issue17367

بـيـنـمـا انـشـغـلـت وسـتـمـنـسـتـر بـاسـتـقـالـة وزيـــر الـــدفـــاع الـبـريـطـانـي جـــون هـيـلـي، فــــإن الـــســـؤال الــذي يشغل حـلـفـاء بريطانيا فـي الخليج وأوروبــــا يبدو مختلفاً: ماذا تكشف الأزمة عن قدرة لندن على الوفاء بـالـتـزامـاتـهـا الأمـنـيـة فــي مـرحـلـة تصفها الحكومة بأنَّها الأخطر منذ نهاية الحرب الباردة؟ فــالاســتــقــالــة لا تــتــعــلَّــق بـــخـــاف شـخـصـي أو حــزبــي عـــابـــر؛ بـــل تـكـشـف عـــن خــــاف أعـــمـــق داخـــل الــحــكــومــة حــــول وتـــيـــرة إعــــــادة الـتـسـلـح والإنـــفـــاق الـدفـاعـي، فـي وقــت تـؤكـد فيه لـنـدن وحـلـف شمال الأطلسي أن التهديدات الأمنية تتزايد، خصوصا أن أوروبا تواجه تهديدات أكثر خطورة مما عرفته طوال العقود الماضية. المـفـارقـة أن الأطــــراف المـتـنـازعـة داخـــل الحكومة تــكــاد تـتَّــفـق عـلـى الـــهـــدف الـنـهـائـي. فــا أحــــد يــجــادل في ضرورة زيادة الإنفاق الدفاعي، ولا في التزامات بـريـطـانـيـا تــجــاه «الـــنـــاتـــو» وحـلـفـائـهـا الـتـقـلـيـديـن. الخلاف الحقيقي يدور حول الجدول الزمني. فالخلاف لم يعد حول الوجهة؛ بل حول توقيت الوصول إليها. وهنا تكمن المشكلة السياسية التي فجرتها استقالة هيلي. فـالـحـكـومـة تـــحـــذّر مـنـذ أشـــهـــر مـــن أن الـتـهـديـد الروسي حقيقي ومحتمل، وأن على الدول الأوروبية الاســـتـــعـــداد لــســيــنــاريــوهــات قـــد تـتـحـقـق قــبــل نـهـايـة العقد الحالي. لكن الخطط المالية الموضوعة لتحقيق هـــذا الــهــدف تــبــدو مـؤجـلـة إلـــى نـهـايـة عــمــر الـبـرلمـان .2029 الحالي في لكن الضرر السياسي الذي لحق برئيس الوزراء كير ستارمر قـد يكون أكبر مـن الـضـرر الــذي أصـاب وزارة الدفاع نفسها. فهيلي لم يكن من خصوم ستارمر أو من جناح مــتــمــرد داخـــــل حــــزب «الــــعــــمــــال»؛ بـــل كــــان أحــــد أكـثـر حلفائه قربا وثـقـة. استقالة شخصية بهذه المكانة تعطي الانـطـبـاع بـــأن الــخــاف لــم يـعـد مـجـرد نقاش إداري حول الأرقــام؛ بل أصبح اختبارا لقدرة رئيس الوزراء على حسم النزاعات بين كبار وزرائه. وقـــــد بـــــدا هـــــذا واضــــحــــا خـــــال الـــلـــقـــاء الــيــومــي المغلق في داونينغ ستريت، حيث أمضى المتحدثون الـرسـمـيـون وقـتـا طـويـا يـجـادلـون الصحافيين بـأن «الخطة الدفاعية ما زالت قيد الاستكمال». لكن هذا التفسير أثـار أسئلة أكثر مما قـدم من إجـابـات. فإذا كانت الأرقام لا تزال قابلة للتفاوض، فلماذا استقال وزير الدفاع؟ وإذا كانت قد حُسمت بالفعل، فما الذي يجري استكماله؟ في السياسة، كما في الإدارة، لا تُقاس السلطة بـعـدد الـصـاحـيـات؛ بــل بــالــقــدرة عـلـى اتــخــاذ الـقـرار عـنـدمـا تـتـعـارض الأولـــويـــات. وعـنـدمـا يـطـالـب وزيــر الـــدفـــاع بـمـزيـد مـــن الإنـــفـــاق بـيـنـمـا تـتـمـسـك الـخـزانـة بـالانـضـبـاط المـــالـــي، فـــإن الـجـمـيـع يـتـوقـع مــن رئيس الوزراء أن يحسم الأمر. فالصورة التي بـدأت تتشكل في أذهــان النواب والناخبين هي لرئيس وزراء يدرك حجم التحديات، لكنه يجد صعوبة متزايدة في اتخاذ قرار مواجهتها. فنتيجة أزمـــة الاسـتـقـالـة، أنَّـــه كلما طــال الجدل حـول الدفاع والإنـفـاق العسكري، ازداد الجدل داخل حزب «العمال» حول قدرة زعيمه على فرض أولوياته وحسم الخلافات داخل حكومته. فالقضية لــم تـعـد مــجــرد خـــاف حـــول ميزانية الـدفـاع؛ بل أصبحت اختبارا لقيادة ستارمر نفسه، ولمـــــــدى قـــــــدرة حـــكـــومـــتـــه عـــلـــى الـــتـــوفـــيـــق بــــن الأمــــن والاقــــتــــصــــاد، وبـــــن الــــتــــزامــــات بـــريـــطـــانـــيـــا الـــدولـــيـــة والضغوط الداخلية المتزايدة. ولهذا لن تُذكر استقالة جون هيلي باعتبارها مجرد تعديل وزاري عابر؛ بل بوصفها لحظة كشفت أســئــلــة أعـــمـــق حــــول اتـــجـــاه الــســيــاســة الـبـريـطـانـيـة ومستقبل القيادة في داونينغ ستريت. نجحت باكستان في لعب دور رئيسي في جهود الـوسـاطـة بــن أمـيـركـا وإيـــــران، سـمـح لـهـا بـــأن توجد في مساحة جديدة على المستوى الإقليمي والدولي، قرَّبتها أكـثـر مـن مشكلات الـشـرق الأوســـط، وقضايا العالمَين العربي والإسـامـي، حين قامت بـدور حاسم فـي تسوية صـــراع معقد وممتد بـن أميركا وإيـــران، بعد حرب استمرت أشهرا قطعتها هُدن غير مكتملة و«اتـفـاق حـائـر»، حتى وصلنا لتفاهم بين الجانبين رعته إسلام آباد بمهارة وكفاءة لافتتين. وقــــد ســاهــمــت جــهــود الـــوســـاطـــة الـبـاكـسـتـانـيـة فـي نسج صـــورة جـديـدة عـن باكستان، تختلف عن صورتها في فترات سابقة، فقد شهدت منذ قيامها تــقــلــبــات ســيــاســيــة حــــــادة، وحـــروبـــا 1947 فـــي عــــام مــع جـارتـهـا الـهـنـد، وانــتــقــالا مــن الـحـكـم المــدنــي إلـى الـعـسـكـري والــعــكــس، وظــلــت الـــصـــورة الـذهـنـيـة عن البلد مركَّبة وتحمل خليطا من المشاعر والتقديرات المختلفة، فهناك علماء باكستان الذين أبهروا الشرق والــغــرب، وهـنـاك نموذجها السياسي الـــذي انتقده كـثـيـرون، وهــنــاك قـوتـهـا الـنـوويـة والـعـسـكـريـة التي لم تستطع أن تُخفي الأوضـاع الاقتصادية الصعبة لكثير من أهلها. والـحـقـيـقـة أن هــــذه الـــتـــقـــديـــرات المــتــفــاوتــة حــول «النموذج الباكستاني» تحوَّلت إلـى «حالة إجماع» فـي الإشــــادة والـتـقـديـر لـلـدور الـــذي تلعبه فـي جهود الــوســاطــة لإنــهــاء الــحــرب الأمـيـركـيـة- الإيــرانــيــة، وإن كثيرا من الأحكام المسبقة عن هذا النموذج تم التراجع عـنـهـا أمــــام احـتـرافـيـة الأداء الـبـاكـسـتـانـي بجناحيه المــــدنــــي والـــعـــســـكـــري، حـــتـــى وصـــلـــت إلـــــى «الــتــوقــيــع الإلكتروني» فـي إســام آبــاد على اتـفـاق التفاهم بين أميركا وإيران. لـقـد اعــتــاد الـعـالـم فــتــرات طـويـلـة أن يـتـحـدث عن انـــقـــابـــات بـــاكـــســـتـــان، وعــــن اتــهــامــهــا بـــدعـــم عـنـاصـر متشددة، أو بهيمنة الجيش على العملية السياسية. ويــتــذكــر كــثــيــرون بــألــم تــاريــخ إعــــدام زعــيــم باكستان البارز ذو الفقار علي بوتو، عقب انقلاب الجنرال ضياء الــحــق، ثــم شـهـدت الــبــاد انـقـابـا آخـــر عـلـى يــد بـرويـز مــشــرف، أسـقـط بــه حـكـم نـــواز شـريـف الشقيق الأكـبـر سنوات 9 لرئيس الوزراء الحالي، واستمر في السلطة بعد احـتـجـاجـات شعبية. 2008 حتى استقالته عــام كما تابع العالم تجربة رئيس الـوزراء السابق عمران عاماً، وشهدت البلاد 17 خان الذي حُكِم عليه بالحبس احتجاجات شعبية واسعة إلى أن استقرت الأوضاع مـــع الـحـكـومـة الـــجـــديـــدة، وشــهــدنــا تـنـاغـمـا لافــتــا بين القيادة السياسية ممثلة في رئيس الحكومة وزعيم حــــزب «الـــرابـــطـــة الإســـامـــيـــة» شــهــبــاز شـــريـــف، وقــائــد الجيش المشير عاصم منير، بصورة أثبتت قدرة البلد على الاستمرار في جهود الوساطة بصورة نالت ثقة الطرفين المتحاربين، وهـو أمـر نـادر الحدوث في هذه الحرب، وأيضا ثقة دول أخرى عربية وشرق أوسطية دعمت جهود الوساطة حتى نجاحها. ويمكن القول إنه من النادر أن نجد بلدا يستطيع أن يغير الصورة الذهنية عنه من خلال أداء دبلوماسي وسياسي رفيع المستوى، وليس بالضرورة من خلال تـحـولات داخلية جـذريـة، وينجح فـي حـل أو تجميد صـــراع كبير مـثـل الــصــراع الأمــيــركــي- الإيـــرانـــي، أحـد أطرافه قوة عظمى لديها أدوات عسكرية واقتصادية هائلة، والطرف الثاني قوة إقليمية كبيرة دخلت في مواجهات مع معظم جيرانها، وليس فقط الولايات المتحدة وإسرائيل. نــجــاح إســــام آبــــاد فـــي جــهــود الــوســاطــة سـاهـم فـي نسج صــورة جـديـدة عـن باكستان؛ لأنها لـم تـدَع دورا لــم تـقـم بـــه؛ إذ أوضـــح هـــذا الــــدور كــفــاءة النظام القائم مـن دون شـعـارات ولا ضجيج، وأبـــرز جوانب الــــقــــوة الـــداخـــلـــيـــة الــــتــــي لــــم تـــظـــهـــر طـــــــوال الـــســـنـــوات المـاضـيـة بسبب الانـقـسـامـات السياسية، وتعقيدات العلاقة المدنية العسكرية، وعـــدم رســـوخ المؤسسات المدنية والـدسـتـوريـة. وجــاء دور الوساطة ليقول إن الوضع الداخلي قد تغير للأفضل، وإن هناك سلطة مــدنــيــة وســيــاســيــة مـنـتـخـبـة، ومـــؤســـســـات قـانـونـيـة ودبلوماسية، قــادرة على المساهمة في إيقاف حرب خطرة بين أميركا وإيران. واستطاعت منظومة الحكم الباكستانية -رغم الاحتجاجات القريبة التي شهدتها البلاد، والحرب التي خاضتها ضد الهند- أن تنجح بشكل لافت في دورها كوسيط نال ثقة الجميع. رسالة إسلام آباد لدول المنطقة مهمة، وتقول إن السياسة الخارجية ليست عـاقـات عـامـة ولا صـورا تلفزيونية، إنما هي انعكاس لقدرة النظام السياسي على توظيف كـل أوراق الـقـوة التي يمتلكها، وحتى العلاقة المعقدة بين الحكومة المدنية والجيش؛ نجح الحكم الجديد في الاستفادة منها في إقامة تواصل فعال وناجح مع مختلف الأطراف. لــقــد نـجـحـت الــحــكــومــة المـــدنـــيـــة وقــــــادة الـجـيـش فـي نيل ثقة «الـبـنـتـاغـون» و«الــحــرس الـــثـــوري»، مما سـاعـد فــي نـجـاح المــفــاوضــات، وأعــطــى رســالــة تقول إن الاستفادة من قوة الجيش الباكستاني وعلاقاته الخارجية لم تأت على حساب حكومة شريف المدنية؛ بـــل الــعــكــس، فـقـد شـهـدنـا تــحــركــات وزيــــر الـخـارجـيـة المــــؤثــــرة، وحـــتـــى وزيـــــر الـــداخـــلـــيـــة الــبــاكــســتــانــي قــام بتحركات دبلوماسية مهمة، واتصالات خارجية غير معتاد أن يقوم وزراء الداخلية بها خارج الحدود. إن نجاح الوساطة الباكستانية لم يكن منعزلا عــــن نــــجــــاح داخـــــلـــــي، ســـمـــح لـــهـــا بـــــأن تـــلـــعـــب دورهـــــا الخارجي بكفاءة واقتدار. لم يكن يحتاج الأمر لطعن لاجئ سوداني مـــواطـــنـــا أبــــيــــض فــــي بـــلـــفـــاســـت حـــتـــى تـشـتـعـل المـــديـــنـــة، وتــحــتــرق أبــنــيــة يـقـطـنـهـا لاجـــئـــون أو مــــواطــــنــــون قــــدرهــــم أن بـــشـــرتـــهـــم ســـــمـــــراء. كـل المـــــؤشـــــرات الـــســـابـــقـــة دلـــــت عـــلـــى غـــلـــيـــان تـحـت السطح، والطعن كـان القشة التي قصمت ظهر البعير. وقبل بلفاست طعن مـواطـن بريطاني مــن أصـــل هـنـدي مـواطـنـا بريطانيا أبــيــض، ثم هـــاتـــف أخــــو المــطــعــون الــشــرطــة قـــائـــا إن أخـــاه تعرض لإهـانـات عنصرية. الغريب أن الشرطة صــــدقــــت الــــطــــاعــــن، وتـــــركـــــت المــــطــــعــــون يـــنـــزف، ويـــصـــرخ أنــــه مــطــعــون ولا يـسـتـطـيـع الـتـنـفـس، حتى لفظ أنفاسه. في الحادثتين كلتيهما نادى زعيم حزب الإصلاح نايجل فراج، وزعيم اليمين المتطرف (العنصري) تومي روبنسون، ورجل الأعمال وصاحب منصة «إكـس» إيلون ماسك، نـــادوا، بتفاوت، بالتعبير عن الغضب العادل؛ فكانت النتيجة مظاهرات، وإصابات للشرطة، واعتداءات على مواطنين، وممتلكات عامة. هذه الظواهر تشي بقادم أعظم، وتعيدنا لـعـقـد الـسـتـيـنـات عـنـدمـا تــحــدث آنـــــذاك الـنـائـب إنــوك بــاول عـن «سـيـان بحر مـن الـدمـاء» نتاج حرب بين الأعراق المختلفة، وعارض قوانين ضد التمييز لأنـهـا ستنقلب للتمييز ضــد السكان الأصــــلــــيــــن. لـــكـــن بـــريـــطـــانـــيـــا تـــــجـــــاوزت قــطــوع الكراهية، وبنت مجتمعا تعددياً، ولـم تتحقق نبوءة بحر الدماء. فلماذا تعود الآن الكراهية؟! ولماذا يُستهدف المسلمون بالذات؟ ولماذا يُسعِّر أثـــريـــاء ومــســؤولــون فــي الإدارة الأمـيـركـيـة نـار الـــعـــداء بـــن الــبــيــض والـــســـمـــر؟! الإجـــابـــة يمكن حصرها، للإيجاز، في ثلاثة عناصر: الاقتصاد، والـــثـــقـــافـــة الأوروبــــــيــــــة، والــــهــــويــــة. فــالاقــتــصــاد حتّم بعد الحرب العالمية الثانية هجرة كبرى مـــــن دول تـــابـــعـــة لـــبـــريـــطـــانـــيـــا لـــلـــمـــشـــاركـــة فـي الإعمار، فانتعش الاقتصاد، وتعايش السكان الأصـلـيـون، مـع أن عـبـارة «الـسـكـان الأصليون» مضللة، مع القادمين بسبب الوفرة الاقتصادية، وتوفير الـدولـة، وبـالـذات للأصليين، متطلبات الحياة من رعاية اجتماعية وطبية وتعليمية، وسلم وظيفي. وكـــمـــا مــــــوارد الـطـبـيـعـة تــتــنــاقــص، كـذلـك مـــوارد الاقـتـصـاد المـحـلـي، فانكمش النمو منذ ، وكــــرســــت الـــحـــكـــومـــات المــحــافــظــة 2008 عــــــام سياسة التقشف على الجميع، ثم كان الخروج مـــــن الاتــــــحــــــاد الأوروبــــــــــــــي، وتـــــوســـــع الـــتـــراجـــع الاقــتــصــادي، وتــــردت الــخــدمــات، وبـــالـــذات بعد أزمـــة «كـــورونـــا»، مما جعل الـسـكـان الأصليين، وبـالـتـحـديـد مــن الـطـبـقـة الـعـمـالـيـة والـوسـطـى، ينقلبون عـلـى الـنـخـب الـحـاكـمـة، ويحمّلونهم مسؤولية مصابهم. ولمـا كانت كل أزمــة فرصة للطامحين السياسيين؛ ظهرت أحــزاب يمينية متطرفة تروج، كذباً، لتلك الفئات أن من سرقهم هـــم الـــاجـــئـــون الـــذيـــن يــحــصـلـون عــلــى مـــنـــازل، ومـنـافـع، وأمـــوال لا ينالها السكان الأصليون. فمقولة اليمين المتشدد فـي أوروبــــا: يـوجـد في فــرنــســا ثـــاثـــة مـــايـــن عـــاطـــل، وثـــاثـــة مـايــن لاجئ، المغزى منها: اطردوهم لننال وظائفهم. هذه القاعدة ذهبية لدى أحزاب اليمين المتشدد. أمـــا عنصر الـثـقـافـة فـأنـه فــي زعـــم اليمين المـــتـــشـــدد، ومـــعـــه المـــحـــافـــظ إلـــــى حـــــد مـــــا، يـمـثـل خـطـرا وجـــوديـــا، مـاحـيـا لـلـحـضـارة الأوروبـــيـــة. هـــــذا الـــخـــطـــر، فــــي رأيــــهــــم، يـــجـــســـده المــســلــمــون لـحـمـلـهـم عــقــيــدة لا تـقـبـل الانــــدمــــاج، وفــوقــيــة، وتريد تغيير المجتمع الأوروبي؛ فاليمين يشير إلــى تكاثر المـسـاجـد، وانـتـشـار الــزي الإسـامـي، وتــعــدد الــقــوانــن الــتــي تــرجــح حــقــوق الأقـلـيـات على الأكـثـريـة البيضاء. ولـعـل مطالبة اليسار الحكومة، وتماهي المسلمين معها، باعتذارات تـاريـخـيـة، وتـعـويـضـات عـن جـرائـم البريطاني الأبـيـض فـي مستعمراته، رفـعـت أكـثـر منسوب الـكـراهـيـة. وأصـبـح عـاديـا أن يـقـول اليمينيون المـــتـــشـــددون، ومــنــهــم مـــاســـك، ونـــائـــب الـرئـيـس الأميركي جي دي فانس، إن الحضارة الأوروبية في خطر ما دامت أبواب الهجرة مفتوحة. هذه الاتــهــامــات عــززهـــا ســلــوك مـسـلـمـي بـريـطـانـيـا؛ فــــأظــــهــــروا أنـــفـــســـهـــم كــــقــــوة ديـــنـــيـــة ســـيـــاســـيـــة، ومارسوا شعائرهم علانية، وفي أماكن عامة، فاستفزوا الأغلبية، ووفـــروا الأكسجين لليمين المــــتــــشــــدد. هــــــذه المــــواجــــهــــة اســـتـــقـــدمـــت ســــــؤالا مصيرياً: هل بريطانيا دولـة متعددة الهويات أو دولة مسيحية - أوروبية - محافظة. اختار حزب المحافظين بناء هوية بريطانية بأسس مسيحية محافظة، ورفض وجود قوانين تفضيلية للأقليات تحت أية ذريعة. وهذه دعوة ضمنية لاسترجاع عقد الستينات، وما صاحبه مـــن عـنـصـريـة، واعــــتــــداءات، وخــســائــر للفرص الاقتصادية والاجتماعية. واختار حزب العمال التشديد على الهوية، إنما باستحياء، ومقاربة القضية من الباب الطبقي؛ بمعنى أن الأبيض والأســمــر مـضـطـهـدان، والـحـل بتوفير الـعـدالـة، وفـــرص الـعـمـل، وبـنـاء مجتمع تــعــددي، يراعي الثقافة الأصلية. أما اليمين المتشدد الشعبوي فيرى النخب فاسدة، والهوية ضائعة، والحل باستنهاض الطبقة البيضاء لاستعادة بلدها، وتـــوفـــيـــر حـــوافـــز لـتـهـجـيـر طـــوعـــي، أو قــســري، حتى لمن نال المواطنة. فاليمين الشعبوي يرى بريطانيا بيضاء، وثقافتها مسيحية أوروبية، ومن لا يعجبه فليرحل. السياسي الشعبوي يرى نفسه معبرا عن إرادة الشعب، فـي حـن أن الليبرالي والمحافظ يـــريـــان أنـفـسـهـمـا مـمـثـلَــن لـلـشـعـب؛ الأول يـرى نـفـسـه صــــورة لإرادة الــشــعــب، والــثــانــي يفتش بعقله عن مصلحة الشعب. الشعبوي لا يخطئ، فـــي حـــن أن الــلــيــبــرالــي الـــديـــمـــقـــراطـــي يـعـتـرف بـالـخـطـأ، ويـــحـــاول الإصـــــاح. ولمـــا كـــان الخيار بـيـنـهـمـا واضــــحــــا؛ كـــــان لازمــــــا عــلــى الأقـــلـــيـــات، وبـــــالـــــذات المـــســـلـــمـــون، أن يـــكـــونـــوا فــــي الــصــف الليبرالي، ويـحـرمـوا الشعبويين مـن سلاحهم بتخفيف مـظـاهـر الـتـديـن المـظـهـري، والتخفف من أثقال بلدانهم الأصلية، والاندماج أكثر، وأن يكون شعارهم: «بريطانيا أولاً». فإذا لم يفعلوا فـسـيـنـتـصـر الـــتـــطـــرف، وتـــمـــوت الــديــمــقــراطــيــة، ويتحولون إلى ضحايا. OPINION الرأي 12 Issue 17367 - العدد Tuesday - 2026/6/16 الثلاثاء باكستان الجديدة أزمة «الدفاع» البريطانية صراع الهوية ومستقبل المسلمين في بريطانيا وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com أحمد محمود عجاج عمرو الشوبكي عادل درويش

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky