issue17367

أعــاد نـزاعـان عسكريان، وقعا بفارق أقـل من عام، تسليط الــضــوء عـلـى آفـــاق الـصـن بـاعـتـبـارهـا مـصـدرا للسلاح. ومع ذلك، فإنه حتى مع عرض تجاري مغر قائم على تكنولوجيا متقدمة، وأسعار منخفضة، وسياسة «عدم طرح الأسئلة»، ستواجه البلاد صعوبة في إيجاد ســـوق واســـعـــة، خــــارج مـجـمـوعـة مـــحـــدودة ومـــركّـــزة من العملاء الحاليين. الــيــوم، وبـعـد عـقـود مــن الاسـتـثـمـار، تـأتـي الصين ضمن الخمسة الأوائل عالميا في بيع المعدات العسكرية، في صناعة تحقق أرقاما قياسية متتالية، وذلك بحسب معهد استوكهولم الـدولـي لأبـحـاث الـسـام، وهــو جهة بـــارزة فـي تتبع مبيعات الأسـلـحـة. ومــع ذلـــك، فــإن هذه الــقــوة الــصــاعــدة لــم تـخـض حــربــا كــبــرى مـنـذ مــا يقرب من نصف قــرن، ما يجعل أسلحتها إلـى حد كبير غير مُجرَّبة فـي حــروب العصر الحديث. والـافـت أن حصة بكين من صــادرات السلاح، لم تشهد سوى نمو طفيف للغاية. بـوجـه عـــام، لــم تتغير حـصـة الـصـن مــن مبيعات الأسلحة عالميا إلا قليلاً، بحسب قاعدة بيانات مبيعات الأسلحة التابعة لـ«معهد استوكهولم الدولي لأبحاث .2026 ) السلام» ـ مارس (آذار وهنا تحديدا تكمن أهمية الاشتباك، الذي اشتعل العام الماضي، بين الهند وباكستان عقب هجوم كشمير؛ إذ شـكّــل أول مـؤشـر عـلـى كيفية مـقـارنـة التكنولوجيا العسكرية الصينية، بالأنظمة الغربية الـتـي خضعت لاختبارات ميدانية. مـــن جــهــتــهــا، أعــلــنــت بــاكــســتــان أنـــهـــا اسـتـخـدمـت ســـي» صـيـنـيـة الـصـنـع، 10 - مــقــاتــات مـــن طــــراز «جــيــه لإســـقـــاط طـــائـــرات حــربــيــة هــنــديــة مــــــورَّدة مـــن دول من بينها فـرنـسـا، الـتـي يصنفها المعهد باعتبارها ثاني أكبر مُصدّر للأسلحة في العالم بعد الولايات المتحدة. وبـالـفـعـل، أقــــرت نـيـودلـهـي فــي الـنـهـايـة بـفـقـدان طـائـرة واحدة، على الأقل. ومــع ذلـــك، لـم يكن الحكم على المــعــدات العسكرية الصينية حاسماً؛ إذ إن أربعة أيـام من صـراع متوسط الـحـدة لـم توفر سـوى قـدر مـحـدود مـن المــؤشــرات، حول جــودة هـذه المـعـدات وقدرتها على الصمود. ومـع ذلـك، فقد وضعت تلك المواجهات أنظمة الأسلحة الصينية في دائرة الضوء - اهتمام لم يخفت منذ ذلك الحين. الــيــوم، تتجه الأنــظــار إلـــى حـجـم الــدعــم المـلـمـوس، الـذي ربما تقدمه بكين لإيــران، شريكها الاستراتيجي، خلال صراعها الجاري مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ورغم غياب أدلة على نشر أسلحة صينية بشكل مباشر، تشير وزارة الـدفـاع الأميركية إلـى أن لبكين سجلا في تصدير تقنيات مزدوجة الاستخدام؛ مدنية وعسكرية، خــصــوصــا مـــكـــونـــات لـــبـــرامـــج الـــصـــواريـــخ الـبـالـيـسـتـيـة والطائرات المسيّرة. هذا أمر لا يخلو من أهمية، لأن الطائرات المسيّرة الإيــــرانــــيــــة اســـتُـــخـــدمـــت فــــي ضـــــرب مـــنـــشـــآت عــســكــريــة أمــيــركــيــة، وبـنـيـة تـحـتـيـة لـلـطـاقـة، وأهـــــداف مـدنـيـة في الشرق الأوسط. كما يعتقد بعض خبراء الاستخبارات أن إيــــران قــد تستخدم نـظـام مـاحـة صينيا عـلـى صلة بالأقمار الاصطناعية. ومع ذلـك، فمن المرجح أن يكون هذا النوع من الدعم قد جرى تقديمه بالفعل قبل اندلاع الأعـمـال القتالية الحالية. أمـا دعـم بكين لطهران خلال النزاع، فقد اقتصر في معظمه على الجانب الاقتصادي. في الواقع، تشكل استراتيجية الصين القائمة على تـجـنّــب الــتــورط فــي صــراعــات عـسـكـريـة، والامــتــنــاع عن تقديم التزامات أمنية مُلزمة، أحد الأسباب التي تجعل من الصعب عليها اختراق سوق تصدير السلاح بقوة؛ فـــالـــدول لا تـشـتـري المـــعـــدات فـحـسـب، بــل تـشـتـري كذلك علاقات وشـراكـات، حسبما شـرح لي سيمون ويزمان، الباحث البارز في «معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام». وعليه، فإن تردد بكين في دعم شركائها - مثل إيـران وفنزويلا، اللتين تعرضتا لهجمات أميركية هذا العام - يشكل عقبة أمام قدرتها على جذب عملاء جدد. بوجه عام، تذهب معظم صادرات الصين العسكرية إلـى جارتها في جنوب آسيا. وتعتمد طموحات بكين الـــتـــصـــديـــريـــة إلـــــى حــــد كــبــيــر عـــلـــى دولــــــة واحـــــــدة فــقــط؛ فباكستان، الـتـي تصفها الـصـن بأنها «أخ حـديـدي»، في المائة من وارداتها من الأسلحة 80 استحوذت على 73 ، مقارنة بـ 2025 إلـى 2021 من بكين خـال الفترة من في المائة في السنوات الخمس السابقة، بحسب بيانات المـــعـــهـــد. وتــتــضــمــن هـــــذه المـــشـــتـــريـــات طــــائــــرات مـقـاتـلـة مــتــقــدمــة، وصــــواريــــخ ورادارات وأنــظــمــة دفـــــاع جـــوي، مدفوعة بالمنافسة الطويلة بين إسلام آباد ونيودلهي. تــتــأثــر ســــوق الـــســـاح الــعــالمــيــة، عــلــى نــحــو كـبـيـر، بسياسات واشنطن، وكيفية استجابة الـدول لها. قبل عشرين عـامـا، كانت واشنطن وبكين تستحوذان على حصص متقاربة من واردات باكستان من الـسـاح. إلا أن العلاقة مع واشنطن تدهورت قبل أكثر من عقد، ما أفسح المجال لبكين لملء هذا الفراغ. وبــالــتــالــي، فــــإن الــنــمــو المـــتـــواضـــع فـــي الـــصـــادرات الصينية من الأسلحة خلال السنوات الخمس الماضية، يُعزى تقريبا بالكامل إلـى زيــادة الطلب من باكستان، فـي المـائـة خــال تلك 66 الـتـي ارتفعت وارداتــهــا بنسبة الفترة، وفق بيانات المعهد. وبــعــد ذلــــك الاشـــتـــبـــاك، أعــلــنــت إســــام آبــــاد زيــــادة في المائة. وقد يساعد 20 ميزانيتها العسكرية بنسبة هــــذا الارتــــفــــاع فـــي تـفـسـيـر الأداء الـــقـــوي لــشــركــة «أفــيــك تشنغدو لصناعة الطائرات»، المصنعة للمقاتلة «جيه سي»، التي سجلت أرباحا قياسية، العام الماضي، 10 ـ .2026 وكادت تضاعف مبيعاتها في الربع الأول من عام ورغم أن للصين عشرات العملاء الآخرين، فإن هذه العلاقات أصغر بكثير. ومــع ذلـــك، لا ينبغي التقليل مـن إمـكـانـات الصين باعتبارها مُــصــدّرا للأسلحة؛ فهي مـن بـن عــدد قليل من الــدول خـارج الـولايـات المتحدة التي تمتلك صناعة دفاعية متكاملة تغطي جميع المراحل، لكن قدرتها على بيع الأنظمة العسكرية لا تـــزال أقـــل بكثير مـن تفوقها فــي قـطـاعـات صناعية أخــــرى؛ مـثـل الــســيــارات والسفن والبطاريات. كما أنها تفتقر إلى ساحة مناسبة لاختبار وتطوير معداتها في ظروف قتال حقيقية. ولـــتـــعـــزيـــز تـــســـويـــق مــنــتــجــاتــهــا، يــنــبــغــي لـلـصـن توسيع نطاق المناورات العسكرية المشتركة، ومواصلة عرض طائراتها المقاتلة في المعارض الدفاعية الدولية. ومع ذلك، ستواجه صعوبة في الاستحواذ على حصة كبرى من سوق السلاح العالمية، ما لم تتمكن كذلك من بيع «عـاقـات» أو شـراكـات استراتيجية، وليس مجرد معدات. * بالاتفاق مع بلومبرغ حين سيذهب السفير سيمون كرم إلى واشنطن ممثِّلاً، هو وصحبه، الدولة اللبنانية في المفاوضات الـــجـــاريـــة، يــكــون ذلــــك بـمـنـزلـة الـحـلـقـة الأخـــيـــرة من رسم بياني طويل واحد من الصراع التاريخي بين المــشــروع اللبناني والمـــشـــروع الإقـلـيـمـي فــي لبنان، يمتد ويتكرّر هو نفسه منذ أربعمائة عام، من فخر الـديـن المعني الثاني إلــى جـوزيـف عـــون، ومــن دوق توسكانا فرديناند الأوّل إلى دونالد ترمب. تـحـقِّــق الإضـــــاءة عـلـى الـعـمـق الـتـاريـخـي لهذه المسألة ثلاث غايات مهمة: الأولى، تتيح فهما أفضل لــلــواقــع الـــراهـــن بـمـخـتـلـف مــابــســاتــه وتــعــقــيــداتــه. الثانية، تُظهِر كيف أن مجتمع الجبل اللبناني سبق بقرنين من الزمن مجتمعات المشرق في التفاعل مع الـغـرب ومـع الـحـداثـة، الــذي لـم يبدأ بعد ذلـك إلا مع حملة بونابرت على مصر آخر القرن الثامن عشر. والغاية الثالثة والأكثر أهمّية، أن مثل هذه الإضاءة تولي الحاضر البالغ الاضــطــراب والتشنّج أهميّة نسبيّة وليست مطلقة. فهو ليس نهاية العالم. بل فصل جديد من فصول المسألة نفسها، التي شهدت على امتداد الماضي، فصولا أكثر مأساوية وخطورة بـكـثـيـر، مــمــا يـسـهـم فـــي تــهــدئــة الــنــفــوس الـهـائـجـة ويدعوها إلى الرويّة والتعقّل. من الثوابت الأنثروبولوجية والسوسيولوجية اثنتان أساسيتان: الأولـى أن المجتمعات في حركة تحوّل دائم لا تهدأ. والثانية، أن كل تحّول مجتمعي عميق يتطلّب التقاء عاملين اثنين: العامل الداخلي والــــعــــامــــل الـــــخـــــارجـــــي. وهـــــــذه هـــــي حــــــال المــــشــــروع اللبناني. الـــعـــامـــل الـــداخـــلـــي فـــي المــــشــــروع الــلــبــنــانــي هو التوق إلى أفق مختلف وإلى نمط حياة مميّز قائم عـلـى الانــفــتــاح والمــعــرفــة والــحــريّــة ونــوعــيّــة الحياة الـبـشـريّــة. وهـــذا الــتــوق مـتـجـذر ومنطلق مــن فـــرادة الجبل اللبناني ضمن محيطه المشرقي، في طبيعته الجغرافية، ومناخه، وتكوينه التاريخي، المجتمعي والثقافي، وموقعه كجسر تواصل مع الـغـرب. فلو كـــان هـــذا الـجـبـل بـعـيـدا عــن الـبـحـر ومــتــوغّــا داخــل الأراضي، لتغيّرت تماما معطياته وتبدّل مصيره. لكن العامل الداخلي لم يكن كافيا وحده لإطلاق المشروع اللبناني. كان لا بد من النهضة الأوروبية مولِّدة الحداثة، خصوصا في القرن السادس عشر، لـيـجـد هــــذا المـــشـــروع الــعــامــل الـــخـــارجـــي المـــائـــم لــه، ولتتوافر له معطيات الإفلات من المشروع الإقليمي العثماني المهيمن عليه. كــان فخر الـديـن الثاني أوّل روّاد هــذا التوّجه الـكـبـيـر، وأولــــى ضــحــايــاه أيــضــا، إذ لــم يــقــدّر بـدقّــة مــوازيــن الـقـوى آنـــذاك فـي المـتـوسّــط، وكـــان طموحه عــــقــــد فــخــر الــديــن 1608 الاســـتـــقـــالـــي جـــامـــحـــا. عــــام مـعـاهـدة عسكرية وسـيـاسـيـة ســريّــة مــع توسكانا، وحـــن تعاظمت قــوّتــه واجــهــه الـسـلـطـان العثماني بـحـمـلـة حـــربـــيـــة، فــلــجــأ إلــــى تــوســكــانــا مـــع عـائـلـتـه حيث أمضى خمس سـنـوات، حـن كانت 1613 عـام فـــلـــورنـــســـا عـــاصـــمـــة تـــوســـكـــانـــا ومــنــطــلــق الـنـهـضـة الأوروبية ومنارة الغرب. كان فخر الدين أول زعيم آســيــوي يكتشف الــحــداثــة الأوروبـــيـــة مــبــاشــرة في منبعها. لـم يكن لبنان آنـــذاك قـد خــرج مـن المفهوم الـجـغـرافـي إلـــى المـفـهـوم الـسـيـاسـي. فـفـخـرالـديـن لم يحمل (كـذلـك جميع الأمـــراء المعنيين والشهابيين) لــقــب أمـــيـــر لـــبـــنـــان، مـــع أن إمــــارتــــه تــــجــــاوزت لـبـنـان الحالي، وكان لقبه هو أمير الجبل، أي جبل الشوف. لكن خلال إقامته في توسكانا كأمير لجبل الشوف، كان محاطا على الدوام بنخبة أبناء جبل لبنان، من خرّيجي مدرسة رومـا، فوحّد في شخصه الجبلين ومـحـيـطـهـمـا. لـكـن بـعـد عــودتــه ودخـــولـــه بـعـد حين من جديد في مواجهة حربية ضخمة مع السلطنة، تخلّفت توسكانا عن تنفيذ وعدها بنجدته، فكانت نهايته المأساوية ونهاية عائلته وجيشه. كـان واضـحـا بعد ذلـك بزمن مديد أن المشروع اللبناني يشتد عـوده مع تراجع النفوذ العثماني، وصــعــود الـنـفـوذ الأوروبـــــي شـــرق المــتــوســط. وحـن عـمـدت السلطنة إلــى توجيه ضـربـة قاتلة إلــى هذا مـــذابـــح جبل 1860 المـــشـــروع، عـبـر تشجيعها عـــام لـبـنـان ودمـــشـــق، كــانــت مـــوازيـــن الـــقـــوى قـــد تـبـدّلـت، فأطلق نابليون الـثـالـث، بتفويض أوروبــــي، حملة 1861 عسكرية عـلـى ســوريــا ولـبـنـان، مـمـا قـــاد عـــام إلـــى ظــهــور الــكــيــان الـلـبـنـانـي الأول المــحــكــوم ذاتـيـا والمضمون دوليا داخل السلطنة العثمانية. الحرب العالمية 1915 وحـن دخلت تركيا عـام الأولــــــى إلــــى جـــانـــب ألمـــانـــيـــا والـــنـــمـــســـا، ألـــغـــت فـــورا نظام الحكم الذاتي لجبل لبنان، وسعت إلـى خنق مشروعه الاستقلالي بحصار غذائي مطبق، قضى خــال ثــاث سـنـوات على ثلث سكانه. لكن خسارة الأتــــراك ودول المــحــور، الــحــرب، وانـتـصـار الحلفاء، قــادا إلــى انهيار السلطنة وقـيـام لبنان الكبير عام .1920 ،1943 ومـــن حـيـنـه إلـــى الـــيـــوم، عـبـر اســتــقــال ورحـيـل الاسـتـعـمـار، ومـأسـاة فلسطين ومــا تلاها، اسـتـمـر الــصــراع بـن المــشــروع اللبناني والمـشـاريـع الإقــلــيــمــيــة المـــتـــوالـــيـــة، وصــــــولا إلــــى مـــشـــروع ولايـــة الفقيه الإيـرانـي، وإلـى لقاء واشنطن حيث السلطة اللبنانية هـي، للمرّة الأولـــى، المـفـاوض الأوحــد عن «بلاد الأرز». الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 13 Issue 17367 - العدد Tuesday - 2026/6/16 الثلاثاء أنطوان الدّويهي *جوليانا ليو ما بين لبنان والغرب أسلحة الصين الفتاكة ما زالت تنتظر أسواقها

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky