Issue 17369 - العدد Thursday - 2026/6/18 اخلميس كتب BOOKS 17 رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي» مـــن خــلــف عـــدســـة صــنــعــت كـثـيـرًا من ذاكرة الدراما السورية، يطل حاتم علي في كتاب «رسائل من حاتم علي إلى دلع الرحبي» بصوت آخـر، صوت العاشق الذي يكتب بخط يده، والفنان الـذي يبوح بقلقه وأحـامـه، واإلنسان الذي يرى في الحب شراكة فكر وحياة ال عاطفة عابرة. عـن 2025 الـــكـــتـــاب الــــصــــادر عـــــام «دار كــــنــــعــــان» لـــــلـــــدراســـــات والـــنـــشـــر صـــفـــحـــة، يـفـتـح 512 فــــي دمــــشــــق، فــــي نـافـذة على جـانـب وجــدانــي وفـنـي من شخصية املخرج واملمثل الراحل حاتم عـلـي، الـــذي عـرفـه الـجـمـهـور مــن خلف الـكـامـيـرا بهندسته املـتـقـنـة للمشهد، وأمامها ممثلً، فيما تكشف رسائله إلـى الكاتبة السورية دلـع الرحبي عن عالم حميم يتقاطع فيه الحب مع الفن، والسيرة الشخصية مع أسئلة املسرح والدراما والقضية. وتـــقـــوم خـصـوصـيـة الــكــتــاب على أنه ال يقدم رسائل حب فقط، بل يرسم مـــامـــح ســـيـــرة غـــيـــر اعـــتـــيـــاديـــة لـفـنـان فــي بــدايــاتــه، قـبـل أن يـعـرفـه الجمهور مخرجًا ألعـمـال تـركـت أثـــرًا عميقًا في الــذاكــرة الـسـوريـة والعربية، ففي هذه الــرســائــل يـظـهـر حــاتــم عـلـي شــابــ في مــقــتــبــل الـــعـــمـــر، مــنــشــغــا بــتــدريــبــات املــــســــرح فــــي املـــعـــهـــد الـــعـــالـــي لـلـفـنـون املـسـرحـيـة، يكتب إلـــى دلـــع الـرحـبـي ال لـيـحـكـي تــفــاصــيــل يـــومـــه فــحــســب، بل ليشاركها خطواته األولى في الطريق إلى الفن. وتـــــبـــــدو دلــــــع الــــرحــــبــــي فـــــي هـــذه الـــرســـائـــل شــريــكــة فــكــر وحـــلـــم، تتلقى الـــحـــب بــعــقــل الـــكـــاتـــبـــة املــثــقــفــة وقــلــب الـــعـــاشـــقـــة، وتـــتـــابـــع مــــا يــصــنــع خـلـف الكواليس من قلق واجتهاد وطموح، ومــــن هــنــا يــتــحــول الـــبـــوح الـشـخـصـي إلى وثيقة وجدانية وفنية، تكشف عن كيف بــدأ وعــي حـاتـم علي يتشكل من املسرح، بوصفه «أبو الفنون»، قبل أن يصبح واحـــدًا مـن أبــرز صناع الـدرامـا السورية. كتب مقدمة الكتاب الفنان جمال ســلــيــمــان، الـــصـــديـــق املـــقـــرب لـلـعـائـلـة، مشيرًا إلــى أن «الـكـتـاب وثيقة ثقافية أدبية تحكي قصة حب استثنائية بني حاتم علي ودلع الرحبي، ال تتكون من فصل أو فصلني كما جـرت الـعـادة، بل من أربعة فصول، تعود إلـى البدايات فــي املـعـهـد الـعـالـي لـلـفـنـون املسرحية وصوال إلى مرحلة الزواج». واعــتــبــر سـلـيـمـان أن الــكــتــاب هو الـــنـــقـــطـــة األخـــــيـــــرة فـــــي مـــرحـــلـــة «أدب الـرسـائـل» التي امـتـدت ملئات السنني، آخــذًا الـقـارئ فـي رحلة إلـى زمـن يمزج بـــــ الـــــشـــــأن الـــشـــخـــصـــي واملــــســــرحــــي والدرامي، عبر يوميات وثقها الراحل في رسائله». تـــأخـــذ رســــائــــل حـــاتـــم عـــلـــي بــعــدًا وجـــدانـــيـــ وفـــنـــيـــ ؛ إذ يــعــبّــر فــيــهــا عن حب روحي يتجاوز ومضات العاطفة الــســريــعــة، لــيــبــدو أقـــــرب إلــــى مــشــروع حياة قائم على املشاركة والثقة، وقد مزج فيها بني حساسية الفنان الشاب، ولــــغــــة املــــتــــأمــــل، ووعـــــــي املــــبــــدع الــــذي يـــدرك أن الـفـن ال ينفصل عـن التجربة اإلنسانية. وتكتسب الرسائل أهميتها أيضًا ألنـهـا كتبت بخط الـيـد، قبل أن تغزو وســــائــــل االتــــصــــال الـــحـــديـــثـــة عـــاقـــات الـــــنـــــاس ومـــــشـــــاعـــــرهـــــم، لـــــذلـــــك تــحــمــل صـفـحـاتـهـا مـتـعـة االنـــتـــظـــار، ورائـــحـــة الـــــــورق، ودفء الـــيـــد الـــتـــي كــتــبــت، في امـتـداد لسلسلة «أدب الـرسـائـل» التي عرفتها الـثـقـافـة الـعـربـيـة، مــن رسـائـل جــبــران خـلـيـل جــبــران إلـــى مــي زيــــادة، ورســـــائـــــل غـــســـان كـــنـــفـــانـــي إلـــــى غــــادة السمان، وغيرهما. مـن خــال الـرسـائـل، يمكن تلمس بدايات عقود من إبـداع حاتم علي؛ إذ تبدو خشبة املسرح منطلقًا أول لصقل موهبته في اإلخراج والتمثيل، وركيزة لــصــنــاعــة مـــخـــرج قــــــدّم الحـــقـــ أعـــمـــاال درامـــيـــة خـــالـــدة فـــي الــــدرامــــا الــســوريــة االجتماعية، وعكست صـــورة العائلة بكل دفئها. كما تحضر في الرسائل القضية الفلسطينية، متداخلة مـع تـأثـر علي بــرســائــل غــســان كـنـفـانـي، ومعايشته لــبــيــئــة املـــخـــيـــمـــات الــفــلــســطــيــنــيــة فـي دمشق، وهو ما يفسر الزخم اإلنساني والـفـنـي الـــذي ظهر الحـقـ فـي إخـراجـه مسلسل «التغريبة الفلسطينية»، ذلك العمل األيقوني الذي حمل ألم التهجير وضـيـاع الهوية والحنني إلــى الـوطـن، ونقل الـوجـدان العربي إلـى مـدن حيفا وعكا وذاكرة فلسطني. صحيح أن الـكـتـاب رســائــل حـب، لــكــنــه فـــي الـــوقـــت نــفــســه يـــســـرد سـيـرة فنان من خطواته األولى، قبل أن يعرف العالم ذلك املخرج املبدع، فهو يصور االجتهاد والعمل والقلق واألحلم. دمشق: «الشرق األوسط» 1979 المؤرخ كاتوزيان يقدّم إعادة صياغة للسردية التاريخية التي قادت لثورة إيران.. عندما يتحوّل التمرد ضد الطغيان إلى طغيان جديد فـــــي فــــضــــاء الـــتـــفـــكـــيـــك الــفــلــســفــي لـــظـــاهـــرة الــــدولــــة واملـــجـــتـــمـــع، تــتــحــرَّك ،»2026 القراءة املُعمَّقة لـ«إيران والثورة لــلــمــؤرِّخ هـمـا كـــاتـــوزيـــان، حـيـث يعيد صياغة السردية التاريخية التي انتهت عبر منظور يربط 1979 إلى ثـورة عام بني هشاشة البنى املؤسسية والنزوع الـسـلـطـوي املـتـعـاقـب، مـتـجـاوزًا الـطـرح االخــتــزالــي الــــذي يـــرى فــي أحــــداث تلك الحقبة مـجـرد صـعـود فـجـائـي للتيار الـديـنـي، لـيُــقـدِّم بـــدال مـن ذلــك أطـروحـة سوسيولوجية ونفسية معقدة تبحث في جذور االنقطاع التاريخي واملفهوم املـثـيـر لـلـجـدل الــــذي يسميه «املجتمع قصير املدى». تُستمَد القوة النظرية للكتاب من الــتــقــاطــه األوهــــــام الـبـنـيـويـة املـشـتـركـة بني األنظمة الشمولية املختلفة، مبينًا كـــيـــف تــلــتــقــي راديــــكــــالــــيــــة الـــــدولـــــة مـع الـراديـكـالـيـة اآليـديـولـوجـيـة املـعـارضـة فــــي نــقــطــة إنــــكــــار الــــواقــــع املــجــتــمــعــي، ومـبـرزًا التناقض الجوهري بني رغبة السلطات املتعاقبة في الضبط املطلق، ونزوع املجتمع الطبيعي نحو التَّعدُّد والتشظي خارج أطر التوجيه القسري. يتتبع كــاتــوزيــان بـكـفـاءة عالية، وعبر لغة تجمع بني التجريد الفلسفي والـتـوثـيـق الـتـاريـخـي، فــتــرات الـتَّــحـوُّل الكبرى فـي الـتـاريـخ اإليــرانــي الحديث ،1941 بـــدءًا مـن سـقـوط رضــا شــاه عــام مــــرورًا بــاالنــقــاب عـلـى حـكـومـة محمد ، وصوال إلى اللحظة 1953 مصدق عام الـشـمـولـيـة - املــســتــمــرة - الــتــي تـوجـت أحداث السبعينات. وفـي تفكيكه لــ«الـثـورة البيضاء» التي قادها الشاه محمد رضا بهلوي، يُــــــحــــــدِّد املـــــفـــــارقـــــة فــــــي أن الـــتـــحـــديـــث املـــادي املــفــروض مـن األعــلــى، واملتمثِّل فـــــي شَـــــــق الـــــطـــــرق وبـــــنـــــاء الـــجـــامـــعـــات وتطوير الجيش، واكبه تجريف كامل لـلـمـؤسـسـات الـسـيـاسـيـة الـــقـــادرة على اســتــيــعــاب الــتــعــدديــة، وهـــضـــم قــنــوات التعبير الشرعية. يـــنـــكـــشـــف لـــلـــمـــتـــأمـــل فـــــي فـــصـــول الــــكــــتــــاب مـــنـــطـــق الـــتـــفـــســـيـــر الــفــلــســفــي لظاهرة االستبداد، حيث يؤصل لفكرة أن السلطة املطلقة تحمل في أحشائها بــــــذور فــنــائــهــا الـــســـريـــع بــفــعــل الــعــزلــة النفسية الـتـي تفرضها عـلـى الـحـاكـم، ويـــــصـــــف كــــيــــف أدَّى ســـــلـــــوك الـــــدولـــــة البهلوية القائم على التسيير األحادي واالعـتـمـاد على جـهـاز «الــســافــاك» إلى نشوء قطيعة شعورية ونفسية هائلة بــــ الـــحـــكـــم والـــــنـــــاس، لــــدرجــــة جـعـلـت املجتمع يـرفـض االعـــتـــراف بـــأي منجز مادي تُقدِّمه له السلطة. يـتـيـح هــــذا املـــنـــظـــور لـــلـــقـــارئ فهم بــوصــفــهــا انــفــجــارًا 1979 الــــثــــورة فـــي مجتمعيًا شــامــا شــاركــت فـيـه الـقـوى الليبرالية واليسارية والقومية جنبًا إلـــــــى جــــنــــب مـــــع رجــــــــال الــــــديــــــن، حــيــث توحَّدت هـذه األطياف املتناقضة على هـــدف هـــدم الـبـنـيـة الـقـائـمـة، غـافـلـة في الــوقــت ذاتـــه عــن طبيعة الـبـديـل املقبل ومــــــــآالت الــــتــــمــــرُّد األعــــــــزل عــــن الـــوعـــي املؤسسي. يــــتــــجــــلــــى عـــــمـــــق الــــتــــحــــلــــيــــل عـــنـــد مناقشة التداعيات الدولية واإلقليمية الـتـي أعـقـبـت لحظة الـتـحـول الشاملة، خــصــوصـــ حــــادثــــة احـــتـــجـــاز الــرهــائـــن فـــي الــســفــارة األمــيــركــيــة الــتــي يصفها املـــؤلـــف بـــالـــحـــدث الـــكـــارثـــي الـــــذي دفــع بالبلد نحو عزلة دولية خانقة وعزَّز مــــن قــبــضــة الـــراديـــكـــالـــيـــة الـــديـــنـــيـــة فـي الداخل، ويوثق الكيفية التي استغلت بـــهـــا الـــســـلـــطـــة الــــجــــديــــدة هــــــذا املـــنـــاخ االستثنائي، مضافًا إليه ظرف الحرب الـطـويـلـة مــــع الـــــعـــــراق، لـــفـــرض عـمـلـيـة أسلمة قسرية وشاملة للحياة العامة وتطهير املؤسسات من العناصر غير املتماهية مع اآليديولوجيا الرسمية. هــــذه الــــقــــراءة الـفـلـسـفـيـة لطبيعة السلطة الـثـوريـة تكشف كيف يتحوَّل الـتـمـرد عـلـى الـطـغـيـان، فــي غـيـاب أطـر قانونية راســخــة، إلــى صياغة طغيان جـديـد يستعير أدوات القمع السابقة ويــغــلــفــهــا بـــقـــداســـة غــيــبــيــة، مـــا يـــؤدي بالضرورة إلى إعادة إنتاج االستبداد بــمــســوغــات مـيـتـافـيـزيـقـيـة أشــــد وطـــأة على الوعي الفردي والجمعي. تتبدى في املقابل جوانب ضعف منهجية واضــحــة تـحـد مــن قـــدرة هـذا الــعــمــل عــلــى تــقــديــم دلـــيـــل مــوضــوعــي مـــطـــلـــق لـــفـــهـــم الــــــراهــــــن اإليـــــــرانـــــــي. إذ يسقط املؤلف في فخ االنحياز الفكري املــــســــبــــق عــــنــــد مـــعـــالـــجـــتـــه الـــســـيـــاســـة الـــخـــارجـــيـــة املــــعــــاصــــرة لــلــجــمــهــوريــة اإلســـامـــيـــة، حــيــث يـتـجـلـى فـــي ثـنـايـا تحليله ميل لتحميل القوى الخارجية املسؤولية الكاملة عـن تعثر املساعي الدبلوماسية وأزمات الشرق األوسط، مغفل الـــدور البنيوي لآليديولوجيا التوسعية للنظام نـفـسـه. هــذا الخلل فــــي الـــــتـــــوازن الــتــحــلــيــلــي يــضــعــف مـن رصــــانــــة األطـــــروحـــــة الــفــلــســفــيــة حـــول املــســؤولــيــة الــســيــاســيــة واملـجـتـمـعـيـة، ويـجـعـل الـــقـــراءة الـسـيـاسـيـة لـأحـداث األخــــيــــرة تـــبـــدو مــفــتــقــرة إلـــــى الــحــيــاد األكـــــاديـــــمـــــي الــــــصــــــارم، مـــتـــغـــافـــلـــة عــن حـــقـــيـــقـــة أن الــــتــــطــــرف يــــغــــذي بــعــضــه بــعــضــ فـــي حــلــقــة مـــفـــرغـــة مـــن الـعـنـف املتبادل والصراع على مجاالت النفوذ الحيوي. يــؤخــذ عـلـى الـكـتـاب كــذلــك وقـوعـه في التعميم التاريخي املفرط من خلل تمديد مفهوم «املجتمع قصير املدى» - وهي النظرية التي يستخدمها املؤلف لـــوصـــف تـــكـــرار هــــدم الــبـنــاء املـؤسـسـي بـالـكـامـل، ثـم إعــــادة تشييده مـن جديد على نحو يمنع تراكم اإلنـجـاز القومي - ليشمل فــتــرات الـتـحـول الـكـبـرى كافة فـــي إیــــــران. وبـيـنـمـا يــبــدو هـــذا املـفـهـوم فلسفيًا وجــذابــ مـن الناحية النظرية، فــــإنَّــــه يــتــنــاســى الـــخـــصـــائـــص الـــفـــريـــدة والـــتـــعـــقـــيـــدات الــســوســيــولــوجــيــة الـتـي مــيَّــزت كــل حقبة عـلـى حــــدة، كاختلف الـــديـــنـــامـــيـــات بـــ الــــثــــورة الــدســتــوريــة . يضاف 1979 وثورة 1906 اإليرانية عام إلــى ذلــك اخــتــزال دور الثقافة الشيعية العميقة التي شكلت الـوجـدان الشعبي الــثــائــر، والــتــركــيــز الـــزائـــد عـلـى سـرديـة املجموعات السياسية الهامشية بـدال من تشريح اللحظة الثورية ذاتها. مــع ذلــــك، كــتــاب كــاتــوزيــان وثيقة فــــكــــريــــة بــــالــــغــــة األهــــمــــيــــة تـــحـــفـــز عـلــى الـــتـــفـــكـــيـــر الـــنـــقـــدي فــــي مـــصـــائـــر األمــــم التي تعيش تحت وطــأة التجاذب بني التحديث السطحي واألصالة املنغلقة، وبـــــ املـــطـــرقـــة والــــســــنــــدان فــــي صــــراع اآليديولوجيات املتطرفة. ويــــنــــجــــح الــــعــــمــــل فـــــي إثـــــبـــــات أن الشرعية السياسية قيمة معنوية تولد مـن رحــم العقد االجـتـمـاعـي الحقيقي، ويـــســـتـــحـــيـــل تـــصـــنـــيـــعـــهـــا عــــبــــر الــــقــــوة العسكرية أو فرضها بواسطة األجهزة األمنية. لذلك فاإلضافة األساس لهذي املراجعة التاريخية تكمن في التذكير بـأن الصراع املستمر في إيــران، والـذي يـتـجـسـد فـــي االحـــتـــجـــاجـــات الـشـعـبـيـة املتكررة وحـركـات الرفض املتصاعدة، هــو فــي جــوهــره كــفــاح طــويــل مــن أجـل اســــتــــعــــادة املـــجـــتـــمـــع صــــوتــــه الــــذاتــــي، وإجــبــار الــدولــة عـلـى الـخـضـوع ملنطق املساءلة اإلنسانية والقانونية، بعيدًا عن أوهام الخلص الثوري الزائف. ندى حطيط هما كاتوزيان الكتاب وثيقة فكرية تحفز على التفكير النقدي في مصائر األمم التي تعيش تحت وطأة التجاذب بين التحديث السطحي واألصالة المنغلقة بدأها محمد علي وتصاعدت مع تولي أسرته الحكم معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر ، أصــــــــــدر والــــــــــي مــصــر 1838 فــــــي عــــــــام والسودان محمد علي باشا أمرًا إلى حكمدار الـــســـودان يـطـلـب مـنـه الــكــف عـــن مـنـح العبيد والــــجــــواري إلــــى الــجــنــود كــمــرتــبــات وهـــدايـــا، مـن العبيد 500 كما أمــر بـإطـاق ســـراح نحو الذين أسرهم أحمد باشا أبـو ودان، حكمدار الــــســــودان، وأمـــــر بــإنــشــاء مـسـتـعـمـرة زراعـــيـــة على النيل األزرق إليجاد عمل مناسب ملن لم يستطع مـن هـــؤالء العبيد الــعــودة إلــى بـاده األصلية. هــذا مـا يـرصـده الباحث نـاجـي غـابـة في كـتـابـه «الــــرق ومـقـاومـتـه فــي مـصـر فــي الـقـرن الــتــاســع عـــشـــر»، الـــصـــادر عـــن «دار الــعــربــي» فـي الـقـاهـرة، إال أنــه يذكر أنــه مـن الـواضـح أن «الباشا» لم يقتنع على اإلطلق بإلغاء تجارة الرقيق ملـا ســوف ينتج عـن ذلــك مـن مشكلت ملشروعه التنموي، وسيُحرم من مـورد مالي مهم يتمثل في الجمارك املفروضة على العبيد املجلوبني من السودان. ومــــع وصـــــول سـعـيـد بـــاشـــا لـلـسـلـطـة في ، تبدلت األمـــور، حيث يعتبر 1853 مصر عـام سعيد أول حـاكـم مصري يــــــــفــــــــرض حــــــــظــــــــرًا جـــــــــادًا عـــلـــى هــــــذه الـــــتـــــجـــــارة، إذ أصــــــدر أمــــــرًا إلـــــى املـفـتـش الـــعـــام لـلـوجـه الـقـبـلـي في ديـسـمـبـر (كـــانـــون األول) بمنع دخول العبيد 1854 إلــــى مــصــر مـــن الـــســـودان، كـمـا صـــدرت أوامــــر أخــرى مـــشـــابـــهـــة إلــــــى كـــثـــيـــر مـن املـــديـــريـــات واملــحــافــظــات، وكذلك إلـى جمرك أسـوان وإلى ديوان املالية. نـــصـــت هـــــذه األوامــــــر عــلــى إعــــــادة مـــن يــــرد إلــى مــــصــــر مـــــن الــــســــودانــــيــــ بــــــغــــــرض الـــــبـــــيـــــع ذكـــــــــورًا أو إنـــاثـــ إلــــى بـــادهـــم مـــع تـــدشـــ مـــا سُــمـي بـالـبـولـيـس الـنـهـري فــي الـــســـودان لـلـتـأكـد من خـــلـــو الـــســـفـــن مــــن الـــرقـــيـــق املـــجـــلـــوبـــ ملـصـر وإنـشـاء نقطة تفتيش عند «فــاشــودة» كانت مهمتها تفتيش كـل املـراكـب اآلتـيـة إلـى النيل األبيض واالستيلء على أي رقيق مهرب. لم تهتم إنجلترا على املستويني الرسمي والـشـعـبـي بــاملــوضــوع، حـيـث كـانـت مشغولة بقضية إلغاء الرق في أميركا التي كانت تمر بمرحلة حرجة وحاسمة في تلك الفترة. أما السلطان العثماني فقد بـدأ من جانبه فرض حظر على هــذه الـتـجـارة فـي فـبـرايـر (شـبـاط) ، وعلى أثرها أرسل فرمانًا لسعيد باشا 1857 يعلمه بـوجـوب إلـغـاء هـذه الـتـجـارة، ومنعها منعًا مطلقًا، وتنفيذ ذلك خلل مهلة أقصاها سـتـة أسـابـيـع، وأنـــه بـعـد انـقـضـاء هـــذه املهلة فإن الرقيق املجلوب إلى مصر يطلق سراحه ويعاد لبلده. وأوضـــح أنــه إذا قــام «الــجــاب» بإحضار رقـيـق مــرة ثانية يعاقب بالسجن ملــدة سنة، وإذا تكرر منه ذلك تُرفع العقوبة إلى الحبس ملــــدة ســنــتــ . ومــنــح هــــذا الـــفـــرمـــان حـــق سفن األســـطـــول الــحــربــي الـعـثـمـانـي ضــبــط الـسـفـن وتفتيشها وعتق من فيها من األرقاء وإرسال التجار إلى اآلستانة ملحاكمتهم هناك. تقدم الكثير من التجار بشكاوى للوالي مـفـادهـا أن معيشتهم كـانـت قائمة على هذه الـتـجـارة، وأن هــذا ســوف يعرضهم لخسائر كبيرة. وحــــ تــبــوأ الــخــديــو إســمــاعــيــل الــواليــة انضم إلى حركة العاملني على تحرير الرقيق، كـــمـــا حـــــدث مــــع الـــرئـــيـــس األمـــيـــركـــي إبــــراهــــام لينكولن، فبذل جهودًا مكثفة في هـذا املجال بدأها في العام الذي تولى فيه الحكم فأرسل إلــــى حــكــمــدار الــــســــودان حـــمـــدي بـــاشـــا يــأمــره بتعقب تـجـار الـرقـيـق لقطع دابـــرهـــم، فصدع 70 الـحـكـمـدار لــأمــر وكــانــت الـنـتـيـجـة ضـبـط ســفــيــنــة مــحــمــلــة بـــــاألرقـــــاء الــــذيــــن تــــم إطــــاق سراحهم وإعادتهم لبلدهم، واعتقال التجار الــذيــن لــم يـفـرج عنهم إال بـعـد أن أقــــروا بعدم العودة للنخاسة مرة ثانية. حـتـى ذلـــك الـــوقـــت، لــم يـكـن هــنــاك قـانـون يعاقب التجار الـذيـن يتم ضبطهم بالرقيق، حــيــث كــــان يـكـتـفـى بـــمـــصـــادرة مـــا مــعــهــم من صدرت أولى العقوبات 1864 العبيد، وفي عام تـجـاه «الــجــابــة»، وهـي الـسـجـن ملـدة شهرين حـال ضبطهم بـأي رقيق وارد ملصر. ووقعت الـعـقـوبـة عـلـى سـتـة مـــن «الـــجـــابـــة» الـــذيـــن تم ضبطهم بمنطقة «أثر النبي»، جنوب القاهرة، بينما ارتـفـعـت الـعـقـوبـة لـسـتـة أشــهــر لـرجـال اإلدارة املتهاونني في محاربة تجارة الرقيق. أجـــــريـــــت مــــفــــاوضــــات 1877 وفـــــــي عـــــــام شــاقــة ومـضـنـيـة بـــ مـصـر وإنــجــلــتــرا، حيث أرادت األخــيــرة توسيع نـفـوذهـا فـي أفريقيا، خصوصًا فـي املـنـاطـق الـجـديـدة الـتـي سيطر عليها إسـمـاعـيـل، بينما أردات مـصـر كسب اعـــتـــراف إنـجـلـتـرا بـحـقـوق الــســيــادة املـصـريـة على سـاحـل بــاد الـصـومـال حتى نهر جوبا جنوبًا. وفي أعقاب موافقة إنجلترا في مارس على أن تشمل السيادة املصرية 1877 ) (آذار ساحل الصومال، تم عقد معاهدتني؛ إحداهما خـاصـة بالتعاون 1877 ) أغسطس (آب 4 فـي بني الطرفني في محاربة تجارة الرقيق. وافق الخديو إسماعيل على عقد املعاهدة برغم التعنت الشديد من قبل رجال الدين في مصر، فقد عارضه في ذلك مفتي الديار بزعم أن االتفاقية مخالفة للشريعة، ولكن إسماعيل لــــم يــــأبــــه بـــاعـــتـــراضـــه بـل عزله من منصبه. وفـــــــــــــــــــــــــي يـــــــــونـــــــــيـــــــــو أنـــشـــأ 1880 ) (حـــــــزيـــــــران الخديو توفيق «مصلحة إلــــــــغــــــــاء الــــــــــــــــــرق»، وعُــــــــ لــــــرئــــــاســــــتــــــهــــــا الـــــكـــــونـــــت ديــــا ســــاال الـــــذي اشــتُــهــر بــحــمــاســتــه فــــي مــحــاربــة هـــذه الــتــجــارة وكــــان أحـد كـبـار الـضـبـاط الـكـبـار في حرب املكسيك، كما ابتكر خـــطـــطـــ فــــعــــالــــة ملـــحـــاربـــة قوافل الرقيق التي توقفت معظمها بسب إجــراءاتــه القوية. أمــا فـي فـتـرة الـثـورة العرابية، فقد شن قادة الثورة حملة ضارية ضــــد تـــجـــار الـــرقـــيـــق، وقـــــد أعـــلـــن عــــرابــــي أنـــه «لــيــس فــي مـصـر مــن يـــود أن يــكــون لــه عبيد غير أمـــراء بيت الـخـديـو والـبـاشـوات األتـــراك الذين تعودوا على استعباد املصريني، وأن اإلصــاحــات الـجـديـدة ســوف تـوجـد املـسـاواة بني الناس مهما اختلفوا في الجنس واللون والدين». واتخذت الحكومة الثورية عـدة خطوات عملية في هذا املجال بدأت بحملة جماهيرية تزعمها عبد الله النديم بهدف تكوين جمعية سميت بـ«جمعية األحـــرار الـسـودانـيـ » كان هــدفــهــا مـــســـاعـــدة األرقـــــــاء املـــحـــرريـــن وتـقـديـم املعونات لهم. بعد أشهر قليلة من تولي عباس حلمي الحكم، وافق على إنشاء بعض املراكز ملتابعة حـــركـــة تـــجـــارة الــرقــيــق لــتــكــون بـمـثـابـة نـقـاط حراسة على الساحل الغربي للبحر األحمر، جنيه مصري، 600 وبلغت تكاليف إنشائها وتــــم تـكـلـيـف الــبــكــبــاشــي لـــوتـــون اإلنــجــلــيــزي مايو 20 الجنسية لقيادتها، كما أصـــدر فـي أمرًا بإبطال استخدام الرقيق في 1892 ) (أيار املـقـاهـي واملــحــات العمومية مــراعــاة لـــ داب العامة. نـوفـمـبـر (تـشـريـن 12 وتـعـتـبـر مــعــاهــدة مـكـمـلـة لــلــمــعــاهــدة الــســابــقــة، 1895 ) الـــثـــانـــي حــيــث ال تـخـتـلـف عــنــهــا كـــثـــيـــرًا، وتـــزيـــد فقط فـي أنـهـا نصت على منع الـتـجـارة فـي جميع أنواع الرقيق، بما في ذلك املماليك والجواري الـــبـــيـــض، كـــمـــا أضـــيـــف إلـــيـــهـــا مــلــحــق يـتـعـلـق بـــــاإلجـــــراءات الـتـفـصـيـلـيـة املـخـتـصـة بـتـجـارة الرقيق، سواء البائعني أو املشترين. نوفمبر من العام نفسه، صدرت 21 وفي مذكرة تفسيرية يتضح منها تشديد العقوبة على جالبي الـرقـيـق إلــى مــدة تــتــراوح مـا بني خمسة أشهر وخمس سنوات. نتيجة لهذه الـقـوانـ الـصـارمـة ونشاط رجال مصلحة منع تجارة الرقيق، انحصرت تـــجـــارة الـــرقـــيـــق فـــي مـــصـــر، ولــــم يــتــبــق منها سوى آثـار قليلة في السودان، ولذلك احتوت اتفاقية «الوفاق للسودان» املوقعة بني مصر 1899 ) يناير (كانون الثاني 19 وبريطانيا في عــلــى مـــــادة نــصــت عــلــى مــنــع تـــجـــارة الــرقــيــق بالسودان وإزالة ما تبقى من آثاره. القاهرة: رشا أحمد
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==