Issue 17376 - العدد Thursday - 2026/6/25 اخلميس كتب BOOKS 17 جزء ال غنى عنه من وجود اإلنسان وجهازه النفسي والعقلي دفاع عن العاطفة كـيـف نـتـرجـم إلـــى الـلـغـة الـعـربـيـة كلمة » اإلنجليزية (ومقابلها فى Sentimentality« )؟ لقد قدمت لها عدة Sentimentalite الفرنسية تـرجـمـات أخــتــار منها «الـعـاطـفـيـة املـفـرطـة». وفـــــي قــــامــــوس «الــــكــــامــــل الـــكـــبـــيـــر: فـــرنـــســـي - عـــربـــي» لــلــدكــتــور يــوســف مـحـمـد رضــــا نـقـرأ هذا التعريف: «نزعة أدبية قوامها أن القيمة الجمالية لـأثـر األدبـــي تـقـوم على قـــدرة ذلك األثــر لـدى الـقـراء أو النظارة، حالة من يبالغ في التعبير عن عاطفة أو يتكلف هذا التعبير. ويـتـرتـب عـلـى ذلـــك فــي األدب ســـوء استغالل عواطف القراء». هـــذه العاطفية املـفـرطـة مــوضــوع كتاب عنوانه «ناعم: تاريخ وجيز للعاطفية املفرطة» )Soft: A Breif History of Sentimentality( صـدر عن دار نشر «بلومزبرى كونتنام» في Ferdinand( من تأليف فرديناند ماونت 2025 )، وهـــــــو رئـــيـــس Mount تــــحــــريــــر ســـــابـــــق ملــلــحــق «الــــتــــايــــمــــز األدبـــــــــــي» فـي لندن. يــــــقــــــول املـــــــؤلـــــــف إن الــــــنــــــاس قــــــد عــــــبــــــروا فــي مــــخــــتــــلــــف األزمــــــــنــــــــة عـــن أفـــــــراحـــــــهـــــــم وأتــــــراحــــــهــــــم بطرق غريبة شائقة. وقد علقت املجتمعات أهمية مـتـغـيـرة عــلــى الـتـعـاطـف مع اآلخرين ووضع الذات فــــي مـــكـــانـــهـــم. واقـــتـــرنـــت األحـــــــــــــــــداث الــــســــيــــاســــيــــة الــــكــــبــــرى - مـــثـــل الــــثــــورة 1789 الــــفــــرنــــســــيــــة فـــــــي وحــركــة الــحــقــوق املـدنـيـة فـــــي عـــصـــرنـــا - بــــثــــورات اجتماعية بعيدة املدى. عــــلــــى أن املــــشــــاعــــر الـــــــقـــــــويـــــــة ظــــــلــــــت طـــيـــلـــة تـــــــاريـــــــخـــــــهـــــــا الــــــطــــــويــــــل تتعرض للهجوم من عدة جـــــهـــــات. وصــــفــــت بــأنــهــا مــخــنــثــة أو مــتــهــافــتــة أو شــــعــــبــــويــــة. ودعـــــــــا نـــقـــاد كـــبـــار فـــي الـــقـــرن املــاضــي - مــــــثــــــل إرفــــــــنــــــــج بــــابــــت األمــــــــيــــــــركــــــــي، وت. س. إليوت األنجلو - أميركي، وت. إ. هيوم اإلنجليزي - إلــى املـوضـوعـيـة وكبح املـــــــشـــــــاعـــــــر وهــــــاجــــــمــــــوا الـرومـانـسـيـة وأنــكــروا أن يـكـون الشعر تعبيرًا عن الــشــخــصــيــة أو فـيـضـانـا تلقائيا النفعاالت قوية. لــكــن ذلــــك لـــم يــقــض على ســـلـــطـــان الـــعـــاطـــفـــة عـلـى الــنــفــوس، الــيــوم كـمـا في املاضي. وكــــتــــاب فـــرديـــنـــانـــد ماونت دفاع عن العاطفية إزاء مــــــــن يــــــــــــرون أنــــهــــا تزييف للواقع الخارجي والــــوعــــي الـــداخـــلـــي عـلـى الـسـواء، ومـن يقولون إن الــســنــتــمــنــتــالــي شـخـص ديدنه اإلنـكـار، فهو ينكر الواقع املاثل أمامه ويحاول أن يهرب منه برسم صورة زائفة له. ويرد ماونت على ذلك بقوله إن الحملة على العاطفية تتجاهل حقيقة نفسية مؤداها أن الناس عموما ال يكونون عاطفيني في كل لـحـظـة مـــن حـيـواتـهـم وإنـــمـــا هـــم يـــراوحـــون - حسب املوقف - بني نداء القلب وأحكام العقل. وقد يكون الشخص الواحد عاطفيا متحمسا في صدد فريق كرة القدم الذي يشجعه ولكنه بارد املشاعر إزاء حزب العمال مثالً. إن األعــــمــــال الــفــنــيــة الــعــاطــفــيــة - ســـواء كانت كتبا أو برامج تلفزيونية أو مسرحيات - تــمــنــح الـــضـــحـــايـــا صـــوتـــا يـــعـــبـــرون بــــه عـن مــعــانــاتــهــم ويـــخـــاطـــبـــون الـــــــرأي الــــعــــام، ومـــا إســرافــهــا فــي الـعـاطـفـيـة إال خــطــوة ضــروريــة إليقاظ الضمائر من غفوتها. وال ينكر ماونت أن كثيرًا من املسرحيات أو املسلسالت التلفزيونية التى تصور، مثالً، الـعـثـور على ابـنـة مـفـقـودة بعد غـيـاب طويل عاطفية رخـيـصـة تـرمـي إلـــى اســـتـــدرار دمــوع املشاهد. ولكن هذا ال يجب أن يجعلنا نعادي كل مظاهر التعبير عن العاطفة، وال يجب أن نستسلم إلغــراء اعتبار أنفسنا فـوق مشاعر اآلخـــريـــن نحكم عليها مــن عــل وكـأنـنـا نعلو على املستوى البشري. وفــي رصـدنـا لتاريخ التعبير العاطفي نــلــتــقــي عــــــددًا مــــن عــــ مــــات الــــطــــريــــق: الــحــب الرفيع (أو حب البالط) كما تغنى به شعراء التروبادور البروفنساليون في القرن الثاني عشر، وقصة غرام تريستان وأيزولده (اتخذ مـنـهـا املــوســيــقــار األملـــانـــي فــاغــنــر مـوضـوعـا )، وقــصــة غــــرام تـرويـلـوس 1865 ألوبـــــراه فــي وكريسيدا في قصيدة قصصية طويلة ألبي الشعر اإلنجليزي تشوسر، وقصيدة «قصة ألــــف بــيــت لـلـشـاعـريـن 22 الـــــــوردة» فـــي نــحــو الــفــرنــســيــ جـــيـــوم دي لــــوريــــس وجــــــان دي مـ ، وروايـــة سرفنتس «دون كيشوت» التي تصور حب فارس صريع األوهام لفتاة تدعي دوروثيا ال تكاد تشعر بوجوده. وعــلــى ظـهـر الـــقـــارة األوروبـــيـــة ازدهــــرت الـــروايـــة الـعـاطـفـيـة، كما في «أحزان الشاب فرتر» لغوته، و«جولي» لجان جـــاك روســــو. وظـهـر من الـــفـــ ســـفـــة مــــن عــالــجــوا الــــــعــــــواطــــــف، واتــــــخــــــذوا مـنـهـا مـــواقـــف إيـجـابـيـة أو سـلـبـيـة. ومـــن هـــؤالء الفالسفة توماس هوبز وديـــــفـــــيـــــد هـــــيـــــوم وآدم سميث. وأهـــــــــــــــــــــم روائـــــــــــــــــي إنــــــــجــــــــلــــــــيــــــــزي أثــــــــــــــــارت مـــعـــالـــجـــتـــه لـــلـــعـــواطـــف الــــخــــ ف مــــا بــــ مــــادح وقــــــــــــــادح هـــــــو بـــــــ شـــك تشارلز ديكنز، وذلك في روايتيه «محل العاديات )1841( » الـــــــقـــــــديـــــــمـــــــة 1847( » و«دمـبـي وولـــده ). في هذه الرواية 1848 - األخـــيـــرة يـسـعـى ديـكـنـز إلــــى إثـــــارة عـطـفـنـا على بطله دمبي وهـو صبي رقـــيـــق الـــنـــفـــس، ضعيف البنية، يمرض ويموت. وفــــــــــــــــــــــــي «مـــــــــحـــــــــل الــــــعــــــاديــــــات الــــقــــديــــمــــة» نلتقي بفتاة تدعى نللي الــــصــــغــــيــــرة تـــعـــيـــش مــع جــــدهــــا صــــاحــــب املـــحـــل وترعاه. ويعاني االثنان مشاق كبيرة ويواجهان الـــشـــر املـــتـــمـــثـــل فــــي قـــزم شـريـر يـدعـى «كـويـلـب». وتــســلــم نــلــلــي األنـــفـــاس فـــــي مـــشـــهـــد مـــــؤثـــــر، ثــم يلحق بها جدها. كـــــان مــــن الــــواضــــح أن ديـــــكـــــنـــــز يـــــــريـــــــد أن يـسـتـثـيـر شـفـقـة الـــقـــارئ عـلـى بـطـلـتـه الـصـغـيـرة، وأن يـــــدفـــــع بــــالــــدمــــوع إلــــــى عـــيـــنـــي مـــــن يــتــابــع معاناتها. ولكن إسرافه فـي العاطفة كـاد يحدث أثــــــــرًا عـــكـــســـيـــا حـــتـــى إن أوســـكـــار وايــلــد قــــال: «ال بد أن يكون للمرء قلب من حجر إذا أمكنه أن يقرأ موت نللي الصغيرة دون أن يضحك». ولكن أقاصيص وايلد ذاته - مثل «األمير السعيد» و«العمالق األناني» - كانت تفيض عاطفة حتى إن أبناء وايلد يــروون أن أباهم كانت تدمع عيناه وهو يقرأ لهم بصوت عال هذه األقصوصة األخيرة. ويـــخـــتـــم مــــاونــــت كـــتـــابـــه بـــقـــولـــه إنـــنـــا إذ نرتد بأبصارنا إلى كاتدرائيات القرن الثالث عـشـر ومـسـتـشـفـيـاتـه، واالتـــجـــاهـــات املـتـحـررة واملــتــعــاطــفــة مـــع مــعــانــاة اإلنــــســــان فـــي الـثـلـث األخير من القرن العشرين، ننتهي إلى نتيجة مؤداها أن العاطفة املفرطة ليست مجرد مهماز حافز على الفعل، وإنما هي جزء ال غنى عنه من وجود اإلنسان وجهازه النفسي والعقلي. إن املجتمع الذي يعجز عن استشعار العاطفة ال بـــد أن يـنـكـمـش ويـــتـــضـــاءل ويــفــتــقــر. إنـنـا بحاجة إلى ما دعته ليدي مكبث - في مسرحية شكسبير- «لبان الرحمة اإلنسانية»، وإن كانت هــي ذاتــهــا قــد تـنـكـرت لـهـذه الـرحـمـة، وقمعت نوازع الحنان واألمومة في صدرها. ًد. ماهر شفيق فريد طلل معل يستعيد لؤي كيالي روائيا صـدرت حديثا عن منشورات «رامينا» فـي لندن روايـــة «ذاكـــرة الــنــار... أطـيـاف لؤي كيالي» للكاتب والفنان السوري طالل مع ّ، في عمل روائي يستلهم سيرة أحد أبرز روّاد الـفـن التشكيلي الــســوري والــعــربــيّ، ويعيد بــنــاء عــاملــه اإلنـــســـانـــي والــفــنــي عـبـر مـقـاربـة سردية تنفتح على الذاكرة والتأمّل واألسئلة الوجودية. تتخذ الرواية من الساعات األخيرة في حياة الفنان لؤي كيالي نقطة انطالق لسرد يـتـنـقـل بـــ مــحــطــات مـــتـــعـــددة مـــن حــيــاتــه، مـسـتـحـضـرًا طــفــولــتــه فـــي حـــلـــب، وتـجـربـتـه الدراسية في رومـا، وعالقته بالفن واملدينة واإلنـــــســـــان، وصـــــــوال إلـــــى أزمــــاتــــه الـنـفـسـيـة والـفـكـريـة الــتــي رافــقــت مـسـيـرتـه اإلبــداعــيــة. ومــن خــ ل هــذا الـبـنـاء، تتحول الــذاكــرة إلى فـضـاء رحـــب تتقاطع فـيـه األزمــنــة واألمـكـنـة واألصوات، ضمن نسيج روائي تتداخل فيه الوقائع مع الرؤى والتداعيات الداخلية. تأتي أهمية هـذا العمل من اقترابه من شـخـصـيـة فـنـيـة تــركــت أثــــرًا اسـتـثـنـائـيـا في تاريخ التشكيل السوري والعربي. فما زالت أعــمــال لـــؤي كـيـالـي تـحـظـى بـحـضـور واســع فـي الــدراســات الفنية واملـعـارض والكتابات الـــنـــقـــديـــة، ملــــا انــــطــــوت عــلــيــه مــــن حـسـاسـيـة إنـسـانـيـة عـالـيـة وقــــدرة عـلـى الـتـقـاط وجــوه املهمشني والبسطاء وتحويلها إلى جزء من الذاكرة البصرية العربية. وال تنشغل الرواية بإعادة سرد الوقائع املــعــروفــة فــي حــيــاة كـيـالـي بــقــدر اهتمامها باستكشاف العالم الداخلي للفنان، والتكلفة اإلنـسـانـيـة الـتـي تـرافـق اإلبــــداع حـ يصبح وسيلة لـرؤيـة مـا يغفل عنه اآلخــــرون. ومن هذا املنظور، تقترب الرواية من األسئلة التي شغلت تجربة كيالي كلها: الـفـن، والـعـزلـة، والـهـشـاشـة اإلنـسـانـيـة، والـبـحـث الــدائــم عن املعنى في عالم مثقل بالتحوالت والخيبات. ويستفيد مع من خبرته الطويلة في الحقل التشكيلي ليمنح النص بعدًا بصريا واضـــحـــا، حــيــث تـتـشـكـل املــشــاهــد الــروائــيــة عبر الـضـوء والـظـل والـلـون، وتتجاور املـدن والوجوه والذكريات كما لو أنها عناصر في لوحة واسعة تستعيد مالمح مرحلة مهمة مـــن تـــاريـــخ الــثــقــافــة الـــســـوريـــة. كــمــا تحضر شخصيات فنية وثقافية ارتبطت بتجربة كيالي، وفـي مقدمتها الفنان فاتح املـدرس، ضمن حـــوارات ومـواقـف تضيء جـوانـب من التحوالت الفكرية والجمالية التي شهدتها الـــحـــركـــة الــتــشــكــيــلــيــة الــــســــوريــــة فــــي الـــقـــرن العشرين. وتـــكـــشـــف الـــــروايـــــة عــــن اهـــتـــمـــام خـــاص بـالـعـ قـة بــ الـفـنـان ومحيطه االجتماعي والـــثـــقـــافـــي، وبــــاألثــــر الــــــذي تـتـركـه األحـــكـــام النقدية والتوقعات العامة على املبدع. لذلك تتجاوز شخصية لؤي كيالي حدود السيرة الـــفـــرديـــة لــتــتــحــول إلـــــى نــــافــــذة لــلــتــأمــل فـي مصير الفنان العربي، وفي التوتر املستمر بني الصدق الفني ومتطلبات الـواقـع، وبني الحساسية اإلبداعية والقدرة على االحتمال. وعــلــى الـــرغـــم مـــن اســتــنــاد الـــروايـــة إلـى شـخـصـيـة واقــعــيــة مــعــروفــة، فـإنـهـا تتحرك ضـمـن فـضـاء تخييلي يمنح الـكـاتـب حرية إعادة تشكيل األحداث والحوارات والذكريات وفــق رؤيــة أدبـيـة خـاصـة، األمــر الــذي يجعل الــعــمــل أقـــــرب إلــــى إعــــــادة تـخـيـل حـــيـــاة لــؤي كيالي من منظور روائي معاصر، يزاوج بني املعرفة الفنية واالشتغال السردي. تــــضــــع «ذاكــــــــــــرة الــــــنــــــار» تــــجــــربــــة لــــؤي كـيـالـي أمـــام جـيـل جـديـد مــن الـــقـــرّاء، وتعيد فتح الـنـقـاش حــول واحـــد مـن أكـثـر الفنانني السوريني تأثيرًا وإثـارة للسئلة، في رواية تـــمـــنـــح الــــفــــن مـــوقـــعـــا مـــركـــزيـــا فــــي مـــســـاءلـــة اإلنسان ومصيره وعالقته بالعالم. وفي جانب آخر، تستعيد الرواية جانبا من الذاكرة الثقافية السورية خالل النصف الثاني من القرن العشرين، عبر إشاراتها إلى املـــدن واألمـكـنـة واملــؤســســات والشخصيات التي أسهمت في تشكيل املشهد الفني آنذاك. وبذلك يتجاوز العمل حدود السيرة الفردية ليقترب من سيرة جيل كامل عاش تحوالت كبرى انعكست على الثقافة والفن والحياة العامة. صــفــحــة مـن 186 جــــــاءت الـــــروايـــــة فــــي القطع الوسط، ولوحة الغالف للفنان الراحل لؤي كيالي. لندن: «الشرق األوسط» تي. إس. إليوت تشارلز ديكنز تتناول الرواية حكاية الطموح المستحيل لموظف صغير سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى اإلنجليزية حـــ بـــــدأت عــمــلــي في 1978 فـــي ســنــة جامعة إكستر الكائنة باملدينة التي تحمل اســـمـــهـــا فــــي الـــجـــنـــوب الـــغـــربـــي مــــن جـــزيـــرة بـريـطـانـيـا وكـــنـــت مـــا زلــــت شـــابـــا عـشـريـنـيـا، استقر رأيي أن أعمل على رسالة دكتوراه في أدب نجيب محفوظ، وبعد مزيد من التفكير والتشاور استقر الرأي أن تتكون الرسالة من ترجمة لــروايـة ملحفوظ لـم يسبق ترجمتها مع دراسة تحليلية شاملة، توقعها موقعها مـــن أعـــمـــال مــحــفــوظ والـــفـــن الــــروائــــي عـــامـــةً. كنت قد قـرأت كل روايــات محفوظ حتى ذلك التاريخ، وترددت بعض الشيء في االختيار حتى رسيت على روايـة كانت حديثة النشر وقـــتـــهـــا، وكـــنـــت مـعـجـبـا بــهــا أشــــد اإلعـــجـــاب رغـم أنـه قـل بـ الـقـراء والنقاد مـن يحسبها بني روائــع محفوظ. تلك هي روايــة «حضرة .1975 املحترم»، املنشورة سنة مـــــا لـــفـــتـــنـــي فـــــي الــــــروايــــــة خـــــاصـــــة كـــان تـوظـيـف مـحـفـوظ لـلـغـة فـيـهـا. فـــالـــروايـــة في ظـــاهـــرهـــا ذات قــصــة بـسـيـطـة ومـــتـــكـــررة عن الطموح الوظيفي. لدينا موظف صغير السن متواضع التعليم يُع في وظيفة متواضعة، كاتبا فـي األرشـيـف القائم فـي الطابق تحت األرضـــــــي فــــي بـــنـــايـــة شـــاهـــقـــة تــــــؤوي إحــــدى اإلدارات الحكومية. هـذا األرشيفي عــادة ما يقضي حياته في تلك الوظيفة تحت األرض ال يــتــبــدل لـــه حــــال حــتــى تـــؤويـــه األرض في باطنها. ولكن ليس هكذا شخصية «عثمان بـــيـــومـــي»، الـــــذي تـــــدور حـــولـــه الــــروايــــة. فهو مـــن الـــيـــوم األول يتملكه طــمــوح ســــام، شبه مستحيل: أن يعمل كي يصبح ذات يوم املدير الـــعـــام لـتـلـك اإلدارة الــكــبــرى ويـحـتـل الـغـرفـة الــســمــاويــة الـــزرقـــاء أعــلــى املـبـنـى الــتــي رآهـــا للحظات خاطفة حـ استقبل املــديــر العام املوظفني الجدد من كل الفئات للترحيب بهم. قـــصـــة الـــطـــمـــوح أو الـــتـــطـــلـــع الــوظــيــفــي شــــديــــدة األلــــفــــة هــــــذه يـــصـــنـــع بـــهـــا مــحــفــوظ األعــاجــيــب عـــن طــريــق الـلـغـة واألخــيــلــة الـتـي يستخدمها لحكيها. يستخدم لغة صوفية تـجـاوزيـة متعالية متسامية تـكـاد ال تخلو منها صفحة من صفحات الرواية لكي يحكي لـــنـــا حـــكـــايـــة الـــطـــمـــوح املــســتــحــيــل لـلـمـوظـف الـصـغـيـر عــثــمــان بــيــومــي. ومــــن هــنــا يخلق محفوظ مستويني للمعنى، مستوى ظاهريا واقـعـيـا كـمـا وصــفــت، واآلخــــر بـاطـنـي رمــزي يمثل سـعـي اإلنــســان للمطلق عـلـى نـحـو ما رأينا في عملني رمزيني سابقني للكاتب، هما الـقـصـة الـقـصـيـرة «زعـــبـــ وي» فــي مجموعة .)1964( » ) ورواية «الطريق 1963( » «دنيا الله هـكـذا كـــان اخـتـيـاري لـهـذه الـــروايــة للترجمة والـــتـــحـــلـــيـــل مـــســـتـــعـــيـــنـــا بـــبـــعـــض نـــظـــريـــات الدراسات اللغوية واألسلوبية. كتبت لنجيب محفوظ رسالة في مارس أخـــبـــره فـيـهـا بــمــا أنــــا بــصــدده 1980 ) (آذار وأســتــأذنــه فــي الـتـرجـمـة ولـلـتـأكـد مــن أنـــه لم يـــعـــط حـــق الــتــرجــمــة لــجــهــة أخـــــرى (لــــم تكن الــجــامــعــة األمــيــركــيــة فـــي الـــقـــاهـــرة قـــد تــوّلــت مهمة الوكالة عن محفوظ في حقوق الترجمة الـعـاملـيـة بــعــد). كـانـت تـرجـمـات مـحـفـوظ في 4 اإلنـــجـــلـــيـــزيـــة فــــي ذلـــــك الــــوقــــت ال تـــتـــجـــاوز )، «املـرايـا» 1966( » روايـــات هـي «زقـــاق املـــدق )1979( » )، «الكرنك 1978( » )، «ميرامار 1977( (اليوم إنتاجه الروائي الهائل اكتمل جميعه في اإلنجليزية). لم أكن التقيت محفوظ من قبل، وال كان بيني وبينه أي اتصال. أرسلت الــرســالــة عـلـى عــنــوان صحيفة األهـــــرام غير عالم أي مصير ستلقى. وإذا بـالـرد يأتيني بـرجـوع البريد، مكتوبا بخط اليد ومؤرخا ، حامال املوافقة 1980 ) أبريل (نيسان 10 في على الترجمة، وفيه يقول: «سرني اختيارك لـ(حضرة املحترم) موضوعا لدراستك، وهي آخر رواية كتبتها قبل حرب أكتوبر (تشرين األول) ولـو أن نشرها جـاء متأخرًا كالعادة، وكــتــبــتــهــا وأنــــــا فــــي خـــضـــم تـــأمـــل لــإنــســان كــإنــســان، بـخـيـره وشــــره، وورعــــه وطـمـوحـه، وانــغــرازه فـي الـوحـل وتطلعه للسماء، فكان عــثــمــان بــيــومــي ثـــمـــرة ذلــــك كـــلـــه، وإن تـوهـم كثيرون أني أكتب سيرة موظف». في تلك األثناء، كنت تواصلت مع «دار الـــتـــي كـــانـــت تـصـدر Heinemann » هــيــنــمــان سـلـسـلـة تـسـمـى «كـــتـــاب أفـــريـــقـــيـــون» نُــشــرت فـيـهـا روايــــتــــان ملــحــفــوظ وقــتــهــا هــمــا «زقــــاق املدق» و«ميرامار» وكانوا على وشك إصدار ،1981 الترجمة األولــى لــــ«أوالد حارتنا» في فــأبــدوا اهتماما وطـلـبـوا مني أن أتحقق أن محفوظ لم يمنح حقوق ترجمة تلك الرواية للجامعة األميركية مثل غيرها، فكتبت إليه ، ومــــرة أخـــرى 1980 مـــرة أخــــرى فـــي أكــتــوبــر جاءني الرد بغير تسويف، مؤكدًا أن الحقوق ما زالت بيده. ، كــــنــــت قـــــد أنــــجــــزت 1984 فـــــي صــــيــــف الترجمة والــدراســة ونـلـت درجـــة الـدكـتـوراه، الـــتـــي قـــمـــت بـــهـــا، بــيــنــمــا أعـــمـــل وقـــتـــا كـــامـــ بــتــدريــس الــلــغــة الــعــربــيــة وآدابــــهــــا فـــي قسم الـــــــدراســـــــات الـــعـــربـــيـــة واإلســـــ مـــــيـــــة حـــديـــث النشأة وقتها فـي جامعة «إكـسـتـر». أرسلت مخطوطة الترجمة إلى دار هينمان، وكتبت ملحفوظ أخـبـره بـالـتـطـورات، فجاءتني منه ، يقول: 1984 أكتوبر 11 تهنئة بالدكتوراه في «ولــعــلــي أهـنـئـك قـريـبـا بــاملــوافــقــة عـلـى نشر ترجمة (حضرة املحترم)». بــقــيــت الـــتـــرجـــمـــة لـــــدى «دار هــيــنــمــان» أشـهـر دون أن أتلقى منهم ردًا، وملــا بـدأت 9 أالحقهم جـاءت االعـتـذارات والتأسفات، فقد كانت الــدار تمر بأزمة وتحركات موظفني... إلـــخ، مــا نـتـج عـنـه إهــمــال الـــــردّ، وأخـطـرونـي بـقـرارهـم عـــدم الـنـشـر. كتبت ملـحـفـوظ أعلمه 1985-3-24 بما صـار وجـاءنـي الـــرد بتاريخ يقول: «أسفت غاية األســف ملا فعله الروتني اإلنجليزي بك وبي». بعد أن خذلتني «دار هينمان» (وكانوا قـصـار النظر فقد كــان محفوظ على مسافة سـنـوات ال غير مـن جـائـزة نـوبـل)، عرضت 3 Three« الـتـرجـمـة عـلـى دار أمـيـركـيـة تُــسـمّــى » أو «مــطــبــعــة الــــقــــارات Continents Press الثالث»، التي كانت دارًا صغيرة متخصصة فـــي نـشـر تــرجــمــات مـــن اآلداب غـيـر الـغـربـيـة (الــعــالــم الــثــالــث) قليلة االنــتــشــار، وتقتصر على النشر في أميركا وكندا. رحبوا بالنشر وســـارعـــوا بـــإرســـال عـقـد إلـــى مـحـفـوظ الـــذي -11 سـارع بالتوقيع والتعاقد وكتب لي في قائالً: «تهنئة صادقة لكلينا، وشكرًا 1985-9 مرة أخرى على ما بذلت من جهد صادق في الـتـرجـمـة. ولـقـد وصـلـنـي خـطـاب دار النشر والــعــقــد وأمــضــيــتــه حــتــى يــتــم االتـــفـــاق معك دون تـــأخـــيـــر...». وكـنـت سـألـتـه عــن الحقوق والــعــوائــد الـتـي تـأتـيـه مــن نــاشــري ترجماته حتى أتحقق مـن أن الـنـاشـر الـحـالـي قـد قدم عــرضــا الئـــقـــا، فـأعـطـانـي بـعـض املـعـلـومـات، وختم قائالً: «والحق أني أوافق دون مناقشة ألني لم آخذ الترجمة مأخذ الجد أبدًا». رسالة محفوظ إلى المترجم رشيد العناني بقيت الترجمة لدى أشهر قبل 9 دار النشر إخطاري بقرارهم عدم سنوات فاز 3 النشر... بعد محفوظ بجائزة نوبل النص الكامل على الموقع اإللكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==