يـــكـــاد يــكــون الــعــنــف اســمــا آخــــر لمـديـنـة بلفاست، عاصمة آيرلندا الشمالية. فهو مَا أن يغيب فترة قصيرة من الزَّمن حتى يعود إليها، كمَا يعود غـائـب إلــى داره – إن صح التشبيه. العنف لا يبحث عن سبب للعودة إلـى مدينة كـان في وقـت سابق لا يغادرها؛ فـهـو فـــي حــالــة تـــربُّـــص دائــــم بــهــا، وبـمـجـرد انطلاق شرارة من نار، مهما صغُر حجمُها، يـــأتـــي مــســرعــا إلــــى تــلــك المــديــنــة الـــتـــي تـبـدو لمن يعرفونَها وكأنَّها تتموضع فـوق فُوُّهَة بــركــان. لكنَّها تـظـل مـديـنـة تحفظ جراحَها جيداً، وتعرف كيف ومتى تفتحُها من جديد في اللحظات التي تختارها، مهما اختلفت الآراء حولها، ومهما استطالت في أنحائِها جــــــــدران الــــعــــزل والانــــفــــصــــال. هـــــذا الـصـيـف هـــو الــثــالــث عـلـى الــتــوالــي الــــذي يكتسحُها فيه الـعـنـف المــوجَّــه ضـد المـهـاجـريـن. الفاعل والمحرض والمحرك ليس مختفياً، بل ظاهر للعيان. إنَّه اليمين المتطرف. فــي الأيــــام القليلة المـاضـيـة، قـــام لاجــئ ســــودانــــي بـــوضـــع عـــــود ثـــقـــاب قــــرب نــــار لم تنطفئ يوماً، باعتدائه المـــروّع على مواطن من أهالي المدينة في الجزء الشمالي منها، حــســب الـــتـــقـــاريـــر الإعـــامـــيـــة. الــــصــــور الـتـي نـقـلـتـهـا وســــائــــل الإعـــــــام لـــلـــحـــادثـــة فـتـحـت الأبـواب على مصارعها أمام عناصر اليمين المــــتــــطــــرف المـــــنـــــاوئ لـــلـــهـــجـــرة والمـــهـــاجـــريـــن للتحريض في وسائل التواصل الاجتماعي. نــداءات الساسة من كل الأحـزاب في الإقليم، والتي بُثّت على شاشات التلفزيون وحثَّت المـواطـنـن عـلـى الــتــزام الـــهـــدوء، لــم تـجـد لها آذانــــــا مــصــغــيــة. الـــحـــادثـــة جـــــاءت بــعــد أيـــام قليلة مـن قـيـام شــاب هـنـدي، سيخي، بقتل شاب إنجليزي طعنا في لندن. هذا يعني أن شرارة النار كانت جاهزة للانطلاق وإشعال الحرائق. كما هـو مـتـوقـعٌ، انفجر الـسـكـون الـذي كـــــان يـــخـــيّـــم بــضــجــر عـــلـــى مـــديـــنـــة بـلـفـاسـت فــي حـــرائـــق ضــاريــة تلتهم بــيــوت الـاجـئـن والمـــتـــاجـــر والـــســـيـــارات والـــحـــافـــات الــعــامــة، وتــحــيــل الــــشــــوارع والـــطـــرقـــات إلــــى مـيـاديـن مـــعـــارك كــــر وفـــــر بـــن المــتــظــاهــريــن وشــرطــة مـــكـــافـــحـــة الـــشـــغـــب. اســــتــــنــــادا إلــــــى بـــيـــانـــات الشرطة والتقارير الإعلامية، استأثر القسم الشرقي من المدينة (الـجـزء البروتستانتي) بأعمال العنف. فــيــمــا ســبــق مـــن أعـــــــوام، ومــــا وُثِّــــــق من حـــوادث شـغـب، كــان العنف بـن السكان في شطري المدينة المقسمة يأتي ليزيد في عمق انقسامها، ويعمّق من نزف جراحِها، وكأن الانــقــســام قــــدر لا مــفــر مـنـه ولا مـــهـــرب. بعد كــل حــادثــة عــنــف، تــــزداد الـــجـــدران الفاصلة بـن الطائفتين المتعاديتين عـــدداً، والقديمة مــنــهــا تــــــزداد ارتـــفـــاعـــا، حــتــى يـــبـــدو الــســام - إن صـــح الــوصــف - جـمـلـة لا مـحـل لـهـا من الإعـــــــراب، أو كـلـمـة غــيــر قــابــلــة لــلــصــرف في نَحو بلفاست، وكـل مـدن آيرلندا الشمالية. وحين وصل المهاجرون إلى بلفاست، تحول العنف والكراهية نحوهم، علما بــأن أعـداد المــهــاجــريــن فـــي الإقـــلـــيـــم، وفــــق الإحـــصـــاءات الــرســمــيــة، تـــعـــد الأقـــــل مــقــارنــة بــــأي منطقة أخرى في بريطانيا. فـعـل الـــاجـــئ الـــســـودانـــي الـشـنـيـع ضد مـواطـن مـن أهـالـي المـديـنـة لا يمكن تبريره، بل هو فعل مُــدان أخلاقيا ومُــجـرّم قانونياً. ورغم ذلك، فإن عائلة المعتدى عليه أصدرت بيانا تدين فيه أعمال الشغب وتتبرأ منها، فـإن الوحش كـان قد كسر الأصـفـاد ولـم يعد ممكنا لجمه. قد لا تكون مهمتنا البحث عن إجابات لأسئلة تاريخية معقدة كانت وستظل قائمة فـي الإقليم بـا حـلـول، لكن فـي الـوقـت ذاتــه، فـإن تجاهل هـذه الأسئلة يحمل مـن الضرر أكثر مما يقدّم من النفع. ثمة وسائل أخرى يمكن مـن خلالها إلـقـاء الـضـوء على أحـداث العنف الحالية في بلفاست؛ والبداية تتمثل فــــي الـــــظـــــروف الاقــــتــــصــــاديــــة الـــســـيـــئـــة الــتــي يعيشها الإقليم منذ سنوات، نتيجة انعدام التوافق السياسي الإيجابي بين الطائفتين وما يمثلهما من أحزاب. نـجـح في 1998 اتــفــاق الــسَّــام فــي عـــام وضع حد للاقتتال، إلا أنَّه لم ينجح في بناء جــســر مــفــتــوح يـتـيـح المـــــرور فـــي الاتــجــاهــن طـائـفـيـا. الـتـوتـر بــن شـــرق بـلـفـاسـت (حيث الـبـروتـسـتـانـت) وغـربـهـا (حـيـث الكاثوليك) لا يــزال على عـهـده؛ الأمــر الــذي حــرم الإقليم كله من فرصة استقطاب رؤوس الأمـوال من المستثمرين، وأفضى ذلك إلى انعدام فرص العمل؛ ما قاد إلى ارتفاع نسبة العاطلين من الشباب. التقارير الإعلامية في السنوات القليلة المـــاضـــيـــة ســـلَّـــطـــت الأضــــــــواء بـــانـــزعـــاج على ارتـفـاع ملحوظ فـي نسبة حـــوادث الانتحار بين الشباب من الطائفتين، وأوعزت ذلك إلى فقدان الأمل، والحيرة التي تعصف بما صار يُعرَف باسم «جيل السلام» (أي الجيل الذي .)1998 وُلـــد بـعـد تـوقـيـع اتــفــاق الــســام عـــام وفــــي أجــــــواء كـــهـــذه، تـــتــكـــوَّن بــيــئــة مـنـاسـبـة وشديدة الملاءمة لنشاطات اليمين المتطرف، وتــــحــــريــــضــــه ضــــــد المـــــهـــــاجـــــريـــــن بـــتـــأجـــيـــج الكراهية، حيث تكون أي شرارة من أي اتجاه كفيلة بإشعال حرائق العنف. سُوء الحظ قاد هذا اللاجئ إلى ارتكاب جـريـمـة مـــروّعـــة، أفـضـت إلـــى انـفـجـار غضب كــــان مــدفــونــا فـــي الـــصـــدور مـثـل بـــركـــان. أمَّـــا التفاصيل الأخــرى المتعلقة بالأسباب التي دعت اللاجئ إلى ارتكاب الجريمة، وبيانات الإدانــــــــة وتـــصـــريـــحـــات المـــســـؤولـــن وتـــبـــادل التُّهم بينهم، فتظل لا تختلف عن بقع زيت قليلة طافية على سطح بحيرة كبيرة. بدلا مـــن مــاحــقــة مـــن يـعـمـلـون عــلــى إبـــقـــاء الــنــار مــشــتــعــلــة، يـــحـــرص المــــســــؤولــــون والأجــــهــــزة الأمنية على ملاحقة من ألقى عود ثقاب. يحتفظ مركز «سي لايف» في مدينة أوبرهاوزن الألمانية بنصب تذكاري للأخطبوط الشهير «بول»، الذي نال نجومية عالمية بعدما أصابت توقعاته لنتائج مباريات ألمانيا السبع ، كبد الحقيقة. واليوم، إذا توجت هولندا 2010 في مونديال التي انطلقت منافساتها يــوم الخميس 2026 بلقب نسخة المـــاضـــي فـــي المــكــســيــك، فــقــد نــــرى مــطــالــبــات مـمـاثـلـة لتكريم يـواخـيـم كليمنت، الخبير فـي مؤسسة «بـانـمـور ليبيروم»، الــــذي تــحــول رغــمــا عــنــه إلــــى «عــــــراف» قــطــاع المــــال والأعـــمـــال لبطولات كأس العالم. وتنتاب كليمنت، العضو المنتدب في البنك الاستثماري اللندني، حالة مـن التوهج؛ إذ نجح النموذج الرقمي الـذي في تحديد هوية البطل بدقة لثلاث دورات 2014 صممه عام ، ووصـولا 2018 متتالية؛ بـدءا من ألمانيا، مـرورا بفرنسا في . هـــذا الــنــجــاح الاسـتـثـنـائـي جعل 2022 إلـــى الأرجــنــتــن فـــي الخبير الاسـتـراتـيـجـي الألمــانــي محط أنـظـار وسـائـل الإعــام قبيل انطلاق عرس الكرة العالمي هذا العام، لدرجة باتت تهدد بتغطية هذا الزخم على أبحاثه الأكثر رصانة حول تداعيات طفرة الذكاء الاصطناعي في الأسواق. ومن المتوقع أن تصل هذه الضجة إلى ذروتها إذا تمكن الحصان الرابح لنموذجه في المائة 4 - المنتخب الهولندي، الذي لا تتعدى فرص فوزه وفقا لمنصة «بولي ماركت» - من معانقة الكأس الذهبية في يوليو (تموز) المقبل. وتكمن المفارقة الكبرى في أن هذا النموذج صُمم أساسا لكي يخفق؛ ففي تقريره الذي يعد الأكثر إمتاعا وطرافة بين التقارير الاقتصادية المماثلة، يوضح كليمنت فكرته قائلاً: «كان الهدف في البداية تقديم تمرين في التواضع، لنبرهن للعالم كم هي غبية وغير موثوقة تلك النماذج الاقتصادية». لــكــن الـــريـــاح جـــرت بـمـا لا يُــشـتـهـى فــي فـرضـيـة الـفـشـل؛ ففي ســيــنــاريــو هـــزلـــي يــشــبــه قــصــة فــيــلــم «المـــنـــتـــجـــون»، تسببت توقعاته الصائبة للمرة الثالثة على التوالي، في سيل جارف من الأسئلة والطلبات للتنبؤ ببطولات رياضية أخــرى، في مـفـارقـة سـاخـرة مـن مـفـارقـات الــقــدر. ورغـــم أنــه كــان بإمكانه ،2026 إنهاء هذه الهالة عبر اختيار فريق خاسر عمدا لنسخة فـإن كليمنت يصر على النزاهة العلمية لبرنامجه، مؤكداً: «النموذج هو النموذج، ولا مجال للتلاعب به». وقد دفعني هذا التقرير، الذي يتهكم على أسلوب قطاع المال في حياكة الأعذار للتوقعات الخائبة، إلى التساؤل عما إذا كـان صاحبه قد تعرض لهجوم من زملائه الاقتصاديين بـتـهـمـة الــتــغــريــد خــــارج الـــســـرب؛ غــيــر أن كـلـيـمـنـت بــــدد تلك الظنون، قائلاً: «في الواقع، كل خبير اقتصادي ناقشته في هذه التوقعات يشاطرني الرأي تماماً؛ فنحن ندرك جيدا أننا نحاول اقتحام مضمار بالغ الصعوبة، وكل ما في الأمر أننا نتصنع ثقة تفوق ما نملكه في سرائرنا». وتــتــجــلــى هـــنـــا حــكــمــة تـــتـــكـــرر كـــثـــيـــرا بـــيـــد أن الأذهــــــان تـــتـــجـــاوزهـــا ســـريـــعـــا، ومــــفــــادهــــا: لا تـــبـــخـــســـوا الــعــشــوائــيــة والمـصـادفـة حقهما فـي صياغة مجريات الأســـواق والحياة؛ فالمفارقة الساخرة تقول إن قردا يرمي السهام عشوائيا على صفحات الأسهم في صحيفة «وول ستريت جورنال»، كفيل بــأن يـحـرج مـديـر الصناديق الاستثمارية النشطة ويتفوق عليه. وثمة خيط رفيع يسهل معه الخلط بين توفيق الحظ وبـــراعـــة المـــهـــارة؛ وهـــو أمـــر يــبــدو بـديـهـيـا فــي بـطـولـة كـرويـة تحسمها ركــــات الـتـرجـيـح الــتــي تـشـبـه أوراق الـيـانـصـيـب، لكنه يغدو ضبابيا ومعتما أمـام الدقة الزائفة التي تدعيها الــتــوقــعــات الاقـــتـــصـــاديـــة المــنــســوجــة مـــن مــــعــــادلات ريـاضـيـة معقدة. أما من حيث البناء، فيستند نموذج كليمنت في أصله عن باحثين في جامعة 2002 إلى دراسة أكاديمية صدرت عام نوتنغهام تحت عنوان «المحددات الاجتماعية والاقتصادية لــــأداء الــدولــي فــي كـــرة الـــقـــدم». وتـتـشـابـك فــي هـــذا الـنـمـوذج متغيرات عدة؛ منها حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي (إذ يمكن لعب كـرة القدم في أي مكان، ولكن مقارعة الكبار في المونديال تتطلب بنية تحتية رصينة)، والتعداد السكاني (إن كـانـت هــذه الفرضية قـد خـذلـت الـصـن والـهـنـد)، وعامل الطقس (فالحرارة القاسية تصعب ممارسة اللعبة)، فضلا عن ميزة الأرض التي تصب في مصلحة البلد المضيف. ولم يغفل النموذج إعطاء وزن نسبي لنقاط تصنيف «الاتحاد الـدولـي لكرة الـقـدم» (فيفا) لضمان محاكاة القيمة الفعلية لقوة تشكيل الفريق. أمـــــا مـــنـــافـــســـو كــلــيــمــنــت فــلــيــس أمـــامـــهـــم ســـــوى تــجــرع مـــــرارة الــحــســرة؛ إذ يــبــدو الأســـلـــوب الــــذي تـتـبـعـه مجموعة «غـولـدمـان سـاكـس» - للوهلة الأولـــى - أكـثـر عمقا وتعقيداً؛ ألــف مباراة 20 فالنموذج يعتمد على تحليل بيانات نحو ، عبر نموذج انحدار رقمي 1978 جـرت منافساتها منذ عـام مــخــصــص لـلـتـنـبـؤ بـــعـــدد الأهــــــــداف الـــتـــي يــمــكــن لـــكـــل فــريــق تسجيلها في شباك خصم معين. ويستند هذا النظام المعقد عـلـى تصنيفات «إيــلــو» - الـتـي ابــتُــكــرت فــي الأصـــل لترتيب لاعــبــي الـشـطـرنـج - مــع دمـــج مـتـغـيـرات دقـيـقـة؛ مـثـل موهبة الـتـهـديـف، والــزخــم الـحـالـي، والـعـامـل النفسي (حـيـث يميل حــامــل الـلـقـب تـاريـخـيـا إلـــى الــتــراخــي وتــقــديــم أداء بــاهــت)، والجغرافيا المتمثلة في عامل الأرض. ولم يقف الأمر عند هذا ألـف عملية 50 الـحـد؛ بـل أخضعت المجموعة نظامها لنحو محاكاة بطريقة «مونت كارلو» لاستخلاص نسب احتمالات الفوز لكل منتخب. ولـــكـــن، تــبــخــرت كـــل هــــذه الــتــعــقــيــدات الــحــســابــيــة؛ فقد وضعت «غولدمان» ثقلها خلف البرازيل بوصفها مرشحا أول فـــي الــنــســخ الـــثـــاث المـــاضـــيـــة مـــن المــــونــــديــــال، فـخـرجـت بخفي حنين ودون أي توفيق. وفي نسخة هذا العام، تمنح 26 خوارزميات المجموعة منتخب إسبانيا الأفضلية بنسبة في المائة، ثم 19 في المائة لرفع الكأس، تليها فرنسا بنسبة في المائة، 8 في المائة، فالبرازيل بنسبة 14 الأرجنتين بنسبة فــي المـــائـــة. وتـتـوقـع «غــولــدمــان» 5 وأخـــيـــرا إنـجـلـتـرا بنسبة سيناريو يتوج فيه الإسـبـان - الذين يتصدرون ترشيحات أسـواق المراهنات حاليا - على حساب الأرجنتين في موقعة الــنــهــائــي؛ فـــي حـــن يـــرى كليمنت فـــي نــبــوءتــه المـــضـــادة، أن البرتغال هي من ستتجرع مرارة الخسارة في مشهد الختام. وعلى الرغم من إغـراء توجيه بعض السخرية والتهكم - عـلـى طـريـقـة مشجعي المـــدرجـــات - إلـــى نــمــوذج «غـولـدمـان ســـاكـــس»، فــــإن الـــــدروس المــســتــفــادة مـــن ذلـــك تـظـل شحيحة، نظرا للهيمنة المطلقة لعنصر الصدفة. ويوضح كليمنت أن في المائة من مسببات النجاح 55 نموذجه يستطيع تفسير والتباين بين المنتخبات في كـأس العالم، وهـي نسبة جيدة ومـقـبـولـة تـمـامـا لـنـمـوذج مـالـي يُــفـتـرض تطبيقه عـلـى آلاف الـصـفـقـات الــتــجــاريــة، حـيـث يـتـوفـر الـحـجـم والمـــجـــال الـكـافـي لظهور المؤشرات الإحصائية بوضوح. ومع ذلك، يعجز هذا النموذج عن التنبؤ الموثوق ببطولة إقصائية فريدة يلعب مباريات فقط؛ إذ إن عينة الـدراسـة أصغر من 8 فيها البطل أن تُبنى عليها نتائج قطعية. ولـهـذا السبب، لا تعدو هذه الـتـنـبـؤات كـونـهـا تـرفـا فـكـريـا ومــداعــبــة رقـمـيـة؛ حـيـث يعلق كـلـيـمـنـت بـــصـــراحـــة: «إذا تـعـامـلـت مـــع هــــذا الـــنـــمـــوذج وهـــذه التوقعات بجدية، فإنك خادع لنفسك لا محالة». ومــــع ذلـــــك، لا يـخـلـو هــــذا الــتــمــريــن مـــن رســـائـــل مبطنة تـسـتـحـق الـــتـــأمـــل؛ أولاهــــــا، ضـــــرورة الــتــعــامــل مـــع الـتـوقـعـات الاقتصادية بدرجة كبيرة من الحذر والتشكيك دون التسليم المطلق بدقتها. والأخرى أن المعجزات لا تتكرر، فمهما بلغت دقة الخوارزميات، لم يكن هناك في هذا العالم سوى «بول» واحد فقط. * بالاتفاق مع «بلومبرغ» على ذلك الامتداد شبه الصحراوي الواسع مـن سـهـول ســـوس، وإلــى سـفـوح الأطـلـس المُطلة على المحيط الأطلسي، نبتت شجرة الأركـان في عناد يُشبه عناد الإنسان الذي سكن تلك الأرض القاسية. قاومت الأركان الجفاف والرياح وندرة المـــيـــاه، ونـجـحـت عـبـر الـــقـــرون فــي أن تـجـعـل من بيئة تبدو قاسية، طاردة للحياة، فضاء للعيش والاستقرار. ولم يكن أحد يتوقع أن تتحول تلك الــشــجــرة المــتــواضــعــة يـــومـــا إلــــى مـــصـــدر واحــــدة مــن أكـثـر الـــثـــروات الطبيعية طلبا فــي الأســـواق العالمية. لدرجة أن حروبا تجارية غير متكافئة تدار باسمها. لقد ظلّت ثمار الأركان لقرون جزءا من الحياة اليومية لسكان المنطقة. تُجمع فـي مواسمها، وتُعصر بطرق تقليدية، ويُستخرج منها زيت يستعمل في الغذاء والعلاج والعناية بالجسم. غـــيـــر أن الـــعـــالـــم اكـــتـــشـــف فــــي الـــعـــقـــود الأخـــيـــرة الــخــصــائــص الاســتــثــنــائــيــة لـــهـــذا الـــزيـــت الـغـنـي بـمـضـادات الأكــســدة والفيتامينات والأحـمـاض الدهنية النادرة، فتحول فجأة إلى ما بات يُعرف بـ«الذهب السائل». منذ ذلك الحين بدأت مؤشرات حرب الأركان. فـــالـــشـــركـــات مـــتـــعـــددة الــجــنــســيــات الـــعـــامـــلـــة فـي مـجـالات التجميل والأدويــــة والـعـنـايـة بالبشرة تسعى إلـــى الـسـيـطـرة عـلـى هـــذا الـسـائـل الثمين الــذي تـفـرزه حبات الأركــــان. وأصـبـح هــذا الزيت يدخل فـي صناعة الكريمات والمــراهــم والـزيـوت العلاجية ومستحضرات التجميل الفاخرة التي تـــبـــاع فـــي كــبــريــات الـــعـــواصـــم الــعــالمــيــة بـأسـعـار مرتفعة جداً. وباتت العلامات التجارية الكبرى تتنافس على الـحـصـول على حصص أكـبـر من السوق التي تواصل النمو عاما بعد آخر. لكن خلف صور العبوات الأنيقة والإعلانات البراقة تختفي حقيقة أخــرى أقـل بريقاً. فـآلاف الـنـسـاء الــاتــي يقمن بـالـعـمـل الأكــثــر مشقة في سـلـسـلـة الإنـــتـــاج مـــا زلـــن يـحـصـلـن عـلـى نصيب محدود من العائدات. ساعات طويلة من العناء والمشقة مكرسة لتكسير النوى واستخراج اللوز وتـحـضـيـر المــــادة الـزيـتـيـة الــخــام لا تقابلها في كثير مــن الأحــيــان إلا أجـــور مـتـواضـعـة، بالكاد تكفي لتأمين متطلبات الحياة اليومية. والمـــفـــارقـــة أن الــــثــــروة الـــتـــي صـنـعـت شـهـرة الأركان العالمية لا تزال توزع بشكل غير متكافئ بـــن المـنـتـجـن المـحـلـيـن والـــشـــركـــات الــتــي تملك أدوات التسويق والتوزيع والعلامات التجارية. أما القيمة الحقيقية للمنتج فلم تعد تتشكل عبر جني ثمار الشجرة، أو في المــردود الـذي تتيحه المـعـصـرة التقليدية، بــل فــي المـخـتـبـرات ومـراكـز التسويق وشبكات التوزيع العالمية. لــــهــــذا الـــســـبـــب تــــخــــوض جـــمـــعـــيـــات مــدنــيــة وتعاونيات نسائية ومنظمات تنموية معركة متواصلة مـن أجــل إحـقـاق قــدر أكبر مـن العدالة الاقــتــصــاديــة. وهـــي تــدعــو إلـــى تـمـكـن المنتجين المـحـلـيـن مـــن الــحــصــول عــلــى حــصــة عـــادلـــة من الأربـــــــاح، وتـــعـــزيـــز دور الـــتـــعـــاونـــيـــات، وحـمـايـة حـقـوق الـنـسـاء الـعـامـات، وضـمـان بـقـاء القيمة المضافة داخل المغرب بدل انتقالها إلى الخارج. في مواجهة هذا الواقع، بدأت تظهر مبادرات مغربية تسعى إلــى قلب المـعـادلـة والانـتـقـال من تصدير المادة الخام إلى صناعة منتجات نهائية ذات قيمة عـالـيـة. ومــن بـن أكـثـر هــذه المــبــادرات طموحا تجربة المـزج بين زيـت الأركــان والكاكاو الأفـــريـــقـــي لإنـــتـــاج شـــوكـــولاتـــه مــغــربــيــة فـــاخـــرة، تحمل بصمة محلية خـالـصـة. ويـــرى أصـحـاب هــــذه المـــشـــروعـــات أن أفــضــل رد عــلــى اســتــحــواذ الشركات العالمية على عـائـدات الأركـــان لا يكون بالاحتجاج وحده، بل بابتكار منتجات جديدة قــادرة على المنافسة في الأســواق الدولية. فكما تحوّلت حبات الأركان إلى مصدر ثراء لعلامات تجارية عالمية، يمكن لها أيضا أن تصبح أساسا لصناعة مغربية راقية تستعيد جزءا من القيمة المضافة التي غادرت طويلا موطنها الأصلي. ضــــمــــن هـــــــذا المــــشــــهــــد الــــطــــمــــوح الآخــــــــذ فــي التبلور، تـــزداد الـدعـوات إلـى حماية هـذا المـورد الـفـريـد مـن الـضـغـوط الـتـجـاريـة المتنامية، ومن آثــار التغيّر المناخي الــذي يُــهـدد شجرة الأركــان نـفـسـهـا. فـالمـعـركـة لـــم تـعـد اقــتــصــاديــة فــقــط، بل أصبحت أيضا معركة بيئية للحفاظ على إرث طـبـيـعـي وثـــقـــافـــي نـــــادر لا يـــوجـــد فـــي أي مـكـان آخر في العالم، بالقدر نفسه الـذي يوجد به في المغرب. إن قصة شجرة الأركـــان تختصر كثيرا من تـنـاقـضـات الاقــتــصــاد الـعـالمـي المــعــاصــر. شجرة تنبت في أرض فقيرة نسبياً، لكن منتجاتها تُباع في أغنى أســواق العالم، وتُحقق مــردودا عالياً. نــســاء يـصـنـعـن الـــثـــروة بــأيــديــهــن، لـكـن الأربــــاح الــكــبــرى تـتـحـقـق بـعـيـدا عـــن قـــراهـــن. بـلـد يمتلك ثروة طبيعية استثنائية، لكنه ما زال يسعى إلى تحويلها من مجرد مادة خام مطلوبة عالميا إلى مصدر حقيقي للتنمية والازدهار المحلي. لــهــذا، فـــإن حـــرب الأركــــان ليست حـربـا على الزيت وحده، بل هي معركة على مَن يملك الحق فــي الاســتــفــادة مــن هـــذه الـــثـــروة الـــنـــادرة، وعلى قـــــدرة المـــغـــرب عــلــى حــمــايــة إحـــــدى أهــــم الــهــدايــا التي منحها الخالق فـي هـذه الصحراء الممتدة وسفوح جبال الأطلس. Issue 17365 - العدد Sunday - 2026/6/14 الأحد جمعة بوكليب *ماثيو بروكير OPINION الرأي 14 حرب «الأركان» التي لم تقع عبد الله ولد محمدي بماذا تخبرنا ساحة الكرة عن كواليس الاقتصاد؟ بلفاست... تفسير ما حدث
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky