الثقافة CULTURE 17 Issue 17372 - العدد Sunday - 2026/6/21 الأحد «عرضحال بغدادي»... رثاء بغداد المعاصرة لا تـــبـــدو مــجــمــوعــة «عـــرضـــحـــال بــــغــــدادي» لـــخـــضـــيـــر فـــلـــيـــح الــــــزيــــــدي، مـــجـــمـــوعـــة قـصـصـيـة تقليدية تضم نصوصا مستقلة، بقدر مـا تبدو رواية مفتتة الأجزاء تتعدد فيها الوجوه في حين تبقى الـحـكـايـة واحــــدة؛ فالشخصيات المتناثرة عبر القصص لا تــؤدي أدوارا فردية فحسب، بل تشكل أجـزاء من صورة أكبر هي صورة المجتمع الـــعـــراقـــي خــــال الـــعـــقـــود الأربــــعــــة الأخــــيــــرة. ومــن هنا تنبع القيمة الفنية للمجموعة؛ إذ تتحول الشخصيات إلى مرايا تعكس ما أصاب المجتمع من تشظ نفسي واجتماعي وأخلاقي. ويـــــــرى الــــنــــاقــــد الـــفـــرنـــســـي فــيــلــيــب هـــامـــون الشخصية بوصفها «علامة» ثقافية واجتماعية. ويــــمــــكــــن الــــنــــظــــر إلــــــــى شــــخــــصــــيــــات المـــجـــمـــوعـــة بـــاعـــتـــبـــارهـــا تــمــثــيــات لـــفـــئـــات اجــتــمــاعــيــة أكــثــر مــن كـونـهـا أفــــرادا مستقلين. فـالـعـامـل والـعـانـس والــشــاعــر والــجــنــدي والـــلـــص والمــثــقــف جميعهم يــتــحــولــون إلــــى رمـــــوز تـكـشـف تـــراجـــع المـنـظـومـة القيمية والرمزية للمجتمع العراقي. لا يـقـدم الــزيــدي بـطـا مـركـزيـا؛ لأن البطولة نـفـسـهـا تـــبـــدو مـسـتـحـيـلـة فـــي عـــالـــم فــقــد يـقـيـنـه. لذلك يختار شخصيات هامشية: عاملا بسيطاً، أو امـــــرأة وحـــيـــدة، أو شـــاعـــرا مـنـسـيـا، أو جـنـديـا غائباً، أو لصاً، أو موظفاً، أو رجـا يقضي عمره فـــي الانـــتـــظـــار. وهـــــؤلاء تـجـلـيـات لإنـــســـان عــراقــي واحــد أنهكته الـحـروب والـحـصـار والاضـطـرابـات السياسية، وفقد تدريجيا قدرته على الحلم. أما بغداد فتظهر بوصفها البطلة الخفية للمجموعة؛ مدينة جُرّدت من كثير من مـــامـــحـــهـــا الــــحــــضــــاريــــة، فـــــتـــــتـــــحـــــول إلــــــــــى فــــضــــاء للأحداث، إنها الشخصية الـكـبـرى الــتــي تتكلم عبر أبنائها المنكسرين. ومن خـــال الـسـخـريـة الــســوداء والمفارقة، يكشف الزيدي الـتـنـاقـض بــن الـشـعـارات والواقع، في عالم انقلبت فــــيــــه المــــعــــايــــيــــر: الـــحـــانـــة أكــــثــــر أمــــنــــا مـــــن الــــوطــــن، والـلـصـوص أكـثـر التزاما مــــن المـــجـــتـــمـــع، والـــحـــمـــار أكـــثـــر وعـــيـــا بــكــرامــتــه من الإنـسـان. ومـن خـال هذه المفارقات يبني الكاتب عالمه السردي القائم على فضح الزيف وكشف الاختلال. إنسان ما بعد الحرب تـكـشـف شـخـصـيـات المـجـمـوعـة آثــــار تـاريـخ طــــويــــل مــــن الـــعـــنـــف والــــــحــــــروب؛ لا عـــبـــر خــطــاب سياسي مباشر، بـل مـن خـال بنيتها النفسية؛ فالحرب هنا ليست حدثا مـن المـاضـي، بـل حالة مستمرة تسكن الـوعـي الجمعي وتعيد تشكيل السلوك والعلاقات الإنسانية. وتبدو الشخصيات عاجزة عن بناء مشاريع حياتية مستقرة، فلا أحـد يمتلك حلما واضحاً، والــجــمــيــع مـنـشـغـل بــمــحــاولــة الــنــجــاة مـــن يـومـه فقط؛ فالعانس في «خريف العانس» ليست امرأة أخـفـقـت فــي الـــــزواج فـحـسـب، بــل نــمــوذج لإنـسـان استنزف عمره في خدمة منظومة اجتماعية لم تمنحه شيئاً، ليكتشف متأخرا أن الفضائل التي تمسك بها كانت سببا في مصادرة حياته. وتــــجــــســــد شـــخـــصـــيـــة حــــســــن فــــــي «غــــــــودو بــغــدادي» حـالـة الانـتـظـار الــوجــودي الـتـي طبعت جـــيـــا كــــامــــاً. إنـــــه انـــتـــظـــار لـــلـــخـــاص لا يـتـعـلـق بشخص أو حدث محدد؛ بل بغياب دائـم للأمل. وهكذا يرسم الزيدي صورة لمجتمع تآكلت طبقته الــوســطــى وتـــراجـــعـــت طــمــوحــاتــه الـــكـــبـــرى، حتى أصبح الفقر حالة نفسية تسلب الإنـسـان قدرته على تخيل مستقبل مختلف. تشوه العلاقات الإنسانية وانهيار المنظومة الأخلاقية لم تقتصر الحروب على هتك الإنسان مادياً؛ بــل أفـقـرتـه عاطفيا وأخـاقـيـا أيــضــا، فالعلاقات الإنسانية فـي المجموعة تبدو مشوهة وعاجزة عن تحقيق معناها الطبيعي. فــي «عـبـس بــس الــرجــل الـحـمـار» يـصـل هـذا التشوه إلى ذروتـه؛ إذ يتحول الإنسان إلى كائن تـحـكـمـه الـــغـــريـــزة، بـيـنـمـا يـمـتـلـك الـــحـــمـــار وعـيـا أخلاقيا يفوق البشر. وتـتـكـرر المـفـارقـة فـي «ليلة عــرس الضباع» حيث تتحول امـــرأة شجاعة وكـفـؤة إلــى ضحية لـــرجـــال لا يـــــرون فـيـهـا ســــوى مـــوضـــوع لـلـرغـبـة. فالمرأة ترتقي أخلاقيا بينما ينحدر الرجال إلى مستوى الـغـريـزة، فـي إدانـــة لمجتمع فقد تـوازنـه الأخلاقي. أمــــا فـــي «زوجـــــة رجــــل هـــامـــشـــي»، فالصمت هنا ليس انسجاماً؛ بـل دليل على مـوت العلاقة الإنـسـانـيـة، وكـــأن المجتمع الـــذي فقد قـدرتـه على الــــحــــوار، أعــــاد إنـــتـــاج هــــذا الــعــجــز داخــــل الأســــرة نفسها. وفــــي «لــــص لــيــلــة الــجــمــعــة» تــظــهــر مــفــارقــة أخرى؛ إذ يبدو عالم اللصوص محكوما بأعراف أكـثـر صـابـة مــن المجتمع الــخــارجــي، فــي إشـــارة ساخرة إلى أن الخلل لم يعد محصورا في الأفراد، بل أصاب البنية الأخلاقية ذاتها. الثقافة في زمن الخراب: موت المعنى وتسطيح الوعي لا يقتصر الخراب على المجالين الاجتماعي والأخلاقي؛ بل يمتد إلى الثقافة نفسها. فالزيدي يرصد تراجع دور الأدب والمثقف وانحسار القيمة المعرفية للثقافة في مجتمع أنهكته الأزمات. فــــي «ابــــنــــة الـــشـــاعـــر» يـــقـــدم الــــقــــاص صــــورة شديدة المـرارة لمصير المثقف؛ فالشاعر شخصية مجهولة، ومثقلة بالديون، وعاجزة عن ترك أثر حقيقي. وتتحول البيرية المثقوبة إلى رمز لفقره المـــــادي والإبــــداعــــي مـــعـــا، بـيـنـمـا تـسـخـر الــعــبــارة المنقوشة على قبره من الميل إلى تضخيم الصورة وتعويض ضحالة التجربة بالبلاغة الفارغة. وتــــتــــوســــع هـــــــذه الــــــرؤيــــــة فـــــي «عــــرضــــحــــال بــــغــــدادي» حـــن تـصـبـح الــحــانــة مــــاذا للمثقفين وكـــتّـــاب الــعــرائــض مـعـا، فــي إشــــارة إلـــى تسطيح الوعي وانحدار الكتابة إلى مجرد مهارة شكلية، يتفوق فيها تأثير كـاتـب العريضة على المثقف الحقيقي. وفـــي «الـــــدفء تـحـت مـعـطـف غـــوغـــول» يجد الــصــحــافــي الـــــذي يقضي حــــــيــــــاتــــــه فـــــــــي مــــعــــالــــجــــة مشكلات الآخــريــن، نفسه عاجزا عن معالجة أزمته الـــخـــاصـــة، وكــــــأن المــعــرفــة فـقـدت قـدرتـهـا على إنقاذ أصحابها. أمــــــــا «فـــــيـــــل الـــقـــصـــة المـــــجـــــنـــــح» فــــيــــوجــــه نـــقـــدا مــــبــــاشــــرا لـــلـــكـــتـــابـــة الـــتـــي تستبدل الواقع بالزخرفة والـــــبـــــطـــــولات الـــوهـــمـــيـــة، مـــــــؤكـــــــدا انـــــــحـــــــيـــــــازه إلـــــى الإنسان العادي والحقيقة المرة بدلا من الاستعراض البلاغي. وهكذا تبدو الثقافة جزءا من الأزمة العامة، حيث تراجعت مكانة المثقف، وفقدت الكلمة كثيرا من قدرتها على إحداث التغيير. الجسد والهوية فـــــي «خـــــريـــــف الــــعــــانــــس» يـــتـــحـــول الــجــســد الأنـــثـــوي إلـــى سـاحـة صـــراع بــن الـرغـبـة وسلطة الأعــــراف. وتكتشف المـــرأة أن الـتـحـرر مـن القيود الخارجية أسهل من التحرر من الرقابة المزروعة في داخلها. وفي «شيء ما يلاحقني يدعى أبي» يتحول الاسم إلى علامة طائفية واجتماعية تلاحق الفرد أينما ذهـــب، فـي كشف لـتـراجـع الـهـويـة الوطنية الجامعة لصالح الهويات الفرعية المتصارعة. أمــــــــا فــــــي «عــــــرضــــــحــــــال بــــــــغــــــــدادي» فــتــبــلــغ السخرية ذروتها حين تصبح الحانة أكثر قدرة على توفير الأمــان من الوطن أو الـدولـة؛ فالمكان الهامشي يـؤدي وظيفة كان يفترض أن تضطلع بها المؤسسات الكبرى، في مفارقة تكشف حجم الاختلال الذي أصاب الواقع. تــنــجــح «عـــرضـــحـــال بــــغــــدادي» فـــي تـحـويـل الـــشـــخـــصـــيـــة الـــقـــصـــصـــيـــة إلـــــــى وثــــيــــقــــة ثــقــافــيــة واجـــتـــمـــاعـــيـــة تـــرصـــد الـــتـــحـــولات الــعــمــيــقــة الــتــي شهدها المجتمع العراقي خلال عقود من الحروب والــعــنــف؛ فـالـعـانـس والــشــاعــر والــعــامــل والـلـص والجندي الغائب والمرأة المقهورة والمثقف المنكسر ليسوا شخصيات منفصلة، بـل وجـــوه متعددة لإنسان واحد يعيش آثار الكارثة التاريخية. وتـكـشـف هـــذه الشخصيات عــن وعـــي مثقل بالإحباط الجمعي، حيث لم تعد الأحلام الكبرى ممكنة، وأصــبــح الــهــم الأســاســي هــو الـنـجـاة من اليوم الراهن. ومن خلال هذه البانوراما البشرية الواسعة، يقدم خضير فليح الزيدي تأريخا غير مـبـاشـر لـلـخـراب الــعــراقــي؛ لا عـبـر ســـرد الـوقـائـع الـسـيـاسـيـة، بــل عـبـر مــا تـركـتـه مــن خـــوف وعـزلـة وانـــتـــظـــار وانـــهـــيـــار فـــي الـــعـــاقـــات وفـــقـــدان للثقة بالمستقبل. وهكذا تتجاوز الشخصيات حدودها الفردية لــتــصــبــح اســــتــــعــــارة لمــجــتــمــع بـــأكـــمـــلـــه، وتـــتـــحـــول «عرضحال بغدادي» إلى مرثية لبغداد المعاصرة وشــهــادة أدبـيـة على إنـسـان مـا بعد الــحــرب، ذلك الإنـسـان الــذي خسر الكثير، لكنه لا يــزال يتشبث بخيط واه من الحياة والمعنى. * كاتبة عراقية *بشرى الهلالي قضايا مهمة متعلقة بتحويل الرواية للسينما «الدحو» فيلم إثارة على الشاشة؟ «الدحو»، هي الرواية الثانية للروائي السعودي عبد الله بن بخيت، الصادرة عن دار «جداول» للنشر . والحقيقة أن «الـدحـو» لـم تُــحَــوَّل 2012 ، والترجمة أو تترجم إلى فيلم كما يَدَّعي عنوان المقالة، لذا لن يـكـتـرث أحـــد (صـحـافـي أو بـودكـاسـتـي) ليطلب من مؤلفها التعليق عـلـى فيلم لــم يظهر إلـــى الـوجـود بـعـد، وقــد لا يظهر. كما أن لا أحــد يستطيع الجزم بــــأن فــيــلــم «الــــدحــــو» لـــن يــصــبــح حـقـيـقـة ذات يـــوم؛ فـيـلـم تستقبله دور السينما فــي مـدنـنـا وفـــي مـدن فـي بـلـدان أخـــرى. فعلى الـرغـم مـن تأكيد بـن بخيت نـــفـــســـه، وإصـــــــــراره عـــلـــى أن «الـــــروايـــــة كُـــتـــبـــت لـتـقـرأ فقط» - مختتما بهذه الجملة مقالته المنشورة في ) بعنوان «هوس تحويل الرواية 21-4-2026 ، (عكاظ إلـى سينما أو مسلسل تلفزيوني» - فليس هنالك مـا يمنع قانونيا دار جـــداول مـن بيع حقوق ملكية الـــروايـــة إلـــى منتج سينمائي يـنـوي ترجمتها إلـى فيلم. لـن تقف جملة بـن بخيت حينئذ أمــام انتقال روايـتـه فيلما إلـى الشاشة بعد أن تمحو الاتفاقية بين «جـــداول» والـطـرف الثاني المجهول وقـت كتابة المقالة تلك الجملة، القفلة، التي أغلق بها الباب أمام أي استثناء محتمل. «قفلة» سينمائية يثير بـن بخيت فـي مقالته جملة مـن القضايا المهمة المتعلقة بتحويل الرواية إلى فيلم، بيد أنها قضايا ومسائل استهلكت بحثا ونقاشا في مجال )، مما دفع Adaptation Studies( دراســـات التكييف باحثين ونقادا منهم د. روبرت ب. ري إلى الدعوة إلى انتشال دراسـات التكييف من الركود الرائن عليها. ومن المواضيع التي يتكرر تناولها مسألة الأمانة/ الـوفـاء للنص المـصـدر، وإعـــاء منزلة النص الأدبـي عـلـى الـفـيـلـم، والمــقــارنــة بــن الــروايــة/الــنــص المـصـدر والفيلم، وبـن تجربة تلقي كليهما. وفـي مقالة بن بخيت تــرجــح، عـلـى نـحـو لا يثير الاســتــغــراب، كفة الرواية في المقارنة كما يبدو واضحا في الاقتباسات التالية: «والأهـــم أن جوهر الـروايـة يقوم على خلق مـسـتـمـر بـــن طــرفــن لا ثــالــث لــهــمــا. إبـــــداع مـشـتـرك بــن الـكـاتـب والـــقـــارئ» فــــ«كـل قــــارئ لــلــروايــة سـوف يـشـاهـد المـــــرأة الـجـمـيـلـة فـــي الــنــص الـــروائـــي حسب رؤيـــتـــه لـلـجـمـال وثــقــافــتــه وتــجــربــتــه»، أمــــا «الـعـمـل السينمائي سيكسر هذا الخلق المستمر للجمال في الـروايـة ويرسيه على جمال الممثلة التي اختارها، فكل مَــن يشاهد الفيلم سيرى نفس المـــرأة ســواء إن كان في الرياض أو طوكيو»، «عندما تشاهد فيلما سينمائيا قـــام عـلـى روايــــة سـبـق أن قــرأتــهــا سـوف تـصـدم، فكل الشخصيات والأمــاكــن والأزمــنــة التي رأيتها فـي الــروايــة ليسوا هــؤلاء الـذيـن تـراهـم على الشاشة. في الرواية أسهمت في خلق الشخصيات، أنت الذي تخيل الأمكنة والأزمنة والأجواء». الكتاب دائما أفضل من الفيلم ليس بن بخيت وحده من يُصْدمْ، أو المسرود له الذي يقص عليه بضمير المخاطب حكاية «الهوس» الـــــذي انــتــشــر واســـتـــشـــرى فـــي الـــبـــاد وبــــن الــعــبــاد. الصدمة، وكذلك خيبة الأمل أو التوقعات، تحدثان، فــي كــل مـــرة، لـكـل مــن يـذهـب إلـــى السينما لمشاهدة فيلم مبني على روايــة، متأبطا توقعه أو حلمه في تـطـابـق الفيلم مــع الـنـص المــصــدر. ثــم يــغــادر المـكـان وهــو يتحلطم (يـغـمـغـم): «الـكـتـاب دائـمـا أفـضـل من الفيلم». بالجملة السابقة صـــدَّرت د. ليندا كوستانزو كـاهـيـر الـفـصـل الأول فــي كتابها المــوســوم بــــــــ«الأدب ». وكتبت 2006 ، في فيلم: نظرية ومقاربات تطبيقية مُــعَــلِّــقَــة عـلـيـهـا أن هـــذه الـفـرضـيـة تـعـبـر عـــن انـحـيـاز شخصي، بدرجة أكبر من كونها رأيا نقدياً، فكل فيلم مبني على مصدر أدبـي يُعَد عملا ثانوياً، وبالتالي يكون ذا قيمة ثانوية أيضاً. ولأن الأدب يحتل مَوقِعا أعلى من الفيلم في التراتبية الثقافية، يؤثر هذا على تأثير الأفـام المبنية على كتب، ما يـؤدي إلى إصابة المشاهد بالخيبة (أو الصدمة) عندما لا يطابق الفيلم ما قـرأه، غير واع لحقيقة أن القراءة نفسها ترجمة؛ حيث يترجم القارئ الكلمات إلى صور مُشَكِّلا بذلك انطباعات واضـحـة عـن العالم التخييلي فـي النص ً(رواية أو قصة). ترجمة وليس تكييفا وتُــنَــظِّــر د. كاهير أن أول خطوة في استكشاف ميزات الأفلام المبنية على نصوص أدبية تتمثل في اعتبارها (الأفلام) ترجمات للمواد المصدر، وفي فهم الفرق بين «التكييف» و«الترجمة». فالتكييف يعني إجـــراء تغيير فـي بنية ووظـيـفـة كينونة عند نقلها إلـى بيئة جـديـدة مـن أجـل بقائها وتكاثرها، بينما تـعـنـي الـتـرجـمـة نـقـل نـــص مـــن لـغـة إلـــى لـغـة أخـــرى. الترجمة عملية لغوية ينتج عنها نص جديد تماماً، كينونة مختلفة مادياً، تربطها علاقة قوية بالمصدر، لكنها مستقلة تماما عنه فـي نفس الـوقـت. وتكتب د. ليندا هتشيون في كتابها «نظرية التكييف» أن تحويل النص الأدبـــي إلــى فيلم هـو تـكـرار ولكن من دون استنساخ. ولأنـه كذلك فالتغيير حتمي، حتى مـن دون تحديث واع أو تغيير فـي المـكـان والـزمـان. ومع التغيير يأتي تعديل مواز في التكافؤ السياسي وفي معنى القصص. وباختصار مخل جدا لمقالة د. روبرت ستام في «ما وراء الوفاء: حوارية التكثيف»، يرفض ستام مفهوم الوفاء/الأمانة للنص (الأصل) كـــمـــعـــيـــار لــتــقــيــيــم الـــتـــرجـــمـــة الـــســـيـــنـــمـــائـــيـــة لـلـنـص الــســردي. ويـــرى أن كثيرا مـن الـنـقـاش حــول تحويل الــــروايــــة إلــــى فـيـلـم يـعـيـد كــتــابــة تــفــوق الــفــن الأدبــــي المسلم بـه على الفيلم، فرضية تستند إلــى عــدد من /الأقــــدمــــيــــة، فرضية أن الفنون seniority : الـتـحـيـزات /iconophobia ؛ الأقـدم هي بالضرورة أفضل الفنون رهــــاب الـــصـــور، يـعـنـي الـتـحـيـز المــتــجــذر ثـقـافـيـا بـأن الفنون البصرية في مرتبة أدنى من الفنون اللفظية؛ /حب الكلمات، التمجيد المعاكس للكلمة logophilia المـــقـــدســـة فـــي الـــنـــصـــوص الـــديـــنـــيـــة. ويـــــرى ســـتـــام أن لـغـة نـقـد تكييف الـفـيـلـم أخــاقــيــة، ممتلئة بكلمات مــثــل الــخــيــانــة، والــتــشــويــه والانـــتـــهـــاك والــتــدنــيــس، مـؤكـدا استحالة الـــوفـــاء/الإخـــاص للنص (الأصـــل) الــذي يطالب به بعض الباحثين في مجال دراســات the / التكييف التقليدية. ويسميه «كايميرا الـوفـاء » - وكــايــمــيــرا حـــيـــوان خــرافــي، chimera of fidelity وتعني مـجـازا وهـمـا، أو أمنية مستحيلة، أو فكرة غير قابلة للتحقق. الآراء الحقائق المأخذ على مقالة بن بخيت ليس فيما يطرحه من آراء ووجهات نظر، ولكن على طريقته في طرحها التي تتسم بالقطعية والإطلاقية، فهو لا يطرح آراءه مقيدة ومؤطرة بكلمات مثل أعتقد وأرى، وأظن، إنما يطلقها كـحـقـائـق مـطـلـقـة، محصنة بـــجـــدران صلدة لا ينفذ منها الخطأ أو الـشـك إليها. كما يلمس في كتابته أن «الـوحـيـد الـــذي يستطيع أن يـقـرر أن هذه الرواية تصلح للسينما هو المخرج السينمائي، هو من سيرى في هذا النص جماليات سينمائية يمكن التقاطها وإعادة تعميرها بالكاميرات والممثلين وما سـوف تــراه فـي النص السينمائي وهـي العلاقة بما كنت تقرأه في الرواية». هــــذا لــيــس صـحـيـحـا تــمــامــا ولا يـــحـــدث دائـــمـــا. حقيقة لا تتطلب معرفتها أن يكون المــرء على صلة بصناعة السينما سواء من قريب أو بعيد. ففي كثير من الأحيان، أو في معظمها، تُرَشَّح أو تُختَار الرواية الـتـي يُـــنْـــوَى الاشـتـغـال عـلـى صنعها فيلماً، ويـكـون المـخـرج آخــر مَــن يعلم، أو حتى قبل اخـتـيـاره لتولي إخــراج الفيلم. الاختيار مهمة ينهض بأدائها أفـراد عــدة أو مجموعات، المـخـرج ليس منهم بـالـضـرورة: منتجون، واسـتـوديـوهـات، ومؤلفون حـن يروجون رواياتهم، ووكـاء أدبيون، ودراماتورجية، وكشّافة كتب، أو أصدقاء. سينمائية الجملة الأخيرة أما جملته الأخيرة «الـروايـة كُتبت لتُقرأ فقط»، فإنها تنهي المقالة نهاية سينمائية، تسد الطريق أمــــام أي رأي آخـــر مـنـاقـض أو مـخـتـلـف، كـالــ«قـفـلـة/ » في الأفلام الهوليوودية الكلاسيكية، القفلة closure التي لفتت انتباه الناقدات النسويات، وحضرت في كتاباتهن وناقشن دلالاتـهـا الاجتماعية والجندرية وعـــاقـــتـــهـــا بـــتـــمـــثـــيـــات وأدوار المـــــــــرأة فـــــي الــفــيــلــم الـهـولـيـوودي الــســردي الكلاسيكي. ينبغي التنويه بـــأن الإغـــــاق خـــاص بـــالـــروايـــة الأدبـــيـــة، أو الـواقـعـيـة حسب تسميتها في مسابقة «جائزة القلم الذهبي»، التي يرى بن بخيت أن مجرد الحديث عن تحويلها إلـــى عـمـل سـيـنـمـائـي دلــيــل عـلـى «عــــدم فـهـم لطبيعة الــفــنــن المـخـتـلـفـن والأخــــطــــر هـــو الـتـقـلـيـل مـــن قيمة الرواية كجنس أدبي عظيم». أورهان باموق وكازو إيشيغورو خــــاف مـــا يـعـتـقـد بـــن بــخــيــت، أعــتــقــد أن هـنـالـك الـكـثـيـر مــن كُـــتّـــاب الـــروايـــة الأدبـــيـــة الــذيــن لا يــــرون في ترجمة رواياتهم إلـى أفــام، أو مسلسلات، تقليلا من قيمتها. للتدليل على ذلك، أذكر روائيين نوبليين اثنين تأكد ترحيبهما وفرحهما لتحويل أعمالهما إلى أفلام ومــســلــســات. الأول الــــروائــــي أورهــــــان بـــامـــوق. شـــارك باموق في كتابة سيناريو مسلسل «متحف البراءة» المبني على روايته بذات العنوان، واختار المخرجة زينب غــونــاي، وشـــارك بشخصيته الحقيقية فـي الحلقتين الأولـــى والتاسعة. والـثـانـي الــروائــي كــازو إيشيغورو مــؤلــف الـــروايـــتـــن الــلــتــن حُـــوِّلَـــتـــا إلــــى فـيـلـمـن بنفس عنوانيهما «بقايا اليوم» و«لا تدعني أذهب أبداً». ذكر إيشيغورو في حديث لصحيفة «ذا غارديان» أنه يميل إلـــى الـتـرجـمـات السينمائية غـيـر الـوفـيـة للنصوص. وشـــبّـــه روايــــاتــــه بــالأســاطــيــر أو الــحــكــايــات الـخـرافـيـة القديمة. ويعتبر إعـــادة تأويلها فُـــرَص جلسات حول النار، تُروى خلالها القصص وتُعاد صياغتها وتُنقل إلى أجيال جديدة. يفهم من كلام إيشيغورو أن تحويل أي نص سردي إلى فيلم يمنحه حياة أخرى! *كاتب وناقد سعودي *د. مبارك الخالدي مشهد من فيلم «متحف البراءة» المستوحى من رواية بالعنوان نفسه لأورهان باموق الروائي السعودي عبد الله بن بخيت ترشيح رواية للسينما مهمة ينهض بأدائها أفراد عدة أو مجموعات، المخرج ليس منهم بالضرورة
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky