بلغ دور السريان ذروته الثقافية والعلمية خلال عهد العباسيين خاصة في بغداد حيث كانوا العمود الفقري لحركة الترجمة الكبرى الثقافة CULTURE 17 Issue 17365 - العدد Sunday - 2026/6/14 الأحد أحمد عبد المعطي حجازي )2( الطهطاوي والتونسي أواصــــل حـديـثـي عــن رفــاعــة رافـــع الـطـهـطـاوي وخـيـر الــديــن الـتـونـسـي، وأبـــدأ بالتاريخ، تاريخ مصر وتونس في هذا العصر الحديث الذي نتأمل وقائعه فنرى تشابها يصل في بعضها إلى حد التماثل. والتشابه طبيعي، ليس فقط بين مصر وتونس، بل بين البلاد العربية كلها. لأن الأسس التي قامت عليها هذه البلاد مشتركة إلى حد كبير. البيئة واحدة، والتاريخ جامع، واللغة، والثقافة منذ ظهر الإســام إلـى الآن، غير أن الــذي نــراه بين بعض البلاد العربية وبعضها الآخر يتجاوز الأصول المشتركة ويظهر حتى في التفاصيل والأطوار المتلاحقة، وهذا هو ما نجده ظاهرا بوضوح في الأقطار المتجاورة، لكننا قد نجده أيضا بين قطر في المشرق كمصر وقطر في المغرب كتونس. ونـحـن نـعـرف أن هـذيـن الـبـلـديـن كـانـا ولايــتــن فــي إمـبـراطـوريـة العثمانيين خلال القرون الثلاثة التي سبقت عصر النهضة هما وغيرهما من الأقطار العربية مـا عـدا المـغـرب الأقـصـى. وهـو مناخ مشترك كـان لـه دون شـك تأثيره فـي البلدين الشقيقين اللذين انفرد كل منهما بحكم ذاتي مع بقائهما ولايتين عثمانيتين. وفي هـذا السياق نتذكر أيضا حكم الفاطميين الذين قامت دولتهم في القرن العاشر الميلادي، ووضعت يدها على كل بلاد المغرب، وجعلت تونس مركزا لها ومنطلقاً، ثم تمكنت من الاستيلاء على مصر التي جعلها المعز قاعدة لدولته وأسس القاهرة لتصبح عاصمة لهذه الـدولـة. وفـي الأيـــام التي شهدت استيلاء الفاطميين على مصر أو بعدها بقليل اجتاح بنو هلال وبنو سليم أقطار المغرب كلها قادمين من مصر. وهذا أيضا تاريخ! وفي المناخ الثقافي الذي جمع بين مصر وتونس، وتجسد في الجامع الأزهر وجامع الزيتونة، ظهر ابن خلدون؛ نشأ في تونس في القرن الرابع عشر، وتنقل في بلاد المغرب والأندلس، وشرع في كتابة مؤلفاته، ثم رحل إلى مصر وهو في الخمسين من عمره ليلقي دروسه في الجامع الأزهر، ويُتم العمل في كتابه الشهير «العبر وديـــوان المبتدأ والخبر فـي أيــام الـعـرب والعجم والـبـربـر». وبـهـذا الكتاب الـذي كـان ثمرة من أنضج الثمرات التي قدمها العرب للثقافة الإنسانية تأسس علم جديد لم يعرفه البشر من قبل، هو علم الاجتماع الذي تأثر به الغربيون في العصور الحديثة وواصـلـوا العمل فيه، ومـن هــؤلاء الفيلسوف المـــؤرخ الإيطالي جيوفاني فيكو، وبعده الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت. وكـمـا جمع ابــن خـلـدون بـن هـــؤلاء الفلاسفة الأوروبــيــن جمع بـن الرجلين اللذين وضعا اللبنات الأولى فيما حققناه خلال القرنين الماضيين، وبدا كل منها شبيها بـالآخـر ومـكـمـا لــه، وهـمـا رفـاعـة رافـــع الطهطاوي المــصــري، وخـيـر الدين التونسي، وكأنهما ظهرا في هذا العصر الحديث ليواصلا الجهود المثمرة التي سبق بها ابن خلدون في القرن الرابع عشر ولم تجد في العرب من يواصلها. ونـحـن نـقـرأ الآن مـؤلـفـات الـطـهـطـاوي وخـيـر الــديــن، ونـقـرأ سـيـرة كـل منهما فنجد اهتماما خاصا بالتاريخ وفلسفة التاريخ، وبالمجتمع وصوره، وبما تقوم عليه الدول وتتقدم. وحول هذه القضايا يتحدث الطهطاوي في «مناهج الألباب المـصـريـة فــي مـبـاهـج الآداب الـعـصـريـة»، كـمـا كـانـت «مـقـدمـة ابـــن خــلــدون» إحــدى الروائع العربية التي سهر الطهطاوي على نشرها في مطبعة بولاق عند إنشائها. أما خير الدين فكتابه «أقوم المسالك في معرفة أحوال المالك» ناطق بداية من عنوانه بتأثير ابن خلدون. *** وإذا كـــان الـطـهـطـاوي وخــيــر الــديــن قــد بـــدآ مـمـا وصـــل إلــيــه ابـــن خــلــدون في الـعـصـور الـتـي مـضـت، فـقـد واصـــا الـسـيـر حـتـى وصـــا لمــا قـدمـه الأوروبـــيـــون في العصور الحديثة. الطهطاوي جمع بين ثقافته العربية الواسعة في اللغة والفقه والأدب وبين التراث الأوربي قديمه وحديثه. وهو يحدثنا في «تخليص الإبريز» عن قراءاته فيذكر ما قرأه في الأدب، ثم ينتقل لما قرأه في الفكر الفلسفي والسياسي فيقول: «وقرأت في الحقوق الطبيعية مع معلمها كتاب برلماكي وترجمته وفهمته فهما جـيـداً. وهـــذا الـفـن عـن التحسين والتقبيح العقليين يجعله الفرنج أساسا لأحكامهم السياسية المسماة عندهم شرعية - يقصد بهذه العبارة ما يعود الحكم فـي صحته للعقل دون مـرجـع آخــر - وقـــرأت مـع مسيو شواليه جـزأيـن مـن كتاب يسمى (روح الشرائع) مؤلفه شهير بين الفرنساوية يقال له مونتسكيو... ويلقب عندهم بابن خلدون الأفرنجي، كما أن ابن خلدون يقال له عندهم منتسكيو الشرق أي منتسكيو الإســــام. وقـــرأت أيـضـا فـي هــذا المعنى كتابا يسمى (عـقـد التأنس والاجتماع الإنساني - العقد الاجتماعي-) مؤلفه يقال له روسـو، وهو عظيم في مـعـنـاه. وقـــرأت فـي الفلسفة تـاريـخ الفلاسفة المشتمل على مذاهبهم وعقائدهم وحكمهم ومواعظهم...». والحديث عن الطهطاوي المفكر والمؤلف والمترجم والشاعر لا ينتهي، والدور الــذي أداه في نقل تــراث العقل والحرية الغربي لا ينهض بـأدائـه رجـل واحــد، بل تنهض به أجيال متلاحقة، ويكفي أن نشير إلى هذا الدور بما ترجم تحت إشرافه من اللغات الأوروبية وبلغ أكثر من ألفي كتاب. *** وننتقل للحديث عــن خـيـر الــديــن الـتـونـسـي فـنـقـول إنـــه لــم يـكـن مـجـرد مفكر متبحر مجدد، وإنما كان أيضا رجل دولة جمع بين الفكر والعمل، وجمع في الفكر بين الـتـراث العربي الإسـامـي والـتـراث الغربي. وكــان وزيــرا للبحرية في تونس، ، ورئيسا لمجلس الـشـورى. وحين 1860 وعضوا في اللجنة التي وضعت دستور انتقل إلى استامبول أصبح صدرا أعظم أي رئيسا للوزراء. ولا شك في أن اشتغاله بالسياسة لم يمكنه من أن يتفرغ للتأليف. لكنه وهو رجل دولة، كان أيضا رجل فكر يسعى لتحديث المدينة الإسلامية بما تعلمه من الثقافة الغربية. ونحن نقرأ كتابه «أقـوم المسالك في معرفة أحـوال الممالك» الذي يتحدث فيه عن نشوء الدول وسقوطها فنرى كأنه يحيي تراث مواطنه التونسي ابن خلدون. ومع أن خير الدين ولد قوقازيا شركسيا فقد أصبح بالنشأة عربيا عثمانياً. تـعـلـم الـعـربـيـة فـــي تــونــس وهـــو صـبـي فـــصـــارت لـغـتـه الأولــــــى. وتـعـلـم الـفـرنـسـيـة فامتلكها. وقـــرأ الــتــراث الـعـربـي الإســامــي حـتـى اسـتـطـاع أن يستشهد بـالـقـرآن والـحـديـث، وبـابـن خـلـدون، والـغـزالـي، وابـــن عـربـي، والمـــــاوردي. وقـــرأ أيـضـا كتاب توأمه الفكري الطهطاوي «تخليص الإبريز». وقرأ من التراث الأوروبي مونتسكيو وبوليبوس، وهو مؤرخ إغريقي عاش في القرن الثاني قبل الميلاد، وكتب موسوعة ضخمة عن «تاريخ البحر المتوسط» لم يصلنا منها إلا الأجزاء الخمسة الأولى من أجزائها الأربعين. ومن الواضح أن خير الدين وجد في تاريخ بوليبوس ما يشبه تاريخ ابن خلدون، وهي القضية التي شغلت مفكرا ورجل دولة. وفي المقالة المقبلة نتم حديثنا عن الرائدين العظيمين. )2-1( البروفسور البريطاني يكتب تاريخ الأقليات المهمشة أواخر العصر القديم وود: الحكم الإسلامي في مناطق الرومان كان فترة تطور ثقافي قــــــد يــــفــــاجــــأ مــــــن يـــلـــتـــقـــي بـــالـــبـــاحـــث فـــي الــكـــتــابـــات الــتــاريــخــيــة، فـيـلـيـب وود، بــصــغــر ســـنـــه، خـــصـــوصـــا إذا كـــــان اطّـــلـــع عـلـى قـائـمـة مـــا أنـــجـــزه مـــن كــتــب، وأوراق بـــحـــثـــيـــة، وقــــيــــادتــــه لــــعــــدد مـــــن مـــشـــاريـــع البحث الأكـاديـمـي، ومــا أثـــارت أفـكـاره من نقاشات في العديد من الجامعات البارزة فـــي الــعــالــم الأنـجـلـوسـاكـسـونـي بـالـدرجـة الأولى، وانعكست عبر الكثير من المجلات الأكــــاديــــمــــيــــة المـــتـــخـــصـــصـــة فـــــي الـــتـــاريـــخ الروماني-البيزنطي. لــقــد صــــدر كــتــابــه الأول الــقــائـــم على عن دار نشر 2010 أطروحة الدكتوراه عام جامعة أكسفورد، أي إن البروفسور وود كان في سن السابعة والعشرين، ولا بد أن صدوره تطلب انتظارا لعامين على الأقل، أي إنـه كـان قد حـاز درجـة الدكتوراه وهو ربما في سن الخامسة والعشرين. اسـتـعـار وود جـــزءا مـن عـنـوان كتابه من شعار رفعه سكان مدينة الرُّها (أورفا التركية حالياً) خلال الحصار الذي فرضه الشاه الساساني قُباذ الأول حول أسوارها مـيـاديـة مطالبا بفتح أبـوابـهـا، 503 عــام وفــــيــــه عــــبــــروا عــــن مـــعـــارضـــتـــهـــم لــلــمــلــوك الأغـــــــــراب، ســــــواء كــــانــــوا بــبــيــزنــطــيــن، أو ساسانيين: «لا ملك عندنا غير المسيح». كتب المؤرخ الكندي جفري غريتريكس من جامعة أوتاوا الأميركية في دورية «بي مايو 31 إم سي آر» في عددها الصادر يوم مـراجـعـة للكتاب جـــاء فيها: 2011 ) (أيــــار «يُـــعـــد كـتـاب فيليب وود عـمـا أولا لافتا للنظر، ويختلف كثيرا عن معظم الأعمال المقتبسة مـن رسـائـل الـدكـتـوراه. فالكتاب واســـــــع الأفــــــــق، ومـــقـــتـــصـــد فــــي اســـتـــخـــدام الهوامش، ومحفّز فكريا في الصورة التي يرسمها للمشرق الــرومــانــي فــي القرنين الخامس والسادس الميلاديين». ورأى آدم شــــور المــــــؤرخ المـتـخـصـص والأستاذ Antiquity بأواخر العصر القديم فـــي جـامـعـة ســــاوث كـــارولايـــنـــا الأمـيـركـيـة فــــي مــــراجــــعــــة أخـــــــرى أن أهـــمـــيـــة الـــكـــتـــاب «تكمن فـي أنــه لا يـــدرس الــاهــوت وحــده، بل يـدرس تشكل هوية سياسية وثقافية سريانية مستقلة داخل عالم تهيمن عليه الإمبراطورية الرومانية المسيحية». يركّز الكتاب على الكيفية التي بدأت بها الـجـمـاعـات المسيحية السريانية في سوريا الكبرى وبـاد ما بين النهرين في تطوير هوية دينية-سياسية خاصة بها داخـــــل الإمـــبـــراطـــوريـــة الــبــيــزنــطــيــة، وهـــذا التطور الفكري والثقافي ساهم لاحقا في تهيئة بعض الجماعات المسيحية الشرقية لــلــتــكــيّــف مــــع الـــحـــكـــم الـــعـــربـــي الإســـامـــي بعد الفتح، لأن ولاءهـــا الديني والثقافي لــم يـكـن مرتبطا بـالـكـامـل بـالإمـبـراطـوريـة البيزنطية. فــــخــــال المــــرحــــلــــة الأولــــــــى مــــن نــشــوء الـدولـة الأمـويـة استمر الـسِّــريـان فـي إدارة الــدواويــن، وخصوصا فـي الـشـام، وكانت الإغـريـقـيـة والـسـريـانـيـة مستخدمتين في بعض الدواوين قبل تعريبها في عهد عبد الملك بن مروان. أمــا خــال عهد العباسيين، فقد بلغ دور الـسـريـان ذروتـــه الثقافية والعلمية، خـــاصـــة فـــي بـــغـــداد، حــيــث كـــانـــوا الـعـمـود الفقري لحركة الترجمة الكبرى فـي بيت الحكمة، إذ ترجموا هناك الكثير من كتب الفلسفة اليونانية، والطب، والرياضيات، والمنطق، وعلوم الطبيعة. وغالبا ما كانت الــتــرجــمــة تــمــر مـــن الــيــونــانــيــة إلــــى الـلـغـة الآرامية (السريانية)، ثم إلى العربية. كــــــان حُــــنــــن بـــــن إســـــحـــــاق مـــــن أعـــظـــم المــتــرجــمــن فـــي الـــتـــاريـــخ الإســــامــــي، فهو من ترجم جالينوس، وأبقراط، وأرسطو. وهــنــاك ثـابـت بــن قـــرة الـــذي هــو مــن أســرة سريانية-صابئية فـي حـــران، وأسـهـم في الـــريـــاضـــيـــات، والـــفـــلـــك، وفـــــي بــــغــــداد كـــان يوحنا بن ماسويه من أشهر أطبائها. سنوات التأهيل كـــان الــســؤال الـــذي دار فــي بـالـي عند لقائي بأستاذ الديانات المقارنة والباحث فــــي الـــكـــتـــابـــات الـــتـــاريـــخـــيـــة فــيــلــيــب وود هــو الــتــالــي: كـيـف جـــاء اهـتـمـامـك بـتـاريـخ الآراميين السريان في العراق وسوريا؟ وكـــانـــت المــفــاجــأة أن ذلـــك الـــولـــع جـاء بــفــضــل ســـفـــرة بــحــريــة قــــام بــهــا وهــــو في ســــن الـــحـــاديـــة عـــشـــرة مــــن خـــــال المـــدرســـة الابتدائية التي كـان يتلقى تعليمه فيها. «يعود اهتمامي هذا أولا إلى وقوعي في حب سوريا. حين كنت طالبا في المدرسة ذهبت إلى شرق المتوسط لوحدي من دون والــــديّ. وتـلـك الـرحـلـة كـانـت مهمة. تأثير الــســفــر بـــرؤيـــة الــعــالــم لا مـــن خــــال عـيـون الوالدين. والــداي التقيا أولا في ماليزيا، وكـنـا هـنـاك، أنــا رافقتهما فـي السفر إلى إندونيسيا، والصين، وماليزيا، وتايلاند. كـنـت دائــمــا مـعـهـمـا. لـكـن تـلـك الـرحـلـة في الــبــاخــرة كـانـت المـــرة الأولــــى لــي فــي مكان آخر، لذلك فأنا ذهبت من دون أي مساعدة إلـــى فـلـسـطـن، ومــصــر، وكـــريـــت، وقـبـرص لـــــوحـــــدي، فــــي رحـــلـــة بـــحـــريـــة. وأظــــــن أنـــه كـان مهمّا أن أرى هـذه الأمـاكـن مـن البحر للمرة الأولــى بــدلا من الـوصـول إليها إلى مطاراتها بالطائرة». ثـــم خـــال المــرحــلــة الأولـــــى الـجـامـعـيـة درس وود تاريخ الحروب الصليبية على يـد أسـتـاذ اسـمـه جـونـاثـان رايـلـي سميث. «كــــــان إنـــســـانـــا إنــجــلــيــزيــا تــقــلــيــديــا، وقـــد تنقل خـــال رحـاتـه داخـــل سـوريــا فــي كل مناطقها، وأراني كل الصور التي التقطها هناك». حين لم يبلغ بعد سن 2002 وفي عام الـعـشـريـن لـــم يـكـتـف وود بـــزيـــارة سـوريـا فــــقــــط. وقــــــد حــــــــاول آنـــــــــذاك إقـــــنـــــاع بـعـض الأصـدقـاء لمرافقته، ولكن لا أحـد رغـب في ذلك. «فـــــي عــطــلــة عـــيـــد المـــــيـــــاد، اشـــتـــريـــت 2003 تـذكـرة إلــى دمـشـق، وفــي بـدايـة عــام ذهـبـت إلـــى دمــشــق، وحــلــب، وتــدمــر، ومـن هناك تنقلت بين المــدن الأخــرى عن طريق إيـــقـــاف الـــســـيـــارات الـــعـــابـــرة. قـضـيـت وقـتـا رائعاً، وكان شعوري في دمشق أن المدينة حافظت على تركيبها كمدينة رومانية». «كيف ذلـك؟» أسأله محفزاً. «أظن أنه هناك كثيرا من كتابات المستشرقين التي أكـــدت أن دمـشـق كـانـت المـديـنـة الـرومـانـيـة المـثـالـيـة، ولـكـنـهـا تـحـت الـحـكـم الإســامــي شُوِّهت، وفقدت طابعها، ولكنني لم أشعر بذلك أبـداً، بل كنت أشعر دائما أن المدينة الإسلامية هي تطوُّر للمدينة الرومانية. وهـذا ما جعلني مقتنعا بـأن ذلـك ينطبق عـــلـــى الـــكـــثـــيـــر مــــن المـــنـــاطـــق المـــديـــنـــيـــة فـي ســـوريـــا، وأنـــاضـــولـــيـــا. بـــل وأرى أن بـقـاء الـنـمـط المــعــمــاري الــرومــانــي أكـثـر فــي تلك المــنــاطــق مـمـا هـــو قــائــم فـــي الـــغـــرب. وهـــذا ينطبق على لبنان أيضاً، إذ تجد أن هناك استمرارية في نمط العمارة الذي تشاهده فـي الإمـبـراطـوريـة الـرومـانـيـة، وهـــذا أكثر بكثير مما نجده في الغرب». هذا الجانب كان أحد المواضيع التي شـغـلـت د.فـيـلـيـب، آنــــذاك وقـــد تــوصــل إلـى قـنـاعـة أن ســيــادة المـجـتـمـع الإســـامـــي في المــنــاطــق الــتــي كــانــت تـحـت حـكـم الــرومــان لفترات طويلة لم تكن عنصر تحلل وتفكك في مجال العمارة، بل فترة تطور وتكيف لما كان موجودا سابقاً، سواء كان ثقافياً، أو بما يخص الأنظمة المدنية. «ثــــــم درســـــــــت الــــتــــاريــــخ فـــــي جــامــعــة كــــمــــبــــردج، حـــيـــث حـــصـــلـــت عـــلـــى شـــهـــادة الـبـكـالـوريـوس فـيـه. وهـــذا تضمن دراســـة مـــــواضـــــيـــــع أخــــــــــرى مــــثــــل تــــــاريــــــخ الـــفـــكـــر الـسـيـاسـي، والــتــاريــخ الاسـتـعـمـاري. وأنــا قـــمـــت بـــالـــعـــديـــد مـــــن الــــبــــحــــوث المــتــعــلــقــة بالأثنوغرافيا الاستعمارية. (الأثنوغرافيا هـي دراســـة الـحـيـاة اليومية للمجتمعات ضمن سياقاتهم الثقافية)». إضــــافــــة إلـــــى ذلـــــك درس وود خـــال المـرحـلـة الجامعية الأولــــى عـالـم رومـــا في مــرحــلــتــه الأخــــيــــرة، وكـــتـــب أطـــروحـــتـــه عن المانوية. وهذا ما جعل كل من كان يعرفه يــعــتــبــر اخــــتــــيــــاره جـــنـــونـــيـــا. يـــعـــلـــق وود ضاحكاً: «وربما كانوا على حق!». بدء مرحلة التخصص يشكل الـتـاريـخ الـرومـانـي البيزنطي حـقـا أسـاسـيـا فـي الـعـديـد مـن الجامعات الـعـريـقـة مـثـل كــمــبــردج، وهــــذا يــعــود إلـى كــــون الإمـــبـــراطـــوريـــة الـــرومـــانـــيـــة الـغـربـيـة انـــهـــارت فــي الــقــرن الـخـامـس المـــيـــادي في حـــن أن قـسـمـهـا الــشــرقــي الــــذي عاصمته القسطنطينة (إسطنبول لاحقاً) ظل قائما حتى سقوط هذه المدينة بيد العثمانيين ، رغـم فقدانها آنــذاك كل أراضـي 1453 عـام الشرق الأوسط قبل قرون عديدة. لؤي عبد الإله فيليب وود تمثل أحد أهم مكونات الهوية الأدبية في المنطقة المرجعية الجغرافية والتاريخية للأدب الخليجي يُــعـد الأدب أحــد أهــم الـعـوامـل الثقافية الــــتــــي تـــحـــفـــظ ذاكـــــــــرة المـــجـــتـــمـــعـــات وتـــوثـــق تحولات الإنسان في المكان والـزمـان، ولذلك ارتــبــطــت دراســـــة الآداب الــعــالمــيــة والـعـربـيـة بـمـفـهـوم المـرجـعـيـة الـجـغـرافـيـة والـتـاريـخـيـة بــوصــفــهــمــا عــنــصــريــن أســـاســـيـــن فــــي فـهـم الــــنــــصــــوص الأدبــــــيــــــة وتــــأويــــلــــهــــا. فــالــنــص الأدبـــي لا يُنتج فـي فـــراغ، بـل يتشكل داخـل بــيــئــة جــغــرافــيــة مـــحـــددة وســـيـــاق تــاريــخــي معين ينعكسان على لغته وصـوره ورمـوزه وقـــضـــايـــاه. ومـــن هـــذا المـنـطـلـق تــبــرز أهمية تــــدريــــس الأدب الــخــلــيــجــي فــــي الــجــامــعــات الـخـلـيـجـيـة، بــاعــتــبــاره تــعــبــيــرا عـــن تـجـربـة ثقافية وحضارية نشأت في فضاء جغرافي وتاريخي خاص، وأسهمت في إثراء المشهد الأدبي العربي المعاصر. تـمـثـل الــجــغــرافــيــا الـخـلـيـجـيـة الـعـربـيـة أحد أهم مكونات الهوية الأدبية في المنطقة؛ فالبحر والصحراء والموانئ القديمة وطرق الــــتــــجــــارة والــــــغــــــوص عـــلـــى الــــلــــؤلــــؤ لـيـسـت مـــجـــرد عـــنـــاصـــر مـــكـــانـــيـــة، بــــل تـــحـــولـــت إلـــى رمـوز ثقافية شكّلت الوعي الجمعي لسكان الخليج العربي، وانعكست بصورة واضحة فـــي الــشــعــر، والــــروايــــة، والــقــصــة الـقـصـيـرة، والمسرح. ومن خلال دراسة الأدب الخليجي الـــعـــربـــي يــتــعــرف الـــطـــالـــب إلــــى الـــعـــاقـــة بين المكان والإبــداع، ويـدرك كيف أسهمت البيئة المحلية في تشكيل الرؤية الأدبية والإنسانية للكاتب الخليجي. أمـــا المـرجـعـيـة الـتـاريـخـيـة فتتمثل في قدرة الأدب الخليجي على توثيق التحولات الـــــتـــــي شـــهـــدتـــهـــا المـــنـــطـــقـــة عــــبــــر مـــراحـــلـــهـــا المختلفة؛ مـن الحياة التقليدية قبل النفط، إلــــى الـــتـــحـــولات الاقــتــصــاديــة والاجـتـمـاعـيـة الـتـي رافــقــت بـنـاء الــدولــة الـحـديـثـة، وصـــولا إلـــى الـتـحـديـات الثقافية المـرتـبـطـة بالعولمة والتحول الرقمي. وبهذا المعنى يصبح الأدب مـصـدرا معرفيا يـــوازي الوثيقة التاريخية؛ لأنـــــــه يــــرصــــد تـــفـــاصـــيـــل الــــحــــيــــاة الـــيـــومـــيـــة ومشاعر الأفراد وتصوراتهم تجاه الأحداث والتحولات الكبرى. وتشير مراجعة أولية لعدد من الخطط الدراسية المعلنة في الجامعات الخليجية، والمتاحة عبر الأدلـة الأكاديمية الإلكترونية )، إلى أن الأدب الخليجي لا Course Catalogs( يزال يحظى بحضور محدود مقارنة بالأدب الــعــربــي الـــعـــام. فـبـيـنـمـا تـسـتـحـوذ مـــقـــررات الأدب العربي القديم والحديث والنقد الأدبي في المائة من إجمالي 90-80 على ما يقارب المـقـررات الأدبـيـة، لا تتجاوز نسبة المـقـررات المـتـخـصـصـة مــبــاشــرة فـــي الأدب الخليجي فــي المــائــة فــي معظم 8 فــي المــائــة و 3 مــا بــن البرامج الأكاديمية. كما يـدرس الطالب في مـقـررا أدبـيـا خلال 30 و 20 المـتـوسـط مـا بـن مـرحـلـتـه الـجـامـعـيـة، مـقـابـل مــقــرر واحــــد أو مـــقـــرريـــن فـــقـــط يـــتـــنـــاولان الأدب الـخـلـيـجـي بصورة مباشرة. وتكشف هذه المؤشرات عن أن الأدب الخليجي غالبا مـا يُــقــدَّم بوصفه جزءا تكميليا داخل السردية الأدبية العربية الـــعـــامـــة، لا بــوصــفــه مـــجـــالا مـعـرفـيـا يمتلك مرجعيته الجغرافية والتاريخية الخاصة. (*) كاتب وناقد كويتي. *د. فهد الهندال جانب من لقاء ثقافي في الرياض
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky