تنتهي الـــحـــروب عـلـى طــاولــة المـــفـــاوضـــات، ولـن تشذ عـن هــذه الـقـاعـدة الـحـرب الأمـيـركـيـة - الإيـرانـيـة الـراهـنـة. ورغــم تأخر توقيع اتـفـاق «مـذكـرة التفاهم» بــن الـبـلـديـن، الـــذي يُــسـبـغ عليه الـرئـيـس الأمـيـركـي، دونالد ترمب، أوصافا عدة مثل «العظيم» و«الرائع»، وتبشير طهران بأنها أملت شروطها، فإن من المهم، يـومـا المـــحـــددة لـلـمـفـاوضـات، 60 قـبـل انـتـهـاء مهلة الـــــ أن تتراجع أسعار النفط، لينعكس ذلـك إيجابا على المستهلك الأميركي، وتتواصل بنجاح فعاليات كأس العالم في أميركا، وتنصرف طهران إلى دفن المرشد 126 يوليو (تـمـوز) المقبل، بعد 4 علي خامنئي يـوم يوما من مقتله. لــــم يـــرفـــع حـــكـــام طــــهــــران الــــرايــــة الـــبـــيـــضـــاء ولـــم يـعـلـنـوا تــجــرع الــســم كــمــا فــعــل الـخـمـيـنـي فـــي نـهـايـة الحرب العراقية - الإيرانية، لكن هناك متغيرا نوعيا يرسم معالم تغييرات جيوسياسية آتية، يكمن في الاسـتـراتـيـجـيـة الأمـيـركـيـة الـتـي انتقلت إلـــى الحسم، ومثلها الإسرائيلية؛ الأمر الذي يدفع إلى التمعن في أبعاد هذا التغيير، والتأمل الدقيق في ما ستؤول إليه الأوضــــاع بعد الــحــرب، بعيدا عـن كـل أشـكـال الخطب الانتصارية. سـنـة عن 38 عـنـدمـا أعــلــن الـخـمـيـنـي قـبـل نـحـو قبوله تجرع السم، فإن تلك المرحلة أطلقت بقوة أكبر مشروع «تصدير الثورة» بهدف إقامة نموذج إسلامي إيــرانــي يـتـجـاوز الــحــدود والـقـومـيـات. اسـتـهـدف هذا المــشــروع المنطقة، ليمتد مـن بحر قـزويـن إلــى البحر المـتـوسـط، ورســـم سـيـاقَــه وأهـــدافَـــه الخميني، مطلقا الـوعـد بنموذج إسـامـي مختلف قــادر على مواجهة النظام الدولي السائد. وشـــكـــل إســـقـــاط نـــظـــام صـــــدام حــســن ومــــا تبعه جــرعــة نــشــاط كـبـيـرة لــهــذا المـــشـــروع، لا سـيـمـا الــقــرار الخطير الــذي أعلنه حاكم الـعـراق، بـول بريمر، بحل الجيش العراقي، لتبدأ طهران مخطط ملء الفراغ. ولم عواصم 4 يتأخر وقت تباهي طهران بالسيطرة على عربية. وبالإمكان اليوم القول بثقة إن قـرار الرئيس ترمب إزاحـــة قاسم سليماني؛ رمــز مـشـروع التوسع الإيـــــرانـــــي، كــــان - إلــــى جـــانـــب أهــــــداف أخـــــرى - بــدايــة متقدمة لفرض انكفاء هـذا المـشـروع الــذي صــدّع دول المنطقة وهز استقرارها وأمن شعوبها. فــي الأســابــيــع الأخـــيـــرة الـتـي تـلـت بــدايــة الـحـرب الأمـيـركـيـة - الإيــرانــيــة، بـــدأت عـنـاويـن وهــمــوم أخــرى تتقدم في إيـــران. لــذا؛ لم يكن قليل الأهمية والتأثير إعلان قاليباف أن «إيران لم تنتصر، لكنها صمدت»، وعلى قـاعـدة هـذا الصمود يمكن الـذهـاب «إلــى إبـرام صــفــقــة مـــع الأمـــيـــركـــيـــن»، والــصــفــقــة تـــطـــوي عــنــوان المـواجـهـة المستمرة منذ عـقـود. ويحتل أهـمـيـة لافتة إعلان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان: «الإيرانيون جياع رغـم جلوسهم على النفط والـغـاز». وهـذا الهم كــبــيــر ومــــحــــوري. تــقــدمــت عـــنـــاويـــن حــمــايــة الــنــظــام، وحــمــايــة الـــــــرؤوس، والالـــتـــفـــات إلــــى الــــداخــــل، وصـــار التحدي كيف تُحمى السلطة ويُمنع «التغيير»؛ وهو الـــذي احـتـل حـيـزا فــي خـطـاب الـرئـيـس تــرمــب، وأكـثـر منه في الخطاب الإسرائيلي. الحديث مبكر عن حسم ولادة قـنـاعـة إيـرانـيـة بـأنـه مــا عـــاد بـالإمـكـان الـعـودة إلى ما كان قبل عملية «طوفان الأقصى» وتداعياتها على غزة ولبنان وسوريا والعراق، وعلى إيران ذاتها وحرسها ونظامها. ومــــبــــكــــر الـــــقـــــول إن طـــــهـــــران ســـتـــقـــبـــل واقــــــــع أن مــشــروعــهــا الإمـــبـــراطـــوري لـــم يــعــد فـــي حــــال صــعــود، وأنـــه مـتـعـذر عليها الاحـتـفـاظ بالمتبقي مـن أذرعـهـا، وبالتالي نفوذها في طول المنطقة وعرضها. وبعيدا عـــمّـــا طـــرحـــه الـــجـــنـــرال إســمــاعــيــل قــــاآنــــي، ولا يـجـوز إغفاله، عن مشروع «حزام أمني جديد للمقاومة يمتد مـن مضيق هرمز إلـى بـاب المـنـدب، ومـن الخليج إلى البحر الأحمر»؛ لأنه «ما بين غمضة عين وانتباهتها» قد تعود طهران إلى ما كـان، رغم الانتقاد الـاذع من الرئيس بزشكيان؛ الوحيد المنتخب من شعوب إيران: «الشهادة فوز عظيم، ولكن ليس مقبولا أبدا أن يتمكن العدو من اغتيال قادتنا بسهولة»... فإن ذلك يفضي إلــــى الأخــــذ فـــي الــحــســبــان تــقــدم أولـــويـــة أمــــن الـنـظـام الإيراني والتوازنات الداخلية الدقيقة، بعدما عجزت الأذرع عن الدفاع الخارجي المأمول عن هذا النظام. الــــــســــــؤال الــــــــذي يــــطــــرح نـــفـــســـه، مـــــع مـــظـــاهـــرات «مـشـغـولـة» دعـــت إلـــى إســقــاط مـحـمـد بــاقــر قاليباف وعباس عراقجي (فريق التفاوض): هل بـدأت نهاية زمــن «الــثــورة الإسـامـيـة» الـتـي أطلقت عـصـر تـجـاوُز القوميات والــحــدود، أم هـل تنحو إيـــران، بعد «إطـار الاتفاق» مع الأميركيين، نحو الدولة القومية المتشددة التي ستعود مستقبلا حاملة الأخطار على المحيط، مستفيدة مـن بقاء المـرشـد فـي قلب المشهد، وإن كان الــوضــع الـــراهـــن قــد سـجـل غـيـابـا مـتـمـاديـا لــه صـــورة وصوتا ً؟ إنـــه احـتـمـال كـبـيـر؛ ربــمــا يــدغــدغ الــيــوم مشاعر الممسكين بـــالأرض كالجنرال أحمد وحـيـدي ورفـاقـه، الذين عليهم أن يخشوا غضب شعب جائع. وهم بعد ســقــوط الـــرهـــان عـلـى المـــشـــروع الـــنـــووي سيتمسكون )» الــــذي لــن تتخلى 2 بــ«مـضـيـق هــرمــز (الـــنـــووي رقـــــم طهران بسهولة عن امتلاك الكلمة العليا بشأنه، وقد بـــات أحـــد أهـــم شــرايــن الـتـجـارة والـطـاقـة فــي الـعـالـم، وواشـنـطـن تعرف أن طـهـران تــدرك تعذر بقاء قبضة الحصار البحري الأميركي. Issue 17367 - العدد Tuesday - 2026/6/16 الثلاثاء في أقل من عام شهدت المملكة العربية السعودية حدثين متَّصلين بتاريخ الإفتاء، أولهما صدور الأمر المـلـكـي بتعيين الـشـيـخ صــالــح الـــفـــوزان مفتيا عاما ورئيسا لهيئة كبار العلماء؛ الأمــر الــذي حمل عند صدوره دلالات مهمة سواء في توقيته أو مضمونه، أو حتى في اختيار الشيخ الفوزان تحديداً. أمَّــا ثانيهما، فتوقيع مذكرة التعاون بين دارة الملك عبد العزيز والرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء لتوثيق تاريخ الإفتاء وإرثـه العلمي. وبين الـحـدثـن يـبـرز ســــؤال يستحق الـتـأمـل: لمـــاذا لا يــزال تـاريـخ الإفـتـاء والمؤسسة الدينية السعودية، ورغـم أهـمـيـتـه فـــي فـهـم تـــاريـــخ الـــدولـــة والمــجــتــمــع، مـــن أقـل موضوعات التاريخ الوطني دراسة وتوثيقاً؟ مـــع أنَّــــه تـــاريـــخ لا يـتـعـلَّــق بــالــفــتــاوى والـعـلـمـاء فحسب؛ بل يتجاوز ذلك كونه جـزءا من تاريخ بناء الدولة السعودية نفسها؛ إذ ارتبط العلماء بوظائف الـقـضـاء والـتـعـلـيـم والإفـــتـــاء، وأســهــمــوا فــي تشكيل الــفــضــاء الـــعـــام، وصــيــاغــة المــرجــعــيــة الــديــنــيــة الـتـي استندت إليها مؤسسات الدولة في مراحل مختلفة. ومــــع تــطــور بــنــاء الـــدولـــة تـــطـــورت كــذلــك مـؤسـسـات الإفتاء والقضاء والتعليم الشرعي، في مسار يكشف عـن عـاقـة تكاملية بـن المـؤسـسـات الحكومية؛ بما فـي ذلــك المـؤسـسـة الـديـنـيـة، والـتـي يمكن النظر إلى مراحل رئيسة؛ المرحلة الأولى: مرحلة 4 تطورها عبر العلماء بوصفهم مرجعية اجتماعية وديـنـيـة قبل ظهور الأجهزة الحديثة. أمَّا المرحلة الثانية: فتمثلت في الانتقال إلى المؤسسة الرسمية في منتصف القرن العشرين، مع إنشاء دار الإفتاء. وفي المرحلة الثالثة تـــزامـــن تــطــور المــؤســســة الــديــنــيــة مـــع تــوســع أجــهــزة الدولة وتطور أنظمتها. وفي المرحلة الرابعة، التكيف مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية. ولعل إحدى الحقائق التاريخية اللافتة أن تطور المؤسسة الدينية، كونها إحدى مؤسسات الدولة، كان يسير غالبا بـالـتـوازي مـع تطور المؤسسات الأخـرى وتنظيماتها. فبعد إنشاء مجلس الـوزراء ثم صدور نظامه، أنشئ جهاز بمسمى: دار الإفـتـاء والإشـــراف )، سـبـق ذلـك 1954( عـلـى الــشــؤون الـديـنـيـة والمـعـاهـد .)1952( تعيين أول مفت للبلاد بشكل رسمي عام وفي البيان الذي أعلنه الأمير آنذاك فيصل بن عبد الـعـزيـز ولــي العهد رئـيـس مجلس الــــوزراء عام والمـــعـــروف بـبـرنـامـج الـنـقـاط الـعـشـر، ورد في 1962 نقطتيه الثالثة والـرابـعـة عـن خطة «إنــشــاء مجلس أعلى للقضاء ووزارة للعدل ومجلس للفتيا (هيئة كبار العلماء)»، وهو ما تم لاحقاً، كما صاحب صدور تعيين مفت 1993 و 1992 الأنظمة الأسـاسـيـة عامي عــــام، وإنـــشـــاء وزارة لـلـشـؤون الإســامــيــة والأوقــــاف والدعوة والإرشاد. غـيـر أن دراســــة المـؤسـسـة الـديـنـيـة لا ينبغي أن تقتصر على هياكلها التنظيمية وقراراتها الرسمية، فثمة بُعدان مهمان لم يحظيا بالاهتمام الكافي في الدراسات التاريخية. البعد الأول: هو علاقتها بالمجتمع؛ فالعلماء، رغم مكانتهم العلمية والنخبوية، لم يكونوا معزولين عن محيطهم الاجتماعي؛ فقد شـاركـوا في معالجة الـــنـــزاعـــات، وتــوثــيــق الــعــقــود والأوقــــــاف والــوصــايــا، والإجابة عن الأسئلة اليومية للناس، وأسهموا في حـفـظ جـانـب مـهـم مــن الـــذاكـــرة الاجـتـمـاعـيـة المحلية. وتــمــثــل الـــوثـــائـــق الــشــرعــيــة والـــفـــتـــاوى والــســجــات الـقـضـائـيـة مـــصـــدرا تـاريـخـيـا ثــريــا لـفـهـم الـتـحـولات الاقــتــصــاديــة والاجـتـمـاعـيـة والـثـقـافـيـة فــي المجتمع السعودي عبر العقود. أمَّـــا الـبـعـد الـثـانـي: فـهـو دور المـؤسـسـة الدينية في التعامل مع الأزمـات الكبرى، فالتاريخ لا يكشف أهــمــيــة المـــؤســـســـات فـــي الــــظــــروف الـــعـــاديـــة بـــقـــدر ما يكشفها في لحظات الاختبار. ومن هنا تبرز أهمية دراســـــة مـــواقـــف الــعــلــمــاء والمـــؤســـســـة الــديــنــيــة خــال أحـــــداث مفصلية مـثـل حــصــار الـــدرعـــيـــة، والـــفـــن في الدولة السعودية الثانية، ومعركة السبلة، وحادثة جهيمان، وغزو الكويت، ومواجهة موجات التطرف والإرهــاب، وثـورات الربيع العربي... وغيرها، وذلك بـــهـــدف فـــهـــم كــيــفــيــة تـــفـــاعـــل المـــؤســـســـة الـــديـــنـــيـــة مـع تحديات كل مرحلة. وفي هذا السياق، فإن أي دراسـة جادة تستلزم فـهـم الـنـصـوص والــفــتــاوى والمـــواقـــف الـتـاريـخـيـة في سياقاتها الزمنية، مع ربطها بالمعطيات السياسية والاجتماعية والفكرية التي أحاطت بها. فالتاريخ لا يُفهم من خلال النتائج وحدها؛ بل من خلال الظروف التي صنعت تلك النتائج. من هنا تبدو الصورة أكثر تعقيدا مما يُصوَّر أحـيـانـا فــي بـعـض الـكـتـابـات المــعــاصــرة؛ فالمؤسسة الدينية السعودية لم تكن ثابتة على صـورة واحدة طــوال تاريخها، كما أنَّها لم تكن في حالة مواجهة دائـــمـــة مـــع الـتـغـيـيـر، بـــل يـمـكـن الـــقـــول إنَّـــهـــا خـاضـت عـمـلـيـة مــســتــمــرة مـــن الــتــكــيــف مـــع الـــتـــحـــولات الـتـي شـهـدتـهـا الـــدولـــة والمـجـتـمـع، بـــدرجـــات مـتـفـاوتـة من القبول أو التحفظ أو الاجتهاد. وقد نجحت في كثير من الأحيان في المواءمة بين المحافظة على المرجعية الشرعية والاستجابة لمتطلبات الواقع المتغير. إن تــوثــيــق تـــاريـــخ الإفـــتـــاء والمـــؤســـســـة الـديـنـيـة الـسـعـوديـة لا يمثل عـمـا أرشـيـفـيـا فـحـسـب؛ بــل هو مـــشـــروع وطـــنـــي لــفــهــم أحــــد المـــكـــونـــات الــرئــيــســة في التاريخ السعودي الحديث؛ فدراسة المؤسسة الدينية ليست دراسة لتاريخ العلماء وفتاواهم، وإنَّما نافذة لــفــهــم تـــطـــور الــــدولــــة الـــســـعـــوديـــة وبــنــيــة مجتمعها قرون. 3 ومسارات التحول التي مرَّت بها عبر ومـــن هــنــا، تـكـتـسـب المــــبــــادرات الـعـلـمـيـة المعنية بجمع هذا الإرث وتوثيقه وتحليله أهمية استثنائية، لأنَّها تسهم في بناء معرفة تاريخية أكثر دقة وعمقا وشـمـولاً. فكلما اتَّسعت دائـــرة التوثيق والبحث في تاريخ الإفتاء والمؤسسة الدينية، ازدادت القدرة على قراءة التجربة السعودية قراءة واعية تكشف تفاعلات الدولة والمجتمع عبر الزمن، وتمنح الأجيال المقبلة فهما أوضح لجذور الحاضر ومسارات المستقبل. كـشـفـت الـصّــيـغـة الأولـــيَّـــة المــســرَّبَــة للاتفاق الإيــــرانــــي - الأمـــيـــركـــي، رغــــم كـــل الـــتـــفـــاؤل الـــذي يـحـيـطـهـا، أن الـــحـــرب المــكــلــفــة والــقــاســيــة على الـــعـــالـــم مــــن قـــبـــل الـــطَّـــرفـــن لــــم تـــنـــتـــه إلـــــى حــالــة حسم سياسي واضــح، بل إلـى ما يمكن وصفه بالهدنة «المركّبة» الهشة. ومرجع هذا التركيب في نظري يعود إلى أن كل طرف يقرأ التفاصيل بـشـكـل مـخـتـلـف بــعــيــدا عـــن مـعـضـلـة «الــنــصــر» الخطابية، التي لا تهم الآن كما هـو الـحـال مع النقاش والجدل حول دوافع الحرب ومبتدئها، فاليوم هو يـوم التفاصيل وحالة المابعد التي يجب أن تساهم فيها دول المنطقة، خصوصا الـتـي تعرضت لـاعـتـداء الإيـــرانـــي، وتـصـدت له بعقلانيتها وعدم التصعيد. الـولايـات المتحدة تصف الاتـفـاق بالصفقة الرابحة لحملة عسكرية أنهكت إيران، وفرضت عليها الـعـودة إلــى التعهد بـعـدم امـتـاك سلاح نووي، وفتحت الطريق أمام إعادة فتح مضيق هـرمـز، بينما تنظر طــهــران إلـيـه، وفــق الـروايـة الـتـي نشرتها وكـالـتـا «مـهـر» و«تـسـنـيـم»، على أنَّه انتصار تاريخي لأنَّه اعتراف ببقاء النظام ثم الالتزام برفع تدريجي للعقوبات، واستعادة الأصول المجمدة. وإلــــى أن تـتَّــضـح الـــصـــورة نـحـن الآن أمـــام اتفاقين متباينين تـراه واشنطن ضبطا لسلوك إيـــــران وتـــــراه طــهــران تثبيتا لــوضــع جــديــد في المـنـطـقـة ولمـكـاسـب مــا بـعـد الـــحـــرب، وهـــو الأمــر الــذي أيضا فهمه حتى الإيـرانـيـون الأميركيون مـــمـــن كــــانــــوا مـــعـــارضـــن لـــلـــنـــظـــام، لـــكـــن الـــحـــرب صنعت منهم قوميين ضد الحرب، وعلى رأسهم ولـي نصر في مقالة مطوّلة حـول استراتيجية إيران الكبرى الجديدة. هـــــذا الـــتـــبـــايـــن لـــيـــس أمــــــرا عــــابــــراً، فــمــذكــرة التفاهم المكونة، بحسب الـروايـة الإيـرانـيـة، من بنداً، لا تتحدث فقط عن وقـف فـوري ودائـم 14 للأعمال العدائية على جميع الجبهات، بما في 24 ذلـك لبنان، بـل تشير أيضا إلـى الإفـــراج عـن مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة خلال فترة تفاوض لستين يوماً، مع إتاحة نصف هذه الأموال حتى قبل بدء المحادثات. كما تتضمَّن، بحسب التسريبات الإيرانية، تعليق العقوبات على مبيعات النفط، وخطة إعادة إعمار بحدود مليار دولار، والتزاما أميركيا بعدم التدخل 300 في الشؤون الداخلية الإيرانية، وهذه تفاصيل لا يمكن أن تكون مجرد هوامش في متن التموضع الإيراني ما بعد الحرب. مــــن جــهــتــهــا تـــركـــز واشـــنـــطـــن، عـــلـــى الأقــــل فـــي الــخــطــاب الــســيــاســي بــعــيــدا عـــن «شـعـبـويـة الانــــتــــصــــار»، عـــلـــى عـــــدم امــــتــــاك إيـــــــران لــســاح نووي والالتزامات بالتفاوض على مصير المواد الـنـوويـة المخصبة، وهــو الأمــر الــذي لا تتحدث عنه إيـــران إلا بعد تنفيذ كـل الالـتـزامـات وعلى رأسها رفع الحصار البحري. هـــل فـــتـــرة الــســتــن يـــومـــا كــافــيــة لـحـسـم كل هذه الأسئلة وإنتاج اتفاق ناضج وفعال يراعي الــصــورة الكلية للمنطقة ومـلـفـاتـهـا المتداخلة والمــتــشــابــكــة؟ ربــمــا هـــي بـــدايـــة، لــكــن الأكـــيـــد أن مـلـفـات مـــا بـعـد الاتـــفـــاق سـتـكـون مـعـقـدة وثـمـة أسـئـلـة حـاسـمـة يـجـب أن تـنـاقـش بــوضــوح عن المخزون وحدود التخصيب ودور وكالة الطاقة الذرية، وكيف سيتم ربط العقوبات بالامتثال، ومـــــا هــــي ضـــمـــانـــات جــمــيــع الأطـــــــــراف، والأهـــــم الـــضـــمـــانـــات لــــــدول المــنــطــقــة حــفــظــا لــاســتــقــرار والأمن. معضلة الاتـــفـــاق، رغـــم الــتــفــاؤل الــحــذر من جميع الدول، أن يتحول إلى ورقة ضغط لقبول اتــــفــــاق هــــش لأســــبــــاب ظـــرفـــيـــة مـــؤقـــتـــة، تـتـصـل بــأســعــار الـنـفـط والــحــاجــة إلـــى إعــــان انـتـصـار ســريــع لأســبــاب سـيـاسـيـة داخــلــيــة، صـحـيـح أن اسـتـقـرار الأســــواق مهم لكنَّه ليس سببا كافيا مع الحسابات الانتخابية لأن يتحول إلى إطار يقرر مصير منطقة بأكملها لعقود مقبلة. مضيق هـرمـز هــو بــوابــة أي حــل مـسـتـدام، فـهـو أهـــم مـــمـــرات الــطــاقــة والاقـــتـــصـــاد الـعـالمـي، والعقلانية التي تعاملت بها الــدول الخليجية وفي مقدمتها السعودية مع الأزمة، تنطلق من حرصها على ضبط التصعيد، وحماية الممرات والتوازنات السياسية الصعبة، وهذه العقلانية هــــي الــــتــــي ســـاهـــمـــت فــــي تــســهــيــل وخــــلــــق هـــذه الهدنة، ويجب أن تكون الدول المعنية بأي اتفاق من شأنه تقرير مصير العقود القادمة. إسـرائـيـل الحلقة الأضــعــف، لـذلـك تحرص على خـرق الاتـفـاق، ومـع ما يقال من أن الحرب وسَّعت الفجوة بين ترمب ونتنياهو، وأن ثمة مـــراجـــعـــات كــبــرى حــيــال الــتــحــالــف الأمـــيـــركـــي - الإسرائيلي، كما كتب المحلل جوشوا ليفر يوم أمس في «فـورن بوليسي»، وهو مؤلف الكتاب المــهــم «الألـــــواح المــحــطــمــة... نـهـايـة قـــرن يـهـودي أميركي ومستقبل الحياة الـيـهـوديـة». لكن كل هذا هو أقرب إلى مربع الضغط السياسي، منه إلى تحول استراتيجي عميق. الـخـاصـة: لـم يـعـد الــســؤال الـيـوم عـن دافـع الحرب وأخطائها، رغـم غرابتها في كل شيء، بل هو سـؤال اليوم التالي وتحديداً: هل يمنح الاتفاق هذه المنطقة الملتهبة والعالم المنهك من جــرائــهــا، فــرصــة لـلـتـعـايـش والـــســـام والتنمية والخروج من حافة اللايقين الذي ظلَّت عليه منذ عقود؟ بندر بن عبد الرحمن بن معمر يوسف الديني حنا صالح OPINION الرأي 14 اتفاق الستين يوما واللايقين السياسي الإفتاء والمؤسسة الدينية السعودية... التاريخ والإرث عن إيران التي تتغير
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky