issue17362

رغم الظالم الذي يمأل سماء املنطقة والعالم، فإن ضوءًا خافتًا قد يتراءى لنا من بعيد أحيانًا، فيجعلنا أقرب إلى الرجاء منا إلى سواه. ضمن ذلك ما قرأناه قادمًا من أرض العراق، عـنـدمـا أعـلـن «الــتــيــار الـــصـــدري» بـرئـاسـة مقتدى الصدر، تسليم جناحه العسكري «سرايا السالم» إلــــى الـــحـــكـــومـــة. جــــرى اإلعــــــ ن عـــن الــنــبــأ صـبـاح الـخـامـس مــن الـشـهـر الـحـالـي، وبـــدا أنـــه أهـــم خبر في ذلك اليوم ثم في األيام التالية. وملاذا ال يكون كذلك إذا كـان «التيار» قد أعلن أن جميع مقاتلي «الـــســـرايـــا» قـــد صــــــاروا مــنــذ الــلــحــظــة، أي لحظة اإلعـــــ ن عـــن عـمـلـيـة الـتـسـلـيـم، تـحـت إمــــرة رئـيـس الحكومة العراقية علي الزيدي؟ ليس هـذا وفقط، ولكن كانت هناك تفاصيل أخرى، من بينها مثالً، أن التسليم تم مع إجراءات رمزية، وأنه قد شهد إنـزال راية «التيار» من فوق مقره في سامراء. ومــــع الــخــبــر كـــانـــت هـــنـــاك صـــــورة مــنــشــورة، وكـانـت تضم عـــددًا مـن مقاتلي «ســرايــا الـسـ م». كـــانـــوا يــحــمــلــون أســلــحــتــهــم، وكــــانــــوا يـبـتـسـمـون لـلـكـامـيـرا وال تــبــدو عــلــى وجــوهــهــم عـــ مـــات من الضيق أو الغضب، مما يعني في جانب منه، أنهم راضون بما تم، وأنهم يسلمون به، وأنهم يُقرون ما انتهى إليه مقتدى الصدر حني اتخذ القرار. أخـمـن مـن ناحيتي أن مالمحهم املستريحة لـلـقـرار، كـانـت تـرجـع فـي األســـاس إلــى إحساسهم بـأنـهـم صــــاروا جــــزءًا مــن جـيـش عــراقــي أشــمــل، ال مـجـرد مقاتلني عــن جـمـاعـة سـيـاسـيـة، حـتـى ولـو كانت هذه الجماعة هي التيار الصدري نفسه. أيــهــمــا أفــضــل ألي مــقــاتــل عـــراقـــي؟ أن يـكـون عنصرًا في فصيل يخرج على البلد بسالحه مرة وال يخرج مــرة ثانية؟ أم يكون جنديًا فـي جيش عـراقـي يقاتل مـن أجــل سـ مـة بلد بكامله، ال من أجل مصالح جماعة فيه؟ ال بــد أن أي عــراقــي وطــنــي ســـوف يـمـيـل إلـى الـخـيـار الـثـانـي، إذا مـا تُـــرك لـ صـل الـفـطـري فيه، فهو يولد عراقيًا ال ينتمي ألي فصيل، وال يعرف انــتــمــاء إال إلـــى وطــنــه األم، فــــإذا انـتـمـى إلـــى هـذه الجماعة أو تلك عندما يصير شابًا، فانتماؤه ال يكون في مكانه الصحيح، ألن االنتماء الصحيح هـــو الــــذي ال يــقــدم جـمـاعـة عـلـى الــبــلــد، وال يضع فصيال فوق الوطن. وإذا كـــان الـتـصـريـح الـــصـــادر بــشــأن تسليم «سـرايـا الـسـ م» يقول إن مقاتليها صــاروا تحت إمــرة رئيس الحكومة، فليس مـن الـواضـح مـا إذا كان ذلك يعني دمجهم تمامًا في الجيش الوطني العراقي، أم أنهم سيظلون في سراياهم كما هُم، ولكن بتبعية لرئيس الحكومة وللجيش؟ لــيــس واضـــحـــ بــالــضــبــط، وإن كــنــا بـالـطـبـع نطمح إلـى الـدمـج الكامل، ولكن حتى لـو تأجلت خطوة الدمج فال بأس، ألن األهم أن مقاتلني مثلهم صـــاروا يـأتـمـرون بـأمـر رئـيـس الـحـكـومـة، ال بأمر رئيس «التيار»، وهذا في حد ذاته تطور مهم ال بد من الترحيب به والبناء عليه. أمــا األهـــم فهو أال يتوقف الـضـم عند حـدود «التيار الصدري»، ألن إلى جواره تيارات وفصائل أخرى سواه، وكلها مدعوة إلى أن تقتفي أثره، وأن يصل الــعــراق إلــى وضــع ال تجد فيه الــدولــة جهة سواها تزاحمها في امتالك قوة مسلحة تتبعها. العراق يستحق أن تضحي من أجله الفصائل والتيارات على اختالف تسمياتها، والبداية التي أطلقها مقتدى الصدر ال بديل عن أن تكون خطوة أولــــــى، ورئـــيـــس الــحــكــومــة الـــجـــديـــد يـــبـــدأ بــالــكــاد خـطـواتـه فــي مـكـتـبـه، وال نــجــاح لــه فــي مـكـانـه إال إذا آمنت كل التيارات والفصائل بما آمن به تيار الــصــدر، الـــذي لــم يفعل مــا فعله مــن أجـــل الـزيـدي كـرئـيـس حـكـومـة، بـقـدر مــا فعله مــن أجـــل الـعـراق كوطن، أو هكذا هو الظن. وإذا سَر أحدًا في العراق أن يتطلع إلى العاقبة التي تعود على البلد، مـن جــراء وجــود جماعات تمتلك مقاتليها خارج الجيش الوطني، فليتطلع هذا األحد إلى ما أصاب السودان من جراء وجود ما يسمى «قوات الدعم السريع»! فالحرب التي تشنها «قــوات الدعم السريع» على الــســودان دخـلـت عامها الــرابــع فـي منتصف أبريل (نيسان) املاضي، وال يوجد بيت سوداني لــم يـكـن وجـــود هـــذه الــقــوات وبــــاال عـلـيـه، وليست الـخـرائـب الـتـي نطالعها فــي الــصــور الـقـادمـة من هناك سوى تعبير عن حدود هذا الوبال. تـسـتـطـيـع الـــتـــيـــارات والــفــصــائــل فـــي الـــعـــراق أن تـــأخـــذ درســـهـــا الـــحـــي مـــن الـــوضـــع املـــحـــزن في السودان، وتستطيع أن تؤخر نفسها وتقدم بلدها الذي تعيش على ترابه، وإذا فعلت فسوف تعرف وطنًا متماسكًا يظلل الجميع، بدال من أن تكسب نفسها في وطن تتداعى أركانه وال يكاد يقوم. قـد تكون هــذه دعــوة مثالية بأكثر مما هو الزم، ولــكــن األفـــكـــار الـواقـعـيـة بــــدأت فــي الـغـالـب مثالية، والعراق الذي يجاهد ليستكمل تشكيل حـــكـــومـــتـــه يــنــتــظــر مــــن أهــــلــــه أن يـــســـعـــفـــوه وأ يخذلوه، وأ تكون مـبـادرة الـصـدر مثل بيضة الـديـك الـــذي قيل عنه إنــه إذا بــاض فـإنـه يبيض بيضة واحدة. Issue 17362 - العدد Thursday - 2026/6/11 اخلميس منذ بواكير ظهور تقنيات «الذكاء االصطناعي» بكل أفرعها وتشعّباتها انقسم املـجـال الثقافي إلــى قسمَني: منهم من يرى أن هذه التقنية سوف يكون لها حضورها املــهــول ولــكــن ال يمكنها أن تـفـكّــر، فــي حــ رأى الـفـريـق املناوئ أن بإمكان التقنية أن تفكّر مع تطوّرها الحالي، وأن تحل محل اإلنسان حتى على املستوى النظري. لـطـاملـا ارتــــاح املـثـقـف واطـــمـــأن ولـــم يـلـق بـــاال للموج القادم املصاحب لكل هذا التقدم، ولكنه سرعان ما شعُر بــاإلحــبــاط بـعـد أن تـــحـــوّل الـبـعـض إلـــى اســتــشــارة فـــروع الذكاء االصطناعي، وبلغت الــذروة مع التحدّث املستمر واالســـتـــشـــارات املستفيضة لـــ«تــشــات جــي بــي تـــي» على سبيل املثال. بل إن بعض املثقفني والدارسني يسارعون نحو هذه التقنية لتسريع إنجاز مهماتهم البحثية، وهذا ما جعل مراكز الدراسات تزيد من نسبة التحقق من املصادر في أثناء املراجعة والتحرير، قبل أن تتم اإلجازة والنشر. إنه لسؤال قديم: هل يمكن للتقنية أن تفكر بالنيابة عن اإلنسان؟ وهل الحواسيب تدرك؟ أسئلة شغلت الفالسفة منذ الثلث الثاني من القرن العشرين. عــلــى سـبـيـل املـــثـــال، فــــإن آالن تـــوريـــن وجــــون سـيـرل تــســاءال فــي تـلـك الـحـقـبـة إذا كـــان بـإمـكـان الـحـواسـيـب أن تفكّر. ثم إن تورين -كما يلخّص نايجل واربرتون- مقتنع أن الحواسيب يمكن أن تقوم في يـوم من األيــام بمهمات أخـــرى غـيـر فــك الـشـيـفـرات، بــل يمكنها أن تصبح ذكـيـة، اخــتــبــارًا يـجـب عـلـى كــل حـاسـوب 1951 واقـــتـــرح فــي عـــام أن يـــجـــتـــازه، أصـــبـــح يـــعـــرف بــــ«اخـــتـــبـــار تـــوريـــن» لـلـذكـاء االصطناعي، غير أنه كان يسميه «لعبة التقليد»، ومرد ذلــك هـو اعـتـقـاده بــأن مـا يثير اإلعـجـاب حــول املـــخ، ليس ألن له تناسقًا، بل لوظيفته أهمية أكثر من الطريقة التي يرتعش بها عندما يستخرج من الرأس، أو أنه يبدو مهمًا ألنه ذو لون رمادي. في حني سيرل يشبّه الحواسيب مثل شخص في غرفة ليس له ذكاء حقًا، وال يستطيع التفكير، كل ما يفعله هو تنظيم الرموز. الحقًا وفي عصرنا الحديث نهض باملهمة فيلسوف مـــهـــم هــــو هــــيــــ ري بـــوتـــنـــام فــــي بـــحـــوثـــه «حـــــــول الـــذهـــن واملـــعـــنـــى والـــــواقـــــع»، ضـــمّـــن فـلـسـفـتـه فـــي الـــذهـــن دراســــة تطوّر الحاسوب. وفـي حــوار مع مجلة «هـارفـارد» قارب هـذا املـوضـوع، ورأى أن أنماط الحاسوب املستعملة في املعرفة اإلدراكية أدت إلى تراجع الحديث عن اإلحساسات، في مقابل تزايد الحديث عن التفكير واإلحالة في األدب الفلسفي املكتوب باإلنجليزية، لكن الفالسفة أصحاب التوجه املادي الناطقني بهذه اللغة لم يتراجع انشغالهم بهوية «الذهن - الجسد» على العكس، لقد أعادوا صياغة الــســؤال عـلـى الـنـحـو اآلتــــي: هــل يتطابق كـــل مــن التفكير واإلحالة مع الحاالت الحاسوبية للدماغ؟ يــــعــــد بـــوتـــنـــام مـــثـــل هـــــذه األســـئـــلـــة مـــضـــلـــلـــة، ألنــهــا نتيجة قد استغرقت سنوات عدة للتوصل إليها، ودافع هـــذا الـبـحـث عــن هـويـة ضـمـن خـصـائـص تتعلق بوصف الفكر واإلحــالــة والـخـصـائـص الفيزيائية، أو على األقـل الحاسوبية، بالشعور بالخوف من أن البديل الوحيد هو العودة إلى الثنائية؛ صورة شبح في آلة، ولذلك وبسبب نقاشات في فلسفة الذهن «غير قابلة لالحتواء»، تحوّل املسار إلى الحديث عن امليتافيزيقا واإلبستمولوجيا وما بعد الفلسفة. مرد اهتمام بوتنام بهذا املوضوع اهتمامه بالعالقة بـــ املــفــاهــيــم والـــعـــالـــم؛ إذ يـــعـــد مـنـاقـشـتـه لـنـمـط الـشـك الــديــكــارتــي «أدمـــغـــة فـــي وعــــــاء»، قُــصــد مـنـهـا االســـتـــدالل عـلـى أن املـفـاهـيـم والــعــالــم يـسـتـلـزمـان بعضهما بعضًا، وأن املفاهيم التي لديك تعتمد على العالم حيث تعيش ونـوعـيـة عالقتك بــه، ففكرة أن لدينا مفاهيم تـوجـد في »، وأنـه من الـ زم علينا أن نعاين ما إذا Private« وسيط كان أي شيء يتوافق معها، هي فكرة قد أثرت تأثيرًا قويًا في تفكيرنا، ولكنها فكرة غير متماسكة تمامًا. بـرأيـي أن هــذا النقاش كــان ممهّدًا ملـا نعيشه اليوم مــن تــطــوّر تكنولوجي غـيـر مـسـبـوق. األجــهــزة بـمـا فيها الـــحـــواســـيـــب والـــــروبـــــوتـــــات يــمــكــنــهــا أن تـــفـــكّـــر بـــحـــدود برمجياتها، لكن هذا التفكير منقوص، بسبب عدم تمتعها بــــــــاإلدراك، ولـــعـــدم وعــيــهــا بـــحـــدود األحـــاســـيـــس، ويـمـكـن للتطوّر املذهل أن يخفف من أعباء اإلنسان ويسعفه في بعض املهام، لكن من الصعب الوصول إلى ابتكار تقني يــكــون بــديــ عــن اإلنـــســـان فــي اإلدراك والـــوعـــي بـالـعـالـم. هيدغر تنبأ بــأن التقنية ستفلت مـن اإلنـسـان وسيكون رهــيــنــهــا، لــكــن حــتــى اآلن يــغــامــر اإلنـــســـان بـصـ حـيـاتـه الكونية مـع كـل ابتكار تقني جـديـد، ولكنها مغامرة لن تـتـجـاوز حـــدود ابـتـكـار وسـائـل مـنـجـزة، ال مــدركــة، حتى وإن كانت تفكّر ضمن برمجياتها. لقد وصلت التقنية إلى ذروتها حني استطاعت أن تفكّر وتجيب وتنخرط في السجال كما أشرت في بداية املقال، لكن السؤال هل يمكن للتقنية أن تكون مثل اإلنسان «واعيةً» بالوجود؟ إن هذا مـا يميّز اإلنـسـان حتى اآلن فـي ظــل صـراعـاتـه مـع أمــواج التطوّر التقني الجارفة. لم يكن غريبًا، وإن كـان مستهجنًا، أن تـنـدلـع أعـــمـــال شـغـب وعــنــف فـــي الـعـاصـمـة اآليرلندية الشمالية بلفاست مساء أول من أمــس، فـي ظـل أجـــواء التأجيج التي أعقبت جــريــمــة ارتــكــبــهــا الجــــئ حـــاصـــل عــلــى حق اإلقامة. فبريطانيا تشهد منذ فترة أجواء مشحونة بسبب الجدل املتزايد حول قضية الـــهـــجـــرة، واالســـتـــغـــ ل الــســيــاســي لــهــا من بعض األطراف السياسية. الواقعة التي كانت وراء أحداث الشغب تـتـعـلـق بــرجــل ثـ ثـيـنـي ذُكــــر أنـــه ســودانــي اسمه الهادي العبيد، هاجم رجال أربعينيًا يــــدعــــى ســـتـــيـــفـــن أوغــــلــــيــــفــــي، فـــــي الــــشــــارع وحــــاول قـتـلـه بـسـكـ لــو لــم يـتـدخـل بعض املــارة إلنـقـاذه. في ظــروف أخــرى كـان يمكن الــتــعــامــل مــعــهــا كــجــريــمــة مــثــل غــيــرهــا من الجرائم الفادحة التي يمكن أن تحدث في أي مـكـان، وتُــحـال إلــى املحاكم للنظر فيها وإصدار العقوبة على الجاني متى ما أُثبت عليه الجرم. لــكــن جــريــمــة بــلــفــاســت لـــم تــمــر هــكــذا؛ ألسـبـاب عـــدة، على رأسـهـا أجـــواء التأجيج والشحن حول قضايا الهجرة التي أصبحت مـــلـــفـــ ســـاخـــنـــ فــــي الـــــصـــــراع الـــســـيـــاســـي ال سيما مـع صـعـود أصـــوات اليمني املتطرف الـــــذي يـــحـــاول اســتــغــ ل هــــذا املـــلـــف بـــإثـــارة املــخــاوف، بـل والـكـراهـيـة. فـي هــذه األجـــواء وجــد املُــؤجـجـون ضالتهم، فالجاني الجئ ومُنح حق 2023 ) وصـل في فبراير (شباط اإلقـــامـــة خـمـس ســـنـــوات، وبـسـبـب الجريمة الـتـي ارتكبها يمكن اسـتـخـدام األمـــر لصب الــــزيــــت عـــلـــى نــــيــــران الــــجــــدل املـــحـــتـــدم حـــول الــهــجــرة، وتـأجـيـج الــكــ م حـــول أنـهـا تهدد املجتمع البريطاني، وذلك بتسليط الضوء على ممارسات وتجاوزات قلة منهم ترتكب جـرائـم وال تحترم الـقـانـون، أو مجموعات أخـــــرى تــعــيــش عــلــى الـــضـــمـــان االجــتــمــاعــي واإليحاء بأنهم عالة على الدولة. هناك سبب يدفع عددًا من السياسيني إلى استغالل موضوع الهجرة كلما تصاعد الــقــلــق الــــعــــام. فــقــلَّــمــا تــثــيــر قــضــايــا أخـــرى مــشــاعــر أقـــــوى تـتـيـح فـــرصـــ لــ ســتــعــراض الـسـيـاسـي الـــذي كـثـيـرًا مــا يـصـاحـب الـجـدل واملبارزات السياسية حول هذا امللف. من هـذا املنطلق يمكن النظر إلـى كالم السياسي البريطاني روبرت جينريك عن أن حزب «إصالح- اململكة املتحدة» الذي ينتمي إلـيـه سيسعى لـفـرض حظر على تأشيرات الدخول لكل القادمني من السودان. فـي صميم حجته تكمن فـكـرة بسيطة: ألن أفـــــــرادًا ســـودانـــيـــ ارتـــكـــبـــوا جـــرائـــم في بريطانيا، يجب على بريطانيا أن تتوقف تمامًا عن إصدار تأشيرات للسودانيني. هكذا تُــسـتـخـدم جــرائــم فــرديــة فــي التعميم املـخـل لـدمـغ شعب بأكمله، وللمطالبة بــإجــراءات تدخل في تصنيف العقوبة الجماعية. هناك خلل أخالقي وقانوني كبير في هـــذا املــوقــف. فـفـي أنـظـمـة الـعـدالـة يُحاسب األفــــراد عـلـى أفـعـالـهـم وال تـسـري عقوبتهم عـــلـــى آخــــريــــن ملــــجــــرد أنــــهــــم مــــن الــجــنــســيــة ذاتها. فال يستقيم أن يطالب شخص مثال بسجن أقارب املجرمني، أو معاقبة وتجريم مجتمعات بأكملها ألن فــردًا واحـــدًا ارتكب جـــرمـــ . فــمــا ذنــــب طــبــيــب ســــودانــــي يسعى لـلـعـمـل فـــي قــطــاع الــصــحــة الــبــريــطــانــي، أو طـالـب يـريـد االلـتـحـاق بجامعة بريطانية، أو شـخـص يــريــد زيــــارة أقـــاربـــه فــي اململكة املــتــحــدة؟ هـــل يُــعــامَــل كـــل هــــؤالء بوصفهم مــــصــــادر تـــهـــديـــد مــحــتــمــلــة بــســبــب جـــرائـــم ارتـــكـــبـــهـــا أشـــــخـــــاص ال يـــعـــرفـــونـــهـــم، ولـــم يلتقوهم من قبل، وال سلطة لهم عليهم أو على تصرفاتهم؟ مــعــظــم الـــبـــريـــطـــانـــيـــ يـــرفـــضـــون مـثـل هـــــــذا املــــنــــطــــق، ألنـــــــه ظـــــالـــــم، وألنـــــــــه يــعــنــي عقوبة جماعية على جـرائـم فـرديـة. وحتى للمترددين، فـإن الـصـورة ستصبح أوضـح لــو قـــال شـخـص مـثـ إن هـنـاك بريطانيني يرتكبون جـرائـم فـي الــخــارج، أو أن بعض مشجعي كـــرة الــقــدم اإلنـجـلـيـزيـة اكتسبوا سمعة دولية في الشغب والعنف، وبالتالي يصبح ذلـك مبررًا لـدعـوات بمنع كل الـزوار الـبـريـطـانـيـ . املـنـطـق مــعــوج ويـبـقـى كذلك بغض النظر عن الجنسيات. هــــنــــاك فـــــرق جــــوهــــري بــــ اســـتـــهـــداف املجرمني واستهداف الجنسيات. هذا الفرق غــالــبــ مـــا تـطـمـسـه الــســيــاســات الـشـعـبـويـة وطـــــــروحـــــــات حـــــركـــــات الــــيــــمــــ املــــتــــطــــرف. الصيغة مألوفة: خذ جريمة صادمة، وسلِّط الضوء على جنسية الجاني، واستخدمها لـــإيـــحـــاء بــــأن مــجــمــوعــة عــرقــيــة أو ديـنـيـة بأكملها، أو من جنسية معينة تمثل كلها تهديدًا ينبغي اتخاذ إجراء يعمم الجرم أو يبرر العقوبة الجماعية. إنها استراتيجية تـــلـــعـــب عـــلـــى اســــتــــثــــارة غــــرائــــز الــــخــــوف أو التعصب للتكسب السياسي. الخطر أنها تشجع الناس على الحكم عــلــى مـــ يـــ الــبــشــر بـــنـــاء عــلــى أفـــعـــال قلة محدودة. والنتيجة أنها تزعزع االستقرار والـــســـلـــم املـــجـــتـــمـــعـــي، وتـــنـــفـــخ فــــي مــشــاعــر الكراهية والتحريض. بـريـطـانـيـا مـــن حـقـهـا أن تـسـيـطـر على حـدودهـا. ومـن حقها أن تطلب ممن يأتون إليها احترام قوانينها. لكن ينبغي أن تبقى دائمًا، كما كانت، دولة تقيّم الفرد بأعماله، وال تـــنـــظـــر إلــــيــــه بـــمـــنـــظـــار نــمــطــيــة تــأطــيــر جـــمـــاعـــي، مـثـلـمـا تـــحـــاول أن تــعــمــل بعض الجهات السياسية. عــــنــــدمــــا يــــقــــول ســــيــــاســــي، أو يــتــبــنــى حـزب موقفًا يدعو لحظر دخـول كل طالب، وممرضة، وأكاديمي، ورجل أعمال، أو الجئ مـــن جـنـسـيـة مـعـيـنـة وبــلــد بــأكــمــلــه، بسبب جريمة فرد أو أفراد، فهذه ليست عدالة، وال هي سياسة مقبولة. إنها ببساطة تجريم وعقاب جماعي تحت غطاء سياسة هجرة. والتاريخ يقدم أكثر من أمثلة كافية على أين يمكن أن يقود هذا النوع من التفكير. جريمة بلفاست لم تمر هكذا ألسباب عدة... على رأسها أجواء التأجيج والشحن حول قضايا الهجرة األجهزة بما فيها الحواسيب والروبوتات يمكنها أن تفكّر بحدود برمجياتها فهد سليمان الشقيران عثمان ميرغني سليمان جودة OPINION الرأي 14 كيف تتحول جرائم فردية إلى وقود للكراهية؟ التقنية واإلنسان... سجاالت اإلدراك والوعي ضوء خافت من أرض العراق العراق الذي يجاهد ليستكمل تشكيل حكومته ينتظر من أهله أن يسعفوه وأ يخذلوه

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==