issue17374

يـشـهـد الــعــالــم مــنــذ الـــحـــادي عــشــر مـــن يـونـيـو ، أضخم حدث لمونديال كأس العالم 2026 ) (حزيران لكرة القدم الذي يمثِّل محرِّكا اقتصاديا عالميا هائلاً، يـتـنـقَّــل بـــن دول ثــــاث: الـــولايـــات المــتــحــدة، وكــنــدا، من بطولة كأس العالم 23 والمكسيك. وهي النسخة الـ الــتــي ينظِّمها الاتـــحـــاد الـــدولـــي لــكــرة الــقــدم (فـيـفـا) .2026 ) وتمتد حتى التاسع عشر من يوليو (تموز مـنـتـخـبـا؛ منها 48 يـــشـــارك فـــي هـــذه الـبـطـولـة مـنـتـخـبـات فــي مـشـاركـة أولــــى لـهـا فــي تـاريـخـهـا: 4 الأردن، وأوزبكستان، والـرأس الأخضر، وكوراساو (أصغر دولـة من حيث التعداد السكاني الـذي يبلغ منتخبات عربية في 8 ألف نسمة)، كما تشارك 160 البطولة (الأردن، والمــغــرب، والـسـعـوديـة، وتـونـس، ومــصــر، والــجــزائــر، وقــطــر، والـــعـــراق)؛ حـيـث تُختم المـــبـــاراة الـنـهـائـيـة عـلـى أرضـــيـــة «مـلـعـب مـيـتـايـف» في مدينة إيست روثـرفـورد بولاية نيوجرسي في الولايات المتحدة. منافسة شرسة بدأت تأخذ مجراها بين الدول على استضافة مونديال كأس العالم، بعد تطوُّر كرة الـقـدم وتـوسُّــع شعبيَّتها؛ حيث أضـحـى هــذا حدثا يتجاوز البعد الرياضي، ليحمل في طيَّاته أهدافا اقــتــصــاديــة وتــنــمــويَّــة واجــتــمــاعــيَّــة، أهـمـهـا تعزيز قــطــاع الـسـيـاحـة (الـــفـــنـــادق، والمـــطـــاعـــم، والــتــســوُّق) وتنشيط حركة قطاع النقل، وجذب رؤوس الأموال والاســــتــــثــــمــــارات، وخـــلـــق مـــئـــات الآلاف مــــن فـــرص الـــعـــمـــل... أضــــف إلـيـهـا أهـــدافـــا اسـتـراتـيـجـيـة تـعـزِّز الـحـضـور الـعـالمـي لـلـدولـة المـضـيـفـة، بـعـد أن أخــذت البطولة تضخ مليارات الدولارات. لم تعد هذه اللعبة مجرَّد ملعب وكرة وجمهور، ولم تعُد بطولة عالمية فقط؛ بل تحوَّلت إلى صناعة مـــلـــيـــارات الــــــــدولارات، وأصــبــحــت حــدثــا اقـتـصـاديـا وسوقا عالمية تتنافس عليها الحكومات والأندية والــــشــــركــــات. وقـــــد يــضــيــف هـــــذا المــــونــــديــــال مـبـلـغـا مليار دولار إلى الناتج المحلي 41 ضخما يبلغ نحو الإجـمـالـي الـعـالمـي، حسب بعض المحلِّلين، وتأثيرا مليار دولار. وتُظهر التقارير 80 اقتصاديا يصل إلى المالية للأندية النخبة المحترفة القوة الاقتصادية للقطاع، بـرقـم قياسي تـاريـخـي مـن الإيـــــرادات، بلغ .2025 -2024 مليار يورو، موسم 12.4 نحو تتزامن البطولة مع تصاعد التوتُّر بين طهران وتـــل أبـــيـــب، مـمـا دفـــع بـالـرئـيـس الأمــيــركــي دونــالــد ترمب إلـى الدعوة لوقف التصعيد، وإبــرام مسودَّة اتـــفـــاق أمـــيـــركـــي– إيـــرانـــي لـــرفـــع الــحــصــار الــبــحــري، وإعــــادة فـتـح مضيق هـرمـز أمـــام المــاحــة البحرية، ومرور السفن التجارية وناقلات النفط، مما سيؤثر إيجابا على البطولة بشكل مباشر بالنسبة لأسعار 20 الــطــاقــة والأســـــــواق الــعــالمــيــة، واســتــئــنــاف نــحــو فــي المــائـة مـن إمـــــدادات الـنـفـط والــغــاز الـعـالمـيـة. كما سيؤدي إلى تراجع أسعار الطاقة من خلال استقرار الـشـحـن، وتــأمــن إمـــــدادات الـطـاقـة، وتسهيل حركة الجماهير، وتـجـنُّــب صـدمـات التضخُّم الـتـي أثَّــرت على تكاليف سفر المشجعين بين المـدن، والتخفيف من أعباء تكاليف تنظيم هـذا الحدث العالمي، على الرغم من أن عودة الحركة لطبيعتها سوف تتطلب تنفيذ شــروط؛ أهمها إزالــة الألغام وإصــاح السفن المتضررة. لـــكـــرة الـــقـــدم نـمـوذجـا 2026 يـعـتـمـد مـــونـــديـــال اقـتـصـاديـا مختلفا عــن الــبــطــولات الـسـابـقـة؛ حيث يهدف إلى تسعير ديناميكي يعتمد ارتفاع الأسعار بشكل تدريجي، مع زيادة الطلب لتضخيم الإيرادات، بدلا من ملء جميع المقاعد بأسعار ثابتة، أي «الربح أولاً». ويرجِّح بعض الخبراء أن تصل الإيرادات إلى مليون دولار 929 مليارات دولار، مقارنة بـ 7 أكثر من في قطر. فهل أضحت بطولة 2022 في كأس العالم المونديال للأثرياء فقط؟! تحوُّلات 2026 ويشهد العالم في كـأس العالم غـيـر مـسـبـوقـة، تجعله -وفـــق محلِّلين اقـتـصـاديـن- الأكثر جنونا في تاريخ البطولة؛ ليس فقط بسبب توسُّعه أو تنظيمه عبر ثلاث دول؛ بل بسبب تداخل السياسة العالمية مع الاقتصاد الرياضي، وتحوُّله إلى نمط مختلف بتسعير جديد يؤدي إلى تشكيل صناعة الرياضة عالمياً. لكن، استضافة مباريات كـأس العالم تتطلَّب اســـتـــثـــمـــارات ضــخــمــة مــــن المــــــدن المــعــنــيــة لـتـكـالـيـف التشغيل الأساسية، فهي تتحمَّل تجهيز وصيانة الملاعب، وتكاليف الخدمات الأمنية، وتطوير البنية التحتية، وتـأمـن النقل. لـذا لجأت إلـى رفـع أسعار النقل ومـواقـف الـسـيـارات، والاعـتـمـاد على الفوائد غير المباشرة (مـن السياحة، والمطاعم، والفنادق)، الـتـي لا تغطي جميع التكاليف أحـيـانـا، لتعويض خسائرها. وهـــكـــذا، لـــن تـحـصـل المـــــدن عــلــى حــصــة كـبـيـرة مباشرة من المونديال، بينما -للمفارقة- يستحوذ «فيفا» على جميع العوائد الضخمة تقريباً، التي تشمل عقود البث التلفزيوني والإعــامــي، وعقود الــرعــايــة، ومـبـيـعـات الــتــذاكــر، والــتــي مــن المـتـوقـع أن مليارات دولار. 10 تبلغ إيراداتها أكثر من يُحذِّر محلِّلون من أن ارتفاع الأسعار قد يؤدي إلى تراجع الحضور الجماهيري في بعض مباريات كـرة الـقـدم، الرياضة الأكثر شعبية في العالم. كما يواجه «فيفا» انتقادات متزايدة من جهات تنظيمية فـــي الــــولايــــات المــتــحــدة وأوروبــــــــا، بــشــأن سـيـاسـات التسعير وإدارة السوق الثانوية. ويبقى السؤال: هل ستستمر رياضة كرة القدم في كونها «لعبة الجماهير»، أم ستتحوَّل إلى سلعة ًفاخرة محتكَرة موجَّهة إلى النخبة الثرية؟! البقاء للأكثر استقرارا الشرق الأوسـط منذ الحرب العالمية الثانية ظل مختبرا للقوة والقلاقل وتعطلت فيه التنمية التي سببتها الـحـروب المتتالية. فهذا الجزء من العالم علاقتُه بالحروب معقدة. وعلى الرغم من هـــذا ظـلـت فــكــرة تـغـيـيـر الـــخـــرائـــط، رغـــم تـكـرارهـا مــــؤخــــرا والـــتـــلـــويـــح بـــهـــا فــــي الأزمـــــــــات الـــكـــبـــرى، مــســتــعــصــيــة عـــلـــى الــــغــــزاة ومـــشـــاريـــع الــتــجــريــب والهيمنة بالقوة أو بناء الأذرع والاستثمار في الميليشيات. المــــنــــطــــقــــة الـــــــيـــــــوم أمـــــــــــام لــــحــــظــــة حـــاســـمـــة ومشروعين متقابلين في الظاهر، متشابهين في وبشكل أعمق بعد 1948 الجوهر. إسرائيل، منذ ، ربطت أمنها ونموذجها بالسيطرة 1967 حرب والاحـتـال الممنهج وفـرض الوقائع على الأرض، مستندة إلــى قــوة عسكرية وتكنولوجيا فائقة. ثم تحولت هذه القوة القسرية من أداة دفـاع إلى وسيلة لإدارة الاحتلال وتكريس الواقع الجغرافي بمنطق الــقــوة، واسـتـبـدال منطق ردع لا يتوقف بمحاولات التسوية. وفــي الضفة الأخــــرى، بنت إيـــران منذ ثـورة مشروعَها بطريقة مختلفة؛ لا تعتمد على 1979 التوسع المباشر، بل على الاستثمار في الوكلاء. وبعد حربها الطويلة مع العراق، ثم سقوط بغداد ، أدركـــت أن الـفـوضـى أقــل تكلفة وأكثر 2003 عــام فاعلية من الاحتلال المباشر، فمدت نفوذها عبر كـيـانـات مــا دون الــدولــة والمـيـلـيـشـيـات فــي لبنان والعراق وسوريا قبل سقوط نظام الأسد واليمن، ظنا منها أن اختراق الدول المحيطة إضعاف لها، بـيـنـمـا كـــان فـــي الـحـقـيـقـة إنــهــاكــا لإيـــــران نفسها، انعكس على الداخل وظهر في احتجاجات قاسية كادت غير مرة أن تمس النظام. الـــعـــداء الـصـريـح بــن إيــــران وإســرائــيــل لا يمنع هذه المقارنة على مستوى الاستراتيجية؛ فــائــض الــقــوة فــي تــل أبــيــب، وفــائــض الــوكــاء في طـهـران، كلاهما يسعى إلـى تحويل الـدول غير المستقرة إلــى سـاحـات تـفـاوض وضغط، والـنـتـيـجـة واحــــــدة: دول أقــــل اســـتـــقـــراراً، أكـثـر هشاشة، وأقرب إلى الانفجار. في المقابل، هناك طريق ثالث يجني اليوم ثــمــرة مـقـاربـتـه المـخـتـلـفـة عـبـر الاســتــثــمــار في الـداخـل، ويبرز هنا النموذج السعودي الذي وسع مفهوم القوة ليشمل الاستقرار والتنمية والاستثمار في المواطن على اعتبار أنَّها أهم أســلــحــة أســـــاس الـــقـــوة الــصــلــبــة. لـــذلـــك سعت الــريــاض، إلــى جـانـب تفوقها الـدفـاعـي، لبناء قــوة مستدامة تـقـوم على الاقـتـصـاد المتنوع، ودولــــة الـــرفـــاه والـــكـــفـــاءة، المــســنــودة بمجتمع حيوي لديه مناعة صلبة حيّرت الخصوم في تصديه لحملات الاستهداف والتضليل. الــــنــــمــــوذج الــــســــعــــودي لــــم يـــتـــجـــاهـــل الأمــــن والـــــحـــــزم؛ فـــقـــد اســـتـــثـــمـــرت الــــريــــاض فــــي تـطـويـر قدراتها الدفاعية، وتوطين الصناعات، وحماية الطاقة والمــدن والمنشآت الحيوية، وأرسلت أكثر مـــن مــــرة رســـالـــة واضـــحـــة بــأنــهــا لا تـتـسـاهـل مع أمنها. لكنها في الوقت نفسه اختارت ألا تُجر إلى حروب لم تخترها. وعلى مدى التاريخ السعودي، لم يكن الاستفزاز مؤثرا في سياستها، بل كانت تـثـبـت ذلــــك الــخــيــط الـــرفـــيـــع بـــن الــــــردع المـــســـؤول والانـدفـاع العسكري، بما يعكس عراقة وتقاليد بيت الحكم. والـــحـــال أن ســـاح الـتـنـمـيـة نـجـح مـــــرارا في التاريخ الحديث؛ جربته ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة، وكلها صنعت تجربتها عـبـر الاســتــقــرار والـتـعـلـيـم والـصـنـاعـة والانـفـتـاح عـلـى الـعـالـم. وفـــي المـقـابـل، يحفل الـتـاريـخ بــدول تـــآكـــلـــت مـــشـــاريـــعـــهـــا الـــوطـــنـــيـــة بـــســـبـــب خـــطـــاب آيديولوجي فشل في إنتاج منطق الدولة. فـــي إيـــــران الـــيـــوم أصـــــوات إصــاحــيــة تـــدرك خــطــورة الاسـتـثـمـار فــي الـتـصـعـيـد. كـتـب محمد علي أبطحي، نائب خاتمي والإصلاحي المعروف، مقالا لافتا حول ضرورة مد اليد إلى دول الخليج من أجل نمو المنطقة ومصلحة شعوبها، مؤكدا أن تحويل الخليج إلى ساحة ضغط يضر بإيران أكــثــر مـمـا يـضـر بـجـيـرانـهـا، الــذيــن سـيـبـقـون في نهاية المطاف حين ينتهي أوار الحرب. الـــســـعـــوديـــة تــــراهــــن عـــلـــى مــــعــــادلــــة أثــبــتــت نجاحها: تنمية تحميها القوة، ومصالح وطنية ترعاها دبلوماسية متفوقة، مسنودة باقتصاد صـلـب، ووحـــدة مجتمعية، وتحالفات متنوعة. لـذلـك صــار هــذا المـزيـج الـسـعـودي قصة استقرار فريدة، تؤكد أن الاستقرار في المفهوم السعودي، ولـــــدى دول الاعـــــتـــــدال، عـــامـــل قــــوة مـــضـــاعـــف؛ لا يحمي الداخل فقط، بل يحول التنمية إلى نموذج إقـلـيـمـي يــؤكــد يــومــا بـعـد يـــوم أن الــبــقــاء للأكثر استقرارا ً. Issue 17374 - العدد Tuesday - 2026/6/23 الثلاثاء التاريخ حافل بدول تآكلت مشاريعها الوطنية بسبب خطاب آيديولوجي فشل في إنتاج منطق الدولة يوسف الديني سعاد كريم OPINION الرأي 14 لكرة 2026 يعتمد مونديال القدم نموذجا اقتصاديا ًمختلفا عن البطولات السابقة كرة القدم... من لعبة رياضية إلى فضاء يدر ذهبا عن «المناطق التجريبية» انسحب العدو الإسرائيلي 2000 في مايو (أيار) عام مـــن جـــنـــوب لــبــنــان مـــن دون أي مـــفـــاوضـــات ولا قــيــد أو شــرط، فقد وفّــى إيهود بــاراك بوعده لــ«الأمـهـات الأربــع» بـالانـسـحـاب حـــال فــــوزه بـانـتـخـابـات الـكـنـيـسـت. يومها أحـــــدث ذلــــك الانـــســـحـــاب صـــدمـــة لأركــــــان الـــنـــظـــام الأمــنــي الـــســـوري - الـلـبـنـانـي، لأن الــخــطــوة تُــفـقـد دمــشــق الـــدور الذي رسمته لجنوب لبنان كصندوق بريد مع إسرائيل وساحة لتحسين الشروط. ولم يتأخر النظام السوري فاستحدث قضية «مزارع شــبــعــا» لـتـبـريـر بــقــاء الـــســـاح الـــاشـــرعـــي، وتــالــيــا بـقـاء الوظيفة المرسومة للجنوب ولبنان. تبعا لذلك تم الإيعاز لإمـــيـــل لـــحـــود، رئـــيـــس الــجــمــهــوريــة، بـــتـــرك الــجــنــوب في عهدة الثنائي «أمـل» و«حـزب الله» ليصبح هذا الثنائي مرجعية للمواطن الجنوبي، واقتصر دور السلطة على جولة لرئيس الحكومة آنذاك سليم الحص، أعلن بعدها الــذي لـم يكن يشمل 425 استكمال تنفيذ الـقـرار الـدولـي .1967 أبـــدا مــــزارع شـبـعـا، الـتـي احـتُــلـت فــي نـهـايـة حـــرب يومها أبلغت بيروت الأمم المتحدة بأنه لا احتلال لأراض أي إشارة إلى 242 لبنانية، لذلك لم يتضمن القرار الدولي لبنان. ترسيم الخط الأزرق كخط 2000 أعقب انسحاب عام للانسحاب تحت إشـــراف الأمـــم المـتـحـدة. فـطُــرحـت آنــذاك فكرة «فوج تجريبي» تُناط به مسؤولية منطقة الشريط الـــحـــدودي، الـــذي كـانـت الـسـيـطـرة عليه تـحـت الاحــتــال، لتنظيم «جـيـش لبنان الجنوبي» بـقـيـادة أنــطــوان لحد. وهدفت الفكرة إلـى خلق مناخ آمـن لمواطنين لم ينزحوا إلى إسرائيل، إثر التنفيذ السريع للانسحاب الإسرائيلي. وقــيــل إن ذلـــك قــد يـشـجـع آخــريــن عـلـى الـــعـــودة وتـسـويـة أوضـاعـهـم أمـــام الــقــضــاء... الـفـكـرة خُــنـقـت فــي المـهـد ولـم تـــدافـــع عـنـهـا الـحـكـومـة أمــــام ضــغــوط الـــوجـــود الــســوري وحسن نصر الله وإميل لحود! اليوم، وبعدما أدت حرب «الإسنادين» لغزة وإيران إلـى عــودة الاحـتـال، بشكل مضاعَف عمَّا كـان عليه قبل ، تـأكـد أن «المــقــاومــة» الـتـي فـقـدت هـــذه الصفة 2000 عـــام منذ التحرير، ليست وسيلة قــادرة على إزالــة الاحتلال، فارتدى أهمية خاصة الطرح الأميركي الـذي تم تقديمه في جولة المفاوضات السابقة؛ وقوامه: «مناطق تجريبية تتولى فيها القوات المسلحة اللبنانية السيطرة الحصرية على الأراضــي، مع استبعاد جميع الجهات الفاعلة غير الـحـكـومـيـة مـنـهـا». أي ينسحب الــعــدو الإســرائــيــلــي من مناطق محتلة معينة فيتم تسليمها للجيش، الذي يعمل بالتوافق مع لجنة «الميكانيزم» لإخلائها من أي وجود مسلح خارج إطار الدولة، على أن يَستتبع ذلك بدء عودة النازحين لإطلاق المسيرة الطويلة لإعادة الإعمار. النظرة الواقعية إلـى الأمـــور تشي بـأن «حــزب الله» عــــرّض لــبــنــان لـهـزيـمـة ســاحــقــة ونــكــبــة تــاريــخــيــة أُنــزلــت بأهل الجنوب الذين اقتُلعوا من أراضيهم، ومعروف أن لا إمـكـانـيـة لإجـــاء الاحــتــال الـــذي لــم يتستر يـومـا على أطماعه والإملاءات التي يريد فرضها. ولئن سبق وحاز «حــــق» الـتـحـرك مـتـى يــشــاء، فـقـد لاقـــى الـقـبـول أمـيـركـيـا، أكــتــوبــر 7 الــتــغــيــيــر الاســـتـــراتـــيـــجـــي الـــــذي اعـــتـــمـــده بــعــد الـقـائـم عـلـى «الـــدفـــاع المــتــقــدم» من 2023 ) (تـشـريـن الأول أراضي الغير، لجعل الحدود غير قابلة للاختراق. وأخذا في الاعتبار اقتراب انتخابات الكنيست مما يعني تصلبا إسرائيلياً، فإن جولة المفاوضات الراهنة التي بدأت اليوم فــي واشـنـطـن تــرتــدي أهـمـيـة استثنائية، كـــون «المـنـاطـق التجريبية»، بخرائطها وحـــدودهـــا، هـي أبـــرز القضايا المـطـروحـة. وجـلـي هنا أن واشـنـطـن تسعى إلــى تحويل تفاهمات وقف النار إلى وقائع ميدانية عبر اختبار قدرة الجيش، وخلفه الحكومة اللبنانية، على بسط سيطرته على مناطق محددة تمهيدا لتوسيع التجربة إلى نطاق أوسع. هذا المنحى يعني على الأرض جعل السلطة المرجع الوحيد للمواطنين، كما هو مفترض، فتسقط بذلك حالة !2000 «الكانتون» التي سادت الجنوب منذ عام مـا هـو مـطـروح الـيـوم فـي المـفـاوضـات المـبـاشـرة، إن رضـخـت تـل أبـيـب، يـكـرِّس مـسـار لبنان المنفصل ويفتح كـــوَّة جـديـة لـبـدء انـسـحـاب مــتــدرج. ولأن مــوازيــن الـقـوى جاثمة على طاولة المفاوضات، فمن العبث الحديث عن أي إمـكـانـيـة لــفــرض انــســحــاب شــامــل يـحـاكـي انـسـحـاب ... لكن تزامنا يوفر هــذا المـخـرج، وفــق المنطق 2000 عــام الأميركي، ضمانات أمنية لإسرائيل. ومفيد هنا العودة الذي حمل اعترافا إسرائيليا 1949 إلى اتفاق الهدنة لعام بــالــحــدود الــدولــيــة لـلـبـنـان، ونــــص عـلـى مـنـع اسـتـخـدام الأراضـــي اللبنانية للاعتداء على إسرائيل، وكذلك عدم ) الخرق 1969( الاعتداء في المقابل، ليشكل اتفاق القاهرة 5 الـكـبـيـر لاتـــفـــاق الــهــدنــة. لــكــن الــــقــــرارات الـحـكـومـيـة فـــي أغـسـطـس (آب) المـــاضـــي بـبـسـط الــســيــادة ونــــزع الـسـاح مارس (آذار) الماضي 2 اللاشرعي، ثم قرارات الحكومة في بحظر العمل العسكري والأمني لـ«حزب الله» وتجريمه، أنهى كل المفاعيل القانونية لاتفاق القاهرة! رفض «المناطق التجريبية» فورا «حزب الله» ورئيس البرلمان نبيه بـري. الأول يـدرك جيدا أن المطروح تنفيذه بـإشـراف مباشر من «الميكانيزم» يعني استحالة إعـادة تموضعه في هذه المناطق التي تسترجعها السلطة للمرة الأولى منذ عقود، مما يعزز مكانة الدولة ومرجعيتها. من هذا المنطلق قد تحمل «المناطق التجريبية»، إن نجحت، عـــنـــوان إجـــــاء الاحــــتــــال الإســـرائـــيـــلـــي، وإنــــهــــاء الــســاح اللاشرعي ودور «الحرس الثوري» في لبنان الـذي، وفق رئـيـس الـحـكـومـة، هـو مـن يـقـود الأعــمــال العسكرية فوق إرادة الدولة وقرارها! قد تحمل «المناطق التجريبية» إن نجحت عنوان إجلاء الاحتلال الإسرائيلي وإنهاء السلاح اللاشرعي حنا صالح

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky