سفر وسياحة تحول عدد كبير من المنازل والفلل في توسكانا الى بيوت ضيافة TRAVEL 21 Issue 17369 - العدد Thursday - 2026/6/18 اخلميس للباحثين عن عيش تجربة «المنزل اإليطالي» كيف أصبحت الفلل الخاصة خيارا مفضّال للسياح في توسكانا؟ في السنوات األخيرة، لم يعد السائح يـبـحـث فـقـط عـــن وجــهــة جـمـيـلـة يـــزورهـــا، بـل عـن تجربة متكاملة تمنحه إحساسًا بالحياة املحلية والخصوصية والـهـدوء والرفاهية فـي آن واحـــد. ومـن هنا، بـرزت الـفـلـل الـخـاصـة فــي تـوسـكـانـا كـونـهـا أحـد أبرز خيارات اإلقامة، خصوصًا للعائالت واملــــجــــمــــوعــــات الـــصـــغـــيـــرة الـــبـــاحـــثـــة عـن الــطــبــيــعــة واالبــــتــــعــــاد عــــن صـــخـــب املـــــدن، واإلحساس وكأنهم يعيشون داخـل منزل إيطالي حقيقي. وتُــــعــــد تـــوســـكـــانـــا مــــن أكـــثـــر املــنــاطــق اإليطالية التي انتشرت فيها الفلل واملنازل الـريـفـيـة الـتـي تـحـولـت إلـــى بـيـوت ضيافة تؤجَّر بالكامل ال بالغرف، وهـو ما يمنح الــــــزوار مـسـتـوى أعــلــى مـــن الـخـصـوصـيـة. فالتالل الخضراء، وكـروم العنب، ومـزارع الـــزيـــتـــون، والـــطـــرقـــات الـريـفـيـة املـتـعـرجـة، كلها عناصر تجعل اإلقامة هنا أقرب إلى العيش داخل لوحة طبيعية مفتوحة. ومن أكـثــر املـشـاهـد ارتــبــاطــ باملنطقة صفوف أشـــجـــار الـــســـرو الـطـويـلـة والـنـحـيـلـة الـتـي تـصـطـف عـلـى الـــطـــرق املـــؤديـــة إلـــى الـقـرى والفلل واملـــزارع، لتصبح جـزءًا من الهوية البصرية لتوسكانا، ومـشـهـدًا يتكرر في بطاقات البريد والصور السينمائية التي ارتبطت بالريف اإليطالي. بــــدأت الــرحــلــة مــن فـلـورنـسـا، املـديـنـة التي تُعرف بأنها مهد عصر النهضة، لكن الوجهة هذه املرة كانت نحو أعالي التالل فـــي مـنـطـقـة كـيـانـتـي الـقـريـبـة مـــن سيينا، وهــــــي مــنــطــقــة تــشــتــهــر بـــريـــفـــهـــا الــــهــــادئ وطرقها الضيقة التي تمر بني مزارع العنب والزيتون والقرى الحجرية الصغيرة. ومع االبتعاد عن الطرق الرئيسية، يبدأ اإليقاع بــالــتــبــاطــؤ تـــدريـــجـــيـــ ؛ تـخـتـفـي ضــوضــاء املدينة لتحل محلها الطبيعة املفتوحة، فيما تمتد أشجار البلوط والزيتون على جانبي الطريق، وتظهر بني الحني واآلخر بــيــوت حـجـريـة قـديـمـة تــبــدو وكــــأن الـزمـن توقف عندها منذ عقود. وعند أحد املفارق الريفية، ومن دون الفتات واضحة، يبدأ طريق ضيق تحيط به أشجار السرو يقود إلى فيال أردوري، إحـــدى أحـــدث الفلل الـخـاصـة فـي املنطقة. الــطــريــق نـفـسـه يــبــدو جــــزءًا مــن الـتـجـربـة؛ ممر ترابي هــادئ يتلوى بني الـتـ ل، قبل أن تنكشف الفيال تدريجيًا وسط الطبيعة وكـأنـهـا امــتــداد طبيعي للمشهد املحيط بها. ومــا يميز قصة املـكـان أن مؤسسيه، كريستيان سكالي وستيفن لـويـس، جاء مــن عـالـم املـحـامـاة فــي الـــواليـــات املـتـحـدة، لـكـن ارتـــبـــاط سـكـالـي بـــجـــذوره اإليـطـالـيـة أعــــاده إلـــى بــلــده األم، حـيـث قـــرر تأسيس مشروع يعكس أسلوب الحياة الذي يؤمن به. يــــقــــول ســـكـــالـــي إن الـــفـــيـــ ال تُــــقــــدَّم باعتبارها فندقًا أو منتجعًا تقليديًا، بل كـونـهـا مـنــزال عـائـلـيـ مــتـكـامـ ً، موضحًا أن الـــفــكـــرة تـــقـــوم عــلــى مــنــح الـــعـــائـــ ت أو مجموعات األصدقاء فرصة قضاء أسبوع أو أكثر في أجـواء منزلية، ولكن بخدمات تضاهي الفنادق الفاخرة. ويضيف أن ما دفعه لهذا النموذج هو فهمه ملا يبحث عنه الــزائــر املـعـاصـر: الخصوصية، والــهــدوء، والطعام الجيد، والقدرة على االسترخاء أو ممارسة الرياضة دون مشاركة املرافق مع غرباء. ويـــبـــدو ارتـــبـــاطـــه بــاملــكــان واضــحــ فــــي تــفــاصــيــل املـــــشـــــروع، مــــن الـــحـــدائــق التي يجري تطويرها لتوفير منتجات طــــازجــــة لــلــمــطــبــخ، إلـــــى الـــتـــركـــيـــز عـلـى مفاهيم االستدامة والحفاظ على البيئة، وهي عناصر أصبحت أساسية في كثير مــن تــجــارب اإلقـــامـــة الـريـفـيـة الـحـديـثـة. ويؤكد أن تأجير الفيال بالكامل لعائلة واحـــدة أو مجموعة واحـــدة فـي كـل مرة يمنح التجربة طابعًا شخصيًا ال توفره اإلقامات التقليدية. أمـــــا ســتــيــفــن لـــويـــس فــيــصــف املـــكـــان قائالً: «من الصعب التعبير عن مدى حبنا لـهـذا املــكــان. أولـويـتـنـا دائـمـ هـي الحفاظ على روح الفيال حتى يتمكن اآلخـرون من اكتشافها والوقوع في حبها أيضًا». ومنذ اللحظة األولى للوصول، يبدو الـزمـن وكـأنـه يتحرك بوتيرة أبـطـأ. هـدوء كــامــل ال يقطعه ســـوى صـــوت العصافير وحفيف األشجار، فيما تبدأ الشمس عند املــســاء بـاالخـتـفـاء تـدريـجـيـ خـلـف الـتـ ل الـبـعـيـدة، تـاركـة الـسـمـاء بــألــوان برتقالية وذهـبـيـة تنعكس عـلـى الـحـقـول املحيطة. لحظات الغروب هنا ال تبدو مجرد مشهد طبيعي، بل تعد جزءًا أساسيًا من تجربة املكان. وتــتــكــون الــفــيــ مـــن مــنــزلــ ريـفـيـ قديمني يضمان ثماني غـرف، صُممت كل واحـــدة منها بأسلوب مختلف يمزج بني الــطــابــع الــتــوســكــانــي الـتـقـلـيـدي والـــراحـــة الحديثة، فيما تحيط بهما حدائق واسعة مــــن جـــمـــيـــع الــــجــــهــــات، إلــــــى جــــانــــب بــركــة سـبـاحـة ومـــركـــز صـحـي وصـــالـــة ريـاضـيـة «تكنو جيم». وتحتل تجربة الطعام جزءًا أساسيًا من اإلقامة، حيث تُحضّر القوائم بحسب رغـبـة الـضـيـوف، ويـقـدم الـطـاهـي الخاص دروســـــ فـــي الــطــهــو اإليـــطـــالـــي الـتـقـلـيـدي. ومــــــــن الـــــتـــــجـــــارب الـــــ فـــــتـــــة تـــعـــلـــم إعــــــــداد «التورتيلليني» على الطريقة التوسكانية باستخدام مـكـونـات بسيطة تعتمد على الـدقـيـق والـبـيـض واملــــاء فـقـط. كـمـا يوجد فرن بيتزا خارجي يقدّم من خالله الطهاة املــحــلــيــون أنــــواعــــ مــتــنــوعــة مـــن الــبــيــتــزا، بــعــضــهــا بـــطـــرق مــبــتــكــرة تــــراعــــي أنـظـمــة غـــذائـــيـــة مـخـتـلـفـة دون أن تــفــقــد نكهتها اإليطالية التقليدية. وال تـقـتـصـر الــتــجــربــة عــلــى الــطــعــام، إذ تُــنــظــم جــلــســات يـــوغـــا وبــيــ تــس على التراسات املطلة على الحقول، إلى جانب جلسات تدليك وعالجات استرخاء تُصمم حــســب احـــتـــيـــاجـــات كـــل ضـــيـــف، فـــي إطـــار مفهوم شامل للعافية يجمع بـ الجسد والطبيعة. ومــــــن األنــــشــــطــــة الــــتــــي تـــعـــكـــس روح املـــنـــطـــقـــة، جــــــوالت الـــبـــحـــث عــــن الــنــبــاتــات البرية والفطر، ورحالت البحث عن الكمأة خالل فصل الخريف، حني تتحول غابات تـــوســـكـــانـــا إلـــــى مـــســـاحـــة غــنــيــة بـــاملـــواســـم الطبيعية. وتُــقـاد هـذه الـجـوالت بواسطة مـرشـديـن بيئيني محليني يـجـمـعـون بني املعرفة العلمية وسرد تاريخ األرض، قبل أن تتحول املكونات التي يتم جمعها إلى أطباق تُقدَّم داخل الفيال، في تجربة تربط بني الطبيعة واملائدة بشكل مباشر. وفـــــي إطــــــار الـــتـــوجـــه الــبــيــئــي، تـعـمـل الفيال على مشاريع لتقليل استهالك املياه واالعـــتـــمـــاد عــلــى الـــطـــاقـــة الــشــمــســيــة، إلــى جانب استبدال أنظمة التدفئة التقليدية بمضخات حرارية كهربائية أكثر كفاءة، ضمن رؤيـة أوسـع لالستدامة في تشغيل هذا النوع من اإلقامات. وهـــكـــذا، ال تــبــدو الـفـلـل الــخــاصــة في توسكانا مجرد بديل للفنادق، بل نموذجًا مختلفًا للسفر يـقـوم عـلـى الـعـيـش داخــل املـــكـــان ال مـــجـــرد زيــــارتــــه، وعـــلـــى تـحـويـل اإلقـــــامـــــة نــفــســهــا إلــــــى جــــــزء أســــاســــي مـن التجربة السياحية. ويـكـتـمـل هــــذا الــشــعــور الـــدافـــئ الـــذي يـــرافـــق الــضــيــوف طـــــوال إقــامــتــهــم بفضل فريق العمل الــذي يدير التجربة اليومية بـــعـــنـــايـــة وهــــــــــــدوء، وعــــلــــى رأســــــــه املــــديــــر فــرانــتــشــيــســكــو، الـــــذي يـــحـــرص عــلــى أدق الــتــفــاصــيــل بــــــروح ودودة تــجــعــل الـــزائـــر يشعر منذ لحظة الوصول وكأنه في منزله الـخـاص. فبابتسامته الـدائـمـة واهتمامه الشخصي بالضيوف، تحول اإلقامة إلى تجربة إنسانية هادئة بقدر ما هي إقامة فاخرة، ليغادر الزائر وهو يحمل إحساسًا بـالـراحـة وذكـــريــات تـدفـعـه غـالـبـ للتفكير بالعودة مرة أخرى. كيانتي (إيطاليا): جوسلين إيليا بيوت قديمة تحولت إلى منازل سياحية (الشرق األوسط) إقبال شديد على اإلقامة المنزلية خالل السفر (الشرق األوسط) إقامة مريحة للصغار قبل الكبار (الشرق األوسط) رحالت مخصصة للراحة ومحاكاة الطبيعة (الشرق األوسط) الطعام يحضر بحسب رغبة الزوار (الشرق األوسط) جلسات خارجية في كنف الطبيعة (الشرق األوسط) أشجار السرو الشهيرة في توسكانا (الشرق األوسط)
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==