يـــرى بــعــض المــراقــبــن أن لــإيــرانــيــن قـــوة تــفــاوض فــريــدة مكَّنتهم مــن تـوقـيـع اتــفــاق مع الـرئـيـس الأمـيـركـي بـــاراك أوبــامــا، واستطاعت طهران أن تُحوّلَه إلى نصر كبير لها، وهو ما سـنـوات، والإفـــراج 10 كـــان؛ تأجيل التخصيب عـــن مـــلـــيـــارات اسـتـخـدمـتـهـا وقـــتَـــهـــا إيــــــران في حــروبــهــا الــخــارجــيــة وبـــنـــاء مـــزيـــد مـــن المـــراكـــز الـبـحـثـيـة ومــصــانــع لــلــصَّــواريــخ الـبـالـيـسـتـيـة. الــيــومَ، تــردد التصريحات الإيـرانـيـة مـا يشابه ذلك؛ الحرب انتهت، وهي اليوم تُفاوض ومعها ورقة قوة جديدة هي مضيق هرمز، وستخرج بملياراتها الحبيسة، والأهم أن النظام لا يزال قائما ً. من حيث التحليل المهاري لقوَّة التفاوض، يعتمد الموضوع كلُّه على عوامل قوة التفاوض، مَن يملك من الطرفين عوامل قوة فستميل كفة المـيـزان لصالحه، هـي ليست مـهـارة ذهنية أو خطابية، بـل أصــول صلبة وثابتة تقع عليها تقوية موقف أي من الطرفين. إيـــــــران عــمــلــت، طــــــوال أربـــعـــة عـــقـــود، على تـــخـــطـــيـــط وتـــنـــفـــيـــذ اخــــــتــــــراق دول المـــنـــطـــقـــة، ونــجــحــت فـــي ذلــــك لـــظـــروف تـفـصـيـلـيـة كـثـيـرة، لكنَّها بالنهاية وضعت المنطقة في واقـع أنَّها مسيطرة على النظام في سوريا، وفي العراق، وغـــــزة، وتــحــتــل الــعــاصــمــة الـيـمـنـيـة، وتـحـتـكـر مصير لبنان. هذه عوامل قوة ضاغطة تُفاوض مــــن خـــالـــهـــا، وهــــــذه الـــخـــيـــوط الـــتـــي جـمـعـتـهـا كانت لوقت مثل هذا؛ عندما تواجه خصومها. العامل الآخــر أن جيرانها دول غنية ومسالمة لـيـس مــن ضِــمـن استراتيجياتها شـــن حـــروب، وهي دول حليفة للغرب المُعادي لإيــران، وكان الــهــجــوم عـلـيـهـا، خـــال حـــرب فــبــرايــر (شــبــاط) الماضي، دلالــة على أن إيــران تـرى دول الخليج من أهم أوراقها ضد الوايات المتحدة، إن وصل الأمر لتحطيم إيران. الـــعـــامـــل الـــتـــفـــاوضـــي الأكــــثــــر خــــطــــورة أن الأساس الذي تنطلق منه المواقف الإيرانية هو آيـديـولـوجـي بـحـت، لـيـس وطـنـيـا أو سياسياً. وهــــــذا الــــفــــارق بــــن إيـــــــران وفــــنــــزويــــا الـــتـــي لـم تُكلف واشنطن سوى أيـام حتى أسقطت نظام مـــادورو واختطفته وساقته إليها. الإيرانيون أثــبــتــوا الــثــابــت؛ أن الآيــديــولــوجــيــا أقــــوى دافــع للدول والأفــراد للتمسك بالأهداف والاستماتة مــن أجـلـهـا، والأمــثــلــة مــتــعــددة. كــوبــا مــثــاً، ما الـــــذي تُــمـثـلـه أمـــــام دولـــــة مــثــل أمـــيـــركـــا؟ جــزيــرة صغيرة على الجانب الآخر من الخليج. أرسلت واشنطن جواسيسها، ودعمت الثوار ضد نظام كاسترو الشيوعي، لسنوات طويلة، ثم اكتشفت صــــواريــــخ نـــوويـــة مُـــرســـلـــة لــكــوبــا مـــن الاتـــحـــاد كيلومترا من ميامي، 150 السوفياتي على بُعد وانــتــهــت الأزمـــــة بـاتـفـاقـيـة مـــن ضِــمـنـهـا سحب الصواريخ مع تعهد أميركي بعدم غزو كوبا. الحال تنطبق في فيتنام بشكل أوضح، لم تستطع الـــولايـــات المـتـحـدة لخمسة عـشـر عاما القضاء على الشيوعيين في حرب شرسة، رغم أنَّها دعّمت المعارضين الجنوبيين دعما هائلاً؛ عـسـكـريـا ومــالــيــا وســيــاســيــا ضـــد الـشـيـوعـيـن الـشـمـالـيـن. وفـــي منطقتنا، إلـــى جـانـب إيـــران، لـــنـــتـــذكـــر كـــيـــف كــــانــــت آيـــديـــولـــوجـــيـــا «تــنــظــيــم الــقــاعــدة» تـتـاعـب بـعـقـول الــشــبــاب، وتجعلهم بيادق تستخدمهم وقتما جاء صالحها، حتى إن الـــرجـــل مـنـهـم لا يــهــتــز لـــه جـــفـــن وهــــو يقتل والــــديــــه وأبــــنــــاءه؛ ولاء لمــعــتــقــده. هـــنـــاك أيـضـا الــــحــــروب الــصــلــيــبــيــة وحـــــــروب المــســيــحــيــة فـي أوروبا، والحرب الأهلية الإسبانية وغيرها. المفاوضون الإيـرانـيـون على الطاولة، نعم خــبــراء ومـتـعـلـمـون، لكنَّهم يـشـعـرون بالشَّفقة عـــلـــى الأمــــيــــركــــان الــــذيــــن يـــفـــاوضـــونـــهـــم لأنَّـــهـــم لا يـــؤمـــنـــون بــآيــديــولــوجــيــا، فـــالانـــتـــصـــار على «الـــشـــيـــطـــان الأكــــبــــر» رخـــصـــة دخـــولـــهـــم الــجــنــة، وأن الـنـظـام الإيــرانــي الـقـائـم على ولايـــة الفقيه هـو الأمــل الوحيد للنجاة. هــذه الآيديولوجيا تـــرعـــرعـــت فــــي جــيــلــن مــــن الإيــــرانــــيــــن، وعــلــى أسـاسـهـا، مثل أي آيديولوجيا، اعتمدت مبدأ نـــشـــره، مــثــل حـــركـــات الــتــبــشــيــر، لــكــنَّــه تبشير مسلَّح، يضمن مساحات جغرافية تكفي لتكوين إمـبـراطـوريـة ولايـــة الفقيه. مثل هـــؤلاء لـم يكن بـبـسـاطـة وصـفـهـم بـالمـفـاوضـيـن الـجـيـديـن، أو بالبرغماتيين، وكأنَّنا نتحدث عن ساسة قرأوا وتدربوا على مهارات التفاوض، هؤلاء يفكرون ويـقـررون بطريقة مختلفة، ولديهم الاستعداد للتضحية بأي شيء من أجل التصدي لمحاولة إسقاط النظام. مجبتى خامنئي هـو الممثل لأبيه القتيل، معنويا عـلـى الأقــــل، لـذلـك فــوجــه الـنـظـام قـائـم، والــــنــــظــــام قــــائــــم، أضــــعــــف مــــن الأســــبــــق بـحـكـم آثـــار الــحــرب المـــدمـــرة، لـكـن أضـعـف أكـثـر بسبب الـتـغـيـرات فــي المـنـطـقـة، فــا نــظــام بــشــار الأســد مــوجــودٌ، ولا «حـــزب الـلـه» بقوته الـسـابـقـة، ولا «حـــمـــاس» و«الـــجـــهـــاد» و«داعــــــش» وغــيــرهــا، لا تزال أذرعا خادمة للنظام الإيراني. مـــن نــاحــيــة أخــــــرى، فـــجـــل مـــا يــصــبــو إلـيـه دونـالـد ترمب أن يخرج مـن المـفـاوضـات ليقول للصحافيين عبر «ســي إن إن» إنــه وقَّـــع اتفاقا أفـضـل بكثير مـمَّــا وقَّــعـه غريمه بـــاراك أوبـامـا، وهو الاتفاق الذي طالما انتقده ترمب وانسحب مـــنـــه فــــي الـــنـــهـــايـــة إذ عــــــدَّه انـــهـــزامـــيـــة لــلــحــزب الديمقراطي. الواقع أن الإيرانيين خسروا كثيراً، خلال فترة رئاسة ترمب. لقد كانت حرب فبراير امتدادا للسابع من أكتوبر (تشرين الأول) دون شك، وكل ما حصل بعد ذلك اليوم غيَّر وجه المنطقة. قوة التَّفاوض والمحصلة النهائية الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 13 Issue 17375 - العدد Wednesday - 2026/6/24 الأربعاء أمل عبد العزيز الهزاني قراءة في خطاب الكراهية خــــطــــاب الــــكــــراهــــيــــة يُــــعــــد نـــتـــاجـــا لــلــتــعــصــب؛ ســـــواء الــديــنــي أو الــعــرقــي أو الــســيــاســي، ويــــؤدي إلـى تفكك النسيج الاجتماعي، ويعد تهديدا لقيم الديمقراطية، ومسببا لزيادة العنف والتمييز ضد الـفـئـات المهمشة، هــذا وفــق مفهوم علم الاجـتـمـاع، وأيضا في أبجديات الأمم المتحدة. خــطــاب الــكــراهــيــة قـــد يـصـبـح أداة اجـتـمـاعـيـة وســـــيـــــاســـــيـــــة تُـــــســـــتـــــخـــــدم لـــتـــقـــســـيـــم المـــجـــتـــمـــعـــات وإضعافها، بل قد ينتهي بتفكك المجتمع وفقدان هويته، خاصة في البلدان متعددة الهويات سواء العرقية أو الدينية. ولأهـــــمـــــيـــــة الأمـــــــــــر، وضـــــعـــــت الأمــــــــــم المــــتــــحــــدة اسـتـراتـيـجـيـة تـعـريـف لـخـطـاب الــكــراهــيــة: «... أي نــوع مـن الـتـواصـل، ســـواء فـي الـكـام أو الكتابة أو السلوك، يهاجم شخصا أو جماعة أو يستخدم لغة ازدرائية أو تمييزية في الإشارة إليهما على أساس هويتهما، أي على أساس الدين أو الانتماء الإثني أو الجنسية أو الـعـرق أو الـلـون أو النسب أو نوع الجنس أو أي عامل آخر من عوامل الهوية». خــــــطــــــاب الـــــكـــــراهـــــيـــــة قـــــــد يــــــكــــــون شــــــكــــــا مـــن أشـــكـــال الـتـعـبـيـر، بـمــا فـــي ذلــــك الـــصـــور، والـــرســـوم الـــكـــاريـــكـــاتـــوريـــة، كــمــا حــــدث مـــع الــــرســــوم المـسـيـئـة لـإسـام وحـتـى للمسيحية، فليس بـالـضـرورة أن يـكـون خـطـاب الـكـراهـيـة كـامـا مـوجـهـا، فـقـد يكون إشارات ورموزا تعبيرية تتجاوز حدود الحرية إلى الإساءة إلى الآخرين. بــيــنــمــا لا يـــوجـــد تـــعـــريـــف لـــخـــطـــاب الــكــراهــيــة فـــي الـــقـــانـــون الــــدولــــي لــحــقــوق الإنــــســــان، ولــــم يــزل هــذا المفهوم مـوضـع جــدل ونـقـاش كبير بـن متفق ومـخـتـلـف عــلــيــه، وهـــــذا مـــا تـسـبـب فـــي إشـكـالـيـات كثيرة تمكَّن مـن خلالها مـروجـي خطاب الكراهية من التسلل عبرها والاختباء خلفها بحجة حرية التعبير والــتــي تـلـقـى ازدواجـــيـــة مـعـايـيـر أخـاقـيـة وتعريفية في حالات التوظيف السياسي. موجه بشكل محكم فالخطاب في أصله بعضُه ومتزن ويمكن التعويل عليه في بناء أمة سليمة، ولـــكـــن بـعـضـه الآخـــــر رهــــن لــلــمــواقــف الـسـيـاسـيـة، أضـفـى على نفسه الـقـداسـة والـحـصـانـة، مـن خلال المزور المدسوس على شريعة الله، تسويق الخطاب التي كتبها هـــؤلاء، ممن روجـــوا للثقافة السمعية له لـخـطـاب الـكـراهـيـة الـــذي تــم الـتـسـويـق الإعــامــي عبر السيطرة على وسائله المختلفة، بشراء شركات إعلامية، ومحطات فضائية. الــكــتــب الـــخـــطـــاب الـــقـــديـــم يــتــمــثــل فــــي بــيــنــمــا التراثية التي بقيت كما هي دون تنقيح أو تحقيق أو دراســـة منهجية، ولـهـذا أصـبـح بعض الخطاب المعاصر مجرد استنساخ للقديم، بمفهوم خاطئ، متخذا من الشاذ والضعيف مادة عبر الفضائيات إلا أن ، الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية في بسبب حمَّى الكراهية ً الإعلام ما زال ساكنا ومشتتا بين مكونات المجتمع، سواء ذو النسيج الواحد أو المتعدد، فهؤلاء غالبا ما يكونون متشبعين بخطاب متخشب جاهل مكرر، وأعتقد أن الأزمة أزمة فكرية، وطـــريـــقـــة تــفــكــيــر، ومــنـــهـــج خــــاطــــئ، قــبـــل أن تـكــون توظيفا سياسيا أو دينيا للعقل الجمعي ودفعه نـحـو الاصـــطـــدام بــالآخــر مــن خـــال خـطـاب مكتوب سلفا لأسباب متعددة ليس بينها منفعة للمجتمع. وكـــمـــا قــــال المــفــكــر أنــجــيــلــو: «حــــن يـــبـــدأ المـــرء الـخـاف مـع نفسه يصبح لـه قيمة نحو الـبـدء في إصـاح النفس»، وهـذا يعطينا فكرة نحو التفكير بــــطــــرق مــخــتــلــفــة حـــتـــى مــــع الــــنــــفــــس، كـــمـــا يـسـمـح للشخص وحده أو مع آخرين، بقبول الآخر والآراء المختلفة وتـنـوعـهـا، مـمـا يسهل فـكـرة قـبـول الـــرأي الآخـــر، وبـالـتـالـي الـقـبـول بـالـتـنـوع، وإنــهــاء خطاب الكراهية واختفاء البيئة الحاضنة له. ومــــن مـسـبـبـات خـــطـــاب الـــكـــراهـــيـــة، الاخـــتـــاف الديني والعرقي والأزمـات الاقتصادية والتوظيف الــــســــيــــاســــي وســـــــــوء اســـــتـــــخـــــدام وســـــائـــــل الإعـــــــام ومــنــصــات الــتــواصـــل الاجــتــمــاعــي، فـــي ظـــل ضعف المـؤسـسـات الـرقـابـيـة والـقـانـونـيـة لمـاحـقـة مـروجـي خـــطـــاب الـــكـــراهـــيـــة، والــتــمــيــيــز بـــن نــشــر الــكــراهــيــة وحرية الرأي، فاختلاف الآراء له قيمة مجتمعية في تنوع الفكرة وتنوع الحلول؛ لأن المجتمع في الأصل متنوع مختلف وليس نسخة كربونية من بعضه، ولـكـن غالبا اخـتـاف الـــرأي يـكـون مصير أصحابه الخلاف والقطيعة واللعنة والكره والحقد، وأحيانا التخوين والاقتتال بسبب انعدام ثقافة الاختلاف والــــتــــنــــوع، ومــــــن ثــــم يـــتـــحـــول إلــــــى مـــنـــبـــر لــخــطــاب الكراهية. ولـــعـــل مــــن أضـــــــرار خـــطـــاب الـــكـــراهـــيـــة أنـــــه قـد يتسبب فــي تـهـديـد الـسـلـم والاســـتـــقـــرار المجتمعي وتـفـشـي الـتـمـيـيـز، مـمـا يتسبب فــي الـعـنـف المـــادي ضد الآخرين، ما قد ينتهي بتفكك الهوية الوطنية حتى في البلد المتجانس عرقيا ودينياً، فالضحايا ليسوا بـالـضـرورة المتنوعين والمختلفين عرقيا أو دينيا فقط. ولهذا تعد معالجة خطاب الكراهية والتصدي له ضــرورة ملحة، من خـال رصــده وتحليله وسن قـــوانـــن دولـــيـــة تــكــافــح أصـــحـــاب خـــطــاب الـكـراهـيـة وتضيق عليهم استخدام وسائل النشر المختلفة، عبر ملاحقات قضائية من خلال سن قوانين تجرم خطاب الكراهية، وحتى من ينشره ويتفاعل معه. فــالــخــطــاب الـــــذي يـسـتـقـيـم وقـــابـــل لـلـتـعـايـش وتحقيق السلم المجتمعي، هـو خـطـاب التسامح، والـتـنـوع والـقـبـول باختلاف الآخـــر، دون تمييز أو ازدراء تحت أي عنوان أو خطاب. جبريل العبيدي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky