Issue 17369 - العدد Thursday - 2026/6/18 اخلميس OPINION الرأي 14 السيولة السياسية... والهامش الذي يضيق الكاتب السياسي بـات أشبه بمعلق مباراة كرة قدم مشتعلة، يلهث مع الالعبني نفَسًا بنفَس، ال يكاد يجد فرصة اللتقاط األنفاس، يلهث وراء أحداث متسارعة تهدد املجتمع الدولي من أساسه التشريعي والقانوني، كلما أراد أن يتوقف عند ظــاهــرة يـريـد أن يحلِّلها، تطالعه أخـــرى تطغى عليها، وتغرقها في طوفان األخبار. يـتـسـاءل: هــل يكتب عـمـا جـــرى فــي غـــزة؟ أم عـــن لـبـنـان املــخــتــطَــف؟ أم عـــن مـــأســـاة الـــســـودان؟ أم عـــن أوكـــرانـــيـــا وروســــيــــا الــشــقــيــقــتــ ؟ أم عن مضيق هرمز والعبث بـاملـمـرات الـدولـيـة؟ أم عن «أرض الـــصـــومـــال»، واقــتــطــاعــهــا مـــن الــصــومــال األم، كخميرة قاتلة لكل دول القرن األفريقي؟ أم يتناول بالتأمل حـروب االستنزاف املشتعلة في قلب الشرق األوسط بني كتل غير عربية؟ يبدو األمر محيرًا حقًا، فتناول هذه األحداث املتسارعة أشبه بمن يمسك سلكًا كهربائيًا عاريًا بيد مرتجفة، واملشكلة ليست في مهارة الكاتب وال أدواته، ولكنها تكمن في ضراوة املرحلة التي باتت أشبه بسيل جارف ينهمر على أرض رخوة، فيضيق هامش التأمل، ويصعب الخروج برؤية تحاكي الواقع املتغير. ال شــك فــي أن ثـمـانـ عـامـ تـسـدل ستارها اآلن، تنتهي معها املنظومة التي أفرزتها الحرب الـعـاملـيـة الــثــانــيــة: دور األمــــم املــتــحــدة يـتـ شـى، والـقـانـون الـدولـي يـمـزَّق على املـــأ، والتحالفات الـتـي نسجتها تـلـك الــحــرب تتهشم الــواحــد تلو اآلخر، والعالم يتباعد ثم يتصادم في جنون. ولـنـضـرب أمـثـلـة حـيـة: ملـــاذا تـتـواصـل حـرب روســيــا وأوكـــرانـــيـــا عـلـى أطــــراف أوروبــــــا، الــقــارة العجوز التي اعتقدت أن الحروب الكبرى انتهت فـــوق أراضــيــهــا إلـــى غـيـر رجــعــة؟ وملــــاذا يتجاوز الــطــرفــان كـــل الــــقــــرارات األمــمــيــة ويــعــتــمــدان على منطق القوة الغاشم؟ ثم هناك الحوثيون الذين أحكموا قبضتهم على أجـــزاء واسـعـة مـن البحر األحــــمــــر، يـــضـــربـــون املـــ حـــة الـــدولـــيـــة بــطــائــرات مُـــســـيَّـــرة وصــــواريــــخ، فـــي تــأكــيــد عــلــى أن قــانــون البحار الدولي لم يعد تخشاه امليليشيات، وأن لعبتها تخطت الـحـدود، فحني تختطف جماعة مسلحة دولة بأكملها، وتتحدى النظام العاملي، وتـــربـــك االقــتــصــاد الـــدولـــي بـتـهـديـد بـــاب املـنـدب لـصـالـح قـــوة غـيـر عــربــيــة، يـتـ شـى الـــــردع الـــذي صاغته القوانني الدولية. أمــا الــســودان فالقتال فيه يـــدور فــوق جثث املدنيني منذ ما يقرب من أربعة أعوام، واملجتمع الـدولـي يتفرج. ومـا يحدث في الـسـودان نموذج مصغر ملا آلت إليه العالقات الدولية: قوى كبرى تـتـفـرج، وأخــــرى تــراهــن عـلـى الـفـوضـى الـخـ َّقـة، وشـــعـــب يـــدفـــع الــثــمــن وحــــــده، وكـــــأن الـــعـــالـــم كله أصـبـح مـيـدانـ واســعــ لـتـجـارب قـاسـيـة، لــم يعد فيها ألخالق السياسة أي وزن. وأخطر ما في هـذا املشهد أن ثمة جماعات وكــيــانــات وأشــبــاه دول بـاتـت تمتلك مخططات جاهزة لتوسيع الحروب، وإعادة رسم الخرائط، وتــصــرِّح بـنـوايـاهـا مـن دون مــواربــة: تـــارة تعلن الــســيــطــرة عــلــى مـــمـــرات بــحــريــة، وتــــــارة تـجـاهـر بــاالســتــيــ ء عــلــى ثـــــروات دول أخـــــرى، وأحــيــانــ تهدد دوال ليس لها ذنـب في الـنـزاع الـدائـر، كأن حـمـى سـيـاسـيـة أصــابــت الــعــالــم، فجعلت قـادتـه األقوياء يتكلمون بمنطق الغنيمة القديم. هـل يمكن الـخـروج مـن هــذا املـــأزق؟ الخروج ممكن، ولكنه يستلزم االعتراف أوال بأن منظومة لم تعد قــادرة على استيعاب عالم 1945 ما بعد . فمجلس األمــــن الــــذي يـمـنـح حــق النقض 2026 لخمس دول بـــات أداة للتعطيل، واملـطـلـوب إمـا إصالح هيكلي جذري، وإما بناء تكتالت إقليمية بديلة قـــادرة على فــرض الحد األدنـــى مـن قواعد االشــتــبــاك، واألهــــم مــن ذلـــك كـلـه أن تُــثـبـت الـــدول الـكـبـرى أنـهـا غـيـر مستثناة مــن أحــكــام الـقـانـون الــــدولــــي؛ ألن إفـــــ ت الـكـبـيـر مـــن الــعــقــاب هـــو ما يشجع الصغير عـلـى االنــتــهــاك، واملــفــارقــة املُـــرَّة أن الدول التي صاغت هذا القانون باتت أول من يتجاوزه. فــي غـيـاب الـشـرعـيـة سنظل نـــدور فــي حلقة مفرغة، فهل نحن أمـام حاجة فعلية إلـى مؤتمر دولي يعيد ترتيب العالم من جديد؟ وهل يمكن أن تكون هناك على األقـل مؤتمرات، أو مبادرات إقـلـيـمـيـة، قــــادرة عـلـى حـمـايـة مـــقـــدرات األمــــم من السيولة السياسية؟ في ظني، ال يوجد حل آخر. جمال الكشكي هل نحن أمام حاجة فعلية إلى مؤتمر دولي يعيد ترتيب العالم من جديد؟ سحابة صيف بين واشنطن وتل أبيب مـن األدعـيـة الـتـي يـرددهـا الخطباء على منابر املساجد هذا الدعاء: «اللهم أهلك الظاملني بالظاملني وأخرجنا من بينهم ساملني». وهو دعاء يؤسس لدرجة من السلبية غير عادية، ويؤسس لنوع من التكاسل غير طبيعي، ونوعية من الـتـخـاذل غـيـر مـعـهـودة فــي أي جـمـاعـة لـديـهـا إرادة. ويـبـدو الـذيـن يـدعـون بـه وكأنهم يستدعون السماء لتقاتل عنهم مـعـاركـهـم، وتـهـلـك أعـــداءهـــم الـظـاملـ ، بينما هُم ال يفعلون شيئًا، وال يبادرون بشيء، وال يبذلون جهدًا في مقاومة الظاملني! ولـو بحثنا عن مثال عملي للعمل بهذا الدعاء هذه األيام، فلن نجد أفضل مما يردده كثيرون بيننا عما كـان بني الـواليـات املتحدة األميركية وإسرائيل مـنـذ نـشـأتـهـا، وعــمــا لــم يـعـد يــقــوم بينهما كطرفني عاشا متحالفني. نـقـرأ ونسمع عما كــان بينهما، وعـمـا هـو غير قائم قياسًا على ما كان قائمًا طول الوقت، فيستدعي عقلنا ذلك الدعاء الذي يردده الخطباء غالبًا في خطبة الجمعة، وفي كل خطبة سواها، بينما الجالسون بني أيدي الخطباء في كل مناسبة يقولون: آمني. نسمع ونـقـرأ معنى الــدعــاء فـي حـديـث كثيرين بيننا عما كـان بني الرئيس األميركي دونالد ترمب ورئــــيــــس حـــكـــومـــة الـــتـــطـــرف فــــي تــــل أبـــيـــب بـنـيـامـ نـتـنـيـاهـو، قـبـل أن يـذهـبـا إلـــى إعــــ ن حـربـهـمـا على إيــران آخـر فبراير (شـبـاط) املـاضـي. ثم نسمع ونقرأ معنى الــدعــاء نفسه فـي حديثنا عما لـم يعد قائمًا بينهما هما نفسيهما في مرحلة التفاوض األميركي - اإليراني، وصوال إلى االتفاق الذي جرى اإلعالن عنه بني واشنطن وطهران قبل ساعات، والذي من املرتقب أن يجري التوقيع عليه في الغد. نسمع ونـقـرأ عـن أن عـ قـة إسـرائـيـل التقليدية بــالــواليــات املـتـحـدة لــم يـعـد لـهـا وجــــود، وأن مــا كـان بينهما مــن قـــوة فــي الـعـ قـة ومــتــانــة، لــن يــكــون في قـادم األيـام كما كان فيها من قبل، وأنـه ال دليل على ذلـك أكثر من أن إدارة ترمب قد أبعدت نتنياهو عن تفاوضها مع إيــران، وعن اتفاقها معها، وأن رئيس الحكومة اإلسرائيلية نفسه صــرح بعد اإلعـــ ن عن الوصول إلى االتفاق بأنه يجهل ما فيه. نسمع هذا ونقرأ عن كل ذلك فال نكاد نستسيغه، وال تتقبله رؤوسنا، وال يهضمه عقلنا، واألهم أن ما نسمعه ونقرأ عنه بهذا الشأن يعيدنا بشكل تلقائي إلــــى الـــدعـــاء إيــــــاه، ويـجـعـلـنـا نــــرى أن الـــعـــرب الــذيــن عليهم أن يتصدوا للغطرسة اإلسرائيلية بأنفسهم، ال يبذلون ما ال بد من بذله في سبيل هذا التصدي، ويــــجــــدون فــــي إشــــــــارات تــــراجــــع الـــعـــ قـــة بــــ تــرمــب ونتنياهو ما يعوضهم عن تخاذلهم في القيام بما يتعني أن يقوموا به. فـــكـــأن الــرئــيــس األمـــيـــركـــي وهــــو يُــقــصــي رئـيـس الـــحـــكـــومـــة اإلســـرائـــيـــلـــيـــة عــــن الـــــوجـــــود فــــي مــرحــلــة التفاوض مع إيــران، ثم في مرحلة الوصول التفاق، إنما كان يقاتل معركتنا، ويحارب على جبهتنا نحن الــعــرب، وينتصر لقضيتنا نـحـن الــعــرب واملسلمني والفلسطينيني! أو كأن العالقة بني الواليات املتحدة وإسرائيل هـي عـ قـة بـ تـرمـب ونتنياهو وفـقـط، فـــإذا مضيا إلى حال سبيلهما حني يأتي أوان انصرافهما، بقيت عــ قــة الـبـلــديــن عـلـى فــتــورهــا الــــذي نــعـرفـه معهما، وضــاع الرصيد الــذي تراكم بني واشنطن وتـل أبيب على مر السنني! إن وضع العالقة في هذا املربع أمر غير صحيح، وغـيـر دقــيــق، وال يـعـدو أن يـكـون تـعـامـ بـاألمـانـي، أما التعامل بحقائق الواقع فقضية أخرى ال تحصر الـعـ قـة فــي مــــزاج رئــيــس فــي الـبـيـت األبــيــض سـوف ينصرف إذا انقضت فترته، أو في هوى رئيس حكومة في تل أبيب تآكلت شعبيته التي تحايل طويال في بنائها، وصار يقف عاريًا أمام ناخبيه الذين دعاهم للمجيء به في كل سباق انتخابي، وكـان يتفنن في خداعهم في كل مرة بشتى األساليب واألالعيب. القصة بني واشنطن وتل أبيب محكومة بشيء آخــــــر، وهــــــذا الــــشــــيء هــــو قـــــوة أو ضـــعـــف جــمــاعــات الضغط اليهودية داخـل الواليات املتحدة األميركية وخارجها، وال عالقة لها بوجود رئيس مثل ترمب أو رحيله. قد تمر العالقة ببعض الفتور كما هي في مرحلة الـتـفـاوض مـع إيــــران، وكـذلـك مرحلة اإلعــ ن عن الوصول إلى اتفاق معها، ولكنه فتور بني إدارة ترمبية وحكومة يرأسها نتنياهو، فإذا غادر االثنان موقعيهما، وال بد أن يغادرا ذات يوم، فسوف تعود الـعـ قـة إلـــى األســـس األولــــى الـتـي قـامـت عليها منذ نشأت. إن تـــرمـــب نــفــســه تـــعـــرض لـــلـــغـــدر مــــن الـــصـــوت إلـــــى الـــبـــيـــت األبـــيـــض، 2020 الــــيــــهــــودي فــــي ســـبـــاق واخـتـارت غالبية اليهود وقتها التصويت للمرشح املنافس جو بـايـدن، وقـد حـدث هـذا رغـم ضخامة ما قدمه ترمب في رئاسته األولـى إلسرائيل، ومع ذلك، فإنه عاد يقدم لها في رئاسته الثانية أكثر مما كان قـــدم فــي األولــــى، لـــوال سـحـابـة الـصـيـف الـعـابـرة هـذه بينه وبني نتنياهو في ما يبدو للمتابعني من بعيد. سـوف تمر هـذه السحابة، وإذا دامـت فلن تدوم ألبـعـد مـن رحيلهما عـن املنصب أو رحـيـل أحدهما، وعندها سوف يأسى الذين راحـوا يبتهجون لفتور العالقة بينهما، وكـأن الفتور مقدمة لهالك الظاملني بالظاملني، ثم خروج املبتهجني من بينهم ساملني! سليمان جودة ستعود العالقة بين أميركا وإسرائيل إلى أسسها األولى فور مغادرة ترمب ونتنياهو موقعيهما دروس الحرب ومستقبل األمن القومي السوداني تفرض الحرب التي يشهدها السودان منذ أبريل أســئــلــة جــديــة حــــول مـسـتـقـبـل األمـــن 2023 ) (نـــيـــســـان الـقـومـي، وطبيعة العقيدة العسكرية الـتـي يمكن أن تحكم عمل القوات املسلحة خالل املرحلة املقبلة. فقد كشفت التجربة العملية عن تحوالت كبيرة في طبيعة التهديدات، وفي أساليب القتال، وفي حجم التدخالت الخارجية املباشرة وغير املباشرة، األمر الذي يجعل مراجعة املفاهيم العسكرية التقليدية مسألة تستحق النقاش الجاد. لـــعـــقـــود طـــويـــلـــة، ارتــــكــــزت الـــعـــقـــيـــدة الــعــســكــريــة الــســودانــيــة عـلـى فـلـسـفـة دفــاعــيــة تــقــوم عـلـى حماية الـــحـــدود والـــســـيـــادة الـوطـنـيـة وتـجـنـب االنـــخـــراط في حــــروب خـارجـيـة، وظــــل الـجـيـش يـعـمـل وفــــق مـفـهـوم دفـاعـي تقليدي يـركـز على صـد االعـــتـــداءات أكـثـر من املبادأة بالهجوم. غـيـر أن الــحــرب الـحـالـيـة كشفت واقــعــ مختلفًا. فـقـد شـهـد الـــســـودان تــدفــقــات لـلـسـ ح عـبـر الـــحـــدود، واستخدام أراضي دول مجاورة كنقاط انطالق أو دعم لعمليات عسكرية، كما أظهرت األزمة محدودية قدرة املنظمات اإلقليمية والدولية على توفير حماية فعالة للدول التي تواجه تهديدات وجودية. وفي مثل هذه البيئات األمنية املعقدة، تصبح الــدول أكثر اعتمادًا على قدراتها الذاتية في الردع والدفاع عن سيادتها. في هذا السياق، تكتسب التصريحات التي أدلى بها قبل فترة رئيس مجلس الـسـيـادة والـقـائـد العام للقوات املسلحة الفريق عبد الفتاح الـبـرهـان أهمية خــاصــة ألنـــه أفــصــح فـيـهـا عــن الـتـفـكـيـر الــــذي يتبلور فـــي أوســــــاط املـــؤســـســـة الــعــســكــريــة فـــي ضــــوء تـجـربـة الحرب الراهنة. فقد أشـار إلـى أن العقيدة العسكرية الـسـودانـيـة ظلت دفاعية منذ تأسيس الجيش، لكن الــتــطــورات األخـــيـــرة تــفــرض عليهم إعــــادة الـنـظـر في بعض املفاهيم املرتبطة بوسائل الـردع والقدرة على مواجهة مصادر التهديد. تغيير العقيدة العسكرية ليس أمـرًا جديدًا، وال حكرًا على دولة معينة، بل هو إجراء تقوم به الجيوش عندما تفرض التغيرات الجيوسياسية، أو التطورات التكنولوجية، أو ظـــروف الــحــروب تكتيكات جديدة لحماية األمن القومي. وفـــي رأي الـعـسـكـريـ فـــإن الـحـديـث عــن تطوير الــعــقــيــدة الـعـسـكـريـة ال يـعـنـي االنـــتـــقـــال إلــــى سـيـاسـة هجومية باملعنى التقليدي، بقدر ما يعني االنتقال من مفهوم «الـدفـاع الساكن» إلـى مفهوم أكثر مرونة يــقــوم عـلـى الــــردع الـفـعـال واملـــبـــادأة االسـتـبـاقـيـة عند الـــضـــرورة. فـالـتـجـارب العسكرية الحديثة أثبتت أن انتظار التهديد حتى يصل إلى خطوط الدفاع األولى قـــد ال يـــكـــون كــافــيــ فـــي مـــواجـــهـــة قـــــوات تـعـتـمـد على الحركة السريعة والحرب غير النظامية. كـــمـــا أظــــهــــرت تــــجــــارب الـــعـــديـــد مــــن الــــحــــروب أن الجيوش التقليدية تواجه تحديات كبيرة عند القتال داخل املـدن، وفي مواجهة ميليشيات مسلحة تعتمد الحركة السريعة وتتجنب الدفاع الثابت. فقد صُممت العديد من العقائد العسكرية الكالسيكية للتعامل مع جيوش نظامية واضحة التشكيل وخطوط مواجهة معروفة، بينما تتطلب الحروب الحديثة أدوات أكثر مرونة تعتمد على االستخبارات الفورية، والعمليات الخاصة، واالستجابة السريعة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير قدرات القوات املسلحة في مجاالت االستطالع، والعمليات الخاصة، والـحـرب اإللكترونية، واستخدام الطائرات املسيّرة، بـمـا يتيح امــتــ ك قـــدرة ردع فـعـالـة وقــــدرة أكـبـر على التعامل مع التهديدات قبل تحولها إلى خطر مباشر، كما يقول العسكريون. ويعد التطور التكنولوجي، خصوصًا في مجال الـــطـــائـــرات املـــســـيّـــرة، أحــــد أبـــــرز الـــعـــوامـــل الـــتـــي تـدفـع الجيوش حول العالم إلى مراجعة عقائدها القتالية. فــقــد أصــبــحــت هــــذه املــنــظــومــات قــــــادرة عــلــى تــجــاوز الحواجز الجغرافية التقليدية والـوصـول إلـى مراكز القيادة واإلمـــداد بكلفة منخفضة مقارنة باألسلحة التقليدية. كما أسهمت املسيرات فـي تقليص الزمن الفاصل بني االستطالع وتنفيذ الضربة، األمـر الذي غيّر طبيعة املعركة الحديثة بصورة جوهرية. كذلك أدت هذه التكنولوجيا إلى زيادة التهديدات مـن الـحـركـات املسلحة الـخـارجـة عـن سيطرة الـدولـة؛ حيث باتت القدرات الهجومية التي تتيحها املسيّرات مــتــاحــة بـكـلـفـة أقــــل، وهــــو مـــا يــفــرض عــلــى الـجـيـوش النظامية تطوير وسائل الدفاع الجوي القصير املدى، وأنــظــمــة الـــحـــرب اإللــكــتــرونــيــة، ومــنــظــومــات الـكـشـف املبكر، بالتوازي مع تطوير القدرات الهجومية. وفي رأي العسكريني، فإن أي تحول في العقيدة العسكرية السودانية سيقود بالضرورة إلى مراجعة أولــــويــــات الـتـسـلـيـح والـــتـــدريـــب واإلمــــــــداد. فـــبـــدال من االعتماد الكامل على النظم التقليدية الثقيلة، ستزداد أهمية التقنيات الذكية، والتصنيع العسكري املحلي، والقدرات املرتبطة باملسيرات واالستطالع اإللكتروني واالتصاالت الحديثة. كـــمـــا أن مــتــطــلــبــات املـــرحـــلـــة املـــقـــبـــلـــة تـسـتـدعـي الــتــســريــع بـــإيـــجـــاد أطــــر تـنـظـيـمـيـة واضـــحـــة لــلــقــوات املـسـانـدة واملـجـمـوعـات الـتـي شــاركــت فــي الـقـتـال إلـى جـانـب الـجـيـش، بـمـا يضمن دمـــج الـطـاقـات الوطنية ضـــمـــن مــنــظــومــة الــــدولــــة الــعــســكــريــة واألمـــنـــيـــة وفـــق ضوابط مؤسسية تحافظ على وحدة القرار العسكري واحتكار الدولة للسالح. إجــــــراء أي مــراجــعــة بـــشـــأن الــعــقــيــدة الـعـسـكـريـة السودانية ال يعني الرغبة في خوض حروب جديدة، بـل بكيفية التكيف مـع بيئة أمنية متغيرة أصبحت أكثر تعقيدًا وخطورة. فالدول التي تنجح في مراجعة مفاهيمها العسكرية وفق معطيات الواقع، هي األقدر على حماية أمنها القومي، والحفاظ على استقرارها وســيــادتــهــا فـــي عــالــم يـشـهـد تـــحـــوالت مـتـسـارعـة في طبيعة الصراعات وأدواتها. عثمان ميرغني إجراء أي مراجعة بشأن العقيدة العسكرية السودانية ال يعني الرغبة في خوض حروب جديدة
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==