قـطـعـا لا يــقــودنــا الــعــنــوان إلـــى الــحــديــث عـــن دولـــة الـــخـــوارزمـــيـــن الـــقـــديـــمـــة، وإنــــمــــا عــــن كـــبـــريـــات شـــركـــات التكنولوجيا التي تستخدم علم الخوارزميات؛ لا سيما جماعة الـذكـاءات الاصطناعية، التي يبدو أنها تتسلَّم دفة قيادة العالم مؤخراً. خــــال أعـــمـــال قــمــة مــجــمــوعــة الــســبــع الأخــــيــــرة في إيفيان الفرنسية، بدا كأن هناك نظاما عالميا جديدا يولد من رحـم تلك الشركات، يفوق في قوته ونـفـوذه ما وُلد من رحم الدول القومية ذات الطبيعة الويستفالية، عبر الأربعمائة عام المنصرمة. كان المشهد تاريخياً؛ بل ومثيرا للدهشة، ويجسد ترتيبا جيوسياسيا غير مـسـبـوق، فقد جلس رؤســاء كـبـريـات شــركــات الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي الأمـيـركـيـة حـول الـطـاولـة، على قــدم المــســاواة مـع رؤســـاء الـــدول القومية السبع الكبرى؛ بل تمت معاملتهم بالفعل كرؤساء دول. حمل اللقاء لنا صورة مبسطة من المستقبل القادم لا محالة، الذي يتحكم فيه «لوردات الخوارزميات»؛ في مــآل الجنس البشري فــوق كـوكـب الأرض، وربـمـا أعـاه وأسفله؛ حيث إن مَــن يسيطر على ميكانيزمات الذكاء الاصـطـنـاعـي وقـــواعـــده وتطبيقاته فــي الـحـكـم والأمـــن، في الاقتصاد والسياسة، في العسكرة والحروب، حُكما سيسوس العالم. هـل اسـتـشـعـرَت الـقـوى الصناعية الـكـبـرى الخطر المـــحـــدق لــنــظــام الأولـــيـــغـــارشـــيـــة الــتــقــنــيــة، ولـــهـــذا تمت دعوتهم في محاولة لرسم الخطوط وتخليص الخيوط؟ المؤكد أن الصدام الذي جرى بين الإدارة الأميركية الحالية، وشـركـة «أنـثـروبـيـك»، كــان تجربة ديناميكية صغيرة على مسارين متقابلين: الأول تخشى فيه الحكومات من مبتكرات الذكاءات الاصطناعية؛ لا سيما التي يمكنها تهديد الأمن القومي في الداخل والخارج. والثاني ترفض فيه تلك الشركات بيع منتجاتها للحكومات، خوفا من استخدامها في انتهاك الحريات الشخصية وربما العامة من جهة، بينما الهول الأكبر تسخير تلك الـنـمـاذج لخدمة فـكـرة الــحــروب الـتـي تـدار بغير الـبـشـر. ولأن شــركــات الـــذكـــاءات الاصـطـنـاعـيـة لم تعد حكرا على الغرب بشقَّيه الأوروبـي والأميركي، فقد طُرحت تساؤلات في الأفـق: ومـاذا عن التجارب المماثلة في الشرق الآسيوي؛ لا سيما في الصين المسرعة جدا في حيازة نماذج، بعضها أقل تكلفة وأكثر سرعة من تلك التي تُصنع في الغرب؟ فـي الــحــوارات التي درات فـي إيـفـيـان، بــدا واضحا أن هناك تضادا واضحا في أذهان الرؤساء التنفيذيين الغربيين، تجاه ما يمكن أن يأتي من الشرق؛ لا سيما أن روسيا لن تكون خارج المعادلة بحال من الأحوال. كـيـف يـمـكـن الـعـمـل عـلـى ضــمــان اســتــمــرار هيمنة الديمقراطيات على مجال الذكاء الاصطناعي؟ كان هذا السؤال هو الشغل الشاغل الحقيقي للدول الـكـبـار الـسـبـع وضـيـوفـهـم، مــا يفيد بـــأن المـعـركـة أوســع بـكـثـيـر جـــدا مـــن مــجــرد الــحــديــث عـــن خـــافـــات سطحية فــي الـــداخـــل الأمــيــركــي؛ بــل مـواجـهـة أمـمـيـة قـــادمـــة، بين معسكرين متقابلين، غـربـي ديـمـقـراطـي، وشــرقــي يــراه الـــغـــرب اســـتـــبـــداديـــا، ولــــو امــتــلــك مـــقـــدرات تـكـنـولـوجـيـة متطورة. هنا ينتقل النظام العالمي من شأن إلى آخـر، ومن مستوى قيادي سياسي وعسكري، إلى نموذج لا يقيم وزنــــا إلا لـلـمـفـاهـيـم الـبـراغـمـاتـيـة، والـــربـــح دائـــمـــا وأبـــدا سيدها. أكـثـر مــن ذلـــك؛ تـدخـل الــحــروب والــصــدامــات حيزا جـديـدا غير مــعــروف، يـتـجـاوز الأسـلـحـة التقليدية؛ بل والـــنـــوويـــة، إلــــى صـــراعـــات هـجـيـنـة غــيــر مــرئــيــة، كفيلة بــــإحــــداث حـــالـــة مـــن الـــفـــوضـــى الـــكـــونـــيـــة؛ لا ســيــمــا حــال التلاعب بمقدرات البنى التحتية للأمم والشعوب. على طاولة الــدول العظماء السبع الأخـيـرة، بانت جـلـيَّــة أفــكــار الــخــوارزمــيــن الــجــدد، متمثلة فيما نــادى به سـام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبــن آي»، والذي دعا إلى منتدى دولي للنقاش، يهدف إلى بلورة معايير مقبولة عالميا للاختيار، ويقدم تحليلا خبيرا ومحايدا للقدرات والمـخـاطـر، ويعمل كمنصة للتعاون بين الدول. هـــل نــحــن عــلــى عــتــبــات حـقـبـة جـــديـــدة فـــي تــاريــخ البشرية من التفرد التكنولوجي؟ هذا ما أقره بالفعل ديميس هاسابيس، الإنجليزي صـاحـب شـركـة «ديـــب مـايـنـد»، لـلـذكـاءات الاصطناعية، قبل أن تستحوذ عليها «غوغل». هـاسـابـيـس يـعـتـقـد أن الـبـشـريـة الـــيـــوم فـــي حـاجـة إلــــى هـيـئـة مــعــايــيــر بـــقـــيـــادة الــــولايــــات المـــتـــحـــدة، تعمل بشكل مثالي وبتعاون وثيق مع المجتمع الديمقراطي الدولي، في هذه الأوقات التي تمر فيها الإنسانية بأكثر لحظاتها حرجا في تاريخها، وإن حملت إمكانات هائلة تبشر بالعصر الذهبي للاكتشافات والتقدم العلمي. لــكــن مـــا يـــفـــوت هــاســابــيــس، أن الـــوجـــه الآخـــــر من العُملة يحمل مخاوف رهيبة من عند استهلاك الطاقة اللازمة لإدارة مراكز البيانات العملاقة، وكميات المياه الهائلة التي تقوم على تبريد أنظمتها، والمـخـاوف من أن تتسبب في تلويث الهواء من جهة، والاستغناء عن العنصر البشري مرة وإلى الأبد. ثــــم هــــل ســـيـــتـــوافـــق الـــشـــطـــر الآخــــــر مــــن آســـيـــا عـلـى المـعـايـيـر الأمـيـركـيـة؟ ومــــاذا لــو وقـعـت تـلـك الـنـمـاذج في الأيدي الخطأ؟ ويـبـقـى الــتــســاؤل المــفــتــوح: أي نــظــام عــالمــي يمكن للخوارزميين الجدد استيلاده؟ مع كل موسم مونديالي عالمي تتغيّر الحركة البشرية على المستويين الذاتي والزمني. يصبح الوقت المنتظَر لبدء المباراة هو الأساسي بغية التجهيز النفسي لمتابعة النزال؛ وآية ذلك أن في هذا المونديال قد سهّلت بعض الدول على الموظفين ساعات عملهم من أجل رفع معنويات منتخبهم وممثلهم في كأس العالم. بعض قد يرى أن في التشجيع تـرفـا أو مضيعة لـلـوقـت، وهـــذا مـنـقـوض تـمـامـا إذ يمثّل الانتماء للقميص الممثل لبلدك هويّتك وتاريخك وأرضك، إن كل لاعـب يرتدي قميص وطنك تنظر إليه وكـأنَّــه أنت، حيث تشعر بالغضب لحظة الخسارة، وبالفرح العارم إذا تمكّن من تحقيق أي انتصار. وأســــتــــدل عــلــى ذلــــك بــمــبــحــث بـــعـــنـــوان: «الـــريـــاضـــة )» لـجـورج أورويــــل، ترجمة 1945( والـشـعـوب والسياسة نــاصــر المـــــري، لـصـالـح مـجـلـة «حــكــمــة». وفــيــه يــقــول:«كــل الألـــعـــاب الـريـاضـيـة الــيــوم تـنـافـسـيـة، تلعب لـتـفـوز، إذ لا مـعـنـى لـلـعـبـة إذا لـــم تـــبـــذل قـــصـــارى جـــهـــدك لــلــفــوز على المـسـتـطـيـل الأخـــضـــر، عــنــدمــا تــخــتــار أحــــد الأطــــــراف دون الــشــعــور الــوطــنــي المــحــلــي، فــإنــه مـــن المــمــكــن فــقــط الـلـعـب للمتعة والـتـمـريـن، لكن حـالمـا تحضر قضية البرستيج عندما تشعر أنك جزء من وحـدة أكبر سيحل بها الهوان عند الهزيمة، عندها تستثار لـدى اللاعب أبشع الغرائز الوحشية، وهذا شيء يعرفه من سبق أن لعب مباراة كرة قـدم في مدرسة. الرياضة على المستوى الدولي صراحة هي محاكاة للحرب». وهذا صحيح؛ فالرياضات والمسابقات وعلى رأسها كرة القدم لها حركتها الزمانية والمكانية، ولها روحها، وعلامتها، وثقافتها. بـل لها تـاريـخ ضـــارب ومـتـطـور، وتــداخــل متشعب؛ فهي تنسجم مع المجالات الأخرى، بل من صميم حيويتها وفاعليتها، كالمجال الطبي، لاتصالها بالصحة والحياة، والآخــــــر فـــي المـــجـــال الــثــقــافــي والاقـــتـــصـــادي والــســيــاســي والاجــتــمــاعــي؛ فـهـي تــدخــل عـلـى هـــذه المـــجـــالات بصفتها عـمـلـيـة تـغـالـب ومــقــاومــة ومـــراهـــنـــة، بـــل تـــدخّـــل فـــي درْس فضاءيها وأثرها الفلاسفة. ومــــن ضــمــن تــداخــلــهــا مـــع المـــجـــال الــثــقــافــي تتمكن الفلسفة من طرح الرياضة في عصب نظرياتها؛ والرياضة درستها الفلسفة بشكل غير مباشر، وذلك لجهة اتصالها بالقواعد، والتغالب، والفضاء الذي تمارس فيه، ولوقوعها في زمـان ومكانٍ، ولما تحمله كل رياضة من تاريخ، وهذا هو السبب الـذي دفـع ستيفن كونور لتأليف كتابه المهم: «فلسفة الرياضة». يدرك المؤلف أن بين الرياضة والفلسفة بعض الانفصال وكثيرا من الاتصال. فهو في ديباجة الكتاب يعترف بأنه: «ليس هناك ارتباط طبيعي، ظاهرياً، يربط الرياضة بالفلسفة؛ فمن المفترَض عموماً، وربما تشيع الفرضية نفسها حتى بين قليل من الفلاسفة، أن الفلسفة أقرب مما يمكن أن يمارسه المـرء إلى التفكير المحض، الـذي ينطوي (مثلاً) على فعل التفكير في التفكير نفسه. وفي المقابل، نجد أن الرياضة تنطوي على إجهاد البدن في شيء أشبه ما يكون بأنقى أشكاله». والمـــســـافـــة الــبــعــيــدة، بـحـسـب المـــؤلـــف، بـــن الفلسفة الأخلاقية والقضايا العملية تتجسد في مسرحيات مثل ) بتمثيل 1972( » ما كتبه توم ستوبارد بعنوان «القافزون الفلسفة الأخلاقية بلغة الرياضة البدنية، والفجوة بين الطبيعي، ومـــا وراء الطبيعي، هــي مـصـدر الـضـحـك في المــشــهــد المــســرحــي الـــهـــزلـــي، لمـجـمـوعـة مــونــتــي بـايـثـونـي الموسيقية الهزلية، الذي يصوّر مباراة أولمبية نهائية بين فريقي كرة قدم من الفلاسفة يمثلان اليونان وألمانيا. مثلاً؛ في المسرحية، وفور أن تنطلق الصافرة، يشرع الـفـاسـفـة فــي المـشـي بـخـطـوات واســعــة حـــول المـلـعـب، ولا يلاحظ أحدهم الآخر قط، غير أنهم يتأملون ويتجادلون مع أنفسهم، بينما تستقر الكرة في منتصف الملعب من دون حــــراك، وأخـــيـــرا بـعـد أن يــنــزل الإلـــهـــام المـفـاجـئ على «أرخميدس» يشن حكماء اليونان هجمة تخترق صفوف الألمـان المتفاخرين، فتنتهي بـ«سقراط» وهو يسدد الكرة في مرمى الألمان. يخوض الألمان نزاعا حول صحة الهدف، بحسب وصف المعلق على المباراة بحماس: «يحتج هيغل بـأن الـواقـع مجرد ملحق بديهي للأخلاق الطبيعية. أمَّا كــانــط، فيحتج اســتــنــادا إلـــى الأمـــر الـقـطـعـي؛ بـــأن الـواقـع المـــوجـــود مـــجـــرد أنــطــولــوجــيــا فــقــط فـــي الـــخـــيـــال. ويــزعــم ماركس أن الهجمة كانت تسلُّلاً». نــعــم هـــي مــســرحــيــة هــزلــيــة ولــكــنَّــهــا تــعــبّــر عـــن لــب التلاقي الرياضي والمجتمعي والثقافي. ومعلوم أن هـذه المسرحية فرشت الطريق بـن كرة الـــقـــدم والـفـلـسـفـة، عـبـر تـكـويـن فــريــق لـكـل مـنـهـم حججه النظرية في الموقف؛ من صوابية الربح، والمؤلف يعترف بــأن هـذا الكتاب تتمة لثلة سبقوه، منهم مــارك بيريمان «كـــــــرة الــــقــــدم والـــفـــلـــســـفـــة»، وتـــتـــمـــتـــه كــــتــــاب «كـــــــرة الـــقـــدم الفلسفية»، الــذي يطرح فيه تبديلات للمسارات المهنية الفكرية لفلاسفة أخذهم كشخصيات لمسرحيّة رياضية. الخلاصة أن التشجيع الـريـاضـي جــزء مـن الغريزة الإنـــســـانـــيّـــة، فــهــو بــديــل عـــن الــعــنــف والــــحــــرب؛ إن الـلـعـب والتحكيم وإطـــاق الأهــازيــج وتسجيل الأهــــداف أو طرد الـــاعـــب المـــســـيء كــلــهــا عـــامـــات تـــشـــرح طـبـيـعـة الإنـــســـان وتـلـخّــص تـاريـخـه، وهـــذا التفسير ربـمـا لا يـــروق لبعض المثقّفين الغارقين فـي مكتباتهم، والـذيـن يـريـدون مـن كل المجتمع أن يـكـون باحثا فـي النقد والـنـظـريّــة والتكوين الـغـربـي والاسـتـعـمـار، أو الاعـتـكـاف بمكتبة وعـلـى مـدى عقود، لبحث مسائل «البلاغة» و«التناصّ». 880 تُــغــذّي كـوريـا الجنوبية رهـانـا ضخما بقيمة مليار دولار، تـقـوده شركتا «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كيه هاينكس»، الوطنيتان الرائدتان، بُغية الحفاظ عــلــى صـــدارتـــهـــا فـــي طــفــرة رقـــائـــق الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي، وضمان أن يعم هـذا الازدهـــار البلاد بأسرها. وفـي حال نجح هذا الرهان، قد يُقدّم أحد أوائل الرابحين الكبار من ثورة الذكاء الاصطناعي نموذجا يُحتذى للنمو الشامل، يتجاوز أثره حدود كوريا الجنوبية نفسها. تضمّن الخطاب التلفزيوني للرئيس لي جيه ميونغ كل المصطلحات الرائجة المعتادة، متعهّدا بأن يُوجَّه هذا الإنفاق الضخم نحو أشباه الموصلات ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي المادي. غير أن الجانب الأكثر أهمية في هذه الخطة يكمن في بُعدها الجغرافي. تسعى الحكومة إلى إنشاء مراكز إقليمية للتقنية المتقدمة، ومـراكـز جديدة لإنتاج أشباه المـوصـات. وفي مـنـشـور عـبـر مـنـصـة «إكـــــس»، وصـــف لــي صــعــود كـوريـا بـأنـه مـزيـج مــن «إنـــجـــازات بــاهــرة» و«اخـــتـــالات حـــادة». ودعا المواطنين إلى دعم «أهداف البقاء الوطني»، المتمثلة فـي تخفيف التركز بمنطقة العاصمة، وتعزيز التنمية المـتـوازنـة. ولـه وجـاهـة فـي ذلــك، فكما سبق أن كتبت من قبل، لم تُوزّع المعجزة الاقتصادية الكورية مكاسبها يوما بشكل متكافئ؛ فهذه هي الدولة نفسها التي أنتجت كلا من «إس كيه هاينكس» ومسلسل «لعبة الحبّار». إن الـحـرص على تعميم ثـمـار الــذكــاء الاصطناعي تــوجّــه صـائـب فـي حــد ذاتـــه، أمــا الـجـزء الصعب فهو ما يأتي لاحقاً. ويتهم منتقدو الرئيس لي، بالفعل، باختيار المـراكـز الإقليمية بدافع تحقيق مكاسب سياسية، وهو اتــهــام نـفـاه بــشــدة، خـــال عطلة نـهـايـة الأســـبـــوع، مـؤكـدا أن الشركات هـي مَــن حـــدّدت المـواقـع. والمشهد السياسي حــــسّــــاس فــــي هـــــذا الــــصــــدد، إذ أظـــهـــر اســـتـــطـــاع حــديــث لمؤسسة «غالوب كوريا» تراجعا في نسبة التأييد التي يحظى بها الرئيس. وأشـــار وزيــر الصناعة إلـى ارتفاع تكاليف الأراضي حول سيول، إلى جانب توافر مساحات شاسعة وإمدادات وفيرة من المياه في مناطق أخرى. غير أنـــه إذا كـانـت المـكـاسـب السياسية قـصـيـرة الأمـــد هــي ما يقود أي جزء من هذه العملية، فقد ترتد الخطة بأكملها بنتائج عكسية، وتُــفـضـي إلـــى انــعــدام الـكـفـاءة والــهــدر، نـاهـيـكـم بــاحــتــمــال وقـــــوع فــضــائــح. ويــتــعــن عــلــى قـــادة الحكومة والــشــركــات، على حــد ســـواء، التحلّي بأقصى درجات الشفافية في كل خطوة. وتعتزم كل من «سامسونغ» و«إس كيه هاينكس» بـنـاء مصنعَين جـديـدَيـن لأشــبــاه المــوصــات فــي المنطقة الــجــنــوبــيــة الـــغـــربـــيـــة، فـــي إطـــــار تـــوسّـــع يـــتـــجـــاوز نـطـاق تجمّعهما الصناعي القائم في مقاطعة غيونغي، الواقعة جـنـوب سـيـول مـبـاشـرة. وقـــال وزيـــر الأراضــــي كيم يـوندوك إن خطة هـذه المراكز استُلهمت من تجربتَي «وادي السيليكون» ومدينة «شنتشن» الصينية، وستعمل على دمــج الـشـركـات والـجـامـعـات ومـؤسـسـات البحث العلمي والمجتمعات السكنية في منظومة واحدة. والطموح في حد ذاته صائب، غير أنه سيتطلّب استثمارات في البنية الـتـحـتـيـة المـحـلـيـة؛ مـــن مـــــدارس ومـسـتـشـفـيـات ووحــــدات سكنية، وكل العوامل الكفيلة بجعل المهندسين المطلوبين راغبين في بناء حياتهم بعيدا عن سيول. وغالبا مـا تُخفق الحكومات الـتـي تـحـاول تحقيق مـكـسـبَــن مــتــزامــنَــن، عـبـر نـقـل الــصــنــاعــات إلـــى مناطق بـــحـــاجـــة إلـــــى الإنـــــعـــــاش، فــــي تــحــقــيــق أي مــنــهــمــا. ومـــع ذلـــك فـــإن الــتــركّــز الـصـنـاعـي يـحـمـل فــي طــيّــاتــه مـخـاطـره الخاصة. فارتفاع أسعار الأراضي، والضغط على شبكة الكهرباء، وغيرها من العوامل الـطـاردة، باتت، بالفعل، تـــدفـــع بــصــنــاعــة أشـــبـــاه المــــوصــــات بــعــيــدا عـــن الـتـجـمّــع الصناعي الحالي. كما أن وقوع كارثة طبيعية أو صدمة جيوسياسية يمكن أن يُــلـحـق ضـــررا أكـبـر بكثير، حين يتركّز جزء كبير من الاقتصاد في منطقة حضرية واحدة. ولهذا السبب، يُعد توسّع شركة «تايوان لصناعة أشـــبـــاه المــــوصــــات» فـــي إقــلــيــم كــيــوشــو خــطــوة منطقية تــجــاريــا، بـالـقـدر نـفـسـه الــــذي يـمـثـل فـيـه مكسبا تنمويا لـلـجـزيـرة الــيــابــانــيــة، بـالـنـسـبـة لأهـــم مُــصــنّــع رقـــائـــق في العالم. كما يُقدّم انتشار الشركة؛ من مدينة هسينشو في شمال تايوان إلى مدينة كاوشيونغ في جنوبها، الدرس نــفــســه. فــالــتــنــويــع، حـــن يُـــــدار بـحـكـمـة، يـــخـــدم مصلحة الأعمال ويُعد ضرورة لا غنى عنها لتحقيق النمو. كما أن الـــرأي الـعـام يقف إلـى جانب لـي، إذ أظهرت استطلاعات الـــرأي قلقا واسـعـا إزاء الاخــتــالات القائمة بـن منطقة العاصمة وبقية أنـحـاء كــوريــا، مما يمنحه تفويضاً، على الأقل، لخوض هذه التجربة. ولم تكن سياسة الرقائق يوما بمعزل عن السياسة، فقد حـوّلـت أزمــة نقص المكونات الدقيقة، خـال جائحة «كــوفــيــد»، تـلـك المــكــونــات المـسـتـخـدمـة فــي كــل شــــيء؛ من الإلـــكـــتـــرونـــيـــات الاســـتـــهـــاكـــيـــة إلـــــى الأنـــظـــمـــة الـــدفـــاعـــيـــة، مسألة إعـــادة التصنيع إلـى الـداخـل إلـى هاجس متعلق بالأمن القومي، من واشنطن إلى طوكيو. ولم يزد الذكاء الاصـطـنـاعـي الأمـــر إلا رفـعـا للمخاطر، ومــا تسعى إليه سيول من حماية ريادتها عبر استراتيجية صناعية أمر في محله. غير أن التفاصيل، الشحيحة حالياً، ستكون أكثر أهمية من مئات المليارات من الــدولارات، أو من صور لي وهو يصافح رئيسَي مجلسَي إدارة «سامسونغ» و«إس كيه هاينكس». ولا يتضح، على وجه الدقة، أي قدر من هذا الإنفاق يُعد جديدا فعلياً، وأي قدر منه هو مجرد إعادة تغليف لخطط كـانـت الـشـركـتـان تنفذانها أصـــا لتلبية الطلب العالمي المتنامي بلا حـدود على رقائق الـذاكـرة الموجّهة لمــراكــز الـبـيـانـات. كـمـا اتـسـم الـــجـــدول الـزمـنـي للمشروع بالغموض كذلك. وحتى لو تحقّقت كل هذه المبالغ على أرض الواقع، فإن هذا الرهان يقوم على افتراض آخر غير مؤكَّد، وهو أن الطلب على الذكاء الاصطناعي سيُواصل نــمــوه بـالـوتـيـرة الـحـالـيـة، وهـــو أمـــر غـيـر مـضـمـون على الإطلاق. ومـع ذلـك ينبغي لصانعي السياسات حـول العالم متابعة هذا التطور من كثب، فقد غدت كوريا الجنوبية مركزا لنقاش أوسع حول هوية الجهة التي تستحوذ على عوائد طفرة الذكاء الاصطناعي داخل المجتمع، إذ يُتوقّع أن تــتــجــاوز بـعـض المــكــافــآت الــتــي يـحـصـل عليها عمال الرقائق، هذا العام، وحدها، نظيرتها من متوسط الأجر السنوي للعامل الكوري الجنوبي بمراحل. وفي منشور عبر «فيسبوك»، انتشر بشكل واسع، الشهر الماضي، حذّر أحـد كبار مستشاري السياسات لـدى لي من أن الأربــاح المُفرطة في عصر الـذكـاء الاصطناعي قد «تُفاقم، بشكل بنيوي، الفجوة الاقتصادية ذات الشكل الحرفي (كيه) داخل المجتمع». وقد لمس هذا التحذير وترا حساسا في الـخـارج، في وقـت تحاول فيه الحكومات الاستثمار في هـذه التقنية ونشرها، مع الاستعداد، في الوقت نفسه، لاحتمالات تعطُّل واسع النطاق في سوق العمل. وبفضل شركاتها الرائدة في صناعة الرقائق، كانت كــوريــا الـجـنـوبـيـة مــن أوائــــل الــرابــحــن فــي هـــذه الـطـفـرة. ورهان لي لا يتعلق فحسب بالحفاظ على هذه الصدارة، وإنما بالحيلولة أيضا دون أن يُوسّع الذكاء الاصطناعي الفجوة بين المستفيدين من هذه الصناعة، ومَن تخلفوا عن الركب أو فقدوا وظائفهم بفعل هذه التقنية. والطموح هائل فـي هـذا المسعى، فمِن شـأن المراكز التقنية الإقليمية أن تُعمّم المكاسب، وتُخفّف حدّة التركّز، وتُحوّل المناطق المُهمَلة إلى محرّكات للنمو. وقد يشكّل هذا النموذج مثالا يُحتذى لدول؛ من اليابان إلى المملكة المـتـحـدة، والـتـي تُــعـانـي، هـي الأخــــرى، اقـتـصـادات ريفية متقادمة وهجرة العمال الشباب بحثا عن فـرص أفضل في المدن. غير أن المخاطر لا تقل جسامة عن هذا الطموح، فقد يتحوّل رهـان إدارة الضخم إلـى تحذير مفاده أن كوريا الجنوبية قد تربح طفرة الذكاء الاصطناعي، وتترك، في الوقت نفسه، نصف سكان البلاد متخلفين عن الركب. * بالاتفاق مع «بلومبرغ» Issue 17382 - العدد Wednesday - 2026/7/1 الأربعاء هل استشعرَت القوى الصناعية الكبرى الخطر المحدق لنظام الأوليغارشية التقنية؟ إميل أمين *كاثرين ثوربيك فهد سليمان الشقيران OPINION الرأي 14 الذكاء الاصطناعي... ماذا يجري في كوريا الجنوبية؟ الخوارزميون الجدد وإعادة رسم النظام العالمي عن حماسة كرة القدم وحيويَّة «التشجيع»
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky