ليس الجديد في عالمنا أن تندلع الحروب، فالبشرية لم تعرف سلاما تاما منذ فجر التاريخ، الجديد هو أن الحرب تعلّمت كيف تتنفّس ببطء، وكيف تقتل بصمت، وكـيـف تــحــوّل الــكــارثــة إلـــى روتــــن، والـجـريـمـة إلـــى خبر ثانوي في نشرة مساء لا يُكملها أحد، هذه هي الحروب الرمادية؛ ليست الحروب الخاطفة التي تُشعل العالم ثم تنطفئ، بل تلك النزاعات التي تتمدّد حتى تفقد لونها الصارخ وتذوب في ضباب التعود، فلا تنتهي بانتصار يُحتفى بـه ولا بهزيمة يُــعـتـرف بـهـا، بـل تستمر كجرح مزمن يُفضّل الجميع تجاهله على تحمّل تكلفة معالجته. حين شنّت الولايات المتحدة حربها على فيتنام بدا العالم وكأنَّه أمام مواجهة حضارية فاصلة، لكن بعد عقد ألـف جندي أميركي قتيل 56 ونصف عقد من الجحيم و ومليوني فيتنامي راحـوا في النيران والنابالم، لم يكن الـدرس المُستخلَص عسكريا بقدر ما كان إداريـا: تعلّمت واشنطن كيف تُدير حربا طويلة دون أن تُهدر رصيدها الشعبي في الداخل، وكذلك الصراع العربي الإسرائيلي حتى اليوم، حرب تتخللها هدنات 1948 المتقطع منذ عام وانتفاضات ثم تعود إلى أتونها، فلا هي انتهت بسلام حقيقي ولا بحسم مــيــدانــي، بــل بـاتـت نـمـوذجـا راسـخـا للحرب المُجمَّدة التي يعيش الضحايا في ظلّها جيلا بعد جيل، ثـم جــاءت الـحـرب العراقية الإيـرانـيـة لترسّخ هذه أعـــوام بلعت مليونا 8 ؛ المعادلة بنسختها الأشــد قتامة من البشر، غير أن العالم لم يلبث أن تكيّف مع إيقاعها الـدمـوي حتى تحوّلت بياناتها مـن عناوين الصفحات الأولى إلى مادة روتينية تُناقَش بصوت هادئ في قاعات الأمـــم المـتـحـدة، ولـــم يختلف الأمـــر فــي كـردسـتـان الـعـراق حين مُحيت مئات القرى بالغاز والقصف دون أن تُحرّك الضمير الـدولـي إلا اعـتـراضـات بروتوكولية سـرعـان ما ألف 800 يوم أبيدت فيها 100 ؛ طواها النسيان، ثم رواندا نفس بالمناجل والرصاص وصمت مـدروس من مجتمع دولي، كان يملك القدرة على التدخل ويفتقر إلى الإرادة، وحــــرب الــــســــودان المــســتــعــرة مــنــذ ســـنـــوات تـلـتـهـم أرواح المـدنـيـن وتُــهـجّــر المـايـن وتـكـاد تغيب كليا عـن اهتمام وسائل الإعلام الكبرى، إلا حين تبرد النار في بقعة أكثر إثارة فيلتفت إليها أحد. كل هذه الحروب تكشف أن التحوّل من اللون الأحمر الصارخ إلى الرمادي المُخدِّر ليس نتاجا طبيعيا للإجهاد الإعـامـي وحـــده، بـل هـو فـي جـوهـره هندسة مقصودة، الــــقــــوى الـــكـــبـــرى - واشـــنـــطـــن ومـــوســـكـــو وبـــكـــن ولـــنـــدن وباريس - طوّرت على مدى عقود قدرة مذهلة على إدارة الصراعات بالوكالة، وضبط سقف التصعيد بدقة تخدم مصالحها، الحرب الروسية الأوكرانية نموذج معاصر: اندلعت بضجيج غير مسبوق، ثم أخذت تنزلق تدريجيا نحو الرمادية رغم استمرار الموت اليومي، بينما تحوّلت مفاوضاتها إلـى مسرح دبلوماسي يُعيد توزيع أوراق الـــنـــفـــوذ، لا إنـــهـــاء المـــعـــانـــاة، وفــــي غــــزة تـتـجـلَّــى الــصــورة بـــوضـــوح مـــؤلـــم: حـــرب إبـــــادة مــوثّــقــة بـــالأرقـــام والــصــور والشهادات، وعالم يراقب بعين اعتادت الألم وقلب تصلّب على المطالبة. هنا يطرح العقل ســـؤالا يبدو مثيرا للجدل، لكنَّه أصبح مـشـروعـا: هـل يؤمن «علماء الــحــروب» فـي مراكز الـقـرار الكبرى بــأن هـذه الـحـروب الـرمـاديـة المتقطعة هي بديل عقلاني وأقل تكلفة من حرب عالمية ثالثة مفتوحة؟ وهل ثمة من يرى في استمرارها أداة لتحقيق ما تُلمّح إليه بعض الأدبيات الاستراتيجية الغربية من ضرورة التخفيف من الضغط الديموغرافي على موارد الكوكب؟ هذان السؤالان ليسا من وحي نظريات المؤامرة، بل يجدان صدًى في تقارير مراكز بحثية جادة تتحدث عن «الفائض البشري» و«مناطق الهشاشة القابلة للاحتواء»، وحين تتركز ضحايا هذه الحروب في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا، وتغيب الإرادة الدولية الحقيقية لوقفها، تبدو الصدفة تفسيرا غير مُقنع. الأرجح أن الحقيقة تجمع بين أمرين: ثمة من يُفضّل إدارة النزاعات بجرعات محسوبة بـديـا عـن انفجار نـــووي يـطـول الجميع، وثـمـة مـن يرى فـي هــذه الـحـروب فرصة لإعـــادة رســم الـخـرائـط البشرية والجغرافية دون أن يدفع هو فاتورتها. فــي منطقتنا تـتـجـسّــد هـــذه المــعــادلــة فــي مـواجـهـة ثلاثية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيـران تُــدار عبر وكـــاء ومـــحـــاور؛ الـفـصـائـل الـولائـيـة فــي الــعــراق ولبنان واليمن تحمل رايات المقاومة، وتهدّد مسارات الاستقرار، فيما تُدير الضربات والضغوط الأميركية الإسرائيلية بحساب دون الانــــزلاق نحو الـحـرب الـشـامـلـة، وفــي هذا كله تدفع أطـراف أخـرى أثمانا باهظة، وبالنسبة لإقليم كردستان يجد نفسه في مهب ريـاح أربـع بين طموحات تركية وأجندات إيرانية وتردد بغدادي وتراجع أميركي. الــــحــــروب الـــرمـــاديـــة لـيـسـت فــشــل الــــحــــرب، بـــل هي نجاحها بمفهوم آخر؛ نجاح في إدارة العنف بجرعات لا تُطيح النظام الدولي، لكنها تُبقي الأطراف الضعيفة في حالة نزف دائم، الأخطر أن هذه الحروب تُنتج جيلا من الضحايا لا يصرخ ومجتمعا دوليا لا يسمع، في دائرة مغلقة يستفيد منها صانع الحرب ويخسر فيها الإنسان وحده. تـــوالِـــي إيــــــران هـجـمـاتِــهـا الـعـاطـفـيّــة. عبر «إكـــس»، نشرت سفارتُها في بيروت خريطة لبلدِها، وفي قلبِها خريطة لبنان، وقد كُتب فوقَها: «لبنان هو قلب إيران». وثــنــائــي الــقــلــب والـــحـــبّ، كــمَــا نعلم، مـوضـوع لثقافات كثيرة، رغـم قــول العلم إن الــجــهــاز الـعـصـبـي مــصــدر الـــحـــبّ. ذاك أن الــبــشــر عــامــلــوا الــقــلــب بــوصــفِــه مــركــز الـــــعـــــواطـــــف، إذ تـــثـــيـــر المــــشــــاعــــر الـــقـــويّـــة أحـــاســـيـــس جـــســـديّـــة مـنـهـا تـــســـارع دقَّـــــات الـــقـــلـــب، وكــــــان لــلــصّــلــة بــــن نـــبـــض الــقــلــب والحياة أن أكّدت معادلات كهذه. وبدورِها ذهـبـت ثـقـافـات قديمة أبـعـد، فـأوكـلـت إلَــى القلب وظائف العقل، ووصفتُه بأنَّه يعمل من تلقائِه فيختار ويكبر ويفرح وينكسر. وفـــــي عــــقــــود مـــضـــت كــــــان المـــراهـــقـــون يرسلون رسما لقلب يخترقُه سهم بوصفه عـــرضَـــهـــم الــــغــــرامــــي لـــفـــتـــيـــات يـــتـــهـــيَّـــبـــون مصارحتَهنّ. وهــذَا رمــز يُقال إن مصدرَه «كــيــوبــيــد»، تـلـك الـشـخـصـيّــة الأســطــوريّــة الـرومـانـيّــة الـــذي كـــان يطلق سهامَه فيقع المـصـابـون بها فـي الــغــرام. وسـهـم الـغـرام، ككل السّهام، يصيب من غير استئذان، لكن خصوصيَّتَه أن جـرحَــه يـجـيء مصحوبا بالسَّعادة والملذّات. وقـــــبـــــل أيَّـــــــــام عـــلـــى الــــخــــريــــطــــة وجَّـــــه «الــدبــلــومــاســيّ» إسـمـاعـيـل بـقـائـي ضـربـة عاطفيّة تشِي بـ«الصَّرم بعد الوِصَال». فقد كَتب تعليقا على نقد رئـيـس الجمهوريّة الــلــبــنــانــي جـــوزيـــف عــــون ســيــاســة إيـــــران: «بيبيع اللي واقــف حــدّو، وبيشتري اللي واقف ضدّو. بيترك اللي ساندو، وبيمشي ورا اللي خانقو». ولا تخفى دلالة الكتابة بـــالـــعـــامـــيّـــة الـــتـــي يُـــفـــتـــرض أنّــــهــــا تــعــكــس حميميّة وتلقائيّة لا تعكسهما الفصحَى المتكلّفة. وفيمَا يغدو السَّفير الإيراني شخصا غير مرغوب فيه، يضيف وزير الخارجيّة عــــبّــــاس عـــرقـــجـــي مـــخـــاطـــبـــة أخــــــرى لــعــون تطالبُه بإنقاذ لبنان من عـدوّه الحقيقيّ، إسرائيل، لا من إيران. والتَّحذير من نوايا «الغريم»، التي قد تخدع الحبيب السَّاذجَ، جزء أصيل من عُدّة الكلام الغراميّ. وهـــذا كـــام فــي الـعـاطـفـة وتقلّباتها. لــهــذا نــــراه شــديــد الـحـضـور فــي الـقـصـائـد والأغاني حيث يحتل الفراق والانتقال من حـــال إلــى حــال مـسـاحـات واسـعـة. ويحفل ديـــوان الشّعر العربي بأبيات صــارت من عـيـون الـشـعـر، كـقـول قـيـس بـن المــلــوّح إنَّــه بات يمر على ديار ليلى فيقبّل «ذا الجدار وذا الــجــدارا»، مـؤكّــدا أن حـب الـدّيـار ليس ما شغل قلبه، بل «حب من سكن الديارا». ويـشـكـو الأنــدلــســي ابـــن زيــــدون حقيقة أن «التنائِي» حل محل «التدانِي»، في علاقتِه بحبيبتِه ولاّدة، كمَا ناب «التَّجافي» مَناب «طيب اللقيا». ونعرف أن محطّات الانتقال صعبةٌ، خـصـوصـا فــي المـرحـلـة الـتـي تسبق إبـــرام القطيعة واكتمالَها. فهنَا يفقد الحبيب تـعـريـفَــه لنفسه كحبيب بـــدون أن يكسب تـــعـــريـــفـــا جـــــديـــــدا كـــحـــبـــيـــب ســـــابـــــق، وهـــو إحساس مدمّر بالحيرة والازدواج. وكان مـحـمّــد عـبـد الـــوهـــاب مــثــا قـــد غــنَّــى كيف «يــفــكّــر فـــي الـــلـــي نــاســيــه» و«يــنــســى الـلـي فـــاكـــرنـــي»، وذهـــبـــت نـــجـــاة الــصــغــيــرة من حــيــرة المـشـاعـر إلـــى حــيــرة المــواقــع فغنَّت: «القريب منّك بعيد والبعيد عنك قريب». هــــذَا وقـــد ذاعــــت، قـبـل عــقــد ونـــيّـــف، أغـنـيـة «شخص كنت أعرفه» الإنكليزيّة، لغوتييه وكيمبرا، فأنشدت كيمبرا أن في وسعهما أن يــبــقــيَــا صـــديـــقـــن، لـــكـــن غــوتــيــيــه، وقــد اختلطت الأمور عليه، رد بأنَّه لم يعد يفهم ما يعنيه واحدُهما للآخر. وقد ربطت لبنان الرسمي بإيران، منذ التسعينات، علاقة ود معلن. فالنظامَان لـم يكونَا متّفقين فـي القضايا الأساسيّة فـحـسـب، بـــل كــــان واحـــدُهـــمـــا الأكـــبـــر يــقــرّر لـواحـدِهـمـا الأصــغــر شــؤونَــه المـهـمَّــة ومَــن يجدر بهم تمثيلها. بـيـد أن عــاقــة الــــود كـانـت مــن صنف غريب. فلبنان الرسمي لم يكن يقول عن إيـــــران كــامــا يـشـبـه الـــكـــام الــبــلــغــاري عن الاتّــحــاد الـسـوفـيـاتـيّ، مـن أنَّـــه قـائـد حركة التقدّم في العالم. كذلك لم يُعرف عن إيران الـرسـمـيّــة غَــــزَل بلبنان كصيغة سياسيّة أو كسياسة اقتصاديّة أو كطريقة حياة، وظل الطرفان المعنيّان يعلّلان ما بينهما من حب بالعداء لطرف ثالث هو إسرائيل. وهـــــذا لـــيـــس كــافــيــا لــجــعــل الــــغــــرام غـــرامـــا، سـيَّــمـا وأن المـــوانـــع كـثـيـرة. فـــإيـــران ليست جارا مباشراً، ولا شريكا في لغة أو إنتاج أدبي أو مصالح اقتصاديّة، ولا هي مصدر عــمــالــة، أو مـــصـــدر عــلــم وتــقــنــيّــة، كــمَــا أن التاريخ الحديث المشترك ضيِّق ومحدود. ومـــــعـــــروف تــقــلــيــديّــا أن الـــبُـــعـــد الــثــقــافــي والروحي للشيعة اللبنانيّين كان يقودُهم إلى العراق، لا إلى إيـران. أمَّا النظام الذِي سبق ثورة الخميني فلم تشدّه إلى لبنان، أو تشد لبنان إليه، علاقة خاصَّة. فــــوق هــــذَا، كــانــت الــعــاقــة الـعـاطـفـيّــة اللبنانيّة – الإيرانيّة سبب تخريب لمصالح لبنان الكثيرة والعميقة، أكـــان مـع بلدان الخليج أم مع بلدان الغرب. ولـــــأســـــبـــــاب تــــلــــك، كــــــــان فـــــي الــــحــــب الــلــبــنــانــي – الإيـــــرانـــــي شـــــيء مـــن الــعــشــق الممنوع الــذِي تحول دونَــه عناصر فعليّة ليس تجاوزُها سهلاً. لكنَّه ليس ممنوعا بالمعنَى الـذِي كانَه عشق حبيبين فعليّين كـــرومـــيـــو وجـــولـــيـــيـــت نـــجـــحـــت الـــكـــراهـــيـــة المـــتـــبـــادلـــة بــــن عــائــلــتــيــهــمــا، مــونــتــاغــيــو وكابيوليت، في قلب حبّهما مأساةً. فــــهــــنَــــا، فـــــي حــــالــــتِــــنــــا، كـــــــــان الـــقـــســـر والـــغـــصـــب مــــصــــدري الــــحــــب المــعــلـــن الــــذي افتقر إلى أسباب فشل الكذبُ، ذو «الحبل الــقــصــيــر»، فـــي الــتَّــســتّــر عـلـيـهـا. وهــــذا ما لا تـسـتـطـيـعُــه حـــتّـــى الاســـتـــعـــانـــة بــحــافــظ وسـعـدي والــرومــي – الـثـالـوث العظيم في أدب العشق الفارسيّ. OPINION الرأي 12 Issue 17365 - العدد Sunday - 2026/6/14 الأحد الحروب الرمادية... نزف مُدار وموت مُجدوَل إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة... وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة كفاح محمود أتـــقـــن كـــثـــيـــر مــــن المــثــقــفــن الـــســـعـــوديـــن والـــعـــرب الجدالات الأدبية والفكرية والثقافية المتعلقة بالأدب، شعرا ونـثـراً، قصة وروايـــةً، تفهّما ونـقـداً، ولكن عددا منهم إما كان يعبّر عن مدارس نقدية غربية يترجمها، ويتطوّر بتطورها ويتراجع بتراجعها، ولذا فهو دائم التغير ذات الشمال وذات اليمين بحسب المراحل، وإما هـو منحاز منذ البداية لمـدرسـة بعينها، هـي مدرسة تتبنى آخـر النسخ من خطابات التدين الجديد الذي نشأ وانتشر في القرنين الأخيرين من تاريخ الإسلام. مر القرنان الأخيران من تاريخ البشرية والمنطقة بآيديولوجيات كبرى وصــراعــات عظمى، وعلت فيه الجدالات الفكرية الكلية وارتفعت قيمة التخصصات الجزئية وجدالاتها، فالرأسمالية والشيوعية أنتجتا أفـــكـــارا جــزئــيــة عـلـى مـسـتـوى الــعــالــم، وبـالـتـفـاعـل مع ثقافاته وأفكاره، وكان من الطبيعي أن تخرج منتجات فكرية فرعية تثير جــدلا مستحقا فـي كـل منطقة من مناطق العالم. ثـار في الغرب جـدل «الحداثة» وجـدل «التحيز»، والأخير تم طرحه في علم النفس أولاً، وقد نقل الجدل تجاه المفهومين عربياً، ونقلا كما طرحهما الغربيون والمتأثرون بهم أدبيا وثقافياً، وقد انتقل كل ذلك الجدل بـحـمـولـتـه الأدبـــيـــة والـثـقـافـيـة إلـــى بـلـدانـنـا بـاعـتـبـاره منتهى إقـــدام الـعـقـول، وشــواهــد هــذا الـجـدل أكـثـر من أن تحصى كــثــرةً، ثــم افــتــرق الـــرفـــاق، فـفـي حــن تقلّب بعضهم ذات اليمين وذات الشمال، ثبت بعضهم على رؤيـة واحــدة انتقل منها للانتفاع المعرفي الشخصي بحيث يـكـون قــــادرا عـلـى أن يشغب عـلـى كــل مـشـروع معرفي أو تطور أكاديمي أو منتجات فكرية معينةٍ. ومـــن «الــتــحــيــز» الــغــربــي تـــم نـقـل المــفــهــوم عربيا مــن أجـــل الـبـرهـنـة عـلـى الـتـحـيـز المـعـرفـي الـغـربـي ضد الـــعـــرب وغـــيـــر الــغــربــيــن عــمــومــا، وقــــد افــتــقــد المـشـهـد لعالم سعودي كبيرٍ، وأنثروبولوجي مخلص لوطنه ولـــعـــلـــمـــه، فـــكـــانـــت الـــســـعـــوديـــة عـــلـــى مــــوعــــد مــــن سـعـد الـصـويـان، هــذا الـعـاَّمـة الــذي حفر بيديه فـي صخور الـثـقـافـة الـشـعـبـيـة والـتـقـلـيـديـة والـــعـــادات والـتـقـالـيـد، ورحــــل وارتـــحـــل بــن المــــدن والـــقـــرى والـــبـــوادي جامعا واعــيــا ومـــؤرخـــا عــالمــا ومـوثـقـا لا يـشـق لــه غــبــار، ولمـن شاء أن يطلع على شيء من جهده هذا فعليه مراجعة موقعه الإلكتروني واختيار «الصوتيات» ليجد منهلا عذبا مرت عليه عقود من الزمن. تناقل كثير من العرب فكرة أن الــدول العربية لا تــكــرّم إلا المــوتــى، ولكنهم نـسـوا أن الــــدول الخليجية تكرّم أحياءها، فقد طبعوا بطباع أصيلة تقدر الوفاء، وليقرأ من شاء سلسلة الجوائز الخليجية في كل بلدٍ، وأخص منها السعودية ليجد قوائم متصلة من تكريم الأحـيـاء والإقــــرار بمنجزاتهم، وقــد كــرّم وزيــر الثقافة السعودي الأمير بدر الفرحان عالمنا الأنثروبولوجي وسلمه 2024 الكبير سعد الصويان في حياته في عام له الوزير بنفسه في منزل المكرّم أطال الله في عمره. كــل إصـــــدارات الـدكـتـور سـعـد الـصـويـان تستحق الاقتناء والاستفادة فهو من الــروّاد الكبار، وهو أهم علماء المملكة العربية السعودية وعلماء الـعـرب في علم الأنثروبولوجيا أو «علم الإنسان»، مثله مثل رواد آخرين كالشيخ حمد الجاسر في الجغرافيا والتاريخ وغيرهما، فهو كتب عن «الشعر النبطي»، وكتب عن «الصحراء العربية: ثقافتها وشعرها عبر العصور، قـــراءة أنـثـروبـولـوجـيـة»، وهــو مـن أعـظـم كتبه، وكتب كتابه الأنثروبولوجي العظيم والكبير جـدا «ملحمة التطور البشري» الذي أبان فيه عن تمكنه المطلق من علم الأنثروبولوجيا. مــرحــلــة مـــن عــمــر هــــذا الــعــالــم الـكـبـيـر تـجـلـت في المـــوســـوعـــة الـعـظـيـمـة «المـــلـــك عــبــد الـــعـــزيـــز آل ســعــود، سـيـرتـه وفــتــرة حـكـمـه فــي الــوثــائــق الأجـنـبـيـة» ضمن 1999 مـــنـــشـــورات «دار الــــدائــــرة» والــــصــــادرة فـــي عــــام وبـتـمـويـل ورعـــايـــة كـامـلـة مــن الأمــيــر سـلـطـان بــن عبد العزيز (رحمه الله). ومــــــن يـــتـــمـــعـــن فـــــي مـــقـــدمـــة المــــوســــوعــــة ويـــتـــابـــع التفاصيل المنهجية التي شرحها سعد الصويان يعلم أنه بنى منهجا علميا محكما حتى في أدق التفاصيل، وأدار كافة اللجان في الموسوعة بإحكام واقتدارٍ. مـــن حــســن حـــظ كـــاتـــب هــــذه الـــســـطـــور أنــــه الـتـقـى الــدكــتــور سـعـد الــصــويــان مــــرارا وتـــكـــرارا مــع الأســتــاذ الـصـديـق مـشـاري الـــذايـــدي، وقــد كـانـت لــقــاءات مليئة بالعلم والتوهج والإبـــداع، ولئن جـاءت بعد مرضه - شفاه الله - فقد كان ثابت الجنان مستقر الفكر، شديد التواضع كما يليق بعالم حقيقي وقف عمره كله على العلم والمعرفة ولم يجعلهما سبيلا لشهرة أو طريقا لغنىً. أخيراً، فالإشادة بأهل العلم وخاصته من الناس أمر جبلت عليه النفوس الكريمة، وهو سبيل لاقتداء الأجـــيـــال بــالــرمــوز المـــبـــرزة الــتــي أفــنــت حـيـاتـهـا خـدمـة للعلم والوطن ولم تدّخر جهدا في هذا المجال. سعد الصويان في عيون الثقافة السعودية عبد الله بن بجاد العتيبي [email protected]
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky