالــــم الــــكــــبــــرى، فــــإنــــه بـــالـــقـــيـــاس إلـــى الــبــلــد الـصـغـيـر الـــــذي يـشـقـه مـــجـــراه من الــوريــد إلـــى الـــوريـــد، يلعب الــــدور نفسه الــــذي يـلـعـبـه أتـــرابـــه فـــي حــيــاة الـشـعـوب والـجـمـاعـات. إضـافـة إلــى أنــه شكَّل على المستوى الجيوسياسي، محلا للتجاذب المتواصل بين القوى الدولية المتصارعة، وبخاصة في الفترة التي أعقبت سقوط الـــدولـــة الـعـثـمـانـيـة، حـيـث تـمـكـنـت دولـــة الانتداب الفرنسي من أن تنجح في دفع الحدود الجنوبية للبنان الكبير، قليلا إلى ما وراء النهر. أما الليطاني نفسه، فقد تمكّن منذ خــروجــه مــن نـبـع الـعـلَّــيـق غـربـي بعلبك، حتى مصبه فـي المـتـوسـط، إلــى الشمال مـــن صـــــور، مـــن أن يــجــتــذب إلــــى مــجــراه كـثـيـرا مـــن الــــروافــــد، بــــدءا مـــن الــبــردونــي وعمّيق والخريزات، وصولا إلى ينابيع عين الـزرقـا والحجير والخردلي ووادي السلوقي وغـيـرهـا. كما أن إسـهـامـه في حــيــاة الــفــاحــن الـسـاكـنـن إلـــى جــــواره، تــــــــــراوح بـــــن ري الأراضـــــــــــي الـــعـــطـــشـــى، وتــولــيــد الــكــهــربــاء، وبـــن إتــــراع قصص الـحـب بـمـا يلزمها مــن الــظــال والشجن الرومانسي. وهو إذ أعطى كنيته لبعض الــــقــــرى، كــمــا هـــو حــــال «عـــلـــي الـــنـــهـــري»، و«ديــــر قــانــون الــنــهــر»، اتــخــذ مــن بعض محطات مجراه أسماء جانبية له، حتى إذا بلغ المـصـب أطـلـق عليه الجنوبيون اسم نهر «القاسمية». ومـــــع أن الــلــيــطــانــي قــــد ارتــــبــــط فـي أذهـان كثيرين بالجنوب اللبناني، رغم أن معظم المسافات التي يقطعها تنتمي إلى البقاع، فإن الأمر عائد على الأرجح، إلـــى أن الـشـطـر الأخــيــر مــن الـنـهـر، حيث تـكـاد الـــحـــدود اللبنانية والفلسطينية تـتـامـسـان تـمـامـا فــي غـيـر مــوضــع، كـان ولا يـــزال الــجــزء الأكــثــر عـرضـة للأطماع من ســواه. فهو الـذي اشتعلت من حوله الــــــحــــــروب، وسُــــمــــيــــت بـــاســـمـــه «عــمــلــيــة الليطاني»، وتعمدت كل قطرة من مياهه بدماء الجنوبيين، كما بدموعهم وعرق جباههم وتباريح قلوبهم المجهدة. أما في أزمنة السلم والتعاقب الوادع للسنين، فلطالما أسهمت الطبيعة الأليفة للنهر، والــتــقــارب الحميم بــن ضفتيه، في جعله مقصدا شبه دائـم لأبناء جبل عامل، يلوذون بمياهه من حر الصيف، ويبثّونه لواعج قلوبهم وشكاواهم من شـح المـواسـم وانـقـاب الأحـــوال، ويُلقون إلـــيـــه بـــأجـــســـادهـــم الــتــعــبــى، وأرواحــــهــــم الظامئة إلى السكينة. وإذا كــــان مـــن الــبــديــهــي، أن يشكل الـلـيـطـانـي، بـمـيـاهـه الــرقــراقــة وأشــجــاره الظليلة ومشهديته الاحتفالية الباذخة، أحـد ينابيع الإلـهـام الأكـثـر ثــراء لشعراء جـبـل عـامـل وكـتـابـه، فـــإن مــا يبعث على الـــحـــيـــرة والاســــتــــغــــراب، هــــو ألا يـحـظـى الـــنـــهـــر بـــالاهـــتـــمـــام نـــفـــســـه، الــــــذي لـقـيـتـه أنـهـار العالم المماثلة، رغــم كـل مـا يزخر به حوضه من إرث غني، متصل بعضه بالأساطير والطقوس والشعائر الدينية والـــدنـــيـــويـــة، وبـعـضـه الآخــــر بالفلكلور والأهازيج والأغاني. ورغم كل ما بذلته من جهد في هذا المـجـال، فـإن كل ما أمكنني العثور عليه هي أبيات كتبها الشاعر العباسي عبد المــحــســن الــــصــــوري، ابــــن مــديــنــة صـــور، تــحــت عـــنـــوان «لا يــــوم كـيـومـنـا بـشـاطـئ ليطا»، وهـو اسـم النهر آنــذاك. وفـي تلك الأبـــيـــات، ذات الـنـظـم المـتـكـلـف والتقفية المتعسفة، الـتـي اضـطـره اســم النهر إلى استخدامها، يقول الصوري: والطل ينشر كل وقت لؤلؤا فيها سقيطا وجواهر الأنوار تُطلِع من زبرجدها خليطا فإذا رأيت الدر أبصرت العقيق به منوطا حال ترد إلى التصابي كل كسلان نشيطا وقــــــد اخـــتـــلـــف الـــــوضـــــع قـــلـــيـــا بـن نـهـايـات الـقـرن الـتـاسـع عشر ومنتصف الــــــقــــــرن الـــــعـــــشـــــريـــــن، حــــيــــث إن تـــحـــلُّـــق العامليين حول النهر لم تقتصر أسبابه على ما وفرته لهم ضفافه من مساحات الفرح والبهجة، بل لأنهم رأوه، في ظل الـتـبـلـور الـصـعـب لـلـكـيـانـات السياسية الوليدة، بوصفه رمز وجودهم، وصورة هويتهم القلقة والـبـاحـثـة عــن التحقق. وحيث شكّل اختيار وادي الحجير، أحد أجمل بقاع النهر، مكانا لانعقاد المؤتمر الــشــهــيــر الـــــذي تـــنـــادى إلـــيـــه الـعـامـلـيـون لـــإعـــان عـــن مـبـايـعـة فـيـصـل الأول عــام مـلـكـا عـلـى بــــاد الـــشـــام، تجسيدا 1920 واضـــحـــا لـــرمـــزيـــة المـــكـــان وخـصـوصـيـتـه ودلالاتــــــــه، فــقــد تـــحـــول الـــــــوادي المـــذكـــور ولـــأســـبـــاب نــفــســهــا، إلـــــى مــلــتــقــى أثــيــر للشعراء وتابعيهم، والـــى مـوئـل دوري للمناظرات الأدبية والفكرية، ولمجالس الشاي والأنس والسمر. وإذ كان من الطبيعي في تلك الفترة، أن تنعكس ملامح النهر وصوره الموزعة بين أودية الحجير والخردلي والسلوقي وغــــــيــــــرهــــــا، فـــــــي قـــــصـــــائـــــد الــــعــــامــــلــــيــــن ومقطوعاتهم، فقد خصه برسائل الحب والـحـنـن وقـصـائـد الــوصــف، غير واحـد منهم، فكتب علي محمود الأمين، قصيدة عن وادي السلوقي، مطلعها «طرزت ثرَّة السحاب الدَّفوقِ، بصنوف الأزهار وادي السلوقي». وكتب الفقيه المعروف محسن الأمين، قصيدة جاء فيها: ِوادي الحجيْر سقاك وكَّاف الحيا كم فيك للأبصار من مستمتَع جُمعت من الأشجار فيك بواسق أمثالها ُ بسواك لم تتجمّع ولقد تقاسمنا الغضا وغصونه ً في راحتيك وناره في أضلعي ِواد حكت أزهاره ورياضه وجها من الحسناء غير مقنَّع عــــلــــى أن مــــــا يـــبـــعـــث عــــلــــى الـــحـــيـــرة والاســـــــتـــــــغـــــــراب، لا يـــنـــحـــصـــر فــــقــــط بــمــا تعرض له الليطاني من ظلم أهل السلطة والمتنفذين، ومقاولي الثروات الطبيعية، والتسبب بتلويث مياهه، وتحويل مجراه إلـــــى مــســتــنــقــع لـــلـــســـمـــوم، بــــل بـــكـــون هـــذا الجمال الملحمي، الذي شكَّل الظهير الأكثر صـــابـــة، لــلــغــة شـــعـــراء الـــجـــنـــوب وكــتــابــه اللاحقين، لم يجد عدا استثناءات قليلة، صداه المناسب فيما ظهر لهم من قصائد وأعــــمــــال شــعــريــة وروائـــــيـــــة. وإذ تـحـتـاج مـــقـــاربـــة هـــــذه الإشـــكـــالـــيـــة إلـــــى غـــيـــر هـــذا المقام، فإن ما أستطيع قوله أخيرا هو أن عظمة الأنهار لا تقاس بأحجامها وغزارة مياهها، بل بكونها واسطة عقد الذاكرة الجمعية، وبكونها مصدرا دائـم التجدد لـإلـهـام والأمــــل، وإرادة الـبـقـاء. وإذا كان بدر شاكر السياب قد رفع جـدولا صغيرا كــنــهــر بــــويــــب، المــــحــــاط بـــغـــابـــات الـنـخـيـل الـــــوارفـــــة فــــي جـــنـــوب الـــــعـــــراق، إلـــــى مــقــام الأســطــورة، فـحـري بــأن يحظى الليطاني من الشعراء والكتاب الذين تربوا في كنف مياهه، بالتكريم نفسه والاهتمام إياه. شوقي بزيع المغني الكردي الذي قُتل مرتين » لـلـنـشـر كـتـاب TASQ« صـــدر حـديـثـا عـــن دار «يــوســف جـلـبـي: المـغـنـي الــكــردي الـــذي قُــتـل مـرتـن» لــلــكــاتــب إبـــراهـــيـــم الـــيـــوســـف، وهـــــو عـــمـــل تـوثـيـقـي يستعيد سـيـرة الفنان الـراحـل يـوسـف جلبي، أحد أبـرز مؤسسي الأغنية الكردية الحديثة، وأحـد أهم رموز الفلكلور الكردي في سوريا. يتناول الكتاب حياة يوسف جلبي ومسيرته في قرية 1927 الفنية والإنسانية، منذ ولادتــه عـام جبلكراو التابعة لمنطقة نصيبين، مــرورا بانتقاله إلى الجزيرة السورية وبداياته الفنية، وصولا إلى تحوله إلى واحد من أكثر الفنانين تأثيرا وحضورا في الوجدان الشعبي الكردي. ويــبــرز الـكـتـاب المـكـانـة الــريــاديــة الـتـي شغلها يـوسـف جلبي فــي تــاريــخ الأغـنـيـة الــكــرديــة، إذ كـان من أوائــل الفنانين الذين عملوا على حفظ الأغنية التراثية الكردية وصونها من الضياع، كما أعاد أداء عدد كبير من الأغاني الشعبية المتوارثة، وفي الوقت نفسه ألّف كلمات أغنيات جديدة، ولحّنها وغنَّاها، لــيــتــرك إرثـــــا فـنـيـا جــمــع بـــن الـــحـــفـــاظ عــلــى الـــتـــراث وتجديده وتطويره. وقـد شكّلت أعماله جسرا بين الــذاكــرة الشعبية والإبــــداع الفني، الأمــر الــذي جعل اسمه حاضرا في ذاكرة أجيال متعاقبة من الفنانين والجمهور. ويـــســـتـــنـــد المـــــؤلـــــف إلــــــى جـــهـــد تـــوثـــيـــقـــي امـــتـــد ســـــنـــــوات، اعـــتـــمـــد خـــالـــه عـــلـــى لـــــقـــــاءات وشــــهــــادات ووثائق ومرويات نـادرة، ويحتل الحوار المطول مع نجله البكر جلبي جلبي، موقعا محوريا في الكتاب، حـــيـــث يـــقـــدم شــــهــــادات تـفـصـيـلـيـة عــــن حـــيـــاة والـــــده وفنه وعلاقاته الاجتماعية والـظـروف التي أحاطت باعتقاله. كما يضم الكتاب شـهـادات ومـرويـات من أفــراد أسرته ومحيطه، تسهم في رسـم صــورة أكثر اكتمالا للفنان الإنسان وللمرحلة التي عاشها. كـــمـــا يــــتــــنــــاول الــــكــــتــــاب الـــــظـــــروف الــســيــاســيــة والاجــــتــــمــــاعــــيــــة الــــتــــي أحـــــاطـــــت بــــيــــوســــف جـــلـــبـــي، والضغوط التي تعرض لها بسبب مواقفه وأغانيه، وصــــــولا إلــــى اعــتــقــالــه وتــعــذيــبــه عــلــى يـــد عـنـاصـر المكتب الـثـانـي تحت إشـــراف ضـابـط الاسـتـخـبـارات فــي قـامـشـلـي حكمت مـيـنـي، وانــتــهــاء حـيـاتـه تحت ، في حادثة لا تـزال حاضرة في 1962 التعذيب عـام الـذاكـرة الثقافية الكردية بوصفها واحــدة من أكثر الصفحات إيلاما في تاريخ الفن الكردي. ويحاول المؤلف من خلال هذا العمل إعادة فتح ملف يوسف جلبي فنيا وإنسانياً، وإعادة الاعتبار إلى إرثه الذي تعرَّض جانب منه للتغييب والضياع نـتـيـجـة غــيــاب الــتــوثــيــق، رغــــم تــأثــيــره الـعـمـيـق في مسيرة الأغنية الكردية وفي عدد كبير من الفنانين الذين حملوا أغانيه وألحانه إلى الأجيال اللاحقة. قدم للكتاب الدكتور محمد عزيز زازا والدكتور ولات مـحـمـد، الـــلـــذان تــنــاولا تـجـربـة يـوسـف جلبي الفنية ومـكـانـتـه فــي تــاريــخ الـغـنـاء الــكــردي ودوره بوصفه أحـد الآبـــاء المؤسسين للأغنية الكردية في سوريا. وكـان غلاف الكتاب لوحة تشكيلية للفنان رحيمو حسين. برلين: «الشرق الأوسط» تجمع بين المفردات الهندسية المجرّدة والعناصر التصويرية قبّة ديوان قصر هشام تـــــــــم اســـــتـــــكـــــشـــــاف ســــلــــســــلــــة مـــن القصور الأموية الموزّعة على نواح من بوادي بلاد الشام خلال النصف الأول من القرن العشرين، وخرجت حملات التنقيب المـتـعـاقـبـة فــي هـــذه المنشآت بمجموعات متنوّعة من اللقى الأثرية، شكّلت مادة للتعريف بالفنون الأموية المـدنـيـة. يـعـود الــجــزء الأكــبــر مــن هـذه الـــلـــقـــى فــــي الأصـــــــل إلــــــى حـــلـــل زيــنــيــة معمارية، ويعتمد في الدرجة الأولى تقنية الجص المـنـقـوش، وتُعتبر أهـم شــواهــده تـلـك الـتـي خـرجـت مــن قصر المَـــشـــتـــى فــــي الأردن، وقــــصــــر الــحــيــر الـــغـــربـــي فــــي ســــوريــــا، وقـــصـــر هــشــام فـــي فــلــســطــن. تـــتـــكـــوّن هــــذه الـنـقـوش الجصيّة من شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرّدة والـــعـــنـــاصـــر الـــتـــصـــويـــريـــة المـــتـــعـــدّدة، مــنــهــا الـــنـــبـــاتـــي، ومـــنـــهـــا الـــحـــيـــوانـــي، ومنها الآدمـي. تحضر هذه العناصر المختلفة فــي قطعة كـبـيـرة مستديرة الـــشـــكـــل، قـــيـــل إنـــهـــا كـــانـــت تــــزيّــــن قـبـة ديــوان قصر هشام، بأسلوبها الفني الــــرفــــيــــع، وتــــخــــتــــزل جـــمـــالـــيـــة خــاصــة طبعت الفن الإسـامـي المدني في تلك المرحلة المبكرة من تكوينه. تـــجـــمـــع حــــلــــل قــــصــــر هــــشــــام بــن عـــنـــاصـــر مــــتــــعــــدّدة تـــعـــود إلـــــى فــنــون الـعـالـم المـتـوسـطـي والــعــالــم الـفـارسـي والـعـالـم الآســيــوي الأوســــط، وتعكس قـــــدرة مــثــيــرة فـــي الابـــتـــكـــار والــقــولــبــة والـــــتـــــجـــــديـــــد. مــــــن هــــنــــا تـــــبـــــدو هــــذه الــحــلــل مــتــأصــلــة فـــي تــقــالــيــد قـديـمـة، ومطبوعة بطابع محلّي خاص يُعرف الـــيـــوم بــالــطــابــع الأمــــــوي. إلــــى جـانـب الزخارف المكوِّنة للعناصر المعمارية، كـــالـــتـــيـــجـــان والأفــــــــاريــــــــز والـــفـــتـــحـــات المــــعــــروفــــة بــــالــــنــــوافــــذ، اعـــتـــمـــدت هـــذه الحلل سلسلة من العناصر النباتية، منها أغصان الكرمة وسعف النخيل وبعض الثمار، كما اعتمدت سلسلة مـــتـــنـــوعـــة مــــن الأشـــــكـــــال الـــحـــيـــوانـــيـــة، منها المعز الجبلية والغزلان والقردة والأرانــــب والـخـيـول المجنحة، إضافة إلى أصناف عدة من الطيور. حضرت هـــــذه الـــعـــنـــاصـــر الـــحـــيـــة فــــي شــبــكــات زخـرفـيـة غـلـب عليها طـابـع التحوير والمـــــوازاة والـتـجـانـس المـحـكـم، وحـوى بـعـض مـنـهـا عـنـاصـر آدمــيــة مـتـعـدّدة الأشــــكــــال، بــــدت مــدمــجــة بـشـكـل كـامـل فـــي الـتـصـامـيـم الـنـبـاتـيـة والــســاســل الـــزخـــرفـــيـــة الـــهـــنـــدســـيـــة. تـــجـــلّـــى هـــذا الانــــصــــهــــار بـــشـــكـــل لافــــــت فـــــي قـطـعـة دائـــريـــة مــن الـحـجـم الـكـبـيـر، رأى أهـل الاخـــتـــصـــاص أنـــهـــا كـــانـــت تـــزيّـــن على الأرجح قبة تعلو قاعة قيل إنها تمثّل الـديـوان الخاص بقصر هشام، وهذه 4 القاعة مربّعة، وطـول ضلعها نحو أمتار. وصـلـت هــذه القطعة المستديرة مــــهــــشّــــمــــة، وتــــــــم جــــمــــع مـــكـــوّنـــاتـــهـــا المبعثرة وصهرها إثر عملية ترميم مــتــأنــيــة. تـحـضـر فـــي الـــوســـط زهـــرة مــــحــــوّرة هــنــدســيــا تــحــيــط بــهــا ستة وجـــــوه آدمـــيـــة صــيــغــت فـــي وضـعـيـة المواجهة. يشكّل هذا التأليف الدائري نــواة هـذه القبة المتقنة، ويبلغ طول مـتـر. تلتف الـوجـوه 1.5 قـطـره نحو الــــســــتــــة فـــــي حـــلـــقـــة دائــــــريــــــة يــحــيــط بــهــا شــريــط تــزيّــنــه أغـــصـــان مــورقــة. ويلتف من حول هذا الشريط شريط أكـــبـــر حـجـمـا تــزيّــنــه أغـــصـــان مــورقــة مـغـايـرة فــي الـشـكـل. حـافـظـت الكتلة الـــورديـــة الـتـي تحتل وســـط الـصـورة عــلــى مــكــوّنــاتــهــا بـشـكـل شــبــه كــامــل، ونـقـع عـلـى صـــورة توثيقية لـهـا في الكتاب المرجعي الذي نشرته جامعة ، وحـمـل 1959 أوكـــســـفـــورد فـــي ســنــة عــنــوان: «خــربــة المـفـجـر: قـصـر عربي في الصحراء». تتألف الوردة من ست بـــتـــات، تـحـيـط بـهـا سـلـسـلـة بـتـات، ينقسم كل منها جزأين متجانسين. تــحــيــط بـــهـــذه الـسـلـسـلـة ســـت أوراق نباتية عريضة مـن فصيلة الأقنثا، وهـذه الفصيلة معروفة في قاموس الفن الكلاسيكي، وتشكّل عنصرا من عناصر الفنين اليوناني والروماني المــتــوارثــن عـبـر الـعـصـور والـــقـــارات. عـلـى صـعـيـد الأســـلـــوب المــتــبــع، تحل الوردة في قالب تحويري يغلب عليه الـــطـــابـــع الــهــنــدســي الـــتـــجـــريـــدي. في المقابل، تحل أوراق الأقنثا في قالب كلاسيكي، وتحافظ بشكل كبير على مثالها الطبيعي. محمود الزيباوي لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky