قـد يستوقفك فـي استقالة السير كير ستارمر من رئاسة الحكومة البريطانية، أنها جاءت بمثابة النتيجة التي قامت على مقدمات لها، وأنها لم تكن مفاجئة بقدر ما كانت الفتة حني بدا على صاحبها التأثر إلى حد البكاء وهو يعلنها. ولكن هذه ليست الزاوية األهم في املوضوع، وال هـي مـا استوقفني أنـا على األقـــل؛ ألن الـبـوادر كانت تقول إن االستقالة سوف تأتي، وسوف تكون من نوع تحصيل الحاصل، إذا ما قسناها على ما سبقها من أحداث، ومن تطورات، ومن أجراس إنذار. وقد يستوقفك فيها أنها عالمة ال تخطئها العني عـلـى درجــــة عـالـيـة مـــن اإلحـــســـاس بـاملـسـؤولـيـة لـدى ستارمر. فلقد كان في مقدوره أن يتمهل في استقالته أو أن يتلكأ، وكـــان فــي إمـكـانـه أن يتمسك بمنصبه حتى اللحظة األخيرة، وحتى يجد نفسه مضطرًا إلى أن يغادره، فكثيرون فعلوا هذا قبله، وكثيرون سوف يفعلونه، وال مالم عليهم في الحالتني. ومــــع ذلـــــك، فـــهـــذه لــيــســت أيـــضـــا الــــزاويــــة األهـــم فـي القصة الـتـي تابعها الـعـالـم، عندما ظهر رئيس الـحـكـومـة املستقيل أمـــام مـقـر الـحـكـومـة الشهير في عاصمة الضباب، ثم راح يُلقي كلمته بتأثر واضح في نبرة الصوت، فلما انتهى من إلقاء الكلمة املوجزة، اســــتــــدار مـتـجـهـا إلــــى حــيــث كـــانـــت زوجـــتـــه تـنـتـظـره فاحتضنها ومضيا معا. لـيـسـت هــــذه هـــي الــقــصــة ألن رؤســـــاء الـحـكـومـة الستة الذين سبقوه على مدى عشر سنوات تقريبا، غــــــــادروا مـــواقـــعـــهـــم بـــعـــد أن اســـتـــشـــعـــروا اإلحـــســـاس باملسؤولية نفسه، ومنهم مَن لم يستمر في املنصب أكثر من شهرين مثل ليز تـراس، أو بقي فيه سنة ال أكثر مثل ريشي سوناك، وجميعهم كانوا يغادرون طـوعـا مـن بــاب اإلحـسـاس باملسؤولية تـجـاه الحزب والناخب، وكانوا يعرفون أنهم إذا لم يغادروا طوعا، فسوف يغادرون بقوة القانون التي تتحرك في البلد معصوبة العينني. أذكر هنا أن الرئيس األميركي دونالد ترمب كان في نهاية رئاسته األولـى قد راح يعزف نغمة غريبة على استحياء، وكـانـت النغمة أنـه لـن يـغـادر مكتبه البيضاوي في البيت األبيض، وكان يعود باألسباب إلى أن السباق االنتخابي بينه وبني املرشح املنافس جـــو بـــايـــدن شــابــه الـكـثـيـر مـــن الـــتـــزويـــر، وأنــــه األحـــق بـالـرئـاسـة ال بـــايـــدن الـــــذي جــــرى اإلعــــــ ن عـــن فـــوزه بالرئاسة. ردد تـرمـب هـــذا املـعـنـى أكـثـر مــن مـــرة، فلما زاد األمــــر عــن حـــده هـمـس أحــدهــم فــي أُذنـــــه، بــأنــه إذا لم يـــغـــادر فـــي املـــوعـــد املـــحـــدد سـلـفـا لـلـرئـيـس املـنـتـهـيـة واليـتـه، وإذا لم يُفسح الطريق للمرشح الفائز، فإن القوة املكلفة حراسته ستتولى هي نفسها إخراجه من البيت األبيض بطريقتها! شـــــيء مــــن هـــــذا تـــجـــده بــــ الـــســـطـــور فــــي كـلـمـة ســتــارمــر املــــوجــــزة، وتـــجـــده فـــي مـــ مـــح وجـــهـــه وفــي نبرات صوته، وتجد أنه وهو يلقي الكلمة كان يلقيها ولسان حاله يقول ما معناه، إنه يريد أن يكون األمر فـــي يــــده، ال فـــي يـــد قـــيـــادات الـــحـــزب، وال فـــي أعـضـاء البرملان، الذين كانوا قد بدأوا في إعداد العُدة، وكانوا قـد اتــخــذوا قـــرارًا بـشـأنـه، وبـــدأ اإلعـــ م يسربه تــارة، ويتكلم فيه صراحة تارة أخرى. كــــل هـــــذه الـــــزوايـــــا املــــشُــــار إلـــيـــهـــا مــــن أول هـــذه الـسـطـور، يمكن أن تستوقفك مجتمعة أو مـنـفـردة، ولكنها ليست التي استوقفتني مجتمعة وال منفردة، وإنـــمـــا اسـتـوقـفـنـي أن يــقــول وهـــو يـنـصـرف مـــن مقر داونينغ ستريت إلى بيته، 10 الحكومة الشهير في إنـه ينوي أن يعمل عملني بالتوازي: أن يكون زوجا أفضل المرأته، وأن يكون أبا أفضل لعائلته. لـم أتطلع إلــى حـديـث سـتـارمـر عـن دوره أبــا ثم زوجـــا فــي املستقبل، عـلـى أنـــه مـجـرد حـنـ مـنـه إلـى الـبـيـت، أو عـلـى أنـــه حـتـى رغــبــة فــي الـتـفـرغ ألطـفـالـه (لـديـه ابــن وابــنــة) وزوجــتــه الـلـذيـن لـم يحصلوا منه عــلــى االهـــتـــمـــام الــــواجــــب طـــــوال رئـــاســـتـــه لـلـحـكـومـة. ولكن تطلعت إلـى حديثه على أنـه رغبة خفية منه، في لفت االنتباه إلى أن األسرة املتماسكة هي أساس الدولة القوية، وأن دولة بال أسرة تنعم بالحد األدنى مـن الـتـواصـل بـ أعضائها هـي دولـــة هشة أمـــام أي عاصفة طارئة. ينصرف السير كير ستارمر عن الحكم مهزوما أمــــام حـــزبـــه، وأعـــضـــاء حـكـومـتـه، وكـتـلـتـه الـنـيـابـيـة، وجمهوره، ومواطنيه، ولكنه ينتصر لفكرة األسـرة وهو ينصرف، ويبدو وكأنه يريد أن يقول إن إشارته إلـــى دوره فــي بـيـتـه زوجــــا، وأبــــا، هــي «رســـالـــة» بـأن الدولة القوية تساوي حاصل جمع األُسر املتماسكة فيها، وإن هـذه املعادلة إذا صحت فـي أي عصر من قبل، فإنها تصح في هذا العصر أكثر. تـصـح فـيـه أكــثــر ألنـــه عـصـر مـــا يـسـمـى وسـائـل الــتــواصــل االجــتــمــاعــي، بينما الـحـقـيـقـة الــتــي نـراهـا أمامنا أن هذه الوسائل، ال هي «تواصل» في النسبة الـغـالـبـة جـــدًا مـنـهـا، وال هــي «اجـتـمـاعـي»، وأن فكرة األسرة التي تبدو مستهدفة من جانب هذه الوسائل، لم تكن في حاجة إلى أن تتعزز، قدر ما هي في حاجة إلى ذلك في هذا العصر. Issue 17376 - العدد Thursday - 2026/6/25 اخلميس يــتــزامــن مــونــديــال كـــأس الــعــالــم مـــع تـغـيّــرات اجتماعية وعاملية وتكنولوجية كبرى. من يراقب الفروق بني الجماهير بهذه البطولة مع سابقاتها يدرك أن العالم يسير بنا نحو تحوّل مدهش ومن دون أن نُدرك، ألننا داخل هذا التغيّر املذهل ولسنا خارجه. وهـــــذا أمـــــر طـبـيـعـي أن يــتــطــوّر اإلنـــســـان في أسلوب تشجيعه لفريقه، خصوصا أننا حتى اآلن لم نستمع إلـى شكاوى حـول العنصرية في هذه البطولة، فداء العنصرية أكثر ما يدمّر القيم التي تستند إليها اللعبة. والـــحـــق أن الـتـشـجـيـع أمــــر طـبـيـعـي، مــارســه اإلنـسـان عبْر التاريخ مـن حقب املـبـارزة والصيد إلـــى مـسـابـقـات الــخــيــول والـــجِـــمـــال وغــيــرهــا، لقد شـكّــلـت التنافسية فــي املـسـابـقـات بشكلها الـعـام جزءًا من حالة الحيوية الدنيوية اليومية. إن لكل أمـة حضارتها وأفكارها ورهاناتها التنافسية، وفي عصرنا الحالي نعم ثمة رياضات عـديـدة بلغت أُس االهـتـمـام، دع عنك كــرة السلة، أو الـــريـــاضـــات األمــيــركــيــة، بـتـنـوّعـهـا وشـيـوعـهـا وجماهيريتها، كلها لها قيمتُها وأثـرهـا، وإنما الذي هيمن على العالم كلّه اجتماعيا رياضة كرة القدم على وجه التحديد، وما كان هذا املوضوع ترفا، وإنما له أصلُه البشري الغريزي، وذلـك ألن قوّة التنافس في لعبة كرة القدم مكّنتْها من تحقيق جماهيريّة تتجاوز الحيّز الطبقي والنخبوي، بل استطاعت أن تؤسس لنمط من السجال اليومي بـ جميع أفـــراد املجتمع وبطريقة أكثر حماسة من بقيّة الرياضات املقتصرة على املختصني. إن مـــيـــزة كـــــرة الــــقــــدم أنـــهـــا أدخــــلــــت مـعـايـيـر مختلفة في التقييم األخالقي والقانوني والعدلي، بمعنى أن غير الفاقِه بشؤون القانون بات يتعلّم عـبـرهـا سُــبـل التكييف والـتـسـبـيـب لـهـذه الجملة الـــكـــرويـــة أو تــلــك، ألن كــــرة الـــقـــدم لـعـبـة ذات بُــعـد إشكالي، وهـذا أسـاس ديمومتها، ألنها لو كانت منتجة لحقيقة واحدة لفسدت. مـــــن هـــنـــا يــــأتــــي الـــــســـــؤال املـــهـــيـــمـــن فـــــي هـــذا املونديال تحديدًا وهـو ســؤال مركّب: هل أفسدت الـتـكـنـولـوجـيـا قــــوّة املـنـافـسـة ونــزعــت عــن اللعبة مفاجآتها وقللت من الحماسة؟ وهل تمت «أمركة» لعبة كرة القدم بسبب القوانني الجديدة؟ قـبـل أن أجــيــب أسـتـعـيـد مـــا طــرحــه قـبـل أيـــام املتخصص الرياضي أيمن جادة في برنامجه على «الـيـوتـيـوب» ومما قـالـه: إن «التكنولوجيا بـدأت تدخل مجال كـرة القدم بشكل واضـح منذ بطولة في روسيا، وأنـا من املؤيدين الستخدامها 2018 مـا دامــت تُظهر األمـــور بدقة وتُعطي كـل ذي حق حــقــه، وتـجـعـل الـلـعـبـة أكــثــر عـــدالـــة ومـنـطـقـيـة في قـــراراتـــهـــا، ولـــكـــن األمــــــور لـيـسـت كـــذلـــك بـالـضـبـط بسبب التقنيات املساعدة التي أضيفت على نظام التحكيم، ومن هنا بدأ الحكام يتواكَلون، وأصبح الالعبون حذرين ومترقبني... يبدو لي أن (الفيفا) يريد أن يدخل أشياء على كرة القدم غير التي كنا نعرفها؛ إذ يقال إن الشوط يمكن تغيير مدته من خمس وأربعني دقيقة إلى نصف ساعة». ثـــــم يـــســـتـــعـــرض أيــــمــــن جــــــــادة بـــعـــض املــــــواد والقوانني الجديدة التي هي أقـرب إلـى كـرة القدم األميركية منها إلى كرة القدم التي نعرفها، وهذا ما يخشاه عشّاق كرة القدم أن يتم محو صيغتها التي علّقت الـنـاس بها، والبعض يـرى أن اللعبة يُـــراد لها أن تكون بقوانينها الـجـديـدة أقــرب إلى كرة السلّة أو كرة الطائرة. تعليقي كـاآلتـي: إن األسئلة املطروحة حول نـسـخـة املــونــديــال الـحـالـيّــة مـهـمـة، وفـيـمـا يتعلق بالتكنولوجيا فإنها تسببت في انتزاع جزء كبير مــن الـطـاقـة الحماسية الـتـي كـانـت عليها اللعبة بـــاملـــاضـــي، حــتــى االســـتـــعـــانـــة بـتـقـنـيـات الـفـيـديـو لـقـرارات التحكيم عزلت اللعبة عـن منهجها، ألن األخــــطــــاء الـتـحـكـيـمـيـة جــــزء أســـاســـي مـــن بـشـريـة اللعبة. من املفترض -لو استعنّا بالتكنولوجيا- أن تكون اللعبة هي التي تقودها. ما يجري اآلن هو العكس؛ إذ صار الفريق منصاعا لقرارات الكرة التكنولوجية والكاميرات املساندة، وغير ذلك من قــوانــ أضــاعــت عـلـى الــنــاس متعتهم. إن الحكم جـــزء مــن املـــبـــاراة، وبـالـتـالـي فـــإن أخــطــاءه متممة لصيغة اللعبة، على سبيل املثال حتى اآلن يتذكّر الـعـالـم هـــدف مـــارادونـــا بـالـيـد، ويُـــتـــداول بطريقة بها مزيج من الحماسة واالستغراب واملـزاح، لقد تـحـوّل إلـى مــادة رياضية غنية، هـذه هـي طبيعة اللعبة ببشريتها وعفويتها. الــــخــــ صــــة؛ إن قـــــــوّة املـــســـابـــقـــات تـــكـــمـــن فـي اإلبقاء على صيغتها األصليّة، ألن كثافة القوانني الجديدة جعلت اللعبة أقرب ما تكون إلى األلعاب اإللــكــتــرونــيــة ال الــبــشــريّــة الــشــعــبــيــة، وعــلــيــه فــإن األسـئـلـة حــول التكنولوجيا والـقـلـق مـن إمكانية «أمرَكة» كرة القدم يمكن للمتخصصني الرياضيني البحث فيها والتأمل بها والتداخل حولها. مـنـذ انــــدالع الــحــرب فــي الـــســـودان، لــم نسمع شكوى بالحدة التي نسمعها اليوم عن األوضاع االقــتــصــاديــة واملــعــيــشــيــة. فــاملــواطـــن الـــســودانـــي، املعروف بصبره، بدا وكأنه بلغ حدود االحتمال أمــــــام الـــضـــغـــوط املــعــيــشــيــة املـــتـــفـــاقـــمـــة، والـــغـــ ء الـطـاحـن، واالرتـــفـــاع املـتـواصـل فـي أسـعـار السلع األساسية. يكفي أن تـبـادر أحـدهـم بـالـسـؤال التقليدي: «كيف الحال؟» حتى يتحول الحديث سريعا إلى األسـعـار والــــدوالر وتكاليف املعيشة. وبالنسبة إلـى كثيرين، تبدو األوضـــاع اليوم أكثر صعوبة مما كانت عليه فـي بـدايـات الـحـرب، مـع التراجع املستمر في قيمة الجنيه السوداني. ال شــك فــي أن عــوامــل خـارجـيـة أسـهـمـت في زيادة الضغوط االقتصادية، إذ أدى إغالق مضيق هرمز، واضطراب حركة التجارة الدولية، وارتفاع أســـعـــار الــطــاقــة والــســلــع إلـــى انــعــكــاســات واسـعـة عـلـى االقـتـصـاد الـعـاملـي بـرمـتـه. غـيـر أن أثـــر هـذه الـتـطـورات كــان أشــد وطـــأة على الــســودان بسبب هشاشة وضـعـه االقـتـصـادي فـي ظـل حـربـه التي دخلت عامها الرابع. وتكشف األرقام الرسمية حجم االختالل في املــيــزان الــتــجــاري. فـــصـــادرات الــذهــب عـلـى سبيل مليون دوالر خــ ل الربع 370 املـثـال بلغت نحو األول من العام الحالي، في حني تجاوزت فاتورة مليون دوالر خالل 697 استيراد الوقود وحدها الـفـتـرة نفسها. وتـتـسـع هـــذه الـفـجـوة مــع ارتـفـاع أسـعـار السلع املـسـتـوردة، وازديــــاد االحتياجات املحلية فـي ظـل تعطل قطاعات إنتاجية واسعة وخــروج كثير من املرافق عن الخدمة منذ انـدالع الحرب. وقــد أدى هــذا الـواقـع إلــى زيـــادة الطلب على العمالت األجنبية، وفي مقدمتها الدوالر، بصفته العملة الرئيسية للتجارة الدولية، ما دفع سعره إلى تجاوز خمسة آالف جنيه سوداني خالل فترة وجـــيـــزة. ومـــع هـــذا الــتــدهــور املــتــســارع فـــي قيمة العملة الـوطـنـيـة، تـصـاعـدت الـضـغـوط املعيشية وأصبح الغالء القضية األكثر حضورًا في حياة الناس، فيما ارتفعت نبرة التذمر الشعبي بصورة ال يمكن للحكومة تجاهلها. فـــي مـــواجـــهـــة هــــذه الــــتــــطــــورات، تـــحـــرك بنك الــــــســــــودان املــــــركــــــزي لـــلـــتـــدخـــل فـــــي ســــــوق الــنــقــد األجنبي، وضخ عمالت صعبة بهدف كبح ارتفاع الدوالر والحد من تراجع الجنيه. وقد تحقق هذه اإلجراءات أثرًا محدودًا على املدى القصير، لكنها ال تعالج جــذور األزمـــة التي أصبحت تمثل، إلى جانب املعركة العسكرية، أحـد أخطر التحديات التي تواجه الدولة. الحقيقة أن الـــســـودان لــم يـخـض مـنـذ الـيـوم األول لـلـحـرب مـواجـهـة عـسـكـريـة فــقــط، بــل واجــه أيضا حربا اقتصادية واسعة النطاق استهدفت الــبــنــيــة الـتـحـتـيـة واملــــرافــــق الــخــدمــيــة وقــطــاعــات اإلنــــتــــاج. فــقــد تــحــولــت مــنــاطــق صــنــاعــيــة كـامـلـة إلى ساحات للتدمير والنهب، ولم يقتصر األمر على تعطيل املـصـانـع، بـل شمل تفكيك معداتها وتهريبها خارج البالد. كما تعرضت املستشفيات للتخريب وسرقة تجهيزاتها، ولـم يسلم القطاع الزراعي من عمليات النهب والتدمير التي شملت املــــزارع واملــعــدات ومــراكــز الـبـحـوث ومستودعات الـحـبـوب فــي عـــدد مــن املــنــاطــق. وتـــرافـــق ذلـــك مع هجرة الكفاءات الوطنية والقوى العاملة املؤهلة، وفــقــدان مـ يـ الـسـودانـيـ مـصـادر دخـلـهـم، ما أدى إلـى ارتـفـاع معدالت البطالة والفقر بصورة غير مسبوقة. األزمــــــة االقـــتـــصـــاديـــة الـــراهـــنـــة فـــي الـــســـودان هــي أزمـــة مـركّــبـة مــن دون شـــك؛ جـــزء منها يعود إلـــى اخــتــ الت هيكلية سبقت الــحــرب بـسـنـوات، وجـزء آخر نتج مباشرة عن تداعياتها. فالحرب اســتــنــزفــت املــــــوارد الـــعـــامـــة، وقــلــصــت اإليـــــــرادات، وفرضت أعباء إضافية على الدولة إلعادة تأهيل املرافق الحيوية التي ظلت هدفا متكررًا للهجمات والـتـخـريـب. وفـــي الــوقــت نـفـسـه، تـوسـع اقتصاد الــحــرب ونــمــت أنـشـطـة االقــتــصــاد غـيـر الـرسـمـي، بينما استمرت عمليات تهريب الذهب واستنزاف املوارد في مناطق النزاع، ما حرم الخزانة العامة من موارد هي في أمس الحاجة إليها. ومـــن املــرجــح أن تـكـون املـعـركـة االقـتـصـاديـة أطـول عمرًا من املعركة العسكرية نفسها. ولذلك فــــإن الـحـاجـة بـــاتـــت مـلـحـة إلــــى إجـــــــراءات تـوقـف التدهور املتسارع للعملة الوطنية، وتخفف أعباء املعيشة عن املواطنني، بالتوازي مع وضـع رؤية اقتصادية متكاملة للتعافي وإعادة البناء. غـيـر أن معالجة األزمــــة ال يمكن أن تقتصر عـلـى الــتــدخــ ت الـنـقـديـة وحـــدهـــا، لـكـبـح ارتــفــاع الـــدوالر. فاألولوية يجب أن تكون لـزيـادة املــوارد الـحـقـيـقـيـة لــ قــتــصــاد عــبــر إحـــكـــام الـــرقـــابـــة على صادرات الذهب ومنع تهريبها، وتوجيه حصائل الــــصــــادرات عــبــر الـــقـــنــوات الــرســمــيــة، إلــــى جـانـب اتخاذ إجـــراءات أكثر فاعلية لتشجيع تحويالت السودانيني بالخارج عبر الجهاز املصرفي. كما أن اســـتـــعـــادة الــنــشــاط اإلنـــتـــاجـــي فـــي الـقـطـاعـات الزراعية والصناعية اآلمنة تمثل ضرورة عاجلة، ألن أي اســـتـــقـــرار مـــســـتـــدام لـلـعـمـلـة الــوطــنــيــة لن يتحقق من دون زيادة اإلنتاج والصادرات. وفـي الوقت نفسه، تحتاج الدولة إلـى تبني بــرنــامــج اقــتــصــادي طــــارئ يــــوازن بــ متطلبات الحرب واحتياجات املواطنني املعيشية. فاملعركة االقـــتـــصـــاديـــة لــيــســت مـــعـــركـــة أرقـــــــام ومـــــوازنـــــات فحسب، بـل هـي معركة الستعادة ثقة املواطنني واملستثمرين في قدرة الدولة على إدارة املرحلة، ووضع البالد على طريق التعافي واالستقرار. وربــــمــــا يـــكـــون مــــن الـــــضـــــروري عـــقـــد مـؤتـمـر اقـتـصـادي وطـنـي بـهـدف صـيـاغـة خـريـطـة طريق واقــعــيــة لــلــخــروج مـــن األزمـــــة، وصــيــاغــة بـرنـامـج طويل األمد يعيد بناء االقتصاد على أسس أكثر اسـتـدامـة وكــفــاءة. فـالـسـودان لـن يبلغ االستقرار الحقيقي بمجرد توقف الحرب، بل عندما يتمكن من معالجة أزمته االقتصادية واستعادة قدرته على اإلنتاج والنمو. تحتاج الدولة إلى تبني برنامج اقتصادي طارئ يوازن بين متطلبات الحرب واحتياجات المواطنين المعيشية قوّة المسابقات باإلبقاء على صيغتها األصليّة... وكثافة القوانين جعلت اللعبة أقرب إلى األلعاب اإللكترونية فهد سليمان الشقيران عثمان ميرغني سليمان جودة OPINION الرأي 14 السودان: أزمة االقتصاد والحرب المتعددة الجبهات عن المونديال... وأسئلة «األمرَكة»! فكرة أبى ستارمر المستقيل إال أن ينتصر لها رؤساء الحكومة الستة الذين سبقوه غادروا مواقعهم بعد أن استشعروا اإلحساس بالمسؤولية
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==