Issue 17375 - العدد Wednesday - 2026/6/24 الأربعاء OPINION الرأي 14 التفاهم الأميركي ــ الإيراني: اتفاق أم مواجهة مؤجلة؟ واشنطن ــ طهران... نجاح المسار غير الآيديولوجي مونديال آخر لا يمكن فهم مسار التفاوض بين الولايات المتحدة وإيـران من خلال العداء السياسي والآيديولوجي بين الطرفين فقط، فـالـدول في لحظات الأزمـــات لا تتحرك دائما وفـق مواقفها المعلنة، بل وفـق حسابات دقيقة لـلـمـكـاسـب والـــخـــســـائـــر، ومـــــدى قـــــدرة كـــل خـــيـــار على حـمـايـة مـصـالـح الأطــــــراف وتـقـلـيـل مـسـتـوى المـخـاطـر المستقبلية. وتــزداد أهمية هذه الحسابات في ظل ما يعرف في العلاقات الدولية بـ«المعضلة الأمنية»، حيث قد تتحول إجـراءات كل طرف لتعزيز أمنه إلى مصدر تهديد للطرف الآخر، بما يدفعهما نحو دوائر متكررة من التصعيد وانعدام الثقة. ومن هنا يصبح السؤال الأكـثـر أهمية غير مـرتـبـط بـمـدى الثقة بـن الطرفين، وإنَّــمــا بـالـظـروف الـتـي تجعل تكلفة اسـتـمـرار الحرب والمواجهة أعلى من تكلفة الوصول إلى اتفاق. وفي هذا السياق، يمكن القول إن اتفاق واشنطن وطـهـران لـم يكن اتفاقا شـامـا مـن شأنه إنـهـاء جميع الخلافات الجوهرية بين الطرفين، بقدر ما يُمثل إطارا لوقف الـحـرب، والتصعيد، وإدارة المخاطر المتبادلة، عــبــر تــرتــيــبــات تـــهـــدف إلــــى مــنــع الانــــــزلاق إلــــى صـــراع أوســـع. وهــذا مـا يجعل الاتـفـاق لا يستهدف بناء ثقة كاملة بين الطرفين بقدر ما يسعى إلـى إعـادة تشكيل حسابات المكاسب والخسائر، عبر خلق معادلة يصبح فيها الالتزام ببنوده خيارا أكثر جدوى وأقل تكلفة من العودة مجددا إلى مسار التصعيد والمواجهة. بالنسبة إلى الولايات المتحدة، يقوم القرار على المفاضلة بين مسارين مختلفين. المسار الأول: استمرار الــحــرب وسـيـاسـة الـضـغـط والـعـقـوبـات. وإن كـــان هـذا الـــخـــيـــار يــمــنــح واشـــنـــطـــن قـــــدرة عــلــى إضـــعـــاف إيــــران اقتصاديا وتقليص المـوارد المتاحة لها، إلا أنه يحمل فـي الـوقـت نفسه مـخـاطـرة استراتيجية، إذ قـد يدفع طهران إلى تسريع برنامجها النووي بوصفه وسيلة لزيادة قدرتها التفاوضية وردع الضغوط الخارجية. وبـهـذا قـد يتحول الضغط أو الـحـرب مـن أداة لإجبار إيـــران على الـتـراجـع إلــى عـامـل يدفعها نحو السلوك الذي تسعى واشنطن إلى منعه. فـــي المــقــابــل، يــوفــر خــيــار الاتـــفـــاق فــرصــة لتقييد الـــبـــرنـــامـــج الــــنــــووي الإيـــــرانـــــي ووضــــعــــه ضـــمـــن إطــــار أكـثـر قابلية لـلـرقـابـة، بـمـا يقلل احـتـمـالات التصعيد العسكري، ويمنح واشنطن قدرة أكبر على إدارة الأزمة. كــمــا يـحـمـل الاتـــفـــاق مــكــاســب سـيـاسـيـة واقــتــصــاديــة داخلية لــإدارة الأميركية. فتخفيض مستوى التوتر فــي منطقة الـخـلـيـج، وتقليل مـخـاطـر تعطل إمــــدادات الطاقة، قد يسهمان في استقرار أسعار النفط والحد مــــن الـــضـــغـــوط الــتــضــخــمــيــة، وهـــــي عــــوامــــل تـنـعـكـس بصورة مباشرة على المـزاج الانتخابي الداخلي، وقد تعزز فـرص الحزب الحاكم في انتخابات الكونغرس مــن خـــال تـقـديـم الاتـــفـــاق بـوصـفـه نـجـاحـا فــي تجنب حرب مكلفة، وحماية الاقتصاد الأميركي. إلا أن هـــذا الــخــيــار لا يـخـلـو مـــن المــخــاطــر أيـضـا. فالإدارة الأميركية تخشى أن يؤدي تخفيف العقوبات إلــى توفير مـــوارد إضافية تستخدمها إيـــران لتعزيز حضورها الإقليمي، وتوسيع نفوذها سواء السياسي أو العسكري، بما يفرض تحديات أمنية على جيرانها، وعلى إسرائيل بوصفها أحد خصوم طهران. كما أن فشل الاتـفـاق أو انهياره وعـــودة التصعيد العسكري قـد يـقـودان إلـى إغــاق مضيق هرمز مـجـدداً، وارتـفـاع أســعــار الـنـفـط وزيــــادة مــعــدلات الـتـضـخـم، الأمـــر الــذي قــد يـتـحـول إلـــى تكلفة سياسية داخـلـيـة عـلـى الإدارة الأمــــيــــركــــيــــة، ويـــمـــنـــح خـــصـــومـــهـــا فــــرصــــة لــتــوظــيــف الأزمـــة انتخابيا بوصفها إخفاقا فـي إدارة السياسة الخارجية والاقتصاد معاً. أمـا إيـــران، فــإن حساباتها لا تقوم على المكاسب الاقتصادية وحـدهـا، وإنَّــمـا ترتبط أيضا بالخسائر الرمزية والسياسية المحتملة. ومـن المرجح أن تنجح الـــقـــيـــادة الإيـــرانـــيـــة فـــي تــحــويــل الاتــــفــــاق داخـــلـــيـــا إلــى سردية انتصار لا تراجع، من خلال التأكيد على أنها حصلت على مكاسب اقتصادية وتخفيف للعقوبات من دون أن تظهر بمظهر المتنازل، خصوصا مع عدم تخليها كليا عــن برنامجها الــنــووي أو عــن مـصـادر القوة الأخرى التي بنت عليها نفوذها الإقليمي، وفي مقدمتها برنامج الـصـواريـخ البعيدة المـــدى، وشبكة حـلـفـائـهـا مـــن الــجــمــاعــات المـسـلـحـة خـــــارج حـــدودهـــا، إضــافــة إلـــى تمسكها بـــدورهـــا ونــفــوذهــا فــي الساحة اللبنانية. ومـــن هـــذه الـــزاويـــة، قــد تسعى طــهــران إلـى تصوير التنازلات التي قبلت بها على أنَّها محدودة ولا تمس جـوهـر استراتيجيتها. ومــن المحتمل جدا أن يُقدَّم الاتفاق، من خلال الخطاب الدعائي الإيراني، بــوصــفــه انـــتـــصـــارا ســيــاســيــا داخـــلـــيـــا لـــطـــهـــران، حيث يجري تصويره بوصفه نجاحا في خفض التصعيد، وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، وإعادة الوضع عمليا إلى ما كان عليه قبل اندلاع المواجهة، من دون أن يفرض عليها التخلي عن أدوات النفوذ الرئيسية التي تُشكل مصدر قوتها الإقليمية. وبـــهـــذا يـصـبـح الاتـــفـــاق مـفـيـدا لإيـــــران عـلـى أكـثـر مـن مستوى: اقتصادياً، مـن خــال تخفيف الضغوط الـداخـلـيـة، وسـيـاسـيـا، عـبـر تمكين الـنـظـام مــن تعزيز شرعيته داخلياً، وتقديم نفسه أمـام وكلائه بالخارج بوصفه طرفا صمد أمـام الضغوط الأميركية وانتزع مكاسب مـن دون تقديم تـنـازلات تمس جـوهـر أدوات قــــوتــــه. ومـــــن ثــــم تـسـتـطـيـع طــــهــــران تـــوظـــيـــف الاتـــفـــاق بوصفه إعادة توزيع للمكاسب، بما يعزز شرعيتها، ويحافظ على أوراق قوتها، ويدعم قدرتها على التأثير والمساومة في المستقبل. لذلك تبدو البنود الحالية أقرب إلى اتفاق تهدئة وفتح مسار تفاوضي أكثر من كونها تسوية نهائية للصراع. فهي تقوم على تـنـازلات تكتيكية مشروطة تـفـرضـهـا حـسـابـات المـرحـلـة وضـغـوطـهـا الـسـيـاسـيـة، ولا سيما الضغوط الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، من خلال ضمان أمن الممرات البحرية، ووقف التصعيد، وتقديم تخفيف اقتصادي محدود، تمهيدا لـلـتـفـاوض لاحــقــا عـلـى اتـــفـــاق نــــووي وســيــاســي أكـثـر شــمــولاً. إلا أن اسـتـمـرار هـــذا المــســار سيبقى مرهونا بـــقـــدرة الـــطـــرفـــن عــلــى تــحــويــل الــتــهــدئــة المـــؤقـــتـــة إلــى تفاهمات دائمة. ولذلك فمن المحتمل، في حال انتهاء الضغوط الانتخابية أو تعثر مسار التفاوض، أن يعاد تشكيل حسابات المـواجـهـة، وترتفع احتمالات عـودة التصعيد من جديد. ومـن خـال قــراءة موضوعية لحسابات المكاسب والخسائر، يمكن القول إن إيران قد تكون الطرف الأكثر استفادة في المرحلة الحالية، إذ تمكنت من الحصول عـلـى متنفس اقــتــصــادي، وتقليل مـسـتـوى الضغوط الــــخــــارجــــيــــة، وتـــعـــزيـــز مــــصــــادر شــرعــيــتــهــا داخـــلـــيـــا، والـحـفـاظ على صـورتـهـا ومصداقيتها أمـــام شبكات حلفائها ووكلائها في الخارج بوصفها فاعلا إقليميا قـــادرا على حماية مصالحه وأدوات نـفـوذ. ولـكـن في المقابل، تبقى هشاشة الاتفاق واضحة نتيجة استمرار أزمــــة الـثـقـة بــن الــطــرفــن، وغــيــاب المـعـالـجـة النهائية للقضايا الأكــثــر حـسـاسـيـة، وفـــي مقدمتها مستقبل الـــبـــرنـــامـــج الــــنــــووي الإيـــــرانـــــي، ومــصــيــر الـــيـــورانـــيـــوم المــخــصــب، إلــــى جــانــب اســـتـــمـــرار بــرنــامــج الــصــواريــخ بعيدة المـدى، وهي ملفات تُمثل مجتمعة مصدر قلق استراتيجي لـــدول الخليج، إضـافـة إلــى إسـرائـيـل، لما تحمله مــن انـعـكـاسـات مـبـاشـرة عـلـى تـــوازنـــات الأمــن الإقليمي. كما يظل استمرار دعم الجماعات المسلحة في المنطقة أحد العوامل التي قد تعيق تحول الاتفاق من مجرد تهدئة مؤقتة إلى تسوية أكثر استقراراً. ولــذلــك، فـــإن مستقبل الاتــفــاق لــن يـتـحـدد بحجم الــتــنــازلات المــؤقــتــة، وإنــمــا بــمــدى قــــدرة الـطـرفـن على الانـــتـــقـــال مـــن إدارة الأزمــــــة واحــــتــــواء الـتـصـعـيـد إلــى معالجة مصادر الخلاف الأساسية. وفـي غياب ذلك، سيبقى الاتفاق أقرب إلى هدنة سياسية قابلة للتراجع متى ما تغيرت حسابات القوة والمكاسب بين الطرفين، إضافة إلـى استمرار فجوة الثقة بينهما واحتمالات تـــراجـــع أحــدهــمــا عـــن الالـــتـــزام بـتـفـاهـمـاتـه، أو تـراجـع الـعـوامـل المـرحـلـيـة الـتـي ســاعــدت عـلـى الــوصــول إلـيـه، وفــي مقدمتها الاعــتــبــارات الاقـتـصـاديـة والانتخابية داخل الولايات المتحدة. تبدو أفضل الكلمات لوصف اللحظات التي أعــقــبــت تــوقــيــع الاتـــفـــاق الإطـــــــاري، بـــن الـــولايـــات المـــتـــحـــدة الأمـــيـــركـــيـــة والـــجـــمـــهـــوريـــة الإســـامـــيـــة الإيــــرانــــيــــة، مـــا فــــاه بـــه المــثــقــف الــكــبــيــر أنـطـونـيـو غرامشي: «عند تشاؤم العقل يبقى تفاؤل الإرادة». نـجـحـت إرادة الــجــانــبــن، ولــــو مـــؤقـــتـــا، في وقــف سفك الــدمــاء، وهـــدر المــــوارد، حتى وإن كان توقيع الاتــفــاق، عشية بــدء مـفـاوضـات سويسرا، مجرد رؤية إطارية لبداية مسيرة طويلة، مملوءة بالتفاصيل التقنية المعقدة. ربــمــا هــي الــخــطــوة الأولــــى الــتــي تـسـبـق الألــف مـيـل، فــي الـعـاقـات مــا بــن الـــولايـــات المـتـحـدة التي حافظت حتى الساعة على رؤيتها المؤدلجة لإيران مــن جـهـة، والـتـغـيـر الـخـاضـع للتجربة فــي الجانب الإيراني، وما إذا كانت تتعاطى بمصداقية للوصول إلى لحظة مفصلية لإنهاء صراعات خمسة عقود. يخطر لنا أن نتساءل: من هو بطل الرواية الأميركية - الإيـرانـيـة المـعـاصـرة، والـتـي قـد يكون الأمس هو أحدث وأهم فصولها؟ ربــمــا يــبــدو الـــجـــواب صــادمــا بـعـض الــشــيء؛ ذلك لأن الفاعل الحقيقي في المشهد، هو الرئيس دونالد ترمب نفسه، وغالب الظن أن ما مكّنه من هذا الطريق الواسع، والذي يأمل الرجل من خلاله أن يكون طريقا للسلام، هو عقليته غير المؤدلجة سـيـاسـيـا، بــل الأقــــرب إلـــى الـسـيـاسـات الـواقـعـيـة، منها إلى المثالية. عـلـى مـــدى قــرابــة خمسة عــقــود، كـانـت إيـــران فـي نظر الــرؤســاء الأميركيين، عطفا على الوعي الجمعي لـأمـة الأمـيـركـيـة، هـي الـعـدو الـــذي لا بد مـن مقارعته، والانـتـصـار عليه، أو احتوائه على الأقـل، وهـذا ما سعى إليه بـاراك أوباما في اتفاق ؛ إذ لــم يــجــرؤ عـلـى الاقـــتـــراب مــن فكرة 2015 عـــام تطبيع العلاقات، أو فتح مسار جديد من السلام مع الدولة الإيرانية. بــــدا الـــرئـــيـــس تـــرمـــب، وعــــن حــــق، الـــوحـــيـــد من ، من 1979 بــن رؤســــاء الـــولايـــات المـتـحـدة مـنـذ عـــام امتلك الجرأة على التغيير الحقيقي، في العلاقات الأمــيــركــيــة – الإيـــرانـــيـــة، رغـــم مـحـاولـتـه الـعـسـكـريـة الأخيرة. يبدو العالم، وليس منطقة الخليج العربي، أو الشرق الأوســط، أمـام إرادة غرامشية حقيقية، وهـــذا مــا سـطـره عـبـر مـوقـعـه، «تــــروث سـوشـيـال» قبل أيـــام، وبـمـا يـتـجـاوز مـجـرد التوقيع الأولـــي، ويمتد إلى مفاوضات الستين يوماً. كتب ترمب يقول: «سيجلب الاتفاق العظيم السلام والأمن للمنطقة بأسرها. لقد حاول الكثير مـــن الــــرؤســــاء إحــــال الـــســـام مـــع إيــــــران، وفـشـلـوا جميعا قبلي». يقول الراوي الأميركي، إن سيد البيت الأبيض مغرم إلى أبعد حد، بصيغة أفعل التفضيل، وقد يكون هذا صحيحا بالفعل في العموم، وربما من بـاب البلاغة الكلامية، لكن فـي حـال نجاحه عبر المفاوضات القادمة، وتصفير الأزمات الأميركية - الإيرانية، ووضع حد متفق عليه لنهاية الخلافات الإيرانية في جـوارهـا الإقليمي، سيكون ولا شك تــرمــب الـقـيـصـر الأمــيــركــي، الــــذي يـمـكـن أن يكتب اسمه وعن جدارة في سجل القياصرة الأميركيين، الذين تناولهم المـؤرخ البريطاني الشهير نايجل هاملتون في مؤلفه الشهير. مـا الـــذي يمكن أن تضفيه نـجـاحـات الاتـفـاق الإطاري القادم على العلاقة الأميركية - الإيرانية؟ باختصار، تعمل هــذه العلاقة على تحويل طــهــران مــن عـــدو آيـديـولـوجـي لـلـولايـات المـتـحـدة، إلـى شريك محتمل، ضمن رقعة شطرنج إدراكية لعالم قـادم، مغاير شكلا وموضوعا عما شهدته البشرية خلال نهايات القرن الماضي. خلال المؤتمر الصحافي الـذي عُقد في مدينة إيفيان بان لي الفرنسية، على هامش قمة مجموعة السبع، وبالشراكة مع الرئيس الفرنسي إيمانويل مـــاكـــرون، بـــدا الـرئـيـس تــرمــب، وكـمـا يـقـول الكاتب الأميركي الشهير ديل كارنيغي، متوددا بالصفات والخصال الحميدة في الأخرى، وبالتاريخ السابق لقيام الثورة الإيرانية. «كانت علاقتنا جيدة جدا مـــع إيــــــران»، هــكــذا تــحــدث الــرئــيــس تـــرمـــب، والـــذي خشي الـقـاصـي والــدانــي مـن أن تتحول مواجهته مع إيران، من صراع عسكري محدود، إلى انفلاش عالمي خارج حدود المعقول والمقبول. قـــبـــل ذلــــــك بـــنـــحـــو أســـــبـــــوع كــــــان تــــرمــــب قـــال لـشـبـكـة «إن بـــي ســـي نـــيـــوز» الأمــيــركــيــة: «أجــدهــم عـــقـــانـــيـــن وأذكـــــــيـــــــاء»؛ الأمـــــــر الـــــــذي يـــفـــتـــح الـــبـــاب لتساؤل استقصائي: هل وُجـد في أي وقـت مضى طـــوال الـعـقـود الخمسة المـاضـيـة، رئـيـس أمـيـركـي، سابق على ترمب، امتلك ناصية الشجاعة ليصف الجمهورية الإسلامية الإيرانية بمثل هذا الوصف؟ المؤكد أنـه لم يوجد، حتى أوبـامـا، ورغـم ما حاوله جاهدا في ولايتيه، لم يتجاوز هذه العتبة، أي الاقتراب من إنهاء الخلاف المصيري، والتطلع مــن ثــم إلـــى مستقبل تـعـاونـي تـشـاركـي، مــن دون فوقية إمبريالية أمـيـركـيـة، أو تـصـرفـات إيرانية عدائية. لـــكـــن، ولــلــواقــعــيــة، لا يـــــزال الـــطـــريـــق مـمـلـوءا بالعقبات، لا سيما في ظل أصــوات دعــاة الحرب على الجانبين، وعليه يبقى المسار الـذي افتتحه تـرمـب وبــجــدارة مسيرة واقـعـيـة تـدعـو إلــى إرادة الـتـفـاؤل لا الـتـشـاؤم. هـل يقترب تـرمـب مـن نوبل للسلام؟ الــحــرب مـونـديـال مــن نـــوع آخـــر. يحرز المـتـحـاربـون أهـدافـهـم فـي مـواقـيـت مباغتة، ويتبادلون الضربات بأساليب مواتية. في البدء تُقطف رؤوس، تُكسر سيقان، ويُستبدل لاعبون، ثم يجري التفاوض على «الـديـات» أو التعويضات، وأخيرا التوقيع على ما جرى التفاهم المبدئي عليه. ولأن مــبــاريــات الــحـــرب تــــدور مـــن دون حَـــكَـــم مــبــاشــر، يــتــفــاوت الـــحُـــكـــم عـلـيـهـا من مــتــفــرج لآخــــر؛ ومـــا أســهــل الــحــكــم والـــحـــرب واللعب على المتفرجين، مثلما يسهل على كــــل طـــــرف أو لاعـــــب أو مـــتـــاعـــب أن يـعـلـن انتصاره الـرائـع، واستحقاق كـأس النصر. بـيـنـمـا يـبـقـى طـــــرف يــــــردد: «لا أريـــــد لـهـذي (الحرب) أن تنتهي». خــــــال مــــونــــديــــال الـــــحـــــرب الأمـــيـــركـــيـــة الإسـرائـيـلـيـة - الإيــرانــيــة، أو رحـلـة تفاوض تبدأ بحرب، اعتدنا على تصريحات الرئيس الأمـــيـــركـــي دونـــالـــد تــرمــب ومــــا يـعـقـبـهـا من نفي وتوضيحات إيرانية، وظلت تحضرنا قصيدة الراحل محمود درويـش «سيناريو جاهز»، وفيها: «كل ما صار لي هو لي وما لك هو لي ولك!» وأيضا ً: «قال لي: هل تفاوضني الآن؟ قلت: على أي شيء تفاوضني الآن في هذه الحفرة القبر؟ قال: على حصتي وعلى حصتك من سدانا ومن قبرنا المشترك» أمــــا «وقـــــد شـــذ المـــصـــيـــر عـــن الـــقـــاعـــدة» فيُنهي درويـــش «السيناريو الـجـاهـز» بما ينتهي إليه متابعو ومراقبو هذا المونديال عـــلـــى مـــاعـــب وفـــــي آفــــــاق الــــشــــرق الأوســــــط، بــــأنــــه «وعــــلــــى شــــاعــــر آخـــــر أن يـــتـــابـــع هـــذا السيناريو... إلى آخرِه». بمتابعة ما أعقب توقيع مذكرة تفاهم 2026 ) يونيو (حـزيـران 18 إسـام آبـاد، يوم في قصر فرساي بفرنسا، وطهران وإسلام آباد، سرعان ما يتضح أن إعلان وقف القتال لا يرقى لدرجة الاهتمام الواسع بسيناريو مــا بـعـد وقـــف الــقــتــال، ومـــا قــد يُــفـضـي إليه مـــن اتــــفــــاق سـيـتـم إبــــرامــــه أواخــــــر أغـسـطـس (آب) المــقــبــل، هــــذا إذا لـــم تـــؤخَّـــره مـفـاجـآت غير متوقعة من أطــراف أو نجوم مونديال الحرب! مـــن أقــــرب المــفــاجــآت مـــا شــهــده لـبـنـان، أكثر ساحات حروب الآخرين اشتعالاً، الذي نــص أول بـنـود المــذكــرة على وقــف الاقتتال والهجمات فيه، فما كاد يجف حبر التوقيع حـتـى ســالــت الـــدمـــاء وهُـــدمـــت مـــبـــان تـــؤوي عناصر «حزب الله»، بأوامر رئيس الـوزراء الإســرائــيــلــي بـنـيـامـن نـتـنـيـاهـو «المـــســـؤول عن مصلحة إسرائيل الأمنية» رغـم دعـوات حليفه الوحيد ترمب إلى «التعقل والتصرف بحكمة» لئلا يؤثر على التفاهم المنتظر. أول بنود مذكرة تفاهم إسلام آباد، عن أهــم ملعب حـربـي وهــو لبنان، كــان موضع أول خــرق إسرائيلي. فهل نتوقع أن نتابع مفاجآت واشنطن أو طهران، بعدما زعزعت الأخيرة ثقة جيرانها الأقربين على ضفاف الخليج، الذين يحرصون على إحلال السلام الدائم وصون السيادة والاستقرار؟ وبـــمـــراجـــعـــة مــــا لــــم تــتــضــمــنــه مـــذكـــرة إسلام آباد، وهو اليمن رغم تأثر «أوضاعه وارتــــبــــاطــــه بـــشـــكـــل وثــــيــــق بـــمـــا يــــجــــري مـن تـــــطـــــورات جـــيـــوســـيـــاســـيـــة وســـــط المــنــطــقــة» للمبعوث الأمـمـي 40 -حـسـب الإحــاطــة رقـــم إلـى اليمن هانس غـرونـدبـرغ، أمــام مجلس يــونــيــو (حـــــزيـــــران) الـــحـــالـــي عن 18 ، الأمــــــن اســـتـــمـــرار مـــســـاعـــي #الـــســـام_لـــلـــيـــمـــن- لـكـن غيابه هذا لا يدعو للحسرة والأسى. فلم يتم بعد التفاهم بين اليمنيين أولاً. لـــلـــيـــمـــن ســــيــــنــــاريــــو آخـــــــــر، فـــــي مـــوعـــد مونديال آخر... ربما! هل نتوقع أن نتابع مفاجآت واشنطن أو طهران بعدما زعزعت الأخيرة ثقة جيرانها في الخليج؟ سيبقى الاتفاق أقرب إلى هدنة سياسية قابلة للتراجع متى ما تغيرت الحسابات المسار الذي افتتحه ترمب وبجدارة مسار واقعي يدعو إلى إرادة التفاؤل لا التشاؤم لطفي فؤاد نعمان عبد الغني الكندي إميل أمين
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky