تــريــلــيــون دوالر على 2887 الـــعـــام املـــاضـــي صــــرف الــعــالــم الـتـسـلـح، حـسـب دراســــة لــ«مـعـهـد ستوكهولم ألبــحــاث الــســام». مـبـلـغ خــيــالــي، يـــزيـــدك إحــســاســا بـــاألســـى، ألنــــه ارتـــفـــاع سـنـوي متواصل منذ أكثر من عقد، واألعوام املقبلة ستكون أشد ضراوة عـلـى املـيـزانـيـات املنهكة بــالــديــون. عـلـى رأس الئـحـة املتسلحني الكبار أميركا والصني وروسيا. املستجد هي شهية أوروبية غير مسبوقة، بفعل الخوف من روسيا بعد حرب أوكرانيا، وتراجع املظلة األميركية األمنية، مع تصاعد العنف في العالم. ال شــيء يمكن أن يقنع األوروبــيــ أن روسـيـا العالقة منذ أربـع سنوات في أوكرانيا، ليست بحاجة إلـى مزيد من القتلى، مليون كيلومتر مـربـع مع 17 وأن مساحتها الشاسعة البالغة مليون نسمة، ال تسمح لها بغزوات 144 ديموغرافيا ال تتعدى مغامراتية مثل التي يتخوفونها. ومع ذلك، فإن التجييش اإلعلمي في أوروبا متواصل. قفز اإلنـفـاق الدفاعي في الـقـارة ردًا على ما يعتبر تهديدات روسية مليار دوالر، مع التذكير أنها دول في غالبيتها 864 ليصل إلى تريليون يورو، وهو ما 3.6 ذات مديونيات قياسية، فرنسا بنحو في املائة من الناتج املحلي فيما تقترب ديون أملانيا من 118 يمثل ثلثة تريليونات يورو. وفي نوع من التعويض عن الكساد، بعد تراجع الطلب على السيارات األملانية التي كانت مشتهى العالم أجمع، بدأت أملانيا تحويل مصانع سـيـاراتـهـا إلــى إنـتـاج املــعــدات الـدفـاعـيـة، إنـقـاذًا ملـئـات آالف الــوظــائــف، وســنــدًا ألوروبـــــا الـبـاحـثـة عــن استقللية صناعية لـلـحـروب. لكنه انـقـاب جـــذري ومــؤســف، ينقل أملانيا بـسـمـعـتـهـا الـصـنـاعـيـة الـــبـــراقـــة، مـــن دور املــنــتــج ألدوات الــرفــاه واالزدهار إلى مورّد ملعدات القتل والدمار، واألمر ليس واحدًا. مـواطـنـون أوروبـــيـــون بـــدأوا بتشكيل حـركـة اعـتـراضـيـة من مــئــات وآالف الــجــمــعــيــات، وبـــنـــاء مـنـصـة تـحـمـل نـــــداء: «أوقـــفـــوا الـعـسـكـرة». هـنـاك مــن يتهم الـسـلـطـات بتخويف الــنــاس، ورمــي الرعب في القلوب، للتغطية على الفساد السياسي، ودعم لوبيات السلح، وتخفيض الخدمات الصحية واالجتماعية واملعاشات الـتـقـاعـديـة، بـحـجـة تـقـويـة الـجـيـوش وبــنــاء الـــقـــدرات العسكرية وحماية البلد، متهمني حكوماتهم بأنها ترسل طائرات مسيرة على أنها من روسيا لتقنعهم بتهديداتها. والـــحـــركـــة االعـــتـــراضـــيـــة الــشــعــبــيــة تـــفـــهـــم، ألن فــــي أوروبــــــا مليني شخص يعيشون فـي فقر مدقع 808 املتعطشة للتسلح حـسـب األمـــم املـتـحـدة. والــجــوع فــي الـعـالـم يتعاظم كلما امـتـدت ألـسـنـة الـــحـــروب. مـــؤشـــرات الـفـاقـة فــي بــلــدان االتـــحـــاد األوروبــــي وصلت إلى مستويات قياسية ومع ذلك ال يعِد املسؤولون بإيجاد حلول مقنعة أو إيجاد مخارج تبعث على األمل. أمـا بوتني نفسه، فيتهم القادة األوروبـيـ باالستفادة من بعبع روسيا للتغطية على فشلهم الداخلي أمام شعوبهم. وبني أخـــذ ورد ال يتغير الـكـثـيـر، وكـــل مـــاض فــي بـنـاء تـرسـانـتـه التي يريدها األضخم واألكثر فتكا. أمــيــركــا اسـتـنـزفـت تـرسـانـتـهـا فـــي أوكـــرانـــيـــا وإيــــــران وغـــزة ولبنان، وتعاني شحّا استدعى من الرئيس دونالد ترمب تفعيل قانون «اإلنتاج الدفاعي» لتوسيع وتسريع عجلة التصنيع، وسد النقص بسبب الحاجات املتصاعدة. والصني تعلن عن تشكيل ، معتمدة على 2049 أكبر جيش في تاريخها الحديث، بحلول عام تفوقها فـي الــذكــاء االصـطـنـاعـي، وحـذقـهـا االبــتــكــاري. والـيـابـان وكوريا الجنوبية كما الشمالية ليستا متأخرتني عن الركب. بعد انتهاء الحرب الباردة، ظنت أوروبا أنها ودّعت الحروب إلى األبد، صبّت اهتمامها على الرخاء، وتدليل املواطن، والسخاء في التقديمات، لكن املهماز األوكراني أخرج العفريت من القمقم. وتكاد القارة لشدة حماستها للستعداد للحرب، أن تقود قاطرة العسكرة العاملية. فـإذا كانت أوروبــا نموذج السلم واالستقرار تـرتـجـف، وبـــدأت بتهيئة مواطنيها للتجنيد اإلجــبــاري، وبناء امللجئ، وتحضير مخزونات األغذية، فما هو حال األمم املكتوية بنيران الحروب. حتى دول مثل السويد وفنلندا والنرويج، عرفت بانتحار سكانها لـشـدة الــهــدوء وبـــادة الــروتــ ، تـرفـع إنفاقها الدفاعي، لقربها من روسيا. فماذا عنّا نحن؟ يـشـبّــه الـبـعـض هـــذا الـنـهـم إلـــى الـتـسـلـح، بـمـا سـبـق الـحـرب العاملية األولى في مطلع القرن العشرين من حماسة للقتال. أملــانــيــا بــنــت أســـطـــوال بــحــريــا ضـخـمـا ملـنـافـسـة بـريـطـانـيـا، فردّت بريطانيا ببناء سفن أحدث، فيما فرنسا وروسيا وسّعتا جيوشهما البرية. وبـدال من تجنب التصادم، بدا وكأن الجميع ينتظر حدوثه. تحولت حادثة، كان يمكن أن تبقى هامشية مثل اغتيال ولي عهد النمسا فرانز فرديناند إلى كارثة عاملية بسبب شبكة التحالفات العسكرية. بعد أن هاجمت النمسا صربيا، تحركت روسيا للدفاع عن األخيرة، وأعلنت أملانيا الحرب على روسيا التي كانت متحالفة مـع فرنسا. واجـتـاحـت أملانيا بلجيكا. وفــي ملـح البصر تحولت حادثة اغتيال إلى حرب عاملية فتاكة دامت أربع سنوات. بناء الترسانات يتم على حساب الطبقات األكثر فقرًا في املجتمعات على اخـتـافـهـا، وبـحـرمـان األضـعـف مـن حقوقه في الطبابة والتعليم وحتى في الغذاء أحيانا. املخاوف تصبح أكبر حني يعتبر كل طرف أنه ضحى وبنى وأنتج أفضل األسلحة وأشدها فتكا، ليشارك في مبارزة تليق بها وبأصحابها، ال كي تبقى في مخازنها وتــذوي بسبب الرطوبة واالنتظار الذي ال يأتي. غــــدًا الــجــمــعــة يُـــفـــتـــرض أن تــوقــيــع مـــذكـــرة الــتــفــاهــم بني )Bürgenstock( » واشنطن وطـهـران في متحف «بيرغنستوك بـــوســـط ســـويـــســـرا، وفــــي حــــال تـــم الــتــوقــيــع عــلــى املــــذكــــرة فــإن العالم سيتنفس الصعداء بعد شهور من التوتر والتصعيد العسكري واألزمة االقتصادية الخانقة إثر تعطل مضيق هرمز وتوقف صــادرات الطاقة، وسينشغل العالم بعد هـذا االتفاق بسؤال سيبقى مطروحا بعد التقاط الصور التذكارية وتبادل عبارات التهدئة وهو: هل انتهت الحرب؟ أم: هل انتهى الخطر اإليراني؟ في السياسة الدولية، كثيرًا ما توقف االتفاقيات تفاقم الحروب وتأثيراتها لكنها ال تُنهي أسبابها، فالتاريخ مملوء بمعاهدات أوقفت إطلق النار من دون أن تغير طبيعة األنظمة أو أهدافها االستراتيجية، ومن هنا تبدو القراءة املتأنية ألي اتفاق محتمل بني واشنطن وطهران ضـرورة لفهم ما سيأتي بعده، ال االكتفاء باالحتفاء بما تحقق قبله. خلل أيام الحرب بني واشطن وطهران التي امتدت نحو يـومـا ركـــزت الــواليــات املـتـحـدة وإسـرائـيـل جهودهما على 40 توجيه ضربات قاسية للبنية التحتية النووية اإليرانية، في محاولة لتدمير أو لنقل تأخير املشروع النووي سنوات إلى الوراء، وربما نجحت هذه العمليات في تدمير منشآت ومراكز أبـحـاث ومـخـازن ومـعـدات حساسة، لكن الـسـؤال الــذي يواجه صناع القرار في الغرب اليوم هو ذاته الذي واجه الحلفاء خلل الحرب العاملية الثانية عندما سعوا إلحباط البرنامج النووي ألملانيا النازية أيام هتلر. نفذ كوماندوز تابع للحلفاء عملية جريئة 1943 ففي عام لـتـدمـيـر مـنـشـأة «فـــيـــمـــورك» الــتــي كــانــت تـنـتـج املـــيـــاه الثقيلة الــازمــة للمشروع الــنــووي لهتلر، ونجحت العملية وأخّـــرت املـشـروع، لكنّها لم تنه طموح هتلر في الحصول على سلح نووي، واحتاج األمر إلى عمليات إضافية وقصف مستمر ومن ثـم حــرب شاملة حتى انتهت الـحـرب نفسها وانـتـحـار هتلر، وكان من أهم دروس الحرب العاملية الثانية أن تدمير املنشآت ال يعني تدمير الفكرة؛ ليكون التغير الداخلي هـو األهــم من تدمير املنشأة، لذلك نجد عديدًا من الدول الغربية، خصوصا في أوروبا، ما زالت إلى هذا اليوم تفرض قوانني صارمة تجرِّم رفع الشعارات والرموز النازية وتؤدي إلى عقوبات قانونية. صحيح أن الـضـربـات الـتـي وجهتها أمـيـركـا وإسـرائـيـل دمـرت أجهزة الطرد املركزي، واملفاعلت النووية، وقد تُؤجل برامج التخصيب للبرنامج النووي اإليراني لسنوات طويلة، لكن املعرفة العلمية التي اكتسبتها إيران خلل عقود ال يمكن قصفها أو مــحــوهــا، واألهــــم مــن ذلـــك أن الـعـقـيـدة السياسية التي دفعت النظام إلى االستثمار في هذا املشروع طوال هذه السنوات لم تتغير. لـــم يكن 1979 فـمـنـذ قـــيـــام الــجــمــهــوريــة اإلســـامـــيـــة عــــام املــــشــــروع الــــنــــووي مـــجـــرد بـــرنـــامـــج عــلــمــي أو اقـــتـــصـــادي، بل كــان جـــزءًا مـن رؤيـــة أوســـع تسعى إلــى تحويل إيـــران إلــى قوة إقليمية مهيمنة تمتلك أوراق ضغط استراتيجية في مواجهة خــصــومــهــا، ولـــهـــذا الــســبــب اســتــمــر املـــشـــروع رغــــم الـعـقـوبـات والحصار والضغوط الدولية واالغتياالت والعمليات السرية. صحيح أن االتفاق املرتقَب توقيعه غدًا قد يفرض قيودًا جديدة ويمنح املجتمع الدولي فترة من الهدوء، لكنه ال يجيب عن سـؤال جوهري يتعلق بطبيعة النظام نفسه، فهل تخلت طهران عن مشروعها التوسعي؟ وهل تراجعت عن استخدام األذرع املسلحة في املنطقة؟ وهل تغيرت نظرتها إلى موازين القوى في الشرق األوسط؟ الحقيقة والواقع ال يشيران إلى ذلك. فــالــنــفــوذ اإليــــرانــــي الــــذي امــتــد لــعــقــود عــبــر شــبــكــات من الـحـلـفـاء وامليليشيات لــم يـكـن مرتبطا فـقـط بـاملـلـف الــنــووي، بل كان جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى توسيع مجال الـنـفـوذ اإليــرانــي مـن الخليج إلــى البحر املـتـوسـط، وحـتـى لو تــضــررت هـــذه الـشـبـكـات خـــال الــســنــوات األخـــيـــرة، فـــإن الفكر الـذي أنتجها ما زال قائما، والقيادات التي تؤمن به ما زالت موجودة. ولـهـذا فــإن الخطأ الـــذي قـد يقع فيه البعض هـو الخلط بني تراجع القدرات وتغيُّر النيَّات، فالقدرات يمكن تدميرها أو إضعافها، أما النيَّات واآليديولوجيات فتحتاج إلى تحوالت سياسية وفكرية أعمق بكثير، ومن هنا يمكن القول إن االتفاق يمثل نهاية جـولـة مـن الــصــراع، وال يمثل نهاية الـقـصـة، أما السؤال: هل انتهى الخطر اإليراني؟ فاإلجابة، على األقل حتى اآلن، تبدو أبعد ما تكون عن كلمة «نعم». OPINION الرأي 12 Issue 17369 - العدد Thursday - 2026/6/18 اخلميس وكيل التوزيع وكيل االشتراكات الوكيل اإلعالني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] املركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 املركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى اإلمارات: شركة االمارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 املدينة املنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب األولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية املوجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها املسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة ملحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي باملعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com القدرات يمكن تدميرها أو إضعافها أما النيَّات واآليديولوجيات فتحتاج إلى تحوالت سياسية وفكرية أعمق بكثير أرى أن المعرفة هي التي تفسح الطريق لبروز اإلرادة المخاوف تصبح أكبر حين يعتبر ًأي طرف أنه ضحى وبنى وأنتج أفضل األسلحة وأشدها فتكا زيد بن كمي توفيق السيف سوسن األبطح هل انتهى الخطر؟ أوقفوا العسكرة!! صنّاع التقدم... العامة ال النخبة أطــــــروحــــــات مــــالــــك بـــــن نـبـي مــهــمــة ملــــن يــنــظــر إلـــــى االخـــتـــال الثقافي بوصفه معيقا للنهوض الـــــعـــــلـــــمـــــي واالقـــــــــتـــــــــصـــــــــادي فـــي املـــجـــتـــمـــعـــات الــــعــــربــــيــــة. تـــحـــدث مالك عن «الدروشة» التي حوّلت الـــــتـــــراث مــــن مـــعـــرفـــة نـــشـــطـــة إلـــى مخدر للروح. كما دعا إلى عقلنة الـــثـــقـــافـــة الـــتـــي تـــحـــدد اتـــجـــاهـــات السلوك الفردي والجمعي. اإلنسان هو نقطة االشتباك فــي أي نــقــاش حـــول الــتــقــدم. هـذا رأي ال يجادل فيه أحد، كما أظن. وهـــو يـسـتـدعـي ســــؤاال ضــروريــا: مــا دام اتــفــق الــنــاس عـلـى أن كـا مــنــهــم نــقــطــة االشـــتـــبـــاك ومــحــور الجدل، فهل يَعُون أيضا ما الذي يــنــبــغــي فــعــلــه كــــي نـــتـــقـــدم؟ وإذا كــــانــــوا يـــســـتـــوعـــبـــون أبــــعــــاد هـــذا الــــســــؤال، فــهــل يـــحـــاولـــون فعليا وضع أقدامهم على طريق التقدم، أي هــــل يـــحـــاولـــون الـــعـــثـــور عـلـى الجواب العملي لذلك السؤال؟ أريد هنا إيضاح نقطة ترد إلى ذهني بني حني وآخر، وخلصتها أن العمل الفكري املهم ملالك بن نبي، لم يتواصل على أيدي مفكرين آخرين من بعده. أو لنقل على سبيل التحفظ إن املشروعات الفكرية التي تستهدف الغاية نفسها، أي التقدم، ليست كثيرة أو مترابطة، بل يبدو كل منها، مثل نخلة منفردة في صحراء، يثير االهتمام، لكن يصعب التعرف إلى الخيوط التي تربطه بما قبله. أعتقد أننا بحاجة إلى شيء يشبه عمل الفيلسوف املعاصر، أمارتيا سن، الذي وقف أمام فرضيات، جون رولـز، في نظريته الشهيرة حول العدالة، ثم قال لنفسه: «كل بلد، حتى أكثره فقرًا، تتوفر فيه فرص كثيرة لتحسني معيشة الناس. ال يوجد بلد خال من الفرص. ملاذا؟ ألن الفرص يخلقها الناس، شرط أ ينشغلوا بالحدود الضيقة ملا يرونه بعيونهم، أو يسمعونه بآذانهم. ثمة في العالم فرص وفيرة. لكنك شغلت نفسك بالبحث عن تبرير للفشل، أو تركت الفعل الخلق اإليجابي، وتفرغت ملراقبة ما يفعله هذا وذاك، كي تعثر على زلة تحولها إلى قصة. ولهذا السبب أو لغيره، عجزت عن تخيل الفرص التي يحصل عليها غيرك أو يخلقونها». في أحاديثه الكثيرة حول اإلنسان صانع الحضارة اكتفى مالك بن نبي بتأكيد ما يمكن أن نصفه اليوم بـ«الفردانية»، أي استقلل الفرد في تفكيره وتحمله مسؤولية حياته وأفعاله. ونعرف أن هـذا شـرط محوري للنهوض االقتصادي والعلمي. لكن ابــن نبي لـم يخبرنا كيف نخلق هــذا الـشـعـور لــدى جميع الـنـاس، خصوصا األكثر حاجة إلى التقدم، أي الطبقات الفقيرة واملعدمة. بل أستطيع الــقــول إن تـأكـيـده املـتـكـرر عـلـى الـصـفـات الــريــاديــة لـإنـسـان املــؤهــل لصناعة الحضارة، أوقعه في مشكلة أخـرى وهـي النخبوية. فاملستفاد من كلمه أن صُنّاع الحضارة هم نخبة املجتمع وليس عامة الناس. هذا يتعارض جوهريا مـع الـواقـع القائم فـي عالم الـيـوم، حيث ينظر إلــى جمهور الـنـاس بوصفهم صُنّاعا للمدنية ومستفيدين منها. أعـود إلى أمارتيا سن الـذي ركز في نظريته عن العدالة على مبدأ تمكني عـامـة الـنـاس مـن اإلمـسـاك بـأقـدارهـم والسير فـي طـريـق الـتـقـدم. فـكـرة التمكني ) تجمع بني مفهومَني: املعرفة واإلرادة. وأرى أن املعرفة هي التي empowerment( تفسح الطريق لبروز اإلرادة. وأقصد املعرفة العامة التي تجعل اإلنسان العادي مطلعا على الـعـوالـم البعيدة عـن مـــداه الجغرافي والـبـصـري، فيتعرف -تبعا لذلك- إلى الفرص املتاحة في هذه العوالم. ويذكر في هذا السياق أن حكومة الهند وزعت في سبعينات القرن العشرين، عشرات اآلالف من أجهزة الراديو، على العائلت الفقيرة في األرياف، كي تتعرف إلى الفرص املتاحة بعيدًا عنها، ومن بينها فرص التعليم والصحة واألساليب الجديدة في الزراعة... إلخ. تلك الخطوة على بساطتها حسّنت، بشكل ملموس، شبكة الخدمات العامة في الريف، وعجلت بربطه باالقتصاد الوطني، فتحسنت معيشة الناس. هذا هو نموذج التقدم الذي نناقشه: حراك تنموي يخدم عامة الناس، ال سيما أقلهم حظا. وهو ال يستهدف إنشاء نخبة، بل تحريك الطبقات الواقعة في أدنى السلم. في اعتقادي أن هذا أسرع طريق للتقدم... وللحديث بقية.
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==