issue17368

الثقافة CULTURE 18 Issue 17368 - العدد Wednesday - 2026/6/17 الأربعاء حيث أكبر فسيفساء في العالم قصر هشام في أريحا تــحــوي الــبــاديــة الــســوريــة قـصـريـن يحملان اسم «قصر الحير»، وينسبان إلى هشام بن عبد المــلــك. يـقـع أحـدهـمـا شــمــال شـــرق تــدمــر، ويُــعــرف بقصر الحير الـشـرقـي، ويـقـع الآخـــر جـنـوب غرب تـــدمـــر، ويُـــعـــرف بـقـصـر الـحـيـر الــغــربــي، ويـتـمـيّــز بـــثـــراء حـلـلـه المـنـقـوشـة الــتــي كـشـفـت عـنـهـا حملة فــرنــســيــة فــــي الـــســـنـــوات الأخــــيــــرة مــــن ثــاثــيــنــات القرن الماضي. تحوي البادية الفلسطينية قصرا آخـر يُنسب كذلك إلـى هـذا الخليفة، كشفت بعثة بريطانية عن حلله البديعة في تلك الفترة. يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، وهو مؤلف من طابقين، ويرتفع وسـط مجمّع يحوي حماما كبيرا تزيّنه أرضية فسيفسائية توصف بـ«أكبر لوحة فسيفساء في العالم». ظهرت أول معالم هـذا القصر خـال النصف الـــثـــانـــي مــــن الــــقــــرن الـــتـــاســـع عـــشـــر، حــــن شــرعــت الجمعية الإنـجـلـيـزيـة المــعــروفــة بـاسـم «صـنـدوق استكشاف فلسطين» في البحث عن آثار «الأراضي المــــقــــدّســــة»، وقــــادهــــا بــعــض الـــســـكـــان الـــعـــرب إلــى خـــربـــة تُـــعـــرف بـــاســـم «خـــربـــة المـــفـــجـــر»، تــقــع على الضفة الشمالية لـــوادي النعيمة، وتبعد بضعة كــيــلــومــتــرات مـــن شـــمـــال مــديــنــة أريــــحــــا. فـــي عــام ، أرسلت هذه الجمعية عالم الآثار الأميركي 1894 فــريــديــريــك جــــون بـلـيـس لإجــــــراء بــحــث تـمـهـيـدي في هـذه الخربة، فـزار الموقع، وكتب تقريرا أوّليا صـدر في النشرة الخاصة بهذه الجمعية، وضم مجموعة مــن الــصــور، تـمـثّــل عينة مــن الــزخــارف الجصية الـتـي عُــثـر عليها. هـكـذا بــدأ استكشاف هذا الموقع الأموي في الأراضي الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة من الحكم العثماني، وتواصل بعد انهيار هذا الحكم، إثر نهاية الحرب العالمية الأولى. فـي زمــن الانــتــداب الـبـريـطـانـي، عـمـدت دائــرة الآثـــار إلــى دراســـة موقع «خـربـة المفجر» ومسحه . اكــتــشــفــت الـبـعـثـة 1934 بـشـكـل مـــوسّـــع فـــي عــــام البريطانية أن الآبـاء الفرنسيسكان سبقوها إلى هـــذا المــوقــع، واقـتـلـعـوا مـنـه الـعـديـد مــن الـحـجـارة ، كما 1927 والأعمدة لبناء ديرهم في أريحا سنة أنهم نقلوا منه مجموعة مـن الأعـمـدة والتيجان وألـــواح المـرمـر والـنـقـوش الجصية لتزيين مدخل مقرّهم، فطالبت باستعادة هذه القطع، واستجاب الآبــاء الفرنسيسكان لطلبها. أجــرت دائــرة الآثـار البريطانية الحفريات الأثرية في الموقع على مدى اثـنـي عـشـر عــامــا، تـحـت إشــــراف عـالـم فلسطيني يُـــدعـــى ديـــمـــتـــري بـــرامـــكـــي، وكـــــان يــومــهــا مفتشا وباحثا في هذه الدائرة. رافق هذا الخبير حملات التنقيب المتعاقبة في الموقع، ورصد نتائجها في سلسلة مــن الـتـقـاريـر، صـــدرت تـبـاعـا فــي النشرة العلمية الخاصة بـدائـرة الآثـــار. خـال الحفريات ، عُـــثــر على 1937 و 1936 الــتــي جــــرت بـــن عــامــي لوح مكسور من المرمر يذكر اسم «عبد الله هشام أمير المـؤمـنـن»، أي هشام بـن عبد المـلـك. إثـر هذا الاكتشاف، أُطلق على الموقع اسم «قصر هشام»، وعُرف به منذ تلك الحقبة. نقلت دائـرة الآثـار البريطانية ما جمعته من لقى فـي هــذا القصر إلــى متحف بـــدأت بتشييده فـي الـقـدس الشرقية، وافتتحته سنة 1930 سنة ، وأطلقت عليه يومها اسم «متحف فلسطين 1938 لـــآثـــار». تـمـثّــلـت هـــذه الـلـقـى فـــي الـــدرجـــة الأولـــى بمجموعة هائلة من النقوش النحتية، إضافة إلى عدد من التماثيل الآدمية، وشكّلت هذه الشواهد مادة استثنائية للتعريف بالفنون الأموية المدنية المــرتــبــطــة بـــهـــذا المــــيــــدان. تـــزامـــن هــــذا الاكــتــشــاف مـع اكـتـشـاف مشابه لا يـقـل عنه إثــــارة، تَــمـثّــل في ظـهـور مجموعة مشابهة مـن الـلـقـى، خـرجـت من قصر الحير الغربي فـي البادية الـسـوريـة. قامت بـاسـتـكـشـاف هــــذا الــقــصــر بـعـثـة فـرنـسـيـة قــادهــا 1936 عـالـم الآثــــار دانـــيـــال شلومبرجير بــن عـــام ، وصدر التقرير المطوّل الخاص بهذه 1938 وعام . تبي أن القصر شُيّد في عام 1939 الحملة في عام بأمر من هشام بن عبد الملك على أنقاض دير 727 يعود إلى زمن الغساسنة، وتحوّل مع مرور الزمن إلـــى أطــــال، خــرجــت مــن بــن أنـقـاضـهـا مجموعة هـائـلـة مــن الـنـقـوش الـنـحـتـيـة، تُــمـاثـل بأسلوبها الفني المتقن تلك التي خرجت من خربة المفجر. مـــع نــهــايــة الانــــتــــداب عــلــى فـلـسـطـن ونــشــوء ، توقّفت أعمال دائرة الآثار 1948 دولة إسرائيل في الـبـريـطـانـيـة، وأصــبــح «مـتـحـف فلسطين لـآثـار» تحت إدارة المملكة الهاشمية الأردنية. في ظل هذه الإدارة، أنجز ديمتري برامكي رسالة دكتوراه في حملت عنوان «الحضارة والعمارة العربية 1953 فــــي الـــفـــتـــرة الأمـــــويـــــة: دراســـــــة مـــقـــارنـــة بــــالإشــــارة الخاصة إلـى تنقيبات قصر هشام». بعدها، قام عالم الآثـــار البريطاني جــورج هاملتون بدارسة الموقع بشكل شامل ومـوثّــق بالتعاون مع العالم الفرنسي أوليغ غاربار، ونشرت جامعة أوكسفورد تحت عنوان: 1959 هذه الدراسة الشاملة في سنة «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء». أثبتت هذه الدراسة أن الموقع يعود فعلا إلى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، واستمرّت حركة البناء فيه بعد وفاة الخليفة، إلى أن تعرّض لزلزال ضخم في ، والأرجح أن جزءا من منشآته تعود إلى 746 عام عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام، وحكم .744 و 743 بين يـتـألّــف هـــذا الـقـصـر مــن دار رحــبــة، ومسجد عــــام، ومـسـجـد خــــاص، وبــركــة مــــاء، وحــمــام فخم كبير. يقع المدخل الرئيسي في الزاوية الجنوبية الــشــرقــيــة، ويــــــؤدّي إلــــى ســـاحـــة مـكـشـوفـة تـحـوي اليوم مجموعة من اللقى الأثرية، أشهرها نجمة ســـداســـيـــة الأطـــــــراف تـــضـــم ســـت دوائــــــر مــجــدولــة، تــشــكّــل إطــــــارا لــــدائــــرة كــبــيــرة تـــتـــوسّـــط تـألـيـفـهـا. فـــي الـجـهـة الـشـمـالـيـة مـــن هـــذه الــســاحــة، شُــيّــدت بركة تـزيّــن أرضيتها سـجـادة فسيفسائية. وفي الجهة الغربية لهذه البركة، يقع المدخل الداخلي الـــرئـــيـــســـي لــلــقــصــر، ويـــفـــضـــي إلـــــى ســـاحـــة رحــبــة تـــحـــدّهـــا مــجــمــوعــة مـــن الــــغــــرف. فـــي وســــط رواق الساحة الجنوبي، يقع المسجد الصغير الخاص بــالــخــلــيــفــة، وفـــــي شـــمـــال الــــــــرواق الـــشـــرقـــي، يـقـع المسجد الـعـام. فـي الجهة الشمالية للقصر، يقع مـمـر يــربــط بــن الـقـصـر والــحــمّــام المـلـكـي، وتــزيّــن قـاعـة هـــذا الــحــمّــام ســجــادة فسيفسائية مـربّــعـة، متراً. في شمال هذا الحمام، قاعة 30 طول ضلعها خـاصـة تـوصـف بقاعة الاسـتـقـبـال، تزيّنها كذلك سجادة فسيفسائية. تحوي البادية الأردنـيـة موقعا أمويا يُعرف بـاسـم قصير عــمــرة، تـزيّــنـه جـــداريـــات تـمـتـد على مــتــرا مــربــعــا، وتــشــكّــل أكـبـر 380 مـسـاحـة تـــقـــارب برنامج تصويري معروف من الألفية الأولــى في العالم المتوسطي. في المقابل، يحوي قصر خربة المفجر فسيفساء توصف بأكبر فسيفساء معروفة فـي هــذا الـعـالـم. زُيّـــن هــذا القصر بـرسـوم جدارية ضــاعــت كـلّــهـا لـــأســـف، ولـــم يـبـق مـنـهـا إلا بضع شــذرات عُثر عليها وسـط طبقات الـــردم، مبعثرة ومـتـسـاقـطـة. فــي المـقـابـل، خـرجـت مــن هـــذا المـوقـع مـجـمـوعـة عـظـيـمـة مـــن الــقــطــع الـنـحـتـيـة مــتــعــدّدة الأنــــــــواع، تُــعــتــبــر الـــيـــوم مـــن أجـــمـــل شـــواهـــد الـفـن الأمـــوي، ودراستها تكشف عن ثــراء هـذا الميراث، وتعدّديته الثقافية المدهشة. محمود الزيباوي مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا تبدت وجوهها واضحة حينا واختبأت أحيانا خلف أقنعة مختلفة النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث إذا كــــان الــــنــــزوع الــنــرجــســي والاهـــتـــمـــام بـــالـــذات، قــد شـكَّــا سـمـة واضــحــة المـعـالـم من سمات الشعرية العربية القديمة، فقد حملت تجلياتها الوضوح نفسه في الشعر الحديث، سـواء من خـال سفور الأنـا عن وجهها على نـحـو مـبـاشـر، أو مــن خـــال اخـتـبـائـهـا خلف أقنعة وأساطير وتـوريـات مختلفة، من مثل تموز والعنقاء وقلقامش وأدونـيـس وأيـوب ولعازر والمتنبي وغيرهم. إلا أن أي مــقــاربــة لــهــذه المــســألــة ستظل مــوضــع ريــبــة والــتــبــاس، مــا لــم تـتـم الإشــــارة إلـــى نقطتين مـهـمـتـن، تتمثل الأولــــى بكون الـــنـــزوع الــنــرجــســي لــيــس بــحــد ذاتــــه هــنــة أو نقيصة، وهـو لا يكون كذلك إلا حـن يتفاقم أمــره ليصبح نوعا مـن الـبـارانـويـا الخالصة أو العشق المرضي للذات. أما النقطة الأخرى، فتتمثل في كون النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب، لم تقلل بأي حال من فرادة نــتــاجــهــم الإبـــــداعـــــي، ولــــم تـــحُـــل دون تــصــدُّر بعضهم للمشهد الشعري العربي المعاصر برمته. ومع أن الظلال الوارفة للنزعة للنرجسية، تتبدى على نحو ملحوظ في تجارب الشعراء الـــــرواد والأجـــيـــال الــتــي تبعتهم، فـإنـنـا نجد لــــدى ســعــيــد عــقــل وأدونــــيــــس ونــــــزار قـبـانـي ومحمود درويــش، على نحو خـاص، الكثير مـن الـشـواهـد الــدالــة على تـأصـل هــذه النزعة وتعاظمها، وحضورها الراسخ في تجاربهم وأعمالهم المختلفة. وإذا كــــان اســــم سـعـيـد عــقــل هـــو أول ما يـتـبـادر إلـــى الــذهــن لـــدى حديثنا عــن تعاظم الأنــــــــا وتــــفــــاقــــمــــهــــا؛ فـــــــأن شــــعــــره ومــــواقــــفــــه يزخران بقدر من الاعتداد بالهويتين الفردية والجمعية، قل نظيره عند أي شاعر آخر. لا، بــل إن صــاحــب «قـــدمـــوس» لا يــتــرك للباحث عـن الـشـواهـد الـدالـة على نرجسيته أن يبذل الكثير من الجهد، ليكتشف أن أعماله برمتها لــيــســت ســـــوى انـــعـــكـــاس لــــزهــــوه الــنــرجــســي وذاتـه المتعالية. وسـواء دارت قصيدته حول موضوع الوصف أو الغزل أو المديح أو الرثاء، فهي لا تكف عـن الــــدوران حــول مـحـور واحـد هو الفخر بالنفس، وإعلاء الذات وتعظيمها إلى حدود الغلو المفرط. حـــن قـــام شـــولـــوخـــوف، صــاحــب «الــــدون الـــــهـــــادئ»، بــــزيــــارة إلــــى بــــيــــروت، وطُـــلـــب من سـعـيـد عــقــل المـــشـــاركـــة فـــي حــفــل تــكــريــمــه، لم يستطع الأخــيــر تجنب الإشــــادة بنفسه إلـى جانب المكرّم، فخاطبه قائلاً: ُ لئن تحك عن نهر فشطر قصيدتي يطل وهز السيف يكتمل الشطر وحتى في مقام الرثاء لا يتوانى عقل عن مقاسمة المرثي مكانته وصفاته، فيقول في رثاء أمين تقي الدين، ممتدحا نفسه: أقول الحياة العزم حتى إذا أنا انتهيت تولى القبر عزمي من بعدي وحـــيـــث لا يــتــوانــى عــقــل عـــن الــغــمــز من قناة بعض مرثييه، كأن يسأل أحمد شوقي، في حفل إزاحـة الستار عن تمثاله في مدينة زحلة اللبنانية: «أنا النهر، شوقي، أينا اليوم أشــــعــــر؟»، فــــإن الاعــــتــــداد الــنــرجــســي بـــالـــذات، بتقمص أحيانا مع صورة الوطن والجماعة الأهلية، كقوله بلسان اللبنانيين: «نتحدى الــدنــيــا شـعـوبـا وأمــــصــــاراً، ونـبـنـي أنّــــى نشأ لبنانا». أمــــا نـــــزار قـــبـــانـــي، فــقــد حــمــلــت تـجـربـتـه وأعـمـالـه وعـاقـتـه بــالمــرأة أشــكــالا مــن الـزهـو والانـتـشـاء بــالــذات، لـم يشهد الشعر العربي مـثـيـا لـهـا مـنـذ تـجـربـة عـمـر بــن أبـــي ربيعة. فنزار كعمر، هو المهيمن والمعشوق الوسيم المــمــســك بــخــيــوط الــلــعــبــة، وقـــائـــد أوركــســتــرا المـــتـــعـــة والإغـــــــــــــواء. وهــــــو إذ يـــــــوزع الأدوار والمقادير في لعبة الحب والأســـرّة ومسارات العلاقة وأقدارها، لا يتردد في مخاطبة امرأة مفرطة الإلحاح على المتعة بالقول: ِ لفّي تحارير الهوى وامضي ٍأنا في السماء وأنت في الأرض ِما أنت من بعدي سوى طلل أنقاضه تبكي على بعض وإذا اسـتـثـنـيـنـا أعـــمـــال نــــزار السياسية الــتــي تـضـطـر فـيـهـا ذات الـشـاعـر إلـــى تنحية نفسها عن المشهد العربي الموغل في قتامته، فـــإن نـتـاج قـبـانـي المــتــرع بـعـشـرات المـغـامـرات والـــتـــجـــارب الــعــاطــفــيــة، مـــا هـــو إلا انـعـكـاس لـــصـــور الأنــــــا المـــتـــرامـــيـــة الـــتـــي تـــكـــرر نـفـسـهـا فـــي مـــرايـــا الـفـحـولـتـن الـشـعـريـة والـعـشـقـيـة. والأرجــح أن الجذور العميقة لنرجسية نزار متأتية من نشأته المترفة، ووسامته الظاهرة، وموهبته العالية. كما لا يتحرج قباني مـن إظـهـار براعته فــي الإيـــقـــاع بـالـنـسـاء، وصــــولا إلـــى تنصيب نفسه زعيما بـا منافس لجمهورية العشق والــــعــــاشــــقــــن. لــــذلــــك؛ فـــهـــو يـــخـــاطـــب إحــــدى نـسـائـه الـــســـاذجـــات فـــي قـصـيـدة «نـرجـسـيـة» بالقول: «هل ممكن أيتها الساذجة السطحية الـــحـــمـــقـــاءْ. هـــل مــمــكــن أن تـجـهـلـي أنّـــــي الـــذي أسس جمهورية النساءْ». وإذ يـحـاول نــزار مـــواراة اعـتـداده بنفسه خـــلـــف أقـــنـــعـــة كـــثـــيـــرة تـــحـــفـــل بـــهـــا قـــصـــائـــده ومـقـطـوعـاتـه، وبـيـنـهـا شـهـريـار وديــــك الجن وكازانوفا ودون جوان وراسبوتين وغيرهم، فــهــو يـــؤثِـــر فـــي قــصــائــد أخـــــرى إظـــهـــار هــذه الـــنـــرجـــســـيـــة عـــلـــى نـــحـــو مـــكـــشـــوف، كـــمـــا فـي قـصـيـدتـه «الـــرســـم بــالــكــلــمــات» الــتــي تـوصـل جنوحه النرجسي إلى ذراه القصوى. وإذا كـــان أدونـــيـــس واحـــــدا مـــن الـشـعـراء الـذيـن تستبطن تجربتهم الكثير مـن ملامح الـنـزعـة النرجسية ومـواصـفـاتـهـا، فــإن رغبة الـشـاعـر فــي الـتـفـرد تظهر مــن خـــال اتـخـاذه مــــن الإلــــــه الــفــيــنــيــقــي أدونـــــيـــــس، الــــــذي قـتـلـه الـخـنـزيـر الــبــري عـلـى ضــفــاف نـهـر إبــراهــيــم، اسـمـا بــديــا عــن اسـمـه الأصــلــي. ومـــن يتابع مسيرة أدونيس الشعرية والفكرية، فلا بد أن يلحظ عـدم اكتفائه بمجد التسمية الناجز، ومحاولته النهوض بأسطورته الشخصية بمختلف السبل المتاحة. ولن نعدم في هذا السياق الشواهد الدالة عـلـى الـبـعـد الـنـرجـسـي فـــي تـجـربـة أدونــيــس وأعـمـالـه. لا، بـل إن الأسـاطـيـر والــرمــوز التي يـسـتـخـدمـهـا فـــي شـــعـــره، هـــي نـفـسـهـا قناعه ووجهه في آن. ولعل في ديوانه «مفرد بصيغة الـجـمـع»، مـا يـقـدم الـشـواهـد الـدالـة على الأنـا المتفاقمة التي تجعل من التاريخ والجغرافيا والبشر والطبيعة، مجالها الحيوي ومنطقة نـفـوذهـا المشتهى. وإذ يضع الـشـاعـر لفصل الكتاب الأول اسـم «تكوين» وللفصل الثاني اسم «تاريخ»، فلكي يماهي بين سفْر تكوينه الفردي وسفر تكوين الخليقة من جهة، وبين تاريخه وتاريخها من جهة أخرى. كما تتنازع هويته القلقة أسماء كثيرة لــــــخــــــوارج الأرض ومـــجـــانـــيـــنـــهـــا ومــشــعــلــي ثوراتها، فهو القرمطي والبهلول بقدر ما هو عـلـي أحـمـد سعيد وعـلـي أحـمـد إســبــر، وهـو أدونـــيـــس الــــذي «أحــبــتــه عـشـتـار وتستدعيه الــــشــــعــــوب». والـــــافـــــت، أن الــنــرجــســيــة الــتــي اتخذت شكلا مواربا على امتداد الكتاب، ما يلبث الشاعر أن يفصح عنها في نهاياته على نحو صـريـح، وإن اتـخـذت شكل ســؤال حائر «من أنت أيها السيد؟ من يقول لأدونيس من هو؟ يسأل، لا جواب. فليكسر مرآة نرسيس، مرآة نرسيس ظلٌّ، كيف يكسر الظل؟». ولا يـخـتـلـف الأمـــــر فـــي أعـــمـــال أدونـــيـــس الأخــــرى، حيث يـرتـدي الـشـاعـر قـنـاع مهيار، الــــهــــادم المـــؤســـس «الــــــذي لا أســـــاف لـــه وفــي هــويــتــه جـــــــذوره». وهــــو الـــــذي يـبـشـر الـعـالـم بظهوره في قصيدته «هذا هو اسمي»، ليعلن دون تردد «لغم الحضارة / هذا هو اسمي». وهــذه الأنــا بـالـذات هـي التي تدفع صاحبها إلـــى أن يختبئ فــي ديـــوانـــه «الــكــتــاب» خلف قـنـاع المتنبي، الـشـاعـر الأكـثـر فـــرادة وتأثيرا فـــي تـــاريـــخ الــــعــــرب، فـــضـــا عــمــا تــحــيــل إلـيـه التسمية من محاكاة واضحة للمقدس. وهو ما ينسحب على كتاب أدونيس «الأدونيادا»، الــذي تحيل تسميته إلــى إلـيـاذة هوميروس وإنياذة فيرجيل. وإذا كـان فـي شخصية محمود درويـش وشـــعـــره، الـكـثـيـر مــن الــزهــو الـنـرجـسـي الــذي يـــظـــهـــر جـــلـــيـــا فـــــي قـــــصـــــائـــــده، فـــــــإن صـــاحـــب «الـــهـــدهـــد» قـــد نــجــح فـــي تــصــريــف جــــزء من نرجسيته عبر التماهي مع صورة فلسطين، الــــتــــي نــقــلــهــا الــتــغــيــيــب والـــظـــلـــم إلـــــى خــانــة القداسة. إلا أن الشاعر في مقاربته لشخصية نرسيس، يعبّر عن اعتقاده بأن البشر الذين يـصـنـعـون طـاغـيـتـهـم بـأيـديـهـم، هــم أنفسهم الـــذيـــن يـصـنـعـون نـرسـيـسـهـم؛ لــكــي يخبئوا انبهارهم بذواتهم خلف صورته. والأرجـــــــــح أن درويــــــــش حــــن حــــــاول أن يرسم صورة تقريبية ونقدية لنرسيس، في قصيدته الأخيرة «لا أريـد لهذه القصيدة أن تـنـتـهـي»، لــم يـكـن يـقـصـد ســـوى نـفـسـه، حين قــال: «كــان يمكن أن يربح الشعر أكثر، لو لم يكن هو لا غيره: هدهدا فوق فوّهة الهاوية. ربما قال: لو كنت غيري لصرت أنا مرة ثانية. هكذا أتحايل، نرسيس ليس جميلا كما ظنّ، لكن صنّاعه ورّطوه بمرآتهِ، فأطال تأمله في الهواء المقطّر بالماء، لو كان في وسعه أن يرى غيره، لأحب فتاة تحملق فيه وتنسى الأيائلَ، تركض بين الزنابق والأقحوانْ. ولو كان أذكى قليلا لحطّم مرآتهُ، ورأى كم هو الآخرونْ». شوقي بزيع أدونيس محمود درويش النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky